امتد الممر أمام إلياس، مساحة بيضاء جافة تملؤها الجدران والضوئية التي تطنّ. كان الهواء باردًا وجافًا، يحمل رائحة كيميائية خافتة لتهز أنفاه. سار خطوةً متعمدة، وكان صدى حذائه على الأرض إيقاعًا ثابتًا للتفكير في داخله. كانت وحيدة البيانات الخاصة بالدكتور فنس سيئة الثقل في جيبه، تذكيرًا ملموسًا بإرشاداته الجديدة.
توقف عند تقاطع، مستشارًا الخريطة الهولوغرافية التي تومض بالحياة فوق الجهاز. قادته الإحداثيات إلى أعماق القطاع التاسع، منطقة نادرًا ما يزورها. كانت مسارات العد هنا نائية، والسكان أقل ومتفرقين أكثر. كان هذا الجزء من المدينة عتيقًا، قبل أن تُفرض القوانين الملزمة للقناع، وكانت المباني تحمل آثار الزمن والعجز عن الرعاية.
استدار إلياس عند زاوية ووجد نفسه في زقاق ضيق، يحيط به بناءات شاهقة تنحني نحو الداخل وكأنها تهمس بأسرار لبعضها البعض. كانت الجدران محفورة برسومات حيوانية، وعلامات باهتة تتحدث عن انتفاضات نسيتها زمناً طويلاً. خطى بحذر فوق الأوساخ المتناثرة على الأرض: زجاج محطم، ومعدن صدئ، وبقايا للحياة الماضية.
في نهاية الزقاق، وقف باب حديدي ثقيل موارب، يصدر صريرًا خافتًا في الهواء الخامل. تردد إلياس، ويده تحوم فوق المعدن البارد. كان هناك شيء ما في هذا المكان يثير غروره، صدى ضعيف لذكريات يفضل أن يختمها. دفع الباب ليُفتح، متسللًا إلى الظلام.
كانت الغرفة التي تبعد خلفها شاسعة ومظلمة الإضاءة، ممتلئة بالهمسات من الناس المتجمعين في الظلال. عدلت عينا إلياس ببطء، فتميّزت شخصيات ترتدي أقمشة ممزقة ووجهاتها مخفية بأقنعة مؤقتة. كان أنفاسهم تتكون رذاذًا في الهواء البارد، وكل زفير يشكل سحابة مرئية من القلق.
تحرك إلياس بحذر بينهم، ومسحه مسند إلى جانبه بشكل فضفاض. بدا أن لوح البيانات في جيبه ينبض بوarnings غير منطوقة. أدرك أنه هم نفس البلاينكس مثل كايل — خالي العواطف لكن ثقل مشاعر الآخرين يضغط عليهم. كان بإمكانه الإحساس بذلك، ثقلاً ملموساً تلتصقه الهواء كالغبار الملوث.
استدارت إليه امرأة، وعيناها واسعتان وخائفتان خلف قناعها. مدت يدها بتردد، وتلامست أصابعها ذراعه. جفل إلياس لكنه لم يتراجع. كانت اللمسة ترددية، شبه مبجلة. عبر ذلك الاتصال، شعر بموجة من المشاعر — الحزن والإرهاق واليأس. غمرته في موجات، محتملًا أن يغرقه.
تراجع إلى الوراء مترنحًا، قاطعًا التواصل. كانت عينا المرأة تتوسلان إليه، لكن إلياس لم يستطع صياغة كلمات. كان ثقل حزنها يسحقه، قوة جسدية تضغط على صدره.
لاحظ رجل قريب تبادلهم واقترب، صوته هدير منخفض. "اتركها وشأنها"، زمجر قائلاً: "إنها لا تحتاج إلى شفتك."
قابل إلياس نظرة الرجل، ثابتًا رغم الاضطراب الذي كان يعصف به من الداخل. قال بهدوء: "أنا لست هنا لأؤذي أحدًا. أرسلني الدكتور فانس لأفهم... لأساعد."
"مساعدة؟ أنت واحد منهم. مُحَصِّر، جامع لألمنا."
شعر إلياس بوخزة من الذنب لكنه أصر على موقفه. "لا أريد أن أكون كذلك،" اعترف. "ليس بعد الآن."
لانت ملامح الرجل قليلاً، رغم أن وقفته ظلت دفاعية. «إذن أثبت ذلك»، تحدّى. «ساعدنا حقاً علينا».
نظر إلياس حوله إلى بحر الوجوه اليائسة، وقناعهم بالكاد يخفي المشاعر الخام تحتها. فكر في كايل، وفي الذكريات المتشظية التي ظهرت أثناء لمسهما. تحركت عزيمة داخله، رغبة نشأت من معاناة مشتركة.
"كيف؟" سأل إلياس، وصوته لا يكاد يعلو عن الهمس.
تحولت عينا الرجل إلى الباب خلفهم. قال: «نحن بحاجة إلى الإمدادات، طعام ودواء. الوصيف يأخذ كل شيء».
عبس إلياس: "الحارس؟"
أومأ الرجل بقسوة. "إنه يسيطر على هذا القطاع. ويحافظ على تزامننا معه. لكننا متعبون من الاختباء. نريد الخروج."
شعر إلياس بقشعريرة تسري في عموده الفقري. ترددت همسات الحارس في ذهنه، شائعات غامضة عن شخصية قاسية تتلاعب بالسلطة من الظلال.
"أين يمكنني أن أجده؟" سأل إلياس، صوته أكثر ثباتاً مما شعر به.
ضحكت المرأة بمرارة: "أنت لا تجده، بل يجدك أنت."
أمسك إلياس بفكيه، وتحول عزيمته إلى فولاذ. قال: «إذن سأنتظر». «وعندما يأتي، سأكون مستعدًا».
نظر إليه الرجل للحظة أطول قبل أن يومئ برأسه قليلاً. "كن حذراً فيما ترغب فيه."
أدار إلياس وجهه، وعقله يتسابق. كان بحاجة إلى إخبارهم، وإعدادهم بطريقة ما. لكن أولاً، كان عليه أن يستوعب مقدار محنتهم الحقيقي.
تحرك أعمق في الغرفة، متسللاً بين الحشود. كل لمسة كانت صدمة، موجة جديدة من المشاعر تجتاح حاجزاته. صَرّ على أسنانه ودفع نفسه للأمام رغم الهجمة.
في زاوية هادئة، جلس رجل عجوز وحيدًا، أنفاسه ضحلة ومجهدة. انحنى إلياس بجانبه وأمسك بيده بلطف. ارتعشت عينا الرجل العجوز فانفتحتا، وتبدأت الإدراك تلمع في أعماقه.
أنت جديد هنا، قال بصوت أجش.
أومأ إلياس برأسه قائلاً: "أنا أحاول المساعدة."
شدّ الرجل العجوز قبضته قليلاً. "ساعدنا في إيجاد السلام،" همس. "لا يمكننا الاستمرار في عيش هذا الأمر."
شعر إلياس بقبضة في حلقه. فكر في جهاز البيانات، وفي وعود الدكتور فانس، وزن اضطراباته العاطفية.
“سأفعل ما بوسعي”، وعد إلياس بهدوء.
ابتسم الرجل العجوز بضعف قبل أن يغلق عينيه مرة أخرى.
بقي إلياس بجانبه للحظة أطول، ثم وقف وقد عادت إرادته. وبينما كان يشق طريقه عائدًا عبر الحشد، التقط قطع من حديثهم المكتوم، شظايا لغة مشفرة لم تكن يعرفها.
"...الإشارة ضعيفة لكنها موجودة..." "...سيعرف قريبًا بما فيه الكفاية..." "...أنا أستعد للعاصفة..."
توقف إلياس، يستمع بانتباه أكبر. انتصب شعر مؤخرة عنقه وهو يسمع عبارة تُكرر كهمسة مخيفة:
"الحارس قادم."
مسح الغرفة بنظره، وقلبه يخفق بقوة. استمر أفراد عائلة بلانكس في همهماتهم، غافلين عن توتره المفاجئ. تراجع إلياس ببطء إلى الخلف، وكان ذهنه يتسابق.
كان بحاجة إلى التصرف بسرعة. أن يحذرهم، ويستعد لهم. لكن كيف؟ كان مجرد رجل واحد، غير مدرب في القتال أو الاستراتيجية. ومع ذلك، لم يستطع تجاهلهم الآن، ليس بعد أن رأى اليأس في عيونهم.
انسلَّ إلياس من الغرفة، وأغلق الباب الحديدي خلفه بصدمة. استند إلى الباب، يأخذ أنفاسًا عميقة ليهدأ. بدا الزقاق الآن أكثر ظلمة، والظلال أكثر تهديدًا. لكن إلياس كان يعرف شيئًا واحدًا على وجه اليقين: أنه لا يمكنه العودة. ليس هذه المرة.
أخرج جهاز البيانات، وأصابعه تتتبع الحافة بتوتر. كان لا بد أن يكون هناك طريقة لاستخدام هذا، لتحويل أداة الدكتور فانس ضد خططها. بدأت فكرة تتشكل في ذهنه، ضبابية لكن ملحّة. احتاج إلى معلومات، المزيد عن الوصيف، والأشخاص الذين أصبح الآن متصلين بها بشكل لا يمكن نفاذ منه.
دفع إلياس نفسه بعيدًا عن الباب، وقد ارتسمت على وجهه عزيمة حازمة. لقد تغيرت اللعبة. لم تعد هذه مجرد مسألة به. كانت بخصوصهم - آل بلانك- والقتال الذي كانوا يعجزون عن قيادته بمفردهم. كان مدين لهم بذلك الحد الأدنى، على الأقل. من أجل كايل، ومن أجل الرجل العجوز في الزاوية، ومن أجل المرأة التي كادت أن تغمرها شفقة.
بينما كان يتحرك بسرعة عبر الأزقة، ترددت خطواته بإصرار جديد. كانت المدينة تتربص حوله كممر مظلم من الأسرار والظلال. لكن إلياس لم يعد مجرد مرور به؛ بل أصبح جزءًا من مقاومته.
لاحظ وهجًا خافتًا ينبعث من مبنى مهجور أمامه. اقترب بحذر، وأطلّ عبر نافذة محطمة. في الداخل، كان مجموعة من البلاينك متجمعين حول طاولة مؤقتة، وقد أضاءت الأضواء المتلألئة لشاشات قديمة وعروض هولوغرافية وجوههم.
راقب إلياس بصمت بينما كانوا يعملون، أصابعهم ترقص على لوحي المفاتيح القديم، وأصواتهم منخفضة لكنها مفعمة بالحياة. كانوا ينسجون شيئًا ما، ويُنظّمون الإمدادات، ويخططون للمسارات. لم يكن هذا مجرد بقاء؛ بل كان ثورةً.
نظر أحدهم إلى الأعلى فجأة، وقابلت نظراته عيني إلياس عبر النافذة. امتد اللحظة بتوتر، ثم أومأ البلاك برأسه قليلاً قبل أن يعود إلى مهمته. دعوة، تأكيد. شعر إلياس بموجة من الأمل ممزوجة بالخوف.
دفع الباب ودخل، فساد الصمت للحظة قبل أن يستأنف صوت الأنشطة الخافت. اقترب إلياس من الطاولة، تجول عيناه على الشاشات - خرائط المدينة، جداول المواعيد، الرموز.
“ما كل هذا؟” سأل بهدوء.
نظرت إليه امرأة شابة، وقناعها مزين بديود صغيرة متلألئة. قالت ببساطة: "طريقنا للخروج". "نحن نخطط لهروبنا."
شعر إلياس بصدمة إدراك. لم يكونوا ينتظرون الرحيل؛ بل كانوا يصنعون رحيلهم بأنفسهم. وأراد أن يكون جزءًا من ذلك.
«كيف يمكنني المساعدة؟» سأل، صوته ثابت رغم الاضطراب في داخله.
ابتسمت المرأة ابتسامة خافتة، مشيرة إلى مقعد فارغ. "ابدأ بالتعلم"، قالت. "هناك الكثير لتعلمه."
جلس إلياس، وسحب كرسيًا إلى جانبه. كان جهاز البيانات قد نُسِي في جيبه، واستُبدله بوسيلة جديدة—هدف مشترك. نظر حوله إلى الوجوه المتجمعة هناك، وكانت أعينهم تعكس العزم والأمل. لم يكن هذا مجرد مساعدتهم على تجاوز عقباتهم؛ بل كان الانضمام إليهم.
غمره شعور بالانتماء، غريب لكن مريح. لقد دخل عالمهم، والآن لم يعد بوسعه تخيل العودة إليه. ليس حتى يصبحوا آمنين. وليس حتى يكونوا أحرارًا.