الفصل الثاني:

6 0 00

الفصل الثاني:

رجل في الاختبار

رأى أندريس ساسكيا في اللحظة التي دخلت فيها الحإنة.

كان يجلس عند المقصف ، كان بإمكانه الذهاب إلى أي مكان أقرب من هذه الحإنة ،

ربما إلى منزله أو إلى أملاكه الجديدة

ولكنه تلقى مكالمتين غير مرغوب بهما من جده وأثينا ،

لذا قرر الذهاب إلى مكان لا يمكن لاحدهما الاتصال به ،

كما تعمد ترك هاتفه الخلوي في البيت.

تصلبت قسماته عندما تذكر أثينا ومحاولاتها التي تزداد وقاحة لإغوائه وإقناعه بالزواج منها.

كان هو في الخامسة عشرة وهي حينذاك في الثإنية والعشرين وعلى وشك الزواج ،

لذا هو يشعر نحوها بالكراهية منذ الصغر ،

وهذا ما ترك في نفسه أثرا سلبيا تجاه الجنس اللطيف.

قطب جبينه وهو يراقب ساسكيا التي وقفت عند الباب مباشرة تفحص القاعة وكانها تبحث عن شخص ما. أدارت رأسها فإنعكست الأضواء على شفتيها المصبوغتين اللامعتين.

تنفس أندريس بعمق وهو يجاهد للسيطرة على تصرفه غير المرغوب به تجاهها.

ما الذي يفعله بحق الجحيم ؟

كان غرضها واضحا جدا بحمرة الشفاه القرمزية الصارخة تلك مما جعله يضحك لا إن يفكر في..

في ماذا؟

الرغبة..؟

وتملكته السخرية وموجة من الاشمئزاز من الذات.

لقد عرفها طبعا !إنها الفتاة التي رآها عصر اليوم في العمل ،

الفتاة التي هنأتها موظفة الاستقبال لإنسلالها من العمل مبكرة.

ونظر متجهما إلى فمها المصبوغ وعينيها المكحلتين بإفراط ،

رآها ترتدي طقما قصير التنورة..

ولفت أنتباهه ساقاها الطويلتإن المكسوتإن بجوربين طويلين أسودين شفافين.

إنها تنورة قصيرة جدا.. جدا !

قطبت ساسكيا وهي تشعر بمدى قصر هذه التنورة التي أرغمتها لورين على ثنيها عند الخصر لتقصيرها. كانت ساسكيا مصممة على إنها ما إن تجد مارك حتى تعيد التنورة إلى طولها الأصلي.

كما إن السترة الصيفية تشعرها بعدم الارتياح ،

فأخذت ، دون وعي ، تعبث بأول الأزرار المفكوكة.

ضاقت عينا إندرس وهو يراها تفعل ذلك. من الواضح إنها بذلك تلفت الآنظار إلى صدرها..

واكتشف إندرس إنه بدأ يصر على أسنإنه ،

والأهم من ذلك إنه لم يستطع تحويل نظراته عنها.

شعرت ساسكيا إنها مراقبة ، فالتفتت ثم جمدت مكانها عندما اشتبكت نظراتها مع نظرات أندريس القوية.

أخذ قلبها يخفق ، وجف ريقها.

كانت قد نبذت مبالغة ميغن في وصفه.. معتبره بذلك هذيإن امرأة واقعة في الحب.

رائع.. خلاب.. وسيم.. جذاب..

وهو سيكون لابسا قميصا أزرق ليتناسب كما تقول ميغن مع لون عينيه.

حسنا.. لم تستطع ساسكيا رؤية لون عينيه في الضوء الخافت من هذه المسافة التي تفصل بينهما.

لكنها أقرت بإن ميغن على حق في كل ما وصفتها به..

وازدادت دقات قلبها.

هذا إذن حبيب ميغن ، لا بد إنه هو،

إذ لم يكن في القاعة من يشبه الأوصاف التي ذكرتها ميغن سوى هذا الرجل،

لا عجب إذن من قلقها والشك في إخلاصه لها..

فرجل بهذه الوسامة لا بد وإن تلاحقه النساء على الدوام.

إنه يتمتع بفيض قوي من السلطة التي تقرب إلى الغطرسة.

لقد صعق ذلك ساسكيا منذ اللحظة التي نظرت فيها إليه ،

والتقت بنظراته المتفحصة والتي سرعإن ما تبعتها نظرة ازدراء واستنكار..

كيف يجرؤ على النظر إليها بهذا الشكل ؟

وفجأة تبددت كل الشكوك التي جالت في نفسها بشإن ما وافقت على القيام به.

حسنا.. لقد أيقنت ساسكيا إن محاولات ميغن و لورين لإثبات إمكانية الوثوق به صائبة ،

فميغن فتاة ساذجة رقيقة ولا تملك الخبرة الكافية وهي بحاجة إلى رجل يقدر رقتها ويعاملها على هذا الأساس.

عليها أ ن تعترف إن ميغن لا تتمتع بتلك الجاذبية الصارخة التي يتطلع إليها رجل كمارك

ولكن ربما هذا ما أحبه فيها.. هذا إذا كان يحبها..

وهذا ما على ساسكيا إثباته أو نفيه.

كان أندريس يراقبها بمزيج من الفضول وخيبة الأمل ، وهي تتجه إليه.

وبشموخ هادئ لم تتجاهل نظرات الإعجاب التي كان يلقيها عليها ، أثناء ذلك ، الرجال الآخرون ،

وإنما بدا عليها إنها لم تلاحظها.

كل ذلك كان مخطط له من قبل تماما كما السترة المفتوحة الأزرار ،

وكان أندريس يعرف هذا النوع فأثينا خير مثال !

ـ آه ، إنا آسفة.

اعتذرت ساسكيا عندما وصلت إلى جإنب أندريس ، ثم تعثرت (بالصدفة) ووقعت عليه.

لكنها عادت فاستقامت ثم وقفت بجإنبه عند المقصف وعلى وجهها ابتسامة اعتذار ساحرة ،

بينما اقتربت منه حتى استطاع إن يشم رائحتها الناعمة العذبة التي تثير الحواس وتبرز شخصيتها

وكالاحمق أخذ هو يتنشق تلك الرائحة حتى كادت تسكره.. تاركا حواسه تستجيب.. لها..

أرغم أندريس نفسه على التراجع عنها خطوة إلى الخلف ،

ولكن المقصف كان مزدحما فاستحال الابتعاد عنها كثيرا.

وهكذا سألها ببرودة :" آسف.. ولكن هل أعرفك ؟"

كان يعلم إن هناك نساء يقمن بأي شيء لأجل المال.. أي شيء..ومع أي شخص. أيا كان.

لكن ساسكيا تواجهه الآن ، وإنفرجت شفتاها المصبوغتإن بإفراط عن ابتسامة أدرك إنها مرغمة وهي تتمتم :

آه لا....في الواقع ، أنت لا..

لكنني أرجو إنك سوف تعرفني حالا

أحست ساسكيا بالارتياح لخفوت الضوء وكانت تشعر باللهب المتوهج في وجهها.

لم يحدث قط إن فكرت في التقدم من رجل بهذا الشكل ،أو حتى تصورت ذلك.

ثم أنتقلت بسرعة إلى الجزء الثإني من حديثها المعد سلفا وهي تفرج شفتيها عن ابتسامة ، راجية إن تكون مغرية وتفي بالغرض.

وبينما مررت لسإنها على شفتيها بحذر صاحت في نفسها :

"رباه ، ما أسوأ مذاق حمرة الشفاه.. هذه.

ثم سألت الرجل ببعض الدلع :

"ألن تسألني إن كنت أريد شرابا؟.

سألته هذا وهي تخفق بأهدابها آملة إن يكون هذا نوع من الإغراء،

وأضافت بصوت ناعم :

" أحب لون قميصك.

ومالت عليه مضيفة :

"إنه يماثل لون عينيك.

ـ إن كان هذا ظنك فلا بد إنك مصابة بعمى الألوإن.. لإن عيني رماديتإن.

قال لها ذلك باقتضاب.

لقد بدأت تشعره بالغضب البالغ ،

لقد كان تحرشها السافر به يبعث في نفسه الاحتقار.

ولكن لا شيء يماثل حقارة ردة فعله السخيفة نحوها ،

أي رجل هو ؟

هل هو غلام في الثامنة عشرة ؟

يفترض به إن يكون رجلا.. رجلا ناضجا.. محنكا خبيرا وهو فوق الثلاثين..

ومع ذلك يتجاوب مع هذه الأساليب المغرية القديمة والمثيرة للشفقة التي كانت تحاول إيقاعه فيها..

يتجاوب معها وكأنه..

وكأنه ماذا؟

وكان لا شيء يريد فعله في هذه اللحظة سوى ضمها إليه ليشعر بدفئها..

وليسمعها تصرخ باسمه وليعانقها ويعانقها.

ـ اسمعي ، أنت تقترفين غلطة كبيرة.

قال لها ذلك بحدة ، مقاطعا تصوراته غير المرغوب بها عنه وعنها.

ـ آه ، لا.

احتجت على رفضه لها بلهفة ،

المفترض لها إن تذهب إلى ميغن وتعلمها إن خطيبها ما زال مخلصا لها و بإمكانها الوثوق به ،

ولكن شيئا لم تستطع تحليله رفض ذلك فقالت له:

" لا يمكنك إن تكون غلطة أبدا ، بالنسبة لأي امرأة....

أخذ أندريس يتساءل ببلاهة عما إذا كان قد جن ،

إن فكرة عرض المرأة لنفسها عليه أمر يثير اشمئزازه ،

فكيف بإمكانه الانجذاب إلى امرأة كهذه ولو من بعيد؟

هذا مستحيل.

ـ إنا آسف ، إنك تضيعين وقتك.

وأضاف بصوت رقيق مخادع

" والوقت ، بالنسبة لامرأة مثلك ،هو من ذهب، فلم لا تذهبين للبحث عن رجل آخر.

أكثر تقبلا مني لما تعرضينه عليه ؟.

نظرت إليه شاحبة الوجه وهو يغادر الحانة ،

لقد نبذها.. إنه......

وابتلعت ريقها. إنه..

لقد اثبت إنه مخلص لميغن. ونظر.. نظر إليها وكأنها فتاة صغيرة.

. مسحت حمرة الشفاه بسرعة وعبست للون الذي خلفته على يدها.

ـ أهلا بك يا جميلة , هل يمكنني إن أشتري لك شرابا ؟

هزت رأسها نافية ، متجاهلة النظرات اللاذعة التي رمق ها بها الرجال في الحانة ،

وتوجهت إلى حمام السيدات ،

في غرفة الملابس أقفلت أزرار سترتها الصوفية ،

ومسحت الحمرة وآثار التبرج والكحل

واستبدلتهما بزينتها المفضلة لديها والمؤلفة من ظل خفيف للعينين

وحمرة شفاه ناعمة بلون الكرز ،

وربطت شعرها الطويل إلى الخلف ، وجلست تنتظر موعد الرحيل.

هذه المرة بدت مختلفة وهي تشق طريقها بين الجموع ، وكانت النظرات المنصبة عليها مختلفة تماما.

شعرت بالارتياح عندما رأت إن لورين كانت في انتظارها ،

وعندما فتحت باب السيارة ودخلت ، سألتها لورين بلهفة :

" حسنا ، ماذا حصل ؟.

فأجابت ساسكيا وهي تهز رأسها :

" لا شيء ، لقد نبذني بخشونة.

ـ ماذا؟

ـ لورين ، حذار..

هتفت ساسكيا محذرة عندما كادت لورين تصطدم بسيارة أخرى من تأثير ما سمعته ،

وكان لورين كانت تريد إثبات نظريتها بإن مارك غير مخلص.

فقالت :

" لا بد وإنك لم تبذلي جهدك في المحاولة.

ـ أؤكد لك إني بذلت قصارى جهدي.

ـ هل أتى على ذكر ميغن ؟

.. هل أخبرك إنه على علاقة بأخرى ؟

فهزت ساسكيا رأسها :

" لا! لكنني أؤكد لك إنه أوضح عدم اهتمامه بي. لقد نظر إلي....

وسكتت وهي تبتلع ريقها ولا تريد التفكير في نوع نظرة حبيب ميغن إليها.

ولسبب غريب لم تشأ حتى إن تتذكر نظرة الاحتقار التي رأتها في عينيه فجعلتها ترتجف ألما وغضبا

ـ أين ميغن ؟

ـ لقد استدعوها إلى المستشفى ، لتقوم بعمل إضافي.

لقد اتصلت بي لتخبرني ،

فقلت لها إننا سنذهب إلى بيتها مباشرة ونجتمع بها هناك.

ارتسمت على شفتي ساسكيا ابتسامة باهتة.

يفترض إن تشعر بشعور أفضل الآن ،

لكن ميغن وحدها ستكون حقا مسرورة عندما تعلم إن مارك حبيبها مخلص ولم يخنها.

حبيبها مارك.. حبيب ميغن.. وشعرت ساسكيا بمرارة في فمها وثقل في صدرها.

ما الذي حدث لها ؟

هل يعقل إنها تغار من ميغن ؟

لا.. هذا غير ممكن..

لا يمكن حدوث هذا أبدا.

ـ هل أنت واثقة إنك بذلت كل جهدك؟

ـ لقد قلت كل ما علمتني أنت قوله ، وتصرفت كما أمليت علي.

ـ ولم يبدر عنه أي نوع من التجاوب ؟

وشعرت ساسكيا إن لورين لم تصدقها ، فقالت :

" آه ، لقد أبدى تجاوبا ، وإنما ليس من النوع....

وسكتت ثم عادت تقول بفتور :

" لم يهتم بي ، يا لورين ، لا بد وإنه يحب ميغن حقا.

ـ نعم ، إذا كان قد فضلها عليك ، فإنه لا بد يحبها حقا.

عندما وصلتا إلى بيت ميغن ، رأت ساسكيا سيارتها مركونة أمام البيت ،

وشعرت بالآنقباض وهي تترجل من سيارة لورين و تسير في الممر.

ميغن ومارك.. حتى إنهما متشابهإن في الاسم ،

مما يوحي بحياة زوجية وعائلية مريحة..

ومع ذلك إن كانت قد قابلت في حياتها رجلا لا يستحق إن يكون رب أسرة فهو مارك حبيب ميغن ،

إلا إنه محاط بجو من الرجولة وهالة من الطاقة والقدرة على تبديل حياة امرأة.

أجفلت ساسكيا.

ما الذي تفكر فيه ؟

مارك هو حبيب ميغن.. صديقتها المفضلة.. التي تدين لها بصحتها وصحة جدتها.

يبدو إن ميغن رأتهما ففتحت الباب ووجهها يتهلل سرورا ،

فبادرتها ساسكيا بصوت عميق :" الأمر على ما يرام يا ميغن فمارك لم....

فقاطعتها ميغن :

" أعرف ، أعرف ، لقد جاء ليرإني في العمل ،

وقد شرح لي كل شيء.

آه كم كنت معتوهة..

آه يا ساسكيا كم كنت متشوقة لزيارة الجزر الكاريبية..

وهكذا حجز مارك لهذه العطلة الرائعة..

المكان الذي سنذهب إليه خاص بأجازات الأزواج ،

وهذا كان سبب تلك الاتصالات.

إنا آسفة لإضاعة سهرتك سدى ،

حاولت الاتصال بك ولكنك كنت قد خرجت.

ظننت إنك جئت مبكرة وقد لاحظت غياب مارك في الحإنة..

وسكتت ميغن وهي ترى تغير ملامح ساسكيا و لورين معا فسألتهما مترددة ومتعجبة :

" ماذا حدث ؟"

وكانت لورين تسأل ساسكيا :

" لكنك قلت إنك تحدثت إليه.

فأصرت ساسكيا قائلة :

" نعم ، كان هو بالضبط كما وصفته لنا، يا ميغن....

وسكتت عندما هزت ميغن رأسها وقالت بحزم :

" لا ، إن مارك كان معي في العمل ، لقد وصل عند الثامنة والنصف.

شعر بمدى كدري وغضبي فقال إنه كان يريدها مفاجأة.

ثم قالت بشغف وفرح ، موجهة كلامها إلى لورين :

" وقبل إن تقولي كلمة ، سيدفع مارك كل النفقات من جيبه.

اتكأت ساسكيا على الجدار بضعف ،

وراحت تفكر :

إذا لم يكن الرجل الذي صادفته هناك هو مارك ،

فمن يكون إذا ؟

وازداد شحوب وجهها.

لقد تحدثت إذن إلى رجل لا تعرفه..

وراحت تحاول إغراء رجل غريب كليا..

رجل هو..

وابتلعت ريقها شاعرة بالغثيإن وهي تتذكر مظهرها حينذاك ،

وتصرفاتها والأشياء التي قالتها ،

ثم طمأنت نفسها وحمدت الله لإنه كان غريبا..

فهي لن تضطر إلى رؤيته مجددا ،

ثم سمعت ميغن تقول بقلق:

"ساسكيا ،لا يبدو إنك بخير ، ماذا حدث؟"

ـ لا شيء.

لكن لورين تكهنت بما تفكر فيه ساسكيا فسألتها بحدة :

" حسنا ،

إذا لم يكن الرجل الذي تحدثت إليه هناك هو مارك ، فمن يكون؟"

ـ نعم ، من تراه يكون ؟