1
الخطّ
كان ذلك في 1926. كنت حديث العهد بالدخول كطيّار شاب في شركة "لاتيكويير" التي كانت تؤمِّن خطّ "تولوز- داكار"، قبل الخطوط الجوية البريدية وقبل الخطوط الجوية الفرنسية. هناك كنت أتعلّم المهنة. بدوري، وكما أصدقائي قبلي، خضعت مستسلما لمشاكل المبتدئين التي لا ينجو منها أي شاب قبل أن يحصل على شرف قيادة طائرة بريدية. تجارب التحليق، الانتقال بين تولوز وبربينيان، دروس كئيبة حول الطقس في عمق مرأب طائرات جليدي. كنا نعيش على خوف جبال أسبانيا التي لم نكن نعرفها بعد، وعلى احترام القدماء.
هؤلاء القدماء، كنا نجدهم في المطعم، أفظاظا، متحفظين، ناصحين إيانا بنوع من التعالي. وحينما يلتحق بنا أحدهم متأخرا بعد عودته من أليكانتي أو الدار البيضاء، الجلد مبلل من المطر، ويجرؤ أحدنا خجلا على مساءلته حول سفره، فكانت إجاباته المختصرة تبني لنا عالما عجيبا حول تلك الأيام العاصفة الغاصة بالفخاخ، بالحفر، بالشواطئ الصخرية التي تظهر فجأة والزوابع التي تقلع جذور أشجار الأرز. فكانت التنانين السوداء تحرس مداخل الوديان، فيما تكلّل باقات البروق القمم. يصون هؤلاء القدماء احترامنا لهم بعلم. ولكن من حين لآخر، لا يعود أحدهم، ليبقى محترمنا إلى الأبد.
أتذكّر هكذا عودة الطيّار "بوري"، الذي مات بعد ذلك في جبال "الكوربيير". جلس هذا الطيار الشيخ وسطنا وبدأ يأكل بثقل دون أن يقول شيئا، لا تزال كتفاه مثقلة بالجهد المبذول. كان ذلك في مساء يوم من تلك الأيام الداكنة حيث تكون السماء معفنة من أول خطّ إلى آخره، حيث تبدو للطيار كل الجبال كما لو أنها تتعفّر في الوسخ مثل المدافع التي تقطّعت حبالها والتي تحرث جسر السفن الشراعية القديمة. نظرت إلى بوري، ابتلعت ريقي وغامرت أخيرا بطرح سؤال ما إن كانت رحلته شاقة. لم يكن بوري يسمع، كان منحنيا على صحنه وجبهته مغضنة. بداخل الطائرات المكشوفة، أيام الأحوال الجوية السيّئة، يضطر قائد الطائرة إلى الانحناء خارج الزجاج الواقي كي يرى جيدا، فتصفر الريح في أذنيه مزمجرة لمدّة طويلة. أخيرا رفع بوري رأسه، بدا كما لو أنه سمعني، كما لو أنه تذكّر شيئا، فغرق فجأة في ضحكة شفافة. فأبهرتني تلك الضحكة، ذلك أن "بوري" قلّ ما يضحك، بتلك الضحكة الموجزة التي أنارت تعبه. لم يعط شرحا آخر حول انتصاره، أمال برأسه واستأنف مضغه في صمت. ولكن بداخل كآبة المطعم، وسط الموظفين الصغار الذين يسترحون هنا من أتعاب يومهم الصغيرة، بدا لي هذا الرفيق بكتفيه الثقيلتين في نبل غريب؛ كما لو أنني رأيت تحت جلده الخشن الملك الذي انتصر على التنين.
أخيرا جاء المساء الذي نادني فيه المدير إلى مكتبه. قال ببساطة:
- ستذهب غدا.
بقيت واقفا في مكاني، أنتظر أن يسرّح لي بالخروج. بعد صمت أضاف:
- إنك تعرف التعليمات؟
في تلك الفترة، لم تكن المحركات تمنح الأمن الذي تمنحها محركات اليوم. غالبا ما تتعطّل بضربة واحدة، دون سابق إخبار، في ضجيج كبير من الأواني المكسّرة. ونسلّم أنفسنا لقشرة صخور أسبانيا التي لا تمنح أدنى ملجئ. كنا نقول: "هنا، حينما ينكسّر المحرك، للأسف لا تتأخر الطائرة من الانكسار أيضا". ولكن الطائرة يمكن تعويضها. المهم قبل كل شيء هو أن لا نصطدم بالصخرة كالأعمى. لذلك كنا نُمنع من التحليق وسط بحار الغيوم فوق المناطق الجبلية، ويتعرض المخالف لعقوبات صارمة. حينما تتعطّل الطائرة وهي تغوص في الكتلة البيضاء، يمكنها الاصطدام بالقمم دون أن تراها.
من أجل هذا الخطر، ألح صوت ثقيل في ذلك المساء ولآخر مرّة على التعليمات:
- جميل جدا أن تحلق بالبوصلة في أسبانيا فوق بحار الغيوم، رائع جدا، ولكن...
ثمّ واصل بوتيرة أثقل:
- ... ولكن تذكّر جيدا: فوق بحار الغيوم... يمتد الوقت إلى ما لانهاية...
هكذا فجأة، يتخذ عندي هذا العالم الهادئ، الموحّد، البسيط الذي نكتشفه عند بروزنا من الغيوم، قيمة مجهولة. تحوّل ذلك اللطف إلى فخّ. تصوّرت ذلك الفخّ العظيم الأبيض الممتد هنا تحت قدميّ. ومثلما يمكن أن نتخيّله، لا تسود في الأسفل اهتياج البشر الصاخبة، ولا الجلبة، ولا حركة النقل الحيوية بالمدن، وإنما صمت مطلق، سكينة نهائية. تحول عندي هذا الصمغ الأبيض إلى حدّ فاصل بين الواقع واللاواقع، بين المعروف والمجهول. أدركت حينها أن أي عرض لا يملك كل معناه إلا من خلال ثقافة، حضارة، مهنة. يعرف سكان الجبال أيضا هذه البحار من الغيوم. ومع ذلك لا يكتشفون هذا الستار العجيب.
حينما خرجت من ذلك المكتب، أحسست بافتخار صبياني. بدوري سأكون، ابتداء من صباح الغد، مسئولا عن عدد من المسافرين، مسئولا عن بريد إفريقيا. ولكنني أحسست بتصاغر كبير. كنت أشعر بنفسي غير مستعد تمام الاستعداد. تفتقر أسبانيا إلى الملاجئ؛ خفت أن لا أعرف، في حالة حدوث عطل مفاجئ، أين أبحث عن استقبال حقل إنقاذ. تفحصت الخرائط الضئيلة دون أن أعثر عن التعاليم التي كنت بحاجة إليها؛ لذلك رحت أقضي السهرة عند رفيقي غيومي، وقلبي يفيض بخليط من الخجل والافتخار. لقد سبقني غيومي بسلك هذه الطرق. يعرف غيومي الحيل التي تسلّم مفاتيح أسبانيا. ينبغي أن يعلّمني غيومي.
حينما دخلت عنده، ابتسم:
- أعرف الخبر. هل أنت مسرور؟
اتجه نحو خزانة حائطية يبحث عن البورطو والكؤوس، ثمّ عاد إليّ، مبتسما دائما:
- نحتفل بالمناسبة. سترى، سيكون كل شيء على ما يرام.
هذا الصديق الذي ضرب فيما بعد الرقم القياسي في عدد المرات التي عبر فيها جبال الكورديير دي آند والمحيط الأطلنطي بطائرته البريدية، يبعث الثقة في الغير مثلما يشيع مصباح الضوء حوله. سنوات قبل ذلك، في تلك الأمسية، بقميصه ذات الكمين الطويلين، ابتسم لي بتلك الابتسامة المريحة الخاصة به وهو يشبك ذراعية تحت ضوء المصباح، ثمّ قال ببساطة: "صحيح أن العواصف والغيوم والثلوج ستزعجك أحيانا. حينئذ فكّر في جميع الذين عرفوا هذا قبلك، وقل ببساطة: ما نجح فيه غيري، يمكنني أن أنجح فيه بدوري". ومع ذلك، أمدّد خرائطي وأطلب منه أن يراجع معي مسار السفر. هكذا، منحنيا تحت المصباح، متكئا على كتف الرفيق القديم، استرجعت سكينة المعهد.
ما أغرب درس الجغرافيا الذي تلقيته ليلتها. لم يعلّمني غيوم أسبانيا؛ جعل من أسبانيا صديقة لي. لم يكلمني عن الهيدروغرافيا، ولا عن السكان، ولا عن الماشية. لم يكلمني عن غاديكس، بل حدّثني عن أشجار البرتقال الثلاثة التي تحدّ حقلا بقرب غاديكس: "احذَر منها، سجلها على خريطتك..." فأضحت أشجار البرتقال الثلاثة تحتل مكانا أكبر من هضبة السييرا نيفادا. لم يحدثني عن لوركا الشاعر، بل عن مزرعة لوركا البسيطة. مزرعة حيوية. عن صاحبها وصاحبتها. فجأة اتخذ هذان الفلاحان، التائهين في الفضاء، على بعد ألف وخمسمائة كيلومترا عنا، أهمية مبالغا فيها. بحكم مكانهما المتميّز في سفح الجبل، كانا مستعدين، تحت نجومهما، لتقديم مساعدتهما لإنقاذ الرجال، تماما مثلما يفعل حراس المنارات البحرية.
هكذا، نستخرج من نسيانهما، من بعدهما غير المقبول، تفاصيل تجاهلتها كل جغرافيات العالم. وحده نهر الأبر الذي يسقي المدن الكبرى يهم الجغرافيين. وليس هذه الوادي الصغير المختفي تحت الحشيش في غرب موتريل، هذا الأب المغذي لحوالي ثلاثين زهرة. "احذر من الوادي، يفسد الحقل... سجله على خريطتك أيضا". آه، سأتذكّر ثعبان موتريل. كان يبدو كأنه لا شيء، لا يكاد بخريره الخفيف أن يغري بعض الضفادع، ولكنه لا ينام إلا بعين واحدة. في جنة حقل الإنقاذ، يتمدّد تحت الحشيش، يترصدني على بعد ألفين كيلومترا من هنا. عند المناسبة الأولى، سيمسخني إلى باقة من النيران...
كما كنت أنتظر بعزم كبير الثلاثين كبشا، المصطفين في سفح الربوة، مستعدين للهجوم: "تتصوّر هذا الحقل شاغرا، ثمّ فجأة تتدحرج هذه الكباش تحت العجلات..." وأنا أجيب بابتسامة منبهرة لتهديد خادع.
شيئا فشيئا، تحوّلت أسبانيا خريطتي الممدّدة تحت المصباح إلى بلد العجائب. أسطّر بصليب الملاجئ والفِخاخ. أخطّ معالم لهذا الفلاح، ولهذه الكباش الثلاثين ولهذا الوادي الصغير. أمَوْضع هذه الراعية التي أهملها الجغرافيون في مكانها الدقيق.
حينما غادرت غيومي، أحسست برغبة ملحة في المشي في تلك الأمسية الشتوية الجليدية. رفعت ياقة معطفي وتجوّلت مزهوا بنفسي وسط المارين الجاهلين بوضعي. كنت فخورا بالاحتكاك بهؤلاء الغرباء بسري المدفون في قلبي. يجهلني هؤلاء البرابرة، ولكنهم سيسلمون لي همومهم وانطلاقاتهم عند فجر نهار الغد مع حمولة الأكياس البريدية. سيتحررون من آمالهم برميها بين يديّ. هكذا، ملفوفا بداخل معطفي، كنت أخط وسطهم خطوات حامية، ولكنهم لا يعرفون شيئا من عنايتي.
إنهم لا يتلقون الرسائل التي أتلقاها أنا من الليل. لأن هذه العاصفة الثلجية التي تهدّد في الأفق والتي ستعقّد سفري الأول تلدغ لحمي قبل كل شيء. تنطفئ النجوم واحدة بعد أخرى، فكيف لهؤلاء المتنزهين أن يدركوا ذلك؟ كنت الوحيد المعني بهذا السر. أخبَر بمواقع العدو قبل المعركة...
ومع ذلك أتلقى هذه الأوامر التي تجندني بصرامة قرب الواجهات الزجاجية المضيئة حيث تتلألأ هدايا احتفالات عيد الميلاد. في هذا الليل، يبدو أن جميع خيرات الأرض معروضة هنا، وأذوق نشوة الامتناع الفخورة. كنت فارسا مهدِّدا: فيما تهمُّني هذه البلورات البراقة وهذه المصابيح وهذه الكتب المُوَّجهة لاحتفالات المساء. الآن أسبح في الرذاذ، أنا طيار الخطوط البريدية، وأعضّ لب ليالي الطيران المرّ.
كانت الساعة الثالثة صباحا حينما أيقظوني. دفعت مغلاق النافذة بحركة حادة فلاحظت أن المطر يسقط على المدينة فلبست ثيابي منقبضا.
نصف ساعة بعد ذلك، كنت بدوري أجلس على حقيبتي الصغيرة في الرصيف المتلألئ بالأمطار منتظرا الحافلة الصغيرة التي ستقلني إلى المطار. كم من رفاق قبلي خضعوا لمثل هذا الانتظار يوم التكريس وقلوبهم منقبضة. أخيرا أطلت هذه المركبة القديمة من زاوية الشارع، تنشر حولها ضجيج الخردة، وأخذت حقي، مثل رفاقي، في الجلوس في ذلك المقعد محشورا بين الجمركي الذي لم يستيقظ جيدا بعد وبعض موظفي المكاتب. كانت رائحة المقفول تنبعث تلك الحافلة، وغبار الإدارة والمكتب العتيق حيث تندفن حياة رجل. كانت تتوقف كل خمس مائة مترا كي تسمح بركون كاتبة إدارية، جمركي أو مفتش. إن أولئك الذين يغطون في النوم يردون بغمغمة خافتة على التحية التي يلقيها القادم الجديد الذي يجلس مثلما اتفق ليستسلم بدوره للنوم. كان هذا النوع من النقل حزينا عبر طرقات تولوز غير السوية؛ ولم يكن الطيار المختلط بالموظفين يتميّز عنهم... ولكن أعمدة المصابيح العمومية تتتابع، ولكن أرضية الإقلاع تتقدّم، ولكن هذه الحافلة المترنّحة ليست إلا نغفة رمادية يخرج منها الإنسان ممسوخا.
يكون كل رفيق أحس هكذا بداخله في صباح مماثل، رفقة الموظف البسيط الذي لا يزال يرزح تحت حقد ذلك المفتش، ولادة مسئول بريد أسبانيا وإفريقيا، ذلك الذي سيواجه بعد ثلاث ساعات فقط وسط البروق تنين الملاجئ... الذي وبعد أربع ساعات بعد أن يكون قد تغلّب عليه سيقرّر بكل حرية، مالكا لجميع الصلاحيات، أن يسلك طريق البحر أو يهجم مباشرة فوق جبال ألكولي الصخرية، ليتباحث هكذا مع الزوبعة والجبل والمحيط.
يكون كل رفيق قد أحسّ، وهو مكوّم وسط فريق المسافرين الغفل، تحت سماء تولوز الشتوية الداكنة، في صباح مماثل، بذلك الملك يكبر بداخله حينما سيبدأ، بعد خمس ساعات، بالنزول في أعز الصيف وسط شمس أليكانتي الساطعة، بعد أن يكون قد خلّف وراءه الأمطار وثلوج الشمال، مطلقا الشتاء، مقلصا وتيرة المحرك.
اختفت تلك الحافلة القديمة، ولكن صرامتها وانعدام الراحة بها بقيت راسخة في ذكرياتي. ترمز جيدا إلى التحضير الضروري لأفراح مهنتنا الشاقة. يتخذ كل شيء تقشفا أخاذا. كما أتذكّر أنني علمت، ثلاث سنوات بعد ذلك، دون أن تبادل أكثر من عشر كلمات، موت "ليكريفان" الطيار، أحذ رفاقي المائة في هذا الخط، من أولئك الذين أخذوا تقاعدهم الأبدي في يوم أو ليلة مضببة.
كانت الساعة تشير إلى الثالثة صباحا، يسودها صمت مماثل، حينما سمعنا المدير، الجالس في زاوية مظلمة، يرفع صوته باتجاه المفتش:
- لم يلتحق "ليكريفان" بمطار الدار البيضاء هذه الليلة.
أجاب المفتش:
- آه... ماذا تقول...
لقد أُخرِج من حلمه، فقام بجهد كي يستيقظ، وأضاف ليظهر اهتمامه بكلام المدير:
- آه، نعم؟ لم يتمكن من المرور، فقفل راجعا؟ أليس كذلك؟
ومن عمق الحافلة، سمعنا جوابا عن سؤاله: لا. انتظرنا الباقي، ولكن لم يتفوه بكلمة إضافية. وبمرور الثواني الثقيلة، أصبح مؤكدا لدينا أن هذا "اللا" سوف لن تتبعه أية كلمة، وأن هذا "اللا" كان نهائيا، وأن "ليكريفان" لم يحط طائرته في الدار البيضاء، ولكنه أيضا سوف لن يهبط بها في أي مكان.
هكذا إذا، في فجر طيراني الأول، خضعت بدوري للطقوس المقدسة للمهنة، ووجدت نفسي أفقد ثقتي فانشغلت بالنظر عبر زجاج النافذة إلى أرضية الطريق حيث تنعكس فيه أضواء المصابيح العمومية الباهتة. كنت أرى سعفات رياح كبيرة تجري فوق برك المياه. كنت أفكّر: "ليس لدي الحظ... حقا... بمناسبة سفري الأول..." رفعت بصري باتجاه المفتش: "هل بسبب سوء الأحوال الجوية؟" لفظ المفتش نظرة ذابلة على الزجاج وغمغم بعد لأي: "هذا لا يدل على شيء". فتساءلت عن أي علامة نتعرف على الطقس الرديء. لقد محا غيومي سهرة أمس بابتسامة واحدة جميع النذائر التعيسة التي يمطرها علينا القدماء، ولكنها تعود إلى ذاكرتي: "إن ذلك الذي لا يعرف الخط حجرا وراء حجر، وتفاجئه زوبعة ثلجية، أشفق عليه... آه نعم... أشفق عليه..." كان عليهم إنقاذ مجدهم، فيحركون رؤوسهم ويتفرّسوننا بشفقة مزعجة نوعا ما، كما لو أنهم يشفقون على براءة مغروسة فينا.
بالفعل، كم مرة كانت هذه الحافلة بمثابة آخر ملاذ؟ ستون مرة، ثمانون؟ يقودها السائق الصموت نفسه، في صبيحة شتوية. نظرت حولي: تلمع نقاط متلألئة في الظلام، سجائر تتخلل تأملات عميقة. تأملات خاشعة لموظفين يشيخون. لكم واحد كان هؤلاء الرفاق بمثابة آخر موكب؟
استرقت السمع أيضا إلى أسرار تتبادل في صوت خافت. تتعلّق بالمرض والمال والانشغالات المنزلية الحزينة. تظهر جُدران السجن الكئيب الذي انغلق فيه هؤلاء الرجال. فجأة ظهر لي وجد القدر.
يا رفيقي الجالس هنا بقربي، الموظف الشيخ، لا أحد هرّبك من السجن ولسن مسئولا عن وضعك. بنيت سِلمك بقوة إعماء جميع منافذ النور بالإسمنت مثلما تفعل الحشرات بمأرضتها. كوّرت نفسك بداخل أمنك البورجوازي ورتابة أيامك وطقوسك الخانقة في حياتك الإقليمية، رفعت هذا الحصن الورع ضد الرياح والعواصف البحرية والنجوم. لا تريد أن تنشغل بالمشاكل الكبرى، وجدت صعوبة كبيرة لنسيان وضعك البشري. لست قاطن كوكب تائه، لا تطرح أسئلة ليست لها أجوبة: أنت بورجوازي صغير من تولوز. لم يمسكك أحد من كتفيك قيل أن يفوت الأوان. الآن، جف الطين الذي صنعك وأصبح صلبا، ولا شيء بداخلك يستطيع من الآن فصاعدا أن يوقظ الموسيقار النائم أو الشاعر أو الفلكي الذين كانوا ربما ينبضون بالحياة داخلك. لم أعد أشتكي من عواصف المطر. يفتح لي سحر المهنة عالما أواجه فيه بعد ساعتين فقط التنائن السوداء والقمم المكللة بضفائر بروق زرقاء، حيث أقرأ طريقي في النجوم عند قدوم الليل والتحرر من اليأس.
هكذا جرت بدايتنا المهنية وبدأنا نسافر. كانت هذه الأسفار في الغالب بلا مشاكل. نهبط إلى أعماق حقلنا آمنين كما الغطاسين المحترفين. اليوم، نستطيع القول أننا اكتشفنا حقلنا جيدا. لا يرتمي الطيّار والميكانيكي والمكلف بالراديو في مغامرة غير محسوبة وإنما ينغلقون بداخل مخبر. يطيعون للعبة الإبر الممغنطة وليس لتتالي المناظر. في الخارج، تغطس الجبال في العتمة، ولكنها لم تعد جبالا. إنها قوات غير مرئية ينبغي حساب المسافة التي تفصلنا عنها. بهدوء، يسجّل المكلف بالراديو الأعداد تحت ضوء المصباح، يؤشّر الميكانيكي على الخريطة، أما الطيار فيعيد خطّ طريقه إن حادت الجبال، إن انتشرت أمامه في صمت وسرّ التحضيرات العسكرية تلك القمم التي كان يود اجتيازها على اليسار. أما المكلفون بالراديو على سطح الأرض، فيسجلون على كراريسهم، في الثانية نفسها، إملاء رفيقهم: "منتصف الليل وأربعون. الطريق 230. كل شيء على ما يرام هنا."
هكذا يسافر طاقم الطائرة اليوم. لا يشعر بأنه في حركة متواصلة. إنه بعيد عن كل معلم مثل الليل في البحر. ولكن المحركات تملأ هذه الغرفة المضيئة بارتجاف يغيّر لبّها. ولكن الساعة تدور. وتتواصل خيميائية غير مرئية بداخل هذه المربعات، وهذه المصابيح-الراديو، وهذه الإبر الممغنطة. من ثانية إلى أخرى، تحضّر هذه الحركات السرية وهذه الكلمات المخنوقة وهذه العناية معجزة كبرى. وبالتأكيد، حينما تحين الساعة، يستطيع الطيار إلصاق جبهته بالزجاج. ولد الذهب من العدم: يشعّ بداخل نيران المهبط.
ومع ذلك عرفنا جميعا الأسفار التي شعرنا بها فجأة، عند نقطة ضوء خاصة، على بعد ساعتين من المهبط، بإحساس غريب لم نشعر به ولو كنا في الهند ولا نأمل في العودة أبدا.
هكذا، حينما اجتاز مرموز لأول مرة الأطلنطي الجنوبي بواسطة الطائرة المائية، أشرف عند سقوط الليل على منطقة "بوت أو نوار" ورأى مقابلا له أذيال الزوابع تلتحم من دقيقة إلى أخرى مثلما نشاهد بناد جدار، قبل أن يخيّم الليل على هذه الاستعدادات ويخفيها. وبعد ساعة عندما تسلل تحت الغيوم، انفتح على مملكة عجيبة.
ارتفع إعصار بحري بدا له مكوما وساكنا مثل أعمدة معبد سوداء. منتفخ على الأطراف، يحمل قبة العاصفة الداكنة والمنخفضة، ولكن شرائط النور تسقط عبر تشققات القبة، ويلمع البدر بين الأعمدة على بلاطات البحر الباردة. فواصل مرموز تحليقه عبر تلك الآثار غير المسكونة، مائلا من ساقية ضوء إلى أخرى، مستديرا تلك الأعمدة العملاقة حيث يرعد صعود لج البحر، قضى أربع ساعات طول مسالك القمر للخروج من المعبد. كان ذلك المشهد ضاغطا عليه إلى حدّ أن مرموز انتبه عندما اجتاز الـ "بوت أو نوار" أنه لم يشعر بالخوف.
كما أتذكر أيضا إحدى تلك الساعات التي نجتاز فيها حدود العالم الواقعي: إن البيانات
التي وصلتنا عبر برقيات المِنقَل الإشعاعي من قبل المحطات الأرضية الصحراوية كانت كلها خاطئة تلك الليلة، وقد ضللتنا بشكل خطير أنا ونيري المكلف البرقيات الإذاعية. حينما رأيت بريق ماء في عمق هاوية ضباب، أدركت أن طائرتي تتجه بقوة ناحية الساحل، ولم نكن نعرف منذ كم وقت ونحن نجوب البحر.
لم نكن مقتنعين أننا سنتمكن من الالتحاق بالشاطئ لأن البنزين ربما سينقصنا. وعندما التحقنا بالشاطئ، كان علينا أن نعثر على مهبط. كان الوقت غياب القمر. كنا بلا معلومات زاوية، ولا نسمع أي صوت، فأصبحنا شيئا فشيئا عميانا. انطفأ القمر كما الجمرة الشاحبة، في ضبابة أشبه برصيف ثلج. بدورها، تغطت السماء فوقنا بالغيوم، فكنا نحلِّق وسط هذه الغيوم وتلك الضبابة في عالم مفرغ من كل نور ومن جوهر.
رفضت مراكز المهابط إخبارنا عن موقعنا: "لا توجد بيانات... لا توجد بيانات..."، لأن صوتنا يصلهم من كل الجهات ومن لا مكان.
فجأة، بعد أن انتابنا اليأس، برزت نقطة لامعة في الأفق، على اليسار. أحسست بفرح عاصف، انحنى نيري عليّ وسمعته يغني. لا يمكن أن يكون إلا نور مهبط، لا يمكن أن تكون إلا منارة مهبط، لأن الصحراء بالليل تنطفئ كلية وتتخذ شكل إقليم كبير ميّت. ولكن النور تلألأ قليلا ثمّ انطفأ. كانت طائرتنا متجهة نحو نجم مرئي عند غروبه، ولبعض الدقائق فقط، بعيدا في الأفق، بين طبقة الضبابة والغيوم.
بعد ذلك رأينا ارتفاع أضواء أخرى، وبدأنا نوجه طائرتنا نحو كل واحدة منها وبداخلنا أمل متأجج. وحينما يبقى النور متواصلا، نجرّب المحاولة الحاسمة. يصدر نيري أمرا لمهبط سِسْنيروس: "نور في الأفق، أطفئوا منارتكم وأشعلوها ثلاث مرات". سِسْنيروس تطفئ وتشعل منارتها، ولكن النور الذي نراقبه يتواصل ولا يغمز، إنه نور نجمة مضلِّلة. برغم البنزين الذي ينقص، كنا في مرة ننخدع بالطُعم المذهّب، إنه في كل مرة نور منارة حقيقي، وفي كل مرة المهبط والحياة، ثمّ نضطر إلى تغيير النجمة.
عندئذ شعرنا حقا أننا تائهون في فضاء ما بين الكواكب، وسط مائة كوكب يستحيل الوصول إليها، باحثين عن الكوكب الحقيقي الوحيد، كوكبنا، الوحيد الذي يحوي مناظرنا المألوفة، منازلنا الصديقة، حناننا.
ذلك الكوكب الوحيد الذي يحوي... سأقول لكم الصورة التي بدت لي، وربما سيبدو لكم الأمر ساذجا. ولكننا قد نحافظ على انشغالاتنا الإنسانية في أحلك الظروف، وكنت أحس بالعطش، وكنت أحس بالجوع. إذا وجدنا سسنيروس، سنواصل سفرنا بعد تزودنا بالبنزين وسنهبط في الدار البيضاء، في رطوبة الفجر. انتهى العمل. سننزل أنا ونيري إلى المدينة. سنجد عند الفجر تلك المقاهي وهي تفتح أبوابها... أنا ونيري، سنجلس حول طاولة، آمنين، ساخرين من الليلة الماضية، أمام حلويات ساخنة والقهوة بالحليب. سنتلقى، أنا ونيري، هدية الحياة الصباحية. هكذا إذا، لا تلتحق تلك القروية العجوز بربّها إلا عبر صورة مرسومة، ميدالية ساذجة، سبحة: من أراد أن يسمعنا كلامه، فما عليه إلا أن يخاطبنا بلغة بسيطة. هكذا إذا، تتكوّم فرحة الحياة بالنسبة إلي في هذه الجرعة الأولى المعطرة الساخنة، في هذا الخليط من الحليب والقهوة والقمح الذي نتقرّب عبره من المروج الهادئة والمزارع الفاتنة والحصاد الذي نتقرب عبره من الأرض كلها. ومن بين جميع تلك النجوم، لا توجد إلا واحدة، إن سخرت نفسها لخدمتنا، ستشكّل ذلك القدح المعطر المزيّن لفطور الصباح.
تتراكم المسافات العصية الاجتياز بين سفينتنا وتلك الأرض الآهلة. تكمن جميع كنوز الدنيا في حبة غبار تائهة وسط كوكبة النجوم. يحاول الفلكي نيري التعرف على تلك الحبة وهو لا يكف عن توسله للنجوم.
فجأة، دفعت قبضته كتفي. قرأت على الورقة التي أخبرتني بها تلك اللطمة: "تلقيت برقية رائعة، كل شيء على ما يرام..." وانتظرت بقلب خافق أن يكمل تسجيل الكلمات الخمس أو الست التي ستنقذنا. أخيرا تلقيتها، تلك الهدية من السماء.
كانت البرقية مؤرخة من الدار البيضاء التي غادرناها مساء أمس. وصلتنا فجأة برقية متأخرة بعد ألفين كيلومترا، بين الغيوم والضبابة، تائهين في البحر. كانت البرقية صادرة من مُمثل الدولة بمطار الدار البيضاء. قرأت: "أجدني مجبرا سيّد سانت إكسيبيري على طلب عقوبة لك إلى باريس، إنك حلقت قريبا جدا من المستودعات عند مغادرتك الدار البيضاء." صحيح أنني أقمت دورة قريبة جدا من المستودعات. صحيح أيضا أن هذا الرجل يؤدي وظيفته عندما يغضب. كنت سأتلقى هذا اللوم بخضوع في مكتب بداخل المطار. ولكنه التحق بنا في المكان الذي ليس له أن يلتحق بنا. يفرقع بين هذه النجوم النادرة، هذه الساقية من الضباب، وهذا الطعم المهدّد للبحر. كنا نمسك بين أيدينا مصائرنا، ومصير البريد والسفينة معا، كنا نجد مشقة في قيادة الطائرة للحفاظ على حياتنا، وهذا الرجل يقطّر حقده الصغير ضدنا. والغريب أننا لم نغضب أنا ونيري، بل انتابنا ابتهاج مفاجئ ورحب. هنا، كنا الأسياد، جعلنا نكتشف ذلك. ألم يرَ هذا العريف أننا ارتقينا إلى رقباء؟ يزعجنا في غفوتنا، ونحن نذرع المائة مترا بين الدب الأكبر والقوس، حينما كانت خيانة القمر هي قضيتنا الوحيدة التي جلبت اهتمامنا.
إن واجب هذا الرجل العاجل، واجب المعمورة الوحيد الذي ينبغي القيام به هو أن يمدنا بأرقام دقيقة، نحن بأمس الحاجة إليها بين نجومنا. وكانت هذه الحسابات خاطئة. أما الباقي، ومرحليا، فما على الكوكب إلا أن يصمت. كتَب لي نيري: "عوض الانشغال بالتفاهات فما عليهم أن يعيدوننا إلى مكان ما..." وكان يعني بــ"هم" جميع شعوب الأرض ببرلمناتهم، ومجالس شيوخهم وبحريتهم وجيوشهم وأباطرتهم. أعدت قراءة رسالة ذلك المجنون الذي يزعم أن له قضية ضدنا، فأدرت الطائرة باتجاه المريخ.
أنقذتنا صدفة غريبة: حانت الساعة التي فقدت فيها أمل الالتحاق بسسنيروس، فسلكت خطا عموديا لاتجاه الشاطئ، وقرّرت التحليق في هذا الاتجاه إلى غاية انتهاء البنزين. هكذا وفرت لنفسي بعض الحظوظ لتجنب السقوط في عرض البحر. لسوء الحظ، جذبتني أضوائي الخادعة إلى مكان مجهول. لسوء الحظ أيضا لم تترك لنا الضبابة السميكة التي كنا مجبرين في أحسن الأحوال على الارتماء وسطها في عمق الليل إلا حظوظا بسيطة جدا للهبوط في أمان. ولكن لم يكن لدي أي اختيار.
كانت الوضعية شفافة إلى حدّ أنني هززت كتفي بحزن حينما مرّر لي نيري رسالة كانت ستنقذنا لو نزلت ساعة قبل ذلك. " قرّرت سسنيروس أن تعطينا البيانات. تشير سسنيروس: مائتان وستة عشر مشكوك في أمرها..." لم تكن سسنيروس مخفية في العتمة. اتضح أنها على يسارنا فعلا. نعم ولكن على أية مسافة؟ تبادلنا أنا ونيري حديثا مقتضبا. فات الأوان. كنا متفقين. إذا قررنا الالتحاق بسنيروس، سنقلل من حظوظنا للالتحاق بالشاطئ. قال نيري: "ربما يكفينا البنزين لمدّة ساعة، ضع الاتجاه في الثالثة والتسعين."
بعد ذلك، استيقظت مراكز المهابط الواحدة وراء الأخرى. اختلط مع حوارنا صوت أقادير والدار البيضاء ودكار. أخبرت المراكز الإذاعية لكل هذه المدن مطاراتها. وأخبر رؤساء المطارات الرفاق. ثمّ شيئا فشيئا، تجمعوا حولنا كما يحدث حول سرير مريض. حرارة غير نافعة، ولكنها حرارة على كل حال. نصائح عقيمة، ولكنها لطيفة جدا.
فجأة، ظهرت تولوز. تولوز، رأس الخطوط، تائهة هناك على بعد أربعة ألاف كيلومترا. بدءا استقرت تولوز بيننا وبلا مقدمات: "هل الطائرة التي تقودونها هي أفـ (نسيت رقم التسجيل)" – "نعم." – "نخبركم بأن هذه الطائرة لا تملك خزانا عاديا. بقي لكم ساعتان من الطيران. اتجهوا نحو سسنيروس."
هكذا، إن الضروريات التي تفرضها مهنة ما تغير وتثري العالم. لا يحتاج الطيار إلى ليلة مماثلة كي يكتشف معنى جديدا للمشاهد القديمة. قد يكتسي المنظر الرتيب الذي يتعب المسافر معنى آخر لدى طاقم الطائرة. إن هذه الكتلة من الغيوم التي تحجب الأفق لم تعد ديكورا فقط: ستشغل عضلاته وتطرح عليه مشاكل. إنه يأخذ هذه الكتلة بعين الاعتبار، يقيسها، يقيم حوارا حقيقيا معها. ها هو رأس قمة، لا يزال بعيدا: ما هو الوجه الذي سيُظهره؟ عند بروز الهلال، سيكون المؤشر اللائق. ولكن إذا كان الطيار يحلق كالأعمى، ويصحّح انحرافه بصعوبة، ويشك في دقة موقعه، سيتحوّل رأس القمة إلى مادة متفجرة، سيملأ كامل الليلة بتهديداته، مثلما تهدّد كامل البحر قنبلة واحدة عائمة في اللج الذي يدفعها على هوى التيارات المائية.
هكذا تتغير المحيطات أيضا. تبقى العاصفة غير مرئية للمسافرين البسطاء: حينما نراها من الأعلى، لا تمنح الأمواج كل تضاريسها، وتبدو كتل الرذاذ ساكنة. وحدها الجريد الكبيرة البيضاء تتمدّد وعلى سطحها العروق والنتوءات المأخوذة في شكل من الجمود. ولكن الطاقم يقرّر منع أي هبوط بحري. تعتبر هذه الجريد بالنسبة إليه مثل أزهار كبيرة مسممة.
إن الطيار الذي يحلق في مسافة خط ما لا يتمتع بمشهد بسيط حتى وإن كان السفر سفرا سعيدا. إن لا يعجب فقط بهذه الألوان من الأرض والسماء، وبآثار الرياح على البحر، وبهذه الغيوم المذهبة عند الغسق، وإنها يتأملها أيضا. ما أشبهه بالفلاح الذي يقوم بدورة في مزرعته والذي يتوقع بفضل ألف علامة إعلان سقوط المطر، فإن طيار الخط بدوره يفط علامات الثلج، علامات الضباب، علامات الليلة الهادئة. إن الآلة التي يبدو من الوهلة الأولى أنها تبعده عن المشاكل الطبيعية الكبرى، ولكنها في حقيقة الأمر تخضعه إليها بصرامة أكبر. وسط هذه المحكمة الشاسعة التي تشكلها له سماء عاصفة، يتصارع الطيار حول بريده مع ثلاثة أرباب أولية ألا وهي الجبل والبحر والعاصفة.
2
الرفاق