-2-
أكرم
هالهم رؤيته بنصف شهية يتناول طعام العشاء ، وبنصف شهية يبادلهم الحديث ، وبدون شهية مطلقاً يضع على وجهه ابتسامة باهتة ، ما تعودوه غير شعلة فرح تضيء لهم البيت بالبهجة والجذل ، وعليهم توزع قبسات الدعابة والمرح .
غير مرة واحدة ، حينما كان في غمرة نضاله في سبيل زواجه بمن أحب ، لم يلحظوا الكدر يغلب على ذلك النحو ، وذلك ما أدخل في ظنهم ، للوهلة الأولى ، أنه يعاني تجربة حب جديد ، ولكنّ يقينهم بعظمة حبه لزوجته جلى صدورهم من ذلك الظن بسرعة .
لفّتهم الحيرة ، وأخذهم القلق ، وسكنهم تساؤل مستهجن : " أكرم تغشاه الكآبة ؟! " ودون جدوى حاول كل منهم إعادته إلى توقده ، ولمّا استيئسوا ... غاب كل منهم في سره مفتشاً عن سبب نلك الحالة ، غير أن أحدهم لم يعثر على شيء ، فحاولوا الغوص في أعماقه ، وسبر أغواره ، ولكنه لم يبد لهم ما في نفسه ، وظل يراوغهم بلسان متلطف ، ووجه متضاحك ، وروح سائحة ... إلى أن قتل كل محاولاتهم ، قبل أن تمس بأقفال صدره المغلق على سره .
أمه وحدها تملكها الشعور بأنه اتخذ قراره الذي تتحسب له وأنه حدد موعداً مع من تخشاه.
أنهى تناوله لطعام العشاء ، وسبقهم إلى غرفة الجلوس تاركاً في حلوقهم غصة كبيرة ، تعقبوه ، الواحد بعد الآخر ، لحظة بعد أخرى ، جلسوا حوله على الأرائك الوثيرة ، فشملهم بنظرة شفوقة أشعرته بالظل الكئيب الذي أرخته عليهم روحه الهائمة ، ففكر في كشف ذلك الظل عنهم ، غير أن ذهنه المطارد من فكرة أبت عليه المهادنة ، ولو للحظة واحدة ، جعلته يؤثر انتزاع نفسه من الجلسة العائلية الحميمة المحببة إلى قلبه ، وينأى بنفسه إلى سطح البيت المطل من فوق ثلاثة طوابق على البحر ، حيث يحلو الغياب على صهوة الخواطر والأفكار الشاردة .
البحر في تلك الصيفية الحارة ، بدا له ساجياً ... عملاقاً وديعاً يتخلى عن جبروته ... خاشعاً يملأ القلب جلالاً والعين بهاءً ، كما يملأ الأفق الغربي الواسع من منتهاه إلى منتهاه. وتهيئ لسمعه أنه يهدر شجياً ،كأنه ينشج نشيج عابد صوفي ، أو ينحب نحيب عاشق يشده الحنين لمعشوقة مستحيلة يحول القدر دونه وإياها ، وذلك ما أعاده إلى تذوق شعوره القديم ، الذي يملؤه قبل سنوات عديدة ، حينما كاد ييأس من الحصول على محبوبته .
وكان في العلياء قمر كبير .. يسكب في الكون نوراً فضياً ، ومن خلفه كانت سماء تتشح بعباءة سوداء شفافة ... تزدان بنجوم زاهرة مبثوثة ... وتشف عن ذلك الجسد الأزرق الفاتن ، فتغري البحر الذي يحاول عبثاً الاصطباغ بلونها .. إحساس أكرم بهذا المشهد على هذا النحو ، أدخل إلى خياله أن السماء هي معشوقة البحر المستحيلة ، التي كان يرمقها من بعيد بعين حسرة الولهان .
ونسمات غربية عليلة ، مشبعة برائحة البحر ورطوبته ، كانت تمد أيديها لتمسح وجهه وقلبه الملتهبين فتبردهما .
استشعر سحر المشهد وعظمته بكل جوارحه التي طفقت تشكر الخالق المبدع شكراً مرفوعاً له بالحب ، فقد خشع قلبه ، وفاض بدمعتين وجدتا طريقهما إلى عينين واسعتين ، تجلت لهما عظمة الخالق سبحانه في عظمة المشهد ، وجماله في جماله ، وقدرته المعجزة في عظيم إبداعه .
الخالق تجلى في كل شيء ... في كل ما يتحف القلب ... ويروق للعين ... ويذهل الفكر فرأى وكأن عرش الله بارزاً ، فتحررت روحه من نوازع الجسد ، وتخففت نفسه من أثقال الدنيا وشهواتها ، وانهارت من دروب أفكاره الشاردة كل السدود والمشوشات ، فراح يُحلق في رحاب الله المطلق ، دون أن يعلق به من آثار الأرض غير ذكرى رجال أحبوا الله حباً متوقداً ، واشتاقوا للقائه شوقاً ثائراً ، فارتحلوا إليه متعجلين على أجنحة دمائهم .
ذكرى أولئك الرجال ، أججت فيه الشوق للقاء الله ... أشعرته بفراغ قلبه ، كما رائحة الطعام الشهي تشعر الجائع بفراغ معدته ، تمنى لو يرحل إلى ربه تواً ، على جناح لا يسبقه جناح وهو يحمل أغلى ما يملك ـ روحه ودمه ـ ليقمها هدية لأعظم من يحب .
وقاده جوع قلبه إلى تلمس آثار أولئك الرجال ـ الذين غلبتهم أشواقهم إلى ربهم ـ مساكنهم التي كانوا يسكنون في الحياة الدنيا قبل رحيلهم إلى حبيبهم على أجنحة دمائهم فهانت منه التفاتة نحو الشمال ، حيث تلك المساكن الفقيرة المحشورة بين عدد من البيوتات المماثلة في مخيم الشاطئ ، وهناك أخذته لحظة تأمل في علاقة الأرض بالسماء ، وعلاقة السماء بالأرض ولعاقة الإنسان بهما .. وتعجب للذين يلتصقون بالأرض الموحلة وفي مقدورهم التحليق في السماء ، غير أن تعجبه تحول إلى شفقة ، بعد أن استحضرت له ذاكرته الماكرة صورة ولديه وهما يتضاحكان ويلعبان بين يديه ، حيث أدرك أن ثمة أشياء مبررة تثقل الرجال عن القفز والسمو نحو السماء ، فمنهم من يتمكن بما يحمل من أثقال أن يقفز بمقدار شبر ، ومنهم من يقفز إلى مستوى قامته ، ومنهم من يقفز بمستوى الغيم ، ومنهم من يتخفف من كل أثقال زينة الحياة الدنيا ويقفز قفزة يسمو بها حتى الجنة .
وراح يفكر في الأرض ، كيف تقوى على جذب كل شيء وتلصقه بها ؟ وانتابته خشية من ألا يقوى على انتزاع روحه من محيط جاذبيتها ، وأن يقعد عن التحليق في السماء ... ولكنه سرعان ما رفع نظره عن الأرض رهبة وهرباً من جاذبيتها إلى السماء ، حيث الفضاء الرحب الذي فيه لا يعترض خواطره الشاردة عارض ، وحيث لا تتدفق ذاكرته على مخيلته إلا بصور الشهداء الذين صاروا يتراءون له بين النجوم ، على صفحة القمر ، وفي الأفق ، يبتسمون له ، ويلوحون بأيديهم المحاطة بهالات من نور ، يدعونه للحاق بهم ، ويرددون على أسماعه ما كان يردده على أسماعهم :
الجنة تحت ظلال السيوف .
الشهيد يغفر له من أول دفعة دم .
الشهيد يزوج باثنين وسبعين من الحور العين .
دعوتهم له أفعمته بالخجل ، وجعلته يتحسس قلبه من الكذب والخداع ، فلمس فيه هذا وذاك . وجعلت نفسه تقرعه تقريعاً شديداً بإعادتها على أسماعه قوله تعالى : " (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ) (الصف:2ـ3)
وغاب عنه الإحساس بالآفاق الواسعة ، واعتصره شعور بالضيق والاختناق ، وتمنى لو يعود به الزمان إلى ذلك اليوم الذي صعد فيه المنبر خطيباً لأول مرة ، ودعا فيه الشباب للتقدم نحو الشهادة ، ليصدق ما دعا إليه ، ويكون في طليعة الملبين .
ومن بين صور الشهداء التي تتدفق على ذاكرته صورة سعيد ( الذاهب إلى الشهادة ولم يعرف بعد أهو في عداد أحياء الدنيا أم في أحياء الآخرة ) متألقة بين النجوم ، كما رأى صاحبها لأول مرة بين جموع المصلين الذين كان يخطب فيهم الجمعة ... إذ يومها لفته ذلك الشاب لسبب ما ، وليس فيه ما يميزه عن باقي الشباب المصليين ما يلفت ، واقتحمه ذلك الحدس العجيب ، الذي ينتابه كلما التقى بشاب يصبح فيما بعد شهيداً ، وراودته رغبة محمومة بإنهاء الخطبة والتعرف على هذا الشاب على الفور ، غير أنه كبح رغبته ممنياً نفسه بالتقائه فور انتهاء الصلاة .
أنهى صلاته واشرأب بعنقه يبحث عن ذلك الشاب ، من فوق رؤوس المصلين ومن بين أكتافهم ، ولكن سيل المصلين المتدفق خارج المسجد جرفه فيمن جرف ، وحال فوج المحتفين به والمهنئين له بالخطبة العصماء دون اللحاق بذلك الشاب .
لم يمضّ أكثر من يومين حتى رأى ذات الشاب واقفاً ببابه مستأذناً بزيارة ، تلقاه بفرح أخ يلتقي أخيه بعد طول فراق ، رحب به مبالغاً واستضافه في غرفة الضيافة التي لا تعوزها علامات الثراء ، شعر سعيد بالراحة والمتعة في الجلوس على الأريكة الوثيرة ، في ذلك اليوم الصيفي القائظ ، الذي كان يلطفه مكيف ينفث بنسيم سحر ربيعي ... وخطر له وهو يتأمل الرياش الذي يكسو المكان من حوله ، أن يسأل مضيفه عن مدى إثقال النعيم الذي يغمسه له عن الجهاد والاستشهاد ، ولكنه اكتفى بابتسامة لم تشر لمضيفه بشيء على الرغم من تفرس المضيف العميق للوجه المتبسم .
ولكي يحرمه فرصة تفرسه له .. سارع بالكشف عن نفسه :
لا شك بأنك تساءل : من هذا الآتي لزيارتي دون سابق معرفة ؟ وماذا يريد ؟ وما وراءه ؟ .
أكد أكرم بهزة من رأسه الذي ألبسه ابتسامة فضفاضة تتسع للكثير من الدلالات .. وتابع الضيف معرفاً عن نفسه على طريقة من تلتقيهم كاميرات التلفزيون في الشارع فقال :
أنا سعيد حسين ... من مخيم الشاطئ ..
وسكت برهة ، جعل خلالها يقرأ انفعالات أكرم ، التي لم تغير من لباس الابتسامة الفضفاضة شيئاً ، الأمر الذي أوقع في نفس سعيد الظن ، بين بلادة ملامح أكرم وبين شروده ، غير أنه تجاهل الظنون وتابع :
أنا شاب بسيط ، كعامة الشباب في سني .... لدي أحلام وتطلعات ، لكن الظروف صنعت مني ومن كل الشباب الذين عاشوا الظروف نفسها شباباً مختلفين ، لم آتي بالطبع لأحدثك عن همومي وهموم أمثالي من الشباب ... لا .. لا ، إنما أتيت لأشفي صدري من الإزعاج الذي سببته لي في خطبتك .
بغت أكرم ، وضاقت ابتسامته الفضفاضة ، ومن تحتها بان شيء من الامتعاض ، أن يسمع في موهبته الخطابية غير الثناء والإطراء ، ذلك ما لم يحدث له طيلة حياته الخطابية ، إلا من بعض الحاسدين أو أصحاب المآرب السيئة ، وتساءل في نفسه : " هل يكون سعيد واحد منهم ؟ " وخشي أن يكون حدسه في معرفة الشهداء قبل استشهادهم قد تعطل ، أو أخطأ هذه المرة ، لذلك شاب ابتسامته التي ضاقت مسحة حزن ، ولمّا رأى سعيد ما رأى على وجه أكرم استدرك نفسه بالقول :
صحيح أن شهرتك كخطيب طارت بعيداً ، والناس صاروا يسمون المسجد باسمك ... فلا يقولون إلا : ذاهبون أو آيبون من مسجد الشيخ أكرم ، وصار حتى غير المصلين من يأتي إلى المسجد فقط ليسمع خطبتك أتدري لماذا ؟
وصمت لحظة ليمنح أكرم فرصة الرد ... ولما كان رد أكرم بهزة رأس ، تابع...
لأن خطبتك تدغدغ مشاعرهم .. ففيها تبشرهم بالجنّة التي هي جزاء الصابرين والمرابطين ، وفيها تسب على الاحتلال والأنظمة العربية .. وما سبك هذا إلا صراخهم المكبوت من الألم والمعاناة ... وهم لا يأتون إلا لسماع الآه التي أنت تصرخها عنهم .
تساءل أكرم بسخرية واستياء :
وما العيب في ذلك ؟
في أنها تنفيسية! .
تنفيسية ؟! ... وهل أصبح التحريض على الجهاد تنفيساً ؟
لا .. ولكن الخطبة التي تشفي غل الصدور عن الاحتلال وممارساته بالسب ... هي كفيلة بأن تشفيها من المقاومة .. والخطبة التي تبشر بالتعويض بالجنّة ... إنما هي تقول : الآخرة لكم والدنيا لأعدائكم ، فارضوا بهذه القسمة .
أجاب أكرم مبرراً :
نحن لا نسب على الاحتلال ، إنما نذكر بجرائمه لكي يعيها الناس أكثر ، فعندما يعي الناس ما يريده الاحتلال لهم يشعرون بحجمها أكبر ، وعنها تثور الجماهير أكثر ، وهذا ما يسمونه التعبئة والشحن المعنوي ، أما ثواب الجنة ، فهو تذكرة للصابرين كي نمنعهم من الإحباط ، ونحفزهم به على الجهاد والإقدام على الإستشهاد .
الخطبة التي تختصر محفزات الجهاد والاستشهاد بالحور العين .. تتخلى عن المحفزات الأهم ، ولا تعطي دورها التحريضي المطلوب .
غابت الابتسامة عن وجه أكرم تماماً ، وتلبسه الغضب ، وقال بتهكم :
يبدو أنك من غير المصلين ... أي غير المؤمنين ... الذين يأتون لسماع خطبتي .
لمس سعيد في كلمات أكرم قصد التجريح ، ورغم ذلك قال بهدوء :
أنا مؤمن ... لكن غير متدين .
في الإسلام لا يوجد متدين وغير متدين ... هناك مؤمن وغير مؤمن .
أنا أؤمن بالله ورسوله وأحبهما ... لكني أكسل أحياناً عن الصلاة ، فماذا تقول عني؟
صمت أكرم متفكراً ، ثم قال :
أقول عناك غير ملتزم ، ولكن لا يجوز للمؤمن أن يسخف من الجنة كمحفز للجهاد ، وهي محور التحفيز في القرآن .
أعوذ بالله أن أسخف من شأن الجنّة ... صحيح أني لست بفقيه أو عالم في مقاصد القرآن ... لكني أعرف أن الإيمان بالجنّة يلزمه إيمان بالله ، والإيمان بالله يلزمه معرفة الله ، ومن يعرف الله الذي خلق وأنعم ... لا بد وأن يحب الله حباً لا حب فوقه ، ولذلك حب المؤمن لله يجب أن يكون أكبر محفزاته وأولها ... لا الجنّة ولا الحور العين .. انظر مثلاً جنود الكاميكاز الانتحاريين اليابانيين ... لم يكن في عقيدتهم جنّة ... ولكن كان حبهم الكبير للإمبراطور .. وإذا كنت تظن أن الشباب الاستشهاديين في فلسطين ، يقدمون على الشهادة من أجل الحور العين بالدرجة الأولى فأنت مخطئ ، فالاستشهادي لا يفكر مطلقاً بشهوته ... الاستشهادي يترفع عن التفكير بالشهوة ولو فكر بشهوته ، لاجتهد في إشباعها في الدنيا بعيداً عن الحور العين ، لأنه لا يمكن أن يشعر بالحور العين إلا المؤمن بالغيب إيماناً عظيماً ، وإذا ما وصل للدرجة العظيمة من الإيمان وصل حبه لنفس المستوى ، وحينها لا تلزمه الجنّة كمحفز للجهاد ، لأن المحب دائماً يجتهد في إرضاء حبيبه ، ومن الممكن أن يصل الحب بالمحب لأن يضحي بحياته من أجل محبوبه ، فمن يحب الله بقوة جاهز لأن يقدم حياته في سبيله ، وكذلك من يحب وطناً أو امرأة أو ابناً ، والاستشهاديون الفلسطينيون هم محبون من الطراز الأول ، فمنهم من يقدم حياته حباً لله ، ومنهم حباً لفلسطين ، ومنهم حباً لشعب فلسطين ، ومنهم من لهذا وذاك .
لكن الله يغري المؤمنين ببذل أموالهم وأنفسهم بأن لهم الجنّة ، ألم تسمع قول الله تعالى : " (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ) (التوبة: من الآية111) .
أنا لست بعالم ، ولا أعرف مقصد الآية ، لكني متأكد بأن الحب وحده ولا شيء غيره يدفع بالشباب إلى الشهادة .
أنت لست عالماً فقط يا سعيد ، بل أنت مدرسة ، لم أستطع فهمك إلا متأخراً ، بعد مشوار طويل من بلبلة المشاعر بعدما امتلأت بالحب ... بعدما تجردت نفسي من حظ نفسها وصار ما لها من متعة غير التقرب إلى الحبيب والتفاني في رضاه ، اليوم يا سعيد أفهمك جيداً ... وأشعر بأني وجدت مقصد الآية التي ذكرتها لك ولم تجد ما ترد به عليّ ... أشعر بأن وعد الله في الآية للمؤمنين بالجنّة أنه وعد منه بمبادلتهم حبهم له بحبٍ ، فهم يتقربون له ويرضونه ببذل المال والنفس ، وهو يتقرب إليهم ويرضيهم بالجنّة ، فالجنّة وبذل المال والنفس دلائل متبادلة للحب ، فهم يعرفونه فيحبونه ، فيثور شوقهم إليه ، فيلجأون إلى إسكات شوقهم إليه بتأمل إبداعه في الكون ، كالعاشق الولهان ... الذي يلجأ إلى تأمل صورة معشوقته ويتلمس آثارها ... ولكن ذلك بدلاً عن إسكاته لشوقهم يزيد من اتقاده ... وحينها يكون التفكير في الارتحال إلى المحبوب مهما كانت تكاليف الرحلة ، وعلى أي جناح كان .. ولو جناح الدم ، والله سبحانه يبادلهم حباً بحب ، فيختار منهم إلى جواره شهداء ... يرضيهم في الجنّة بنعيم لم يخطر على قلب بشر ، أسمعتني يا سعيد ؟ ... أتراني صرت ممن يعلمون بأحوال المحبين ؟ ... "
وخفق قلبه شوقاً إلى ربه ، فحد بصره في السماء المقمرة المزدانة بالنجوم الزاهرة ، وغمرته لذة كلذة العاشق الولهان الذي يتلمس طيف من يعشق ، وسرعان ما امتلأ جسده كله بخفقات وامتلكته اللوعة ، وسالت عيناه بدمعات كانت نسمات الهواء الهاربة من البحر تكفكفها بأيد ناعمة ندية ، وأخذ لسانه يلهج مناجياً ربه بأبيات رابعة العدوية :
أحبك حبين .. حــب الهوى وحــــباً لأنك أهل لذاكا ..
فأما الذي هو حـب الهوى .. فشغلي بذكرك عما سـواك ..
وأما الذي أنت أهـــل له .. فكشفك لي الحجب حتى أراكا ..
وظل يردد بصوت نحيب : " فكشفك ليّ الحجب حتى أراكا " غير أن صوت زوجته أتاه من خلفه ميقظاً ، تلفت إليها بحركة آلية صنعتها المباغتة ، فتلقت زوجته وجهه الأبيض الملتحي بلحية سوداء قصيرة ، وقد زاد من وضائة وجهه بريق الدمع في عينيه العسليتين ، وبوجه مبتسم رأى فيه أكرم ضوء القمر ، ورغم ذلك لم يأنس به ، واختلجه ذلك الشعور الثقيل الذي اختلجه حينما أفسدت عليه أمه خلوته بها حينما كانا خاطبين ، كان ذلك حينما أتت وأهلها لزيارته وأهله ، وإذ به ينتهز من أهلها غفلة ، ليأخذها من يدها ليريها الشقة التي هيأها لزواجهما في الطابق الثالث من البيت ، تلك الحجة لم تُسوِّل له نفسه بها إلا لتبرر له الاختلاء بها ، والاستمتاع بأنسها ، وما كاد يأنس بها ، ويُهدِّئُ من شوقه لها ويناجيها بكلمات الغزل معبراً عمّا يكنه لها من مشاعر وعواطف ، حتى اقتحمت أمه عليهما خلوتهما بوجه باسم ولسان مازح معاتب :
كاللصوص ، صعدتما إلى هنا على رؤوس أصابعكما . .
يا أمي ، لم نصعد خفية ، وكل ما في الأمر أنني أردت أن أريّها الشقة .
قبل العرس .. لا يجوز لكما الاختلاء ..
نحن يا أمي ، في حكم المتزوجين ... بيننا عقد زواج شرعي .
بسر وجهها ، وقالت بحنق :
الزواج الشرعي لا يكون إلا بعد العرس ... هذه عاداتنا ... فاهم ؟
فسكت عن شوق يأبى السكوت .
تحسست زوجته ، وهي ترمق أثر الدمع في مقلتيه ، روحه التي كانت تتوهج عشقاً دافئاً لا ينقطع ، فلمست برود تلك الروح ، وساورتها وساوس كبيرة ملأت عينيها بالحزن ، فأشاحت بعينيها عن عينيه نحو البحر لتتفادى اصطياده لشيء من بحر عينيها ، غير أنه لمح من وساوسها ما لمح ، فاغتصب ابتسامة ، وأرسل نظرة إلى حيث تنظر ، وقال في رقة :
منذ زمن لم نقف كهذه الوقفة هنا .. في مثل هذه الوقفات كنت أجد أسعد لحظات عمري ... أتذكرين ؟
أكثر ما أذكر ... أذكرها ... رغم ما مرّ عليها من سنين طويلة .
كم سنة تقريباً ؟
ممكن سبعة أو ثمانية
أنظري إلى البحر ... فلا زال هو البحر ، وانظري إلى السماء ...فلا زالت هي السماء ، ذاتها وحتى القمر ونسمات الهواء .. لا زالت هي هي ، كل شيء ما زال كما هو ، لم يتغير شيء .
صحيح كل شيء كما هو ... لكن نحن من تغير ، في تلك الأيام لم تكن تلحظ بحراً ولا سماءً لم تكن تلحظ غيري ، وبغيري لن تكن تشعر .
وأنتِ ؟
شخص بصرها بعيداً في البحر ... تلمظت ، ثم مطت شفتيها ، مغلقة على الرد ، فتابع هو :
لم أكن أشعر في الوجود بغيرك ، وهذا لم يكن فقط في حضرتك .. بل وفي غيابك ، كنت أتحدث مع الجميع وأتعامل معهم وأنا غائب الوجدان ... شارد الفكر حيثما تكونين .
فقالت في عتاب :
وأنت اليوم لا تشعر بي حتى وأنا بجانبك .
اليوم أشعر فقط بمن هو أقرب إليّ من حبل الوريد .
تساءلت والغيرة تكدرها :
أقرب لك من حبل الوريد ؟! من هذا ؟ ... رجل أم تقصد ( وضغطت على الحرف الأخير ) امرأة ؟
ضحك ، ثم قال :
انظري وتأملي البحر ... تأملي ما بداخله ... إذا تأملته جيداً ستشعرين بعظمته ، وبقدر ما تستشعرين عظمته ستحبينه ، وانظري أيضاً إلى السماء والنجوم والقمر ، واستشعري النسمات ، انظري وتأملي جيداً ستستشعرين في كل ذلك العظمة والجمال ، وهذا ما سيجعلك تحبينهم ، وجداً جداً تحبين خالقهم ، لأنهم إذا كانوا على هذه العظمة والجمال ... فكيف عظمة وجمال خالقهم ؟ لا شك أنه مطلق القدرة ... كامل الجمال ... منتهى الإبداع ، ولذلك فهو يستحق مطلق الحب ، وكامل الشعور ، منتهى الشوق .
وأنا ... أين أنا من قلبك وشعورك ؟
تنسم عميقاً وأرسل ببصره من عينين مزمومتين إلى الأفق ، ليختار إجابة مناسبة ، لكن الزوجة المسكينة ، التي توقعت منه إجابة مزعجة ، رغبت عن سماعها ، قطعت عليه الطريق بقولها :
عليك النزول إلى غرفة الضيوف ، أصحابك شاكر ومحمود وفتحي في انتظارك ، وأنا أتيت إلى هنا لأخبرك .
واستدارت ميممة الدرج ، فجعل يتأمل الخطوات التي لا تخلو من ود ، والقوام الممشوق الرقيق الذي أوقعه في حبها ذات مرة من النظرة الأولى .
أول ما صادفها كانت تمشي عبر الشارع الذي يقوم بيته على جانبه الأقرب إلى البحر ، كانت طريق إيابها من الجامعة ، لمحته الخاطفة لها أخذته .. أشعرته بأنه عثر على فتاته المفقودة ... صاحبة الصورة التي يحتفظ بها في خياله منذ زمن طويل ،والتي فتش عنها في كل أسفاره ... وفي كل بلد يصل إليه .
شعر بأنه يعرفها جيداً ، فهي التي كانت تسهر معه الليالي الطوال ، والتي كانت تنقذه من ساعات وحدته بأحاديثها عن المستقبل الجميل ، وهي التي كانت تشاركه أحلام الصبا وأماني الشباب . نعم ، إنها هي بعينيها النجلاوين ، وحاجبيها الأسودين الرقيقين ، وبشرتها البيضاء النقية ، وملامحها الدقيقة .
تعقب خطواتها دون أن تشعر ، فدخلت به في مخيم الشاطئ ، وقادته عبر الطرقات الضيقة الفقيرة إلى أن واراها باب بيتها وسط المخيم .
استقصى عنها من أبناء جيرانها ، فعرف أنها عبير ، الطالبة بكلية الآداب لغة انجليزية سنة أولى ـ في الجامعة الإسلامية ، وعاد إلى بيته مشتعلاً بالفرح ، يزف إلى أمه بأنه قرر أخيراً بأن يستجيب إلى إلحاحها عليه بالزواج .
تلقت أمه ، التي كانت تضع لمساتها الأخيرة على وجبة الغداء ، قرار قبوله بالزواج بحبور فائق أبلج وجهها المتغصن بقدر سنوات عمرها التي تقارب الخمسين بابتسامة كأنها الصباح ، همست بها نفسها طرباً " أخيراً " أكرم سيتزوج ، غرسة الروح الغالية ستزهر ... الحلم الذي طال انتظاره سيتحقق ، الأحفاد سيأتون ليملؤوا البيت بالحركة والحياة .. ، وأخذت تلح عليه للكشف عن الفتاة التي يغلبها الشوق لرؤيتها ، رغم عدم التقائها بها من قبل بالمطلق ، وقد كان شوقها لها يجعلها تتفرس كل فتاة جميلة تصادفها في أي مكان لترى فيها ملامح زوجة ابنها التي لا زالت في علم الغيب ، وكان يدفعها شوقها لها أحياناً لتتحدث لجليساتها من الجارات والقريبات ، عن خصال وصفات تلك الزوجة ، التي ترغب فيها لابنها البكر .
سألته بلهفة :
جميلة ؟
أكثر مما تتصورين ..
يعني ، طويلة ... بيضاء ... ها .. قل .. قل ؟
سترينها بنفسك فسوف لن أستطيع وصفها لك .
تلمظت ... حملت نفسها على السكوت ، وجهت انفعالها إلى تقليب الطعام في القدر على النار ... لم تصبر فعادت لتسأل :
كيف تعرفت عليها ؟ أقصد أين رأيتها ؟ أعني أين تسكن ... ومن أي عائلة هي ؟
كيف أجيبك على هذه الأسئلة دفعة واحدة ؟ ( تساءل بصوت تقاطعه الضحكات وظل متابعاً ) كل ما أعرفه عنها أنها من أسرة محافظة ، من مخيم الشاطئ واسمها عبير رزق .
نكصت في اندفاعها ، وشاب فرحها الغامر شيء من الكدر ، وتساءلت باستنكار :
من اللاجئين في المخيم ... ألم تجد غيرها ؟
أجابها بصراحة :
لو لم أجدها ، لما قررت الزواج أصلاً .
فقالت باسترضاء :
وما لهنّ اللاجئات ؟... أحسن بنات ، ولو أن الزمان لم يجر عليهنّ لأصبحنّ اليوم برنسيسات في بلادهنّ ، زمان زرت يافا مع جدك قبل أن يطرد اليهود أهلها منها ليصبحوا لاجئين عندنا ، ... حينها رأيت نفسي هناك مثل الطفلة الصغيرة الآتية من البدو للمدينة .
غير أن فكرة الزواج من فتاة لاجئة فقيرة ، اصطدمت بمعارض شديدة من الأب .
لن أعرض نفسي للوم الصديق وشماتة العدو في العائلة ، وسوف لن أسمح لأحد بأن يشير إليّ بأصبعه ، ويقول : راضي أبو الفخر زوج ابنه البكر لبنت فلاحة من اللاجئين .
استهجن أكرم موقف أبيه الصارم ، الذي لم تفلح أمه بثنيه عنه ، رغم ما لها من قوة شخصية تحتوي شخصيته ، ولم تنفع في تليينه كذلك كل الحجج ، واستعان عليه بأعمامه ووجهاء العائلة فلم يُغنوا عنه شيئاً ، وبعد أن استنفذ حيله كلها في إقناع أبيه ، لجأ إلى أسلوب التهديد والضغط ، هدد بالرحيل إلى المجهول ، وزكّى تهديده بتحديد علاقته مع أسرته ، وخصوصاً والده ، وانطوى على نفسه ، وماتت روحه المرحة ، وتلبسته روح نافرة منفرة ، فخشي الأب على ابنه ، وأحس بمدى العشق الذي أصابه ، فأشفق على حاله ، وحاول أن يسلوه عن حبه برفق .
يا بني ، العاشق إذا عفّ وكتم فهو شهيد .
وهل أنا ملزم بأن أعف وأكتم ؟
أنت تعرف يا بني ... العائلة ومكانتها .
ردّ أكرم بنزق :
مكانة العائلة .. مكانة العائلة ، مللت هذا الكلام ، هل المال ونظرة الناس هما ما يفضلان العائلات على بعضها ؟ ( ثم تابع بلهجة متلطفة ) : يا أبي ، لا يعيب العائلة إلا العيب ... السمعة السيئة ، ولا يشرفها إلا السمعة الطيبة ، وأنا لن أقبل على نفسي بأن أتزوج إلا من بيت سمعته طيبة .
وفي النهاية آثر الأب الاحتفاظ بالابن على الاحتفاظ بمكانة العائلة .
تداعت عليه هذه الذكريات بينما كان يهبط الدرج ، وقادته هذه الذكريات إلى واحدة من أقوال سعيد : " من يمتلئ قلبه بحب امرأة يبذل حياته من أجلها ، ومن يحب الله يبذل حياته من أجله " . تحسس قلبه الذي أفرغت نفسه اللوامة الخشية بما أوقعت عليه من تساؤلات : " بحب من يمتلئ قلبك يا أكرم ؟ وهل أنت على نفس الدرجة من الاستعداد لبذل حياتك من أجل الله كما كنت عليه من الاستعداد من أجل عبير ؟ أتذكر كم كنت صادق في تهديدك لأهلك بهجرهم وهجر مدينتهم إذا لم يوافقوا على زواجك من عبير ؟ هل تمتلك الآن نفس الاستعداد ... الاستعداد لهجرة الأهل و الزوجة والولد ؟ وسمح لهذه التساؤلات بتأنيبه بشدة وبغمسه في الكمد ، دون أي دفع منه .
في غرفة الضيافة ، ألفى أصدقاءه الثلاثة (شاكر ، محمود ، فتحي ) يتوزعون الأرائك الوثيرة حول طاولة ذات وجه زجاج ، يتناجون بصوت خافت جذل ، اقتحم مناجاتهم بتحيته الهادئة ، فانفجرت مناجاتهم الجذلة ضحكاتٍ تصدح بفرط السعادة التي كانت تملأ قلوبهم ، واستقبلت الوجوه الضاحكة المستبشرة وجهه المكدر ، وشيعته إلى أن جلس بينهم ، لم يتوقعوه في حالة غير البشر والسعادة ، فأخذت الدهشة تكتنفهم ، وقبل أن تستولي عليهم تماماً ، وتقتل ضحكاتهم ، أدرك نفسه بابتسامة متكلفة سرعان ما رآها على وجوههم ، وغاب كل منهم يقلب ظنونه حول أسباب تكدر أكرم ، .... رغم وفرة أسباب سروره وخصوصاً بعد أن تسربت بعض الأخبار الأولية عن نجاح العملية الاستشهادية التي خرج سعيد لتنفيذها ، وبعد لحظة صغيرة ، كانت كافية لمرور كل واحد منهم بأكثر من ظن ، قال محمود مستهدفاً استطلاع رأي أكرم :
يبدو أنها عملية موفقة ...
فعقب أكرم بذهن نصف شارد :
أحب الله بصدق ، لمّا اشتاق إليه بقوة ، فرحل إليه متعجلاً على جناح دمه .
قال شاكر :
فعلاً كان مستعجلاً ، ويغضب إذا شعر بالتباطؤ في الإعداد للعملية ، أو إذا سمع من أحد اقتراحاً بتأجيلها .
فعقب أكرم :
مثل العاشق بالضبط دائماً يتعجل الزواج من محبوبته .
التشبيه أعجب محموداً ، فقال وهو يضحك :
من يعشق الحور العين يتعجل الرحيل إلى الجنّة ، وسعيد م يجد أسرع من الشهادة لتوصله إلى هناك .
ردّ أكرم :
سعيد ما عشق الحور العين ، وما كان شوقه الكبير لهنّ ، بل كان شوقه لله عز وجل ، أتعرفون ما هو الشوق ؟( تساءل وهو يتفقد وجوههم بنظرة ممعنة ، ثم أجاب ) الشوق هو جوع في القلب ، وهو لا يختلف عن جوع المعدة أو جوع الفرج المعروف بالشبق ، ومن يشعر يا أخوة ، بجوع المعدة أو الشبق ... لا يفكر مطلقاً بإشباع جوعه من ثمار ونساء الجنّة ، لكنه يفكر فقط بإشباع جوعه وشيقه من ثمار ونساء الدنيا ، وأما من يشعر في قلبه بفراغ لشوق الله ... فلا يستطيع أن يملي ذلك الفراغ ، مهما أكثر من الصلاة والصوم ، وتبقى عنده الرغبة في ملي هذا الفراغ المحسوس في القلب بالرحيل إلى الله عز وجل ،
وعدل من جلسته على الأريكة أكثر من ذي قبل ، وأضفى على صوته جدية أكبر ، وواصل حديثه متسائلاً :
هل نحس بهذا الفراغ في قلوبنا ؟
أحدهم لم يجد ما يقوله ، فغص المكان بالصمت الرهيب ، وبدوا للحظة كأنهم يتحسسوا قلوبهم ، ولا يجدون ذلك الفراغ ، وكادت عيونهم تزيغ حرجاً ، لولا أن ألقى أكرم بمسبحته على الطاولة ، ذات السطح الزجاجي التي تتوسط المكان ، فسارعت الأنظار إلى المسبحة ، وكأن لصوت ارتطامها بالزجاج وقعاً غير مريح على نفوسهم ، ثم ارتدت أبصارهم لتحدج في عيني أكرم بحثاً عن شيء غامض لم تجده ، غير أن أكرم لم يتركهم نهباً لحيرتهم طويلاً ، إذ سارع في القول :
والله إني لأشعر بهذا الفراغ في قلبي ، وأريد أن أملأه بالرحيل بأسرع وسيلة ..
اتسعت عيونهم بحجم مفاجأتهم ، وعاد الصمت الرهيب إلى المكان للحظة أخرى ، ليبدده هذه المرة فتحي بالقول :
أتريد تنفيذ عملية استشهادية ؟ ! أهذا ما تعنيه ؟
بالضبط !!..
قال شاكر :
الشهادة أسمى أمانينا ، ونحن على طريقها من بداية مشوارنا الجهادي ، ولا أحد منا يعرف من سيختاره الله ومتى وكيف ...
وأردف فتحي في محاولة لثنيه عن القرار :
ومن الممكن أن يكون ربنا عز وجل قد جنبك الشهادة .. حتى اللحظة ، أنت بالذات يا أكرم ، كي ينفع لك العمل الجهادي ، فأنت تفيد الجهاد والمجاهدين ، من موقعك كداعية ومجند للجهاد والثورة ، أكثر مما تفيد لو نفذت عملية استشهادية .
أكرم :
هذا والله بالضبط ما يريد أن يوهمنيه الشيطان ، فلا تكن له عوناً عليّ .
فانتدب محمود :
وما الذي أدراك بأن في الاستئثار بك للثورة رغبة للشيطان ؟
وتتدخل فتحي مفوتاً على أكرم فرصة الرد :
الله وحده هو من يختار الشهداء ، وإرادته نافذة مهما كانت قوة إرادتك ، وتجهيزاتك .
فرد أكرم بثقة :
من يصدق... يصدقه الله .
فانبرى محمود :
خالد بن الوليد ( رضي الله عنه ) صدق في طلب الشهادة ، ومات على فراشه ، ورسول الله (صلى الله عليه وسلم) قال : من طلب الشهادة صادقاً بلغه الله منازل الشهداء ، وإن مات على فراشه .
أكرم :
وأين أنا من خالد بن الوليد الذي أمضى حياته تحت ظلال السيوف ، وأين أنا الصدق في طلب الشهادة ... إذا لم أحاول في حياتي حمل السلاح ، ولم أتقدم للمواجهة ..
فتحي :
حاجات الجهاد في عهد سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) تختلف عن حاجات ومتطلبات الجهاد في ، في زمننا هذا . ففي ذاك الزمان ، كان الجميع محبذ للجهاد ، أما اليوم فالتجنيد للجهاد يحتاج إلى جهاد خاص ، ومن يعمل في الجهاز معرض للشهادة مثله مثل المجاهد الذي يحمل السلاح ، لأن قوات الاحتلال لا تخرج أحداً من دائرة الاستهداف .
أكرم :
أنت تعرف جيداً أن التجنيد للجهاد في فلسطين لا يحتاج أي جهاز خاص ، لأن الجميع على استعداد للقتال ، وهم لعدم توفر السلاح يقاتلون الدبابات الاسرائيلية بالحجارة ، وأنا لن أقبل بعد اليوم بأقل من دور المقاتل الحقيقي الذي يُهرقُ دمه ويُعقَرُ جوادُه .
محمود :
ولكن دورك الذي تقوم به اليوم أفضل للجماعة ، ونحن لن نوافق على قيامك بتنفيذ أي عملية .
أكرم بغضب :
لا أحد يحق له أن يحرمني من الشهادة .
أصر محمود على رأيه وقال :
لكنك تعمل ضمن جماعة ، والجماعة هي التي تقرر .
رد أكرم بعناد :
إذا كان العمل ضمن الجماعة هو العائق ... فسأتخلى عنه .
حاول شاكر استدراك الموقف بقوله :
لا يكون الحوار هكذا يا أخوة ، ويبدو أننا لن نتوصل اليوم إلى شيء ، لذلك أقترح مناقشة الموضوع في يوم آخر ، والآن إئذن لنا يا أكرم لنتابع التغطية التلفزيونية في بيوتنا .
لم يُلح أكرم عليهم بالبقاء ، وتركهم يذهبون ، وأثناء توديعه لهم عند بوابة المنزل ، همس محمود في أذن أكرم بأن عليه إعادة النظر في قراره ، والتفكير بدموع أمه وأبنائه التي ستراق مع إراقة دمه .
ساء أكرم كثيراً أن يسمع هذا الهمس من محمود تحديداً الذي هداه إلى طريق الجهاد ، والذي ألهمه بمعنى الفداء ، والذي كان أول من أسمعه كلمات مثل : ثورة ، مظاهرة ، شهيد ، تلك الكلمات التي كانت غائبة من قاموس أسرة أكرم ، هذه الأسرة التي كان اهتمامها بالأمور السياسية لا يتعدى تأثيرها العام على أوضاعها الحياتية ، فقد كان أبوه تاجراً ناجحاً ، وليس له هم سوى التجارة والأسرة ، ودون ذلك لا يهمه ولا تتحدث به أسنة أفراد أسرته ، ولم يكن يأتي بيته من الضيوف سوى الأقارب الذين يماثلونه في الاهتمامات, وكان يجد في مغامراته ونوادره في عالم التجارة متعة تغني أحاديثه مع أصدقاءه ومستمعيه ، أما زوجته أم أكرم ، فكانت تجد في أحاديث النساء عن هذه وتلك وعن وصفات الطبخ والذوق والتباهي والتفاخر بمهارة التدبير المنزلي لذة ومتعة ، وأكرم بدوره لم يعتد للحياة وجه آخر إلا داخل أسوار المدرسة ، التي دخلها في العام 76 ، حيث كانت أجواء سياسية تعصف البلد بتظاهرات غاضبة على مباحثات التسوية السلمية بين مصر وإسرائيل ، وهناك تعرف لأول مرة على محمود الذي تجاوز سن السادسة بقليل ، ومنه تعرف على المظاهرة كلمة ومعنى ً بسيطاً ، عندما أثار حفيظته مشهد الهياج الذي أصاب المدرسة ، وهتافات الطلاب واندفاعهم نحو بوابة المدرسة .
وبمرور الأيام تنامى لدى أكرم الشعور بوجود عالم آخر يختلف عن عالمه الذي يحاصره في البيت ... عالم له مفردات ومصطلحات مختلفة ، وله نمط خاص في التفكير والحياة ، وأسلوب خاص كذلك في المعيشة ، وبدأت تتولد لديه الرغبة القوية باكتشاف هذا العالم والغوص فيه ، فتعلق بمحمود ، ذلك الطفل الذي يعيش في ذاك العالم الغريب عن أكرم .
كان البيت الذي يعيش فيه محمود مع أسرته يبعد عن بيت أسرة أكرم نحو مائتي متر ، وبعد تردد لأكثر من سنة تقريباً من حياته الدراسية قاده الفضول والرغبة المحمومة لاقتحام عالم محمود الغريب .
رافق أكرم حمود إلى بيته غير البعيد داخل مخيم الشاطئ ، فشعر للوهلة الأولى أنه يهبط على كوكب آخر ، لا شيء يشبه شارعهم ، بيوت بلا ملامح ، أزقة ضيقة لا فرق بينها وبين طرقات بيتهم الداخلية لشدة ضيقها سوى كثرة الأبواب الصغيرة فيها ، نساء وأطفال يملأون الزوايا والمنحنيات ، وعيون تتجه إليه بمجرد أن يظهر لها في بداية منحنى الطريق إلى أن يغيب عنها في منحنى آخر ، ولا ترفع عنه إلا لتتناجى وتتساءل بصمت ، يومها دُهش أكرم بقدر ما ضحك محمود ، فكل انطباعاته وتساؤلاته كانت مثيرة للضحك ، تساءل إذا ما كان يراه هو بيت محمود ، إذ لم يعتد أن يرى أطفالاً في الشارع على هذا النـــحو
إلا داخل البيوت ، ولمّا أدرك أنه يسير في شارع ، تساءل إذا كانت قنوات الصرف الصحي التي تزكم الأنوف وهي تشق الأزقة الضيقة جداول ماء كالتي يقرأ عنها في كتاب القراءة .
لا حظ شاكر الاستياء في وجه أكرم ، إثر الكلمات التي همس إليه بها محمود ، وقال له ، وهو ممسك بيده المصافحة بقوة ، ويبتسم ابتسامة واسعة ، وبصوت لا هو بالخافت ولا هو بالجهور :
لا تنسى موعدنا غداً في حفل تأبين الشهيد سعيد .
فرد أكرم باستغراب :
وهل بيننا موعد ؟
دائماً لنا موعد في حفلات تأبين الشهداء ... حفل التأبين لا يكون بدون كلمة منك .
أطرق أكرم مفكراً لحظة ، صارع خلالها رغبة بعدم حضور الحفل ، ثم ردّ قائلاً :
إن شاء الله خيراً .
تأكد من إقفال بوابة البيت الخارجية ، خلف أصدقائه ، وأخذ طريقه على الممر المبلط ببلاط حلزوني يشق الحديقة وصولاً إلى بوابة البيت الداخلية ، كانت زوجته وولداه ( محمد ابن الأربع سنوات ، وآية ابنة السنة الواحد ) كانوا يراقبونه من أعلى الدرجات الخمس التي تصعد من الممر إلى باب البيت ، رأى الابتسامة تشرق على وجه زوجته والفرحة تتنطط من وجهي طفليه فأُترعت الدنيا من حوله فرحاً ، ودّت الصغيرة لو تطير من بين ذراعي أمها إلى حضن أبيها ، فطفقت ترفرف بيديها الصغيرتين كعصفورة عالقة بخيط ولمّا يئست من الطيران ، ورأت أخيها يسبقها وهو يهبط الدرجات بخطوته الصغيرة معتمداً على الدرابزين ، توترت ، وجعلت تنادي بإشارات من كفين محمومين وبأصوات ملهوفة مستغيثة ، أسرع أكرم بخطواته تلبية لشوق ولديه الفائر ، فالتقط محمد الذي هبط حتى وصل الدرجة الأخيرة ، وضحك لأنه سبق أخته إلى صدر أبيه ، فاغتاظت وكادت تلقي بنفسها من بين ذراعي أمها ، وبعد أن تلقفها أبوها تشبثت بصدره ، وأخذت تهمهم بهديل الحمام عتاباً وفرحاً ، وقالت أمها لأبيها :
أترى كم شوقهم إليك ، رغم أنك لم تغب عنهم سوى ساعة فقط ,
فهم أكرم ما ترمي إليه من وراء قولها ، فأجاب بالقول :
شوقهم لي كبير لأنهم لم يتعودوا فراقي .
وإن شاء الله لا تفارقهم أبداً .
فعقب بتقبيله الطفلين ، وبابتسامة واسعة خطا أمامهم ميمماً غرفة الجلوس ، حيث يجلس بقية أفراد العائلة ، ويشاهدون برنامجاً تلفزيونياً على قناة فلسطين ، وكان مواطن من العربية السعودية يتحدث عبر الهاتف منتقداً أداء المجاهدين الفلسطينيين في مواجهة الدبابات الإسرائيلية .
ليش تسمحون للدبابات العدو تخرب في المدن ويفسدن ، والله قلوبنا تتقطع عليكم وحنا نشاهد التلفزيون ، إعطون كل دبابة صاروخ .. نرتاح حنا وانتم .
وبينما غرق الجميع بالضحك ، روت المذيعة التي يعوزها الكثير من الكياسة واللباقة ومهارة مقدمي البرامج المباشرة :
يا أخي ، نحن قيادة وشعباً اخترنا طريق السلام ، و ...
أضحكهم رد المذيعة كثر مما أضحكهم التساؤل ، إلا عفيف ( الابن الأوسط ) فقد كفّ عن الضحك ، وتبرم بكلمات غير مفهومة وقال ساخراً :
ترسانة الفلسطينيين مليئة بالصواريخ المضادة للدبابات ، لكن إيماننا بالسلام هو فقط ما يمنعنا عن صد الدبابات الإسرائيلية .
وعادت الكاميرا من جديد على الشاشة لتظهر وجه الضيف الذي لا زال فيه أثر الامتعاض من السؤال والرد عليه ، ومن عدم تمكينه من الرد ، وطرحت المذيعة عليه سؤالاً جديداً ، وقبل أن يجيب عليه استوقفته لتأخذ مكالمة أخرى من العربية السعودية أيضاً :
يا أختي حنا نبغي شي واحد ، نبغى اتفكولنا الدرب للجهاد من أجل بيت المقدس ...
تسابق الضيف والمذيعة على الرد ، ثم تعازما على بعضهما ، فاستجاب الضيف وشرع في الرد :
يا أخي طريق الجهاد أمامك مفتوح ، على مصراعيه ، فبإمكانك أن تجاهد بالمال حيث أنت ، والجهاد بالمال في فلسطين مهم جداً ، لأن ...
أُعجب أبا أكرم من رد الضيف ، وعقب بالقول :
كلام هذا الرجل يدخل المخ صحيح ، صمود الانتفاضة بقدر صمود اقتصاد البلد .
على محطة عربية أخرى ، آن موعد نشرة الأخبار التي كان أكرم ينتظرها بفارغ الصبر . فانتقلوا إلى تلك المحطة لمتابعة الأخبار .
وغادرت عبير غرفة الجلوس ، متعللة بتنويم الأولاد ، وكانت آية قد نامت فعلاً ، بينما محمد لم ينفعه غضبه وامتناعه عن مصاحبة أمه إلى النوم والبقاء في حضن أبيه .
تصدرت صورة سعيد نشرة الأخبار ، حيث ظهر جالساً وبجانبه مدفع رشاش من طراز كلاشنكوف ، ويلف رأسه بعصابة سوداء ، ومن خلفه تقوم خلفية قماشية قاتمة ، وكان الجزء الذي اختارته القناة من البيان الذي تلاه سعيد يقول :
"صدوعاً لأمر الله بالجهاد في سبيل إحقاق الحق ... ومن أجل شعب اقتلع من وطنه ، كغرسة من تربتها ... من أجل شعب يذبح على مسمع ومرأى من عالم أخرس . أتقدم بنفسي ودمي ابتغاءً لمرضاة الله ، ومساهمة في إعادة كل فلسطيني مشرد من بلده وبيته ، وإعلاء لكلمة حق تجبُنُ عن قولها ترسانات الأسلحة في كل بلداننا العربية والإسلامية ورحمة بدموع أمهات ثكلنّ ونساءٌ رُملنّ وأطفال يتموا " .
أحد من الجالسين لم يُعقب على كلمة سعيد المجتزأة ، وظلوا ينصتون للتلفاز الذي ظهرت على شاشته إثر صورة سعيد مذيع شاب يتلو تفاصيل إضافية عن العملية الاستشهادية .
وأتى صورة زغرودة بعيدة من الشباك المشرع ، في أعقاب ذكر المذيع لعدد القتلى الإسرائيليين الذين أودت بهم العملية ، وتساءلت عيون أبو أكرم وبقية أبناءه عن سر تلك الزغرودة الغريبة ، في أجواء الفواجع الرهيبة التي تلف البلاد ، نعن ، كانت الجماهير ي المدينة ، في أعقاب مثل هكذا عمليات ، تحركها نشوة الانتقام ، فتخرج إلى لشارع لتُعبر عن فرحتها العارمة ، ذلك لم ما لم يكن معتاداً .. لاحت الفرحة على وجه أم أكرم التي قالت ، وهي تشعر بأنها المطالبة بالإجابة عن تساؤلات العيون حولها :
جارتنا أم حمدي كان عليها نذر .
تساءل أبو أكرم مندهشاً :
نذر ؟!
أجل نذر ، كان نذرها إذا انقتل أكثر من عشرين يهودياً ... أن تزغرد من فوق سطح بيتها .
فسألها باسم (أصغر أبناءها ويبلغ سبعة عشر عاماً ) عن سبب ذلك النذر ، فأجابت :
أمها العجوز سافرت مع أحد أخوتها ، ولمّا رجعوا ... حجزوهم اليهود على معبر رفح ، وهناك تحت الشمس مكثت أسبوع بدون علاج ولا أكل وماء كباقي المسافرين ، فماتت المسكينة .. وفوق كل هذا لم يسمح اليهود بمرور الجثة إلا بعد الوفاة بيوم ، في ذلك اليوم لم يتبقى لأم حمدي عقل في رأسها فنذرت هذا النذر .
قال أكرم :
كان من الأفضل لها لو نذرت بأن تضحي بأحد أبناءها لتنفيذ عملية استشهادية .
أجابته بضجر :
كيف تفكر؟! ... إذا كانت أمها العجوز استشهدت وجُنّ جنونها ، فكيف إذا استشهد أحد أبناءها ؟
قال باستهانة :
سوف تصبر أو تزغرد كباقي أمهات الشهداء .
تساءلت بانفعال :
ومن قال لك إن أمهات الشهداء يزغردن من الفرح ؟ ...
وتابعت بنفس اللهجة المنفعلة :
أما ترى في عيونهنّ الدموع وهنّ يزغردنّ ؟ هذه الزغاريد التي تسمعها من أمهات الشهداء ما هي إلا صراخ وبكاء وعويل .... ولكن الناس يطالبونهنّ بأن يزغردنّ ولا يبكين .. إنهنّ يزغردنّ ولكن بقصد الصراخ .
ضحك أبو أكرم وعلق على زوجته :
ماذا تقولين يا أم أكرم ... يزغردن بقصد الصراخ ؟
وكان أبو أكرم يرمي من وراء تعليقه المغموس بالضحك والدعابة .. أن يخفف من انفعال زوجته ونزقها ، ولكنه استفزها أكثر من كلام أكرم ، فردت عليه باقتضاب :
حدق في وجوههنّ وأنت تعر ف.
أعرف ماذا ؟
تعرف كذب الألسنة المزغردة ... وصدق الوجوه الباكية .
وقبل أن يبدأ زوجها بالرد ، وقف أكرم مستأذناً ليلحق بزوجته .
دخل أكرم على زوجته غرفتها ، فوجدها تجلس أمام مرآة التسريحة تضع زينتها ، تقدم نحوها بخطوات متثاقلة ووضع يده على كتفيها ، وحدج وجهها المضيء داخل المرآة بابتسامة رائقة ، وبعد قليل قال بخشوع .
الحمد لله ..
فسألته وهي تبادله النظرات :
على ماذا حمدت الله ؟
أجابها بعد تمهل :
على أنه خصني بأجمل نساء الأرض .
ازدادت ابتسامتها روقه ، وقالت :
أهكذا تراني ؟
هزّ رأسه بابتسامة مؤكدة ، ودون أن ينبس ببنت شفة ، فعادت تقول ، وفي لهجتها عتاب :
كلامك لا أشعره كالسابق .
رفع حاجبيه متعجباً ، ثم رفع يديه عن كتفيها ، وتراجع إلى الوراء بضع خطوات ، فتعقبته بنظراتها عبر المرآة إلى أن جلس على جانب السرير ، فدارت بكرسيها لتستقبله ، فقال وهو يُحدج الأرض :
من الممكن أن يكون كلامك صحيحاً ... لكنني لم أكذب .
عند الكلمة الأخيرة رفع نظره إلى عينيها ، فرأى الحيرة والتشكك ، فتابع :
ولكنك لست الوحيدة في قلبي ، فأنا أحب أولادي وأمي ، وقبل وبعد كل شيء أحب الله ، فيما مضى كنت تتقدمين على الجميع ، أما الآن فلا حب في قلبي كحب الله .
أو كنت تحبني أكثر من الله ؟
صمت لحظة ، صارع خلالها دمعة كادت تصرعه ، فاحمّرت عينيه على الأثر ، ثم قال بصوت يختنق :
في الحقيقة أجل !! ولو أنك حينها سألتِني ، لأجبتك بالنفي كنت أخدع نفسي وكنت أتهرب من سؤال كهذا... لأهرب من الحقيقة ، وأما اليوم فحبي لله لا يقارنه حب آخر .
أشفقت عليه وحاولت التخفيف عنه :
لا يا أكرم ، أنا ما عرفت فيك إلا الإيمان القوي ، وحبك لله أكبر من كل شيء
هذا ما كنت أخدع نفسي به ... والحقيقة عكس ذلك ، فلو أنني كنت أحب الله أكثر من حبي لك ولأبنائي ولأموالي ، لقدمت الجهاد في سبيله على الجهاد في سبيلكم ، ولكنت حريصاً على الرحيل إليه لا على العيش بينكم .
صمتت لحظة حائرة ، بحثت خلالها عن طريقة تلطف بها الأجواء ، وبعد أن عثرت عليها ، قالت :
أحب الله كما تشاء ... لكن ماذا عن نصيبي ؟
يا عبير لا تخلطي الأمور ، حبي لك شيء وحبي لله سبحانه شيء آخر ، فأنت لا تشاركينه( سبحانه) نفس الحب يا عبير ، قلبي فيه الكثير من الأوعية ، فيه وعاء لك ، ووعاء لكل واحد من أبنائي ، وكذلك لوالديّ ، وأخوتي ، وفلسطين ، وبيتي ، ووعاء لحب الله عز وجل ، وليس كمثله في قلبي وعاء آخر ، وكل هذه الأوعية ملآنة بالحب عن آخرها .
فقالت وهي تتضاحك :
وأي الأوعية عندك أوسع ؟
باستثناء حبي لله الذي لا تتسع لع كل الأوعية الأخرى ، سوف لن أجيب ، وسوف أترك تفكيرك في هذا الموضوع يقتلك .
فقالت متحدية بدلال :
سوف لن أفكر فيه بالمرة .
سأصدقك إذا لم تسأليني نفس السؤال مرة أخرى .
من هذه الناحية كن مطمئناً .
فقال متحدياً بلهجة مازحة ، بعد أن نهض وهمّ بالخروج :
إذن سنرى .
اعترضت طريقه قائلة :
إلى أين ؟
إلى الله ... صاحب الحب المطلق .
فسألت مندهشة :
وأين ستذهب إليه ؟
حيث أختلي معه ... ولسوف أختلي معه في غرفة المكتب .
لكن ...
قاطعها :
لكن ... لا أريد أحداً يقطع عليّ خلوتي .
الصمت التام كان يلف غرفة مكتبه الملاصقة لغرفة نومه ، دخل إلى الصمت بلهفة مشتاق لملاقاة محبوبه ... دخل بهدوء حريص على عدم إفساد ذلك الصمت ، شعر بأن عيناً لا تراه سوى عين الله ، وأن أذناً لا تسمعه سوى أذن الله ، فغشيته سكينة ، وشعر شديد من ملك الملوك ، فخفق قلبه مناجياً : " سبحانك ، أنت العلي ولا شيء أعلى منك ، ... أنت القريب ولا شيء أقرب منك ، يا شاهداً غير غائب ... يا مقبلاً على كل مقبل إليك ، يا مؤنس كل مستأنس بك ، يا صاحي كل مستصحب لك ، ويا أهل كل متغرب فيك ، زدني اغتراباً ووحشة من العالم ، واغسلني من كل دنيوي ، واشغل قلبي بك عن كل ما سواك ، وزدني أنساً بك ، فلا حاجة لي في شيء من خلقك وزينة أرضك .... ليس لي حاجة إلا في النظر لجمال وجهك الكريم " .
تناول مصحفه ، بشعور محب يعود إلى مجموعة رسائل قديمة تحمل كلمات حبيب تأجج الشوق فيه إليه ، وفتحه عشوائياً بتعجل ، وجعل يقرأ بنهم حتى أوقفته آية تقول : "(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (آل عمران:31)
" أعاد قراءة الآية مرات عدة ، وهو يستشعر عدم إيفائه لشرط حبه لله ، وذلك ما أدخل في نفسه الحزن لإحساسه الثقيل بالبعد عن الله ، فغلبه بكاء طفل شعر بابتعاد أمه عنه وبجفائها له ، ومثل ذلك الطفل ، أخذ يستدر رأفة ربه به ليحصل على الحب والعناية ، مبدياً الندم على ما فات ، وموعداً بتنفيذ كل ما يطلب منه : ربي عرّفتني الطريق إليك .. فتقاعست عن المضي فيها ، دعوتني للتقرب إليك ... ولم أُلّبِّ دعوتك ، طلبت مني بذل نفسي ودمي في إحقاق حقك ... فتعذرت ... ورغم كل ذلك كنت معي كريماً بمقدار ما كنت معك لئيماً ، فكم من نعمة أنعمت بها عليّ ... قل لك بها شكري ، وكم من بلية ابتليتني بها قل لك بها صبري ، وكم من خطيئة ارتكبتها ولم تفضحني .. فيا كريم أنت الكريم تجاوز عما سلف مني ، ولا تجعلني اليوم بعيداً عنك وقرّبني إليك بما شئت وكيف شئت ، فأنا يا رب لا أطمع في جنتك بمقدار ما أطمع في رضاك والقرب منك ، ولا استعيذ بك من نارك بقدر ما أستعيذ بك من إبعادك لي عنك ، فقربي منك هو جنتي التي أريد ، وابتعادي عنك هو جحيمي الذي استعيذ بك منه ، فيا ملاذي رضاك قصدي وغايتي ، فلا تحرمني من الأنس بك إلى وحشة الدنيا " .
ومكث طوال ليلته تلك ، شأنه شأن كل المحبين ، يسترجع كلام محبوبه من القرآن ... يناجيه تارة ، وتضرعاً تارة ، وثناءً تارة ، واستغفاراً تارة ... إلى أن غلبه النعاس .