-4-
شاكر
اتهم في تلك الليلة الحارة ،بعد أن تقلب في فراشه أكثر من مرة،الغطاء الرقيق بإسهاده ؛ فتخفف منه، فلم يعد يثقل عليه شيء سوى بعض الهواجس الصغيرة : إظهار صديقه أكرم رغبته في القيام بعمل استشهادي ،وهو الشئ الذي لا يقلقه كثيرا لثقته بقدرته على إقناعه بالعدول عن رغبته .والإعداد لبرنامج حفل تأبين الشهيد سعيد ، وما من حاجة لمجهود في إعداد هذا البرنامج ؛ لأن البرنامج جاهز ، فهو البرنامج المكرر بعدد شهداء الانتفاضة :كلمة التنظيم ،كلمة أسرة الشهيد،كلمة الشيخ أكرم ،وكلمات أخرى لمن يلبى الدعوة من خطباء وقيادات التنظيمات الفاعلة في الانتفاضة بالحضور.
قبل فترة زمنية قصيرة ،كان في مثل هذه الليلة ،التى تشهد ارتقاء شهيد ، ما كان له أن يأوي إلى فراشه بهذه السهولة ، إذ كان عليه مزاحمة التنظيمات الأخرى طيلة الليل ؛ ليفوز تنظيمه بتبني الشهيد . وما أعظم نشوته حينما كان يحقق لتنظيمه ذلك الفوز.وإما الآن فلا مزاحمة ، وليأوي شاكر إلى فراشه دون قلق من أن يسبقه تنظيم آخر لتبنى الشهيد سعيد ، وشكراً في ذلك الفوز . للاتفاق الذي نظَّم توزيع الشهداء بين التنظيمات .ذلك الاتفاق الفريد ،الذي جاء بفكرته لممثلي التنظيمات في لجنة "القوى الوطنية والإسلامية لقيادة الانتفاضة "أحد ممثلي التنظيمات الصغيرة ، الذين ساءهم التزاحم الفصائلي حول تبنى الشهداء ، على مرأى من أهاليهم ،الشيء الذي كان يزيد من ألمهم ومرارتهم.
ـ يا جماعة الخير اسمحوا لي بكلمة ..
هكذا بدأ ممثل ذلك التنظيم الصغير ،الذي لا يتخلى عن إسكان أحاديثه الروح الشعبية . ودون أن يتلقى السماح من جماعة الخير ، تابع يقول:
ـ الله على الجد ،والجد الله الله عليه .ما يحدث في برز الشهداء يسئ للجميع .. يسئ للتنظيمات، ويسئ لذوي الشهداء وللشهداء أنفسهم الشهيد يستشهد – والله يرحمه – وتنظيماتنا تذهب للقتال عليه.. كل تنظيم يريد أن ينسبه لنفسه.
عيون ممثلي التنظيمات كانت تستجيب ، لما تسمع ، بردات فعل متفاوته ، وهي تحرج الكهل. بعضها امتلأ بالرضا، وبعضها بالسخط، وبعضها باللامبالاة وعدم الاكتراث . وصاحب واحدة من العيون التي امتلأت بالسخط يلم يطق مواصلة السماع حتى النهاية ، فانفجر مقاطعاً: - إذا كان قصدك ما حدث قبل أيام في برزة الشهيد مروان أبو السواعد ، فلا يحق لك أن تتكلم ، فالشهيد شهيدنا والتنظيم الآخر هو الذي أراد أن يسرقه منا ، ولو أنهم تخلوا عن الشهيد منذ البداية لما حدث ما حدث ولكن علي كل حال الحمد لله أن الحق لم يذهب لغير أهله أثيرت حفيظة ممثل التنظيم المعني (الآخر) ، وقال بغضب:
ـ الشهيد شهيدنا، والجميع يعرف ذلك، وليس نحن من يتبني شهداء الغير. وتابع بتهكم:
ـ وإذا كنت تريد أن أذكرك بالشهداء الذين سرقتموهم ن التنظيمات الأخرى فالقائمة طويلة......
ـ أنا أتحفظ علي مصطلح سرقة الشهداء ، وأرجو من الجميع الدقة في اختيار المصطلحات، فنحن ممثلي الفصائل الوطنية والإسلامية، ولا يليق بنا أن نبدوا كالورثة المتنافسين علي التركة. فالشهداء هم شهداء الوطن قبل أن يكونوا شهداء هذا الفصيل أوذاك وتدخل ممثل تنظيم رابع.
ـ بغض النظر عن كل ما قيل ، لا بد من التعامل بواقعية ،فالشهداء هم في غالبيتهم منظمون، وشهداء التنظيم هم رصيده ورأسماله في الانتفاضة . والشهداء يضحون بأنفسهم من خلال التنظيم الذي يؤمون به وبأفكاره ، ويحبون أن تستفيد فكرتهم وخطهم من عملياتهم، ولذلك يجب إنصاف التنظيمات والشهداء أنفسهم بنسب كل منهم إلي تنظيمه.
وعاد المنسق السابق ليقول:
ـ نعم، يجب الاعتراف بالمشكلة، التي تسئ للمظهر الوحدوي للقوي الفلسطينية، حتى نستطيع إيجاد الحل المناسب له ، وأبو محمد لم يفتح الموضوع إلا ولديه الاقتراح للحل، فالأفضل أن نسمع له بدلاً من المجاذبات والمدافعات الكلامية.
وتوجه لأبي محمد بلهجة مختلفة:
ـ ها.. تكلم يا أبا محمد ..تكلم..
جعل أبو محمد يمسح المجتمعين بنظرات يشع منها الأسف للحظتين، رغم الصمت الذي خيمًّ علي الرؤوس، التي بعضها كان مغلقاً علي ردود تتحفز للانفجار انتصاراً للتنظيم. وكان يود أبي محمد الاستمتاع طويلاً بسوط تلك الرؤوس بنظراته الآسفة ، ولكن خوفه من انفجار الردود التي رآها تحتقن في عيون تلك الرؤوس جعلته يكف ، ويبدأ في الكلام :
ـ الحل الذي أراه ، هو أن كمل تنظيم يلتزم باحتواء شهدائه المنظمين الذين استشهدوا في عمليات له .. وألاَّ يدخل علي خط شهداء من فصيل آخر.. وأما... قاطعه الذي قاطعة في المرة الأولي:
ـ ومن يستشهد ممن ليس لهم تنظيم؟
تابع أبو محمد ، دون التوقف للمقاطعة ، وهو يكرر كلمة (وأمًّا..) مع مدِّ أخرها، والضغط على الحرف الذي قبلة بصوت مرتفع محتجاً على المقاطعة:
ـ وأما .. من ليس له تنظيم .. يكون الخيار لولي أمرة في تحديد التنظيم الذي يرغب في احتواء ابنه أو أبيه أو أخته..
وبعد هذا الإتفاق . لم يعد شاكر مضطراً ليترك فراشه ، ويسهر في بيوت الشهداء، لاستباق التنظيمات الأخرى ومنافستها في احتواء الشهيد، وقد أصبح بمقدور أي مجموعة من التنظيم الحضور إلى بيت الشهيد والقيام بالمطلوب : بناء سرادق التنظيم ، ورفع راياته، وتعليق شعاراته، وتجهيز الأجهزة الصوتية اللازمة ، وإطلاق الكلمات التأبينية بالشهيد.. الكلمات التأبينية المترعة بالدعاية للتنظيم . وفي اليوم الثاني أو الثالث ، تنطلق فعاليات المهرجان التأبيني : لمات ، استعراضات ، أناشيد حماسية خاصة بالتنظيم .. فعاليات جميعها تخلق في الجمهور الرغبة الملحة بالشهادة.
كيف يتقن هؤلاء الخطباء أثارة المشاعر؟.. من أي وحي يستمدون عباراتهم الملتهبة التي بها يضرمون نيران الرغبات الجامحات بالموت، في قلوب لا زالت على أبواب الربيع ، وأخرى باتت تعيش الخريف؟.. ومن أي قاموس ينتقون كلماتهم التي بها يفتحون أقفال حتى تلك القلوب الغليظة ويودعونها عشق الموت، ويزرعون فيها القناعة الراسخة بأن الموت ليس بموت.. إنما هو الحياة الحقيقية، وأن أمل الرصاصة ليس بألم .. إنما متعة؟ .. وكيف يحطمون الأنا الصلبة في نفوس الحاضرين ويرفعون مكانها سروح النحن السامقة الشامخة التي تترجم بالتضحية والفداء ؟.. بل كيل يكتمون صرخة الآه في أمهات الشهداء الثكلى، وبدلاً عنها يطلقون الزغرودة؟..
لم يستطع شاكر، رغم ثقافته الواسعة أن يكون وأحداً من أؤلئك الخطباء المفوهين الذين يلعبون بالقلوب ، كما يلعب الحاوي بالكرات.
حاول مدفوعاً بالمنافسة الأخوية مع أكرم ، أن يكون خطيباً .. ولكن موهبته كانت قاصرة.
صحيح أنه كان يستطيع الوقوف أما جمهور واسع، ويتكلم بفكرة ما ، وأن يردد بعض المقولات المؤثرة التي يحفظها عن ظهر قلب .. ولكنه كان يفتقد مهارة الخطيب في معرفة مكامن القلوب، والنفوذ إليها بتلك السرعة المباشرة ببضع كلمات، ومن ثم دغدغتها بما يطربها، وتنويمها مغناطيسيا ، ثم الذهاب بها إلى حيث يريد.
لو كان حب شاكر لأكرم حباً زائفاً ، لحقد عليه حسداً لموهبته الخطابية ، فهما في الحياة ، ومنذ تفتحت عيونهم عليها ، كفرسي رهان ، كان متنافسين في كل شيء ، في سنوات الدراسة كان غالباً ما يحافظ على ترتيبه الأول.. بينما كان أكرم يتخلف إلى الترتيب الثاني أحياناً . كانا لايهمهما التقدم في الترتيب .. إلا من باب المنافسة المحتدمة بينهما. وفي الألعاب ، غالباً ما كان يتفوق عليه، وخصوصاً في كرة القدم ، التي دائماً ما كانت تسند إليه فيها مهمة كابتن الفريق ، غير أن أكرم بحث عن فرصته في كسب المنافسة الرياضية بينهما في لعبة الكراتية.. لحقه شاكر إلى نادي الكراتية .. لفترة لم يستطع إطالتها.. لإدراكه عجز قدراته الجسمية في منافسة أكرم الذي يتفوق عليه في البنيان الجسمي.
ومثلما بحث أكرم عن ميدان يحقق له الفوز بالمنافسة الرياضية، وعثر عليه في لعبة الكراتية.. بحث شاكر عن ميدان بديل للمنافسة الخطابية، وقد وجد صالته وفي الكتابة.
فكتب الشعر والخواطر والمقالات. وتعثر في البداية، ولكنه بعد محاولات شاقة استطاع الانطلاق، والارتقاء بالقدرة البيانية إلى نجم لا يجحده القاصي الداني ، ولا البصير ولا الأعشى. وأهله إبداعه البياني ليكون قلم التنظيم الأول. ولعل به أصبح تنظيمه يصدر أكثر البيانات والنشرات فصاحة وبلاغة من بني بيانات التنظيمات الأخرى، وذلك واحد من مصادر فخر التنظيم ورغم المضمون السياسي والتعبوي لتلك البيانات.. إلا أنه من الممكن اعتبارها قيمة أدبية رائعة. وأنها لسوف تذكر في دراسات النقاد، كما سوف تذكر في أبحاث المؤرخين السياسيين.
حاول أكرم منافسته ، ونجح فعلاً في كتابة بعض القصائد الجميلة، ولكنه لم ينجح في الارتقاء بقصائد لمستوى المقارنة بقصائد شاكر.
وكف الاثنان عن المنافسة البينية ، بعد أن رضي كل منهما بما تفوق به على الآخر ، وبعد أن أدرك كل منهما أنه وصل إلى أقصى ما يمكن الوصول إليه في مجالي الخطابة والبيان . وكأنهما اعتبرا أن التوازن المرضي قد تحقق بينهما. غير أن هذا التوازن، لم يتحقق لشاكر، إلا بعد سنوات طويلة ، كان فيها أكرم فارس الخطابة المتفوق.
متى اُكتشفت موهبة أكرم الخطابية؟..
هذا التساؤل لا يتبادر إلى شاكر مطلقاً، ويود نسيان ذلك اليوم .. يوم أن تقدم أكرم مجموعة المصلين الصغيرة، بعد صلاة العصر، والقي موعظته القصيرة، التي لم تتجاوز الخمس دقائق، دون أي تلعثم. نعم إنها كانت موعظة بسيطة، ولكنها كانت أكبر من سن مقدمها، الذي لم يبلغ بعد الإثنى عشر ربيعاً.
استحسن إمام المسجد الطيب موعظة الطفل، الذي كان يعرفه من مواظبته على حضور الدرس والموعظه ، ومن توجهه إليه بتلك الأسئلة.. التي تكشف عن شغفه بالمعرفة الدينية.
ودافع الإمام الطيب عنه وعن موعظته أمام غضب مجموعة المصلين العواجيز ، الذين كانت لا تروقهم رؤية طفل يصلي في المسجد، أما رؤيته واعظاً فذاك تجرؤ وعبث بالدين لا ينبغي السكوت عنه.
أعاد أكرم تجربته ، بتشجيع من إمام المسجد، رغم معارضة مجموعة العواجيز ، وكل يوم كان يزداد تألقاً.
وجرؤ شاكر ، بدافع التنافس ، على التقدم للموعظة.
افتتح موعظته بصوت يفتقر للثقة بالنفس .. خرجت الكلِمات من فمه مترددة ، سرعان ما داخلها التلعثم الذي أفضى في النهاية إلى افتقادها نهائياً . وبذلك أتت لعواجيز المسجد الفرصة المرامة .. لوضع الحد لهذا العبث . في البداية ألبسو وجوههم الفرحة بإتيانهم الفرصة أقنعة الغضب .
فنظر شاكر تلك الأقنعة ، فرآها وجوه أسود جائعة ، فألق للريح ساقيه. ثم راحت أقنعة الغضب تقذف بكلماتها صوب الإمام الطيب:
قال أحدهم :
ـ قلبت لنا الجامع مسخرة..
وقال آخر:
ـ ياعمي ، هذا جامع مش روضة أطفال.
وآخر:
ـ الدين مش لعبة أولاد يا شيخ.
وآخر ، بصوت متهدج بلغته كل علامات دنو الأجل.
ـ والله يا عمي ، ما كذب مين قال : قاضي الولاد شنق حاله.
وآخر بحمية:
ـ لازم نضع حد..
وتدخل الإمام بكل قوة ، بعد أن أمطرهم بنظرات الامتعاض والاستهجان:
ـ من كان منكم يستطيع تقديم موعظة أفضل من هذا الولد ( وأشار بيده نحو أكرم) فله أن يقول : بأنني قلبت الجامع مسخرة ، وله أن يقول في حقي ما شاء ، وله أن يمنعه من إعطاء الموعظة.
أحدهم لم يقبل بالتحدي ، وتمادوا في تقريعه. فعاد ليقول:
يا جماعة ، لحظة .. عمر بن عبد العزيز لمَّا ..
ولكنهم لم يعطوه فرصة الحديث ، واستمروا في تأنيبه، وهو في تهدئتهم ، حتى وافقوا على إعطائه الفرصة ليقول:
ـ لما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة ، جاءه وفد لتهنئته . وكان على رأس ذلك الوفد غلام. فاندهش عمر بن عبد العزيز، وأبدى لهم استغرابه، وطلب منهم أن يتقدمهم من هو أكبر سناً.. فماذا قال الغلام؟..
دارت عيون جماعة العواجيز حيرة فيما يريد الوصول إلهي هذا الإمام ، بهذا الكلام الذي في بدايته ما يوافق هواهم . وضحك أحدهم ضحكة صفية من أنفه ، وتابع الإمام حديثة.. بعد لُحيظة صمت لم يكن خلالها ينتظر منهم أي إجابة:
ـ قل له الغلام : يا أمير المؤمنين ، نحن وفود التهنئة لا وفود المرزئة ـ يعني المكروه الله يبعد منكم الشرـ فإذا كان الأمر يعطي للأكبر سناً فهناك من هو أسن منك ، وقال كلاماً آخر جعل الخليفة عمر يتراجع عن موقفه . فهل أنتم أفضل من عمر بن عبد العزيز؟..
(وتابع بعد أن أضفي على لهجته التودد) الموعظة يا جماعة ، ليست لمن هو أكبر سناً ، وإنما لمي يستطيع الوعظ ، وأكرم رغم صغر سنه مواعظه جيدة ، فلماذا لا نسمع له؟..
وظل الإمام يحاججهم حتى رضوا على مضض بوقوف أكرم واعظاً. وأما شارك فترك الفشل في نفسه شرخاً سحيقاً ، أبعده عن إعادة المحاولة ، وعن المسجد الذي تمت في المحاولة.
" أيعقل لأكرم التفكير في الشهادة بجد؟"
قفز السؤال في رأس شارك مرة واحدة ، في لحظة واحدة ، كما قفزت الإجابة بسرعة البرق، في لحظة واحدة : " لا .. لا يعقل ؟ فأكرم ليس من النوع الذي يقدم على مثل هذه الخطوة ، ولماذا يقدم عليها ؟ إنه يعيش حياة هانئة مريحة .. في بيته ينعم بحياة أسرية سعيدة ، ولا يعاني من أي ضائقة مالية .. بل على العكس فهو ميسور الحال، وليس له أعداء ،، بل كل من يعرفه أو يتعامل معه يحيطه بالحب .. وهو الذي يداعب قلوبهم في المواعظ والخطب ، وهو الذي لا يبخل في الإحسان على المحتاج، ولا يتأخر عن إقراض المضطر لا .. لا يعقل لمن يعيش حياة أكرم أن يقدم على العمل الاستشهادي فأمثال أكرم قد يشتغلون بالسياسة ، وتكون لهم مواقف صلبة.. قد تعرضهم لأذى الاحتلال، و يقبلون ببعض المناصب الخطيرة المحفوفة بالموت .. ولكن الذهاب إلى الشهادة .. إلى الموت عبر طريق مباشر وباحتمالية الوصول إليه مائه بالمائة، فهذا لا يكون.."
وما كان يغفو حتى أتاه رني الهاتف المحمول منبهاً. فامتدت إله يده بسرعة ، وأتاه الصوت ليخبره بوجود مشكلة في برزة الشهيد سعيد ، ولا بد من حضوره حالاً لحلها.
فكر في تحويلهم إلى أكرم ، فسأل :
ـ اتصلتم بالشيخ أكرم؟
ـ لا ، فالمشكلة أنت أفضل من يحلها.
ـ لماذا .. ماهي المشكلة بالضبط؟
ـ للشهيد سعيد ابن عم من تنظيم (....) ، ويصر على رفع راية تنظيمه فوق بيته وهو البيت الذي ستقام فيه البرزة . وأنت تعرف الشيخ أكرم لو تدخل في حل المشكلة .. فسوف يحلها على حسابنا، فأنت تعرف لا مشكلة لديه حتى ولو استولى تنظيم (....) على المهرجان كله.
ـ بسيطة .. بسيطة، سآتيكم في الحال.
لم تكن إلا دقائق معدودة ، حتى وصل إلى بيت الشهيد ، ليرى المشهد بين ابن عم الشهيد ومجموعة من أفراد تنظيمه تؤازره ، وبين مجموعة الأفراد التي اتصلت به ،والتي أشعرها وصوله بالارتياح ، وجعلها تهدئ من توترها ، وتفسح له المجال ليحل المشكلة بطريقته الخاصة.
ـ أنت تعرف أن الشهيد شهيدنا، اليوم الجميع رآه على شاشات التلفزيونات يصرح بذلك.
ـ قبل أن يكون شهيدكم هو ابننا.
ـ هكذا أنت تخلط بين ما هو عائلي وما هو تنظيمي. هو ابنكم ، ولكن كشهيد هو ابننا وابن الشعب الفلسطيني كله.
ـ ما دامه ابن الشعب الفلسطيني كله .. فهذه الرايات لا يجب ان تزعجكم في
شيء.
ـ هي لا تزعجنا ، وأنا على استعداد لرفعها في المظاهرات العامة ، ولكن وجودها هنا في هذا الوقت بالذات أسمه تسلق على أكتافنا ، واستثمار غير مشروع لعملياتنا الخاصة كتنظيم.
ـ سعيد لم يكن من تنظيمكم . كل هدفه كان الإستشهاد، والصدفة وحدها ساقته ليستشهد تحت رايتكم، ولو سبقكم إليه تنظيم آخر، أي تنظيم آخر ، لكان الآن ابن ذلك التنظيم.
ـ ولكن القدر أتى به إلينا، والآن هو شهيدنا.
ـ نحن أهله ، ولنا في نصيب.
ـ ما هذا المنطق يا رجل ؟.. عن أي نصيب تتحدث؟.. أنسيت بأنك تتكلم عن شهيد لا عن قطعة ارض؟. الشهيد دون قسمة هو ابن أبيه.
ـ إذن اتركوه لأبيه، وخذوا أجهزتكم ومعداتكم وارحلوا.
ـ إذن أترك أنت الكلام لأبيه ، هو ولي أمره، ونحن تنظميه.
ـ اترك أباه ليقل كلمة الفصل بيننا.
فقال أبوه بلهجة غاضبة نزقة، وكان يتابع الحوار منذ البداية باستياء يكاد يتفجر:
ـ ألا تخجلون من أنفسكم؟.. تريدونني أن أقسم دم ابني الشهيد بينكم، .. لا والله هذا لن يكون .. قوموا فانصرفوا من هنا.. انصرفوا جميعاً..
وأجهش باكياً . اعتذر شاكر إليه بتأثر، وأمر أبناء تنظيمه برفع أيديهم عن كل شيء يخص بيت العزاء أو الانصراف ، ثم انصرف وسط استنكار عناصر تنظيمه، وأخذ منهم لم يكن يدرك أن الأمر بالنسبة لشاكر لم ينته بعد .. وأنه لن يخيب ظنهم في تنزيله لراية التنظيم الآخر.
أجرى اتصالاته داخل سيارته ،ولم يمض على انصرافه ساعة ،حتى شاهدوا ابن عم الشهيد يتحدث عبر جهازه الخلوي بكلمات عصبية ، ثم يصمت متسمراً في مكانه دقيقتين كمن يلفه الانشداه بالهزيمة ، ثم ذهب ليرى وهو ينزل راية تنظيمه وسط استغراب واندهاش الجميع .
عاد شاكر إلى سريره وعاد إليه التفكير ببرنامج حفل التأبين .وراودته رغبة في إلقاء خطبة نارية تشبه خطب أكرم ،بيد أن ترسبات ذلك الحدث في نفسه عكر رغبته ،وأزهده فيها ، وأقنعه بدور عريف الحفل الذي تمرس في أدائه .فالعرافة تمنحه مساحات زمنية متقطعة ،بين كل فقرة وفقرة ،ليقول ما يريد .وفي كل مساحة زمنية يمكنه التكلم حول فكرة مغايرة تماما لما سبقها .ويمكنه جعلها شعرا ،أو قولاً مأثوراً أو أي شئ آخر .وذلك ما يحتاجه بالضبط .على عكس الخطبة .
"يبدوا أن استشهاد سعيد ادخل أكرم في الأجواء الاستشهادية الآسرة " قال في نفسه وفكر : "لذلك ستكون خطبته خارجة عن المألوف ..سوف تلبد سماء المهرجان بغيوم الروح الاستشهادية التى ستنزل على الحضور زخات غزيرة تغسلهم من كل أدران الحياة ،وتبلل قلوبهم بالرغبة في الإسراع على أجنحة دمائهم نحو الله .تلك الرغبة التى سوف تجف من قلوبهم الأكثرية بعد ساعات من الخروج من أجواء الخطبة ..كما تجفف شمس الخريف مطره ..وكما سوف تذهب عن أكرم أجواء استشهاد سعيد ،وتجعله ينسى كل الإصرار على الشهادة الذي أظهره لنا .ولكن ماذا لو بقى يعيش تلك الأجواء إلى أن تجعل منه شهيداً ؟" .
استحضر ما أمكنه استحضاره من أسماء الاستشهاديين وحالتهم الاجتماعية والاقتصادية ،وقارنهم واحداً واحداً مع حالة أكرم ،فلم يجد من بينهم من يماثل حالته تماماً. نعم ،وجد مثله :آباء وأرباب أسر سعيدة ،وشبان من عائلات يمكن تصنيفها بميسورة الحال، وأزواج وخاطبين يحبون أزواجهم وخطيباتهم ، وأصحاب مهن ووظائف تحلم بها شريحة كبيرة من الناس ،وطلاب جامعات متفوقين في دراستهم ،وكذلك خرجين جدد ..
ولكن شخصاً يجمع في يده كل أسباب سعادة الحياة الدنيا ،بالدرجة التى يجمعها أكرم في يده ،لم يجد ،وقاده تفكيره إلى ان :أجواء الشهادة لن تدوم في التأثير عليه لأن أجواء الأرض تحاصره من كل جانب ،و أجواء الشهادة تظل عابرة طارئة ،والأيام القادمة قلَّت أو كثرت كفيلة بتبخيرها .وأما أجواء الأرض فهي تبقى ما بقيت أسباب السعادة فيها .
وهذا ما حاول ان يفهمه لام أكرم ..التى فاجأته بقدومها لزيارته في الصباح .منذ زمن طويل ،لم تطرق باب بيته في مثل هذه الساعة المبكرة [ الساعة التاسعة]. دخل روعه أن وراء قدومها أمر جلل .خصوصاً وأنه رأى في وجهها ،حينما فتح لها الباب ،ما رأى من علامات الهم والغم ،فعاجلها بمجرد أن جلست ،على أريكة وثيرة في صالون شقة واسعة حصل عليها حديثا ،بسؤاله المتوجس :ـ خير يا خالتي ،أم أكرم ؟.راحت تبحث عن بداية لحديثها في دقيقة، شعرها ساعة طويلة ،ثم اختارت أن تبدأ بسخرية سوداء:
ـ لا أدري إذا كان من الخير أو الشر أن ترى أم ابنها يذهب إلى موته ..
ـ لم أفهم شيئاً ..أرجوك أوضحي لي .. فقد أفزعتني..
فامتدت وهو تقول:
ـ شاكر ، أنت فاهم كل شيء ، فلا توجع قلبي على ما فيه من وجع.
فقال بتدرع :
ـ سلامة قلبك يا خالتي ، ولكنني أريد أن أسمع منك ، فلعل لديك ما لا أعرفه ..
ـ يعني تعرف كل شيء ، وتريد ان تعرف ماذا أعرف.؟.
صمت لحظة ، حار فيها ، وانتابه شعور بالخجل من شيء غامض، جعله يهرب من النظر إلى عينييها . ثم قال ، وهو يحدج اللاشيء في زاوية الصالون البعيدة :
ـ كل ما أعرفه ، هو ما قاله أكرم بالأمس.
ـ وماذا قال ؟
ـ قال : أنه يريد أن يستشهد.
ـ فقط!..
شعر بأنه يجلس على كرسي تحقيق أمام ضابط استخبارات يمكنه قراءة الباطن من أحوال العيون وحركات القسمات ، ومن بين الحروف والكلمات التي يقدمها ، فوجد نفسه يقول كل كلمة بحسبان :
ـ فقط :
ـ وماذا كان ردك له ؟
ـ الرفض طبعاً.. فأنا لا يمكنني أن أقبل بذلك.
فقالت بلهجة لا تخلو من سخرية وهي تهز برأسها الحزين :
ـ لا يمكنك ان تقبل بذلك ؟..
ـ ألا تصدقينني يا أمي .. أم أكرم؟
ـ ولماذا أصدقك؟
أحس بالصغار ، وبسخونة تنتاب دماء رأسه ، وبعرق يكاد يندي به جبينه، وهو يقول:
ـ أنت تعرفينني .. أنا لا أكذب .. أنا تربيت على يديك كما تربيت على يدي أمي .. ثم لماذا أكذب ؟.. فأكرم ليس صديقي بل هو أخي.
ـ الحمد لله أنك لا زلت تذكر أنه أخوك .. وأنك كنت تقاسمه طعامه وحتى ملابسه.
لمس في قولها المن ، ولكنه أسرَّه في نفسه وقال :
ـ لا تهون العشرة إلا على ابن الحرام.
ـ يعني لن تشجعه على الاستشهاد..
ـ لا .. أبداً أبداًً..
مدحته بنظرة تقول : " أتمنى لو أصدقك " ، وتساءلت:
ـ لأنه صديقك؟..
ـ اجل ..
ـ أولم يكن صديقك حينما اعترفت عليه وتسببت له بالاعتقال ثلاث سنوات.
ـ لماذا تحملينني مسؤولية اعتقاله ؟ .. لماذا لا تريدين أن تتفهمي بأنه لم يكن أمامي سوى الاعتراف بما اعترف به الآخرون من أفراد المجموعة .. لم أكن أول من أعترف..
ولم يكن اعتراف أكرم أقل من اعترافي . ( وأضاف برجاء ) وإن هذا الموضع مرَّ عليه سنوات طويلة ، وآن لك ان تنسي وتغفري..
ـ وكيف أنسى ، وأنا أراك هذه المرة تريد إرساله لا للسجن بل للموت..
ـ يجب أن تصدقيني يا أمي ، يجب أن تصدقي بأنني حريص على حياته مثلك تماماً.
ـ لا تقل مثلي ، فأنا ما كنت لأعترف عليه ولو مُتُ تحت التعذيب.
ـ كيف أجعلك تصدقي بأنني لن أسمح له بالاستشهاد.. كيّف ؟
وتابع مستنداً على منطق آخر من الحجج ، وذلك بعد أن هيئ صوته بما يتناسب مع تغيير الحجج:
ـ أنا وباقي الأخوة في التنظيم سنمنعه، ليس لأننا نحبه ، فمن نحبه نشجه على الشهادة ، لأنه في الشهادة خير ، ولكننا سنمنعه ؛ لأن في استشهاده خسارة كبيرة للتنظيم, فنحن باستشهاده سنخسر أهم خطيب لنا وأفضل لسان عندنا نخاطب به الجماهير .. وهذه الخسارة لن نستطيع تعويضها ؛ لذلك نحن نريده حيا ً لا شهيداً .
هل هذا الكلام يقنعك؟.
لاحت في عينيها دمعات ، وهو تقول بتوسل:
ـ ابني يا شاكر ، إذا كان لي عندك خاطر مثل زمان .. اجعله يُبعد فكرة الشهادة من فكره .
ـ اطمئني ، كلنا تأتيه رغبة الاستشهاد حينما يستشهد أحد معارفنا ، وبعد أيام من ذلك تذهب عنا.
ـ هكذا ظنك؟..
ـ أنا متأكد.
كانت أم كرم في مساس الحاجة لمثل هذه الكلمات الحاسمة ؛ لتبعث فيها الأمل بانصراف فكرة ذهاب ابنها إلى الموت عنه . وشاكر في اشد الحاجة لخطابها له بكلمة " ابني "، فهي دليل الرضا من امرأة ينزلها منزلة أمه . فهو منذ اعتقال أكرم ، ويلازمه الشعور بالحاجة لكل كلمة ترض دافئة منها.
" آه .. لو تعلم أم أكرم كيف تفتح بطون الرجال تحت أقبية التحقيق الإسرائيلية ، لينتزعوا منها الاعترافات كما ينتزع العظم من اللحم.
آه .. لو تعلم أم أكرم ، أن اعتراف الرجل يلتصق برجولته، ولا ينتزع منها إلا بنزعها معه، أو جزء منها على الأقل ؟. وليتها تعلم أن الرجولة أغلى ما يملكه الرجال.
وأن الرجل الحقيقي يفضل التخلي عن حياته. ولا يتخلى عن رجولته.
تقولين : أنك لو كنت مكاني في التحقيق ؛ لفضلت الموت على الاعتراف . تقولين ذلك ؛ لأنك لا تعرفين أن الموت كان الرحمة التي أرجوها من نار تقديم معلومة تافهة واحدة .. لا الاعتراف على صديق".
كانت ليلة باردة ، قذفوه من سيارة إلى سيارة ، ومن يد جلاد هاوي إلى يد جلاد محترف. وهناك في المسلخ ، في سجن غزة المركزي ، استقبلته أصوات لا تعرف من الأسماء غير أسماء الجسد الواقعة بين السرة والركبة . وصافحته الأيدي التي لا تعرف أن تصافح إلا بشعر اللحى.
لم تكن لحيته مكتملة بعد ، كانت تتوزع في كتل متفرقة: عند السالف، أسفل الذقن، وسط الخد. لم يتبين حينها مقدار الشعر الذي انتزعته تلك الأيدي ، فالكيس الذي كان يعبأ في رأسه يحجبه عن كل شيء ، ويداه المكبلتان إلى الخلف ممنوعتان من تفقد أي شيء..
حتى من جسده الصاخب بالأوجاع.
في اليوم الخامس لاعتقاله جلس لأول مرة أمام ضابط الاستخبارات. أثناء تلك الأيام ظن أنهم نسوه بين عشرات المعتقلين الذين لم يعرف منهم أحد ، ولم يكلم منهم أحد ، ولم يحس بوجودهم .. إلا من خلال التأوهات والكلمات الهاذية والصرخات في أعقاب الضربات . وأحياناً كان يجيئه التفكير بأنهم يهدفون إعدامه ضرباً وتجويعاً. وأثناء تلك الأيام يأتيهم صوت كالنقيق:
ـ قم .. قم .. قم..
فيقفون عن الراسي الصغيرة المصممة للأطفال دون السابعة ؛ لتفاجأهم الضربات على البطن والصدر لساعة أو ساعتين . ثم يأتيهم صوت الضفدع المرهق من كثرة السباب والشتم مرة أخرى.
ـ أقعد .. أقعد .. أقعد..
فيعودون للجلوس على تلك الخوازيق ؛ لتخدر منهم الأقدام ، وتصلب الظهور ، و لتأتيهم الضربات المباغتة على الرأس والأكتاف والظهر .
أمر ضابط الاستخبارات بفك قيده، ورفع الكيس من رأسه . فتسنى له لأول مرة أن يرى صاحب صوت الضفدع. كان يتخيله كالضفدع .. ولكنه وجده بأنفه الطويل أشبه ما يكون بالفأر السمين .
لم يكتشف أنه خرج من عالم الكيس .. إلا بعد مغادرة صاحب صوت الضفدع . كان اكتشافا ً آخذاً .. ما أروع العودة إلى الإبصار .. العودة إلى الشعور بالجمال .. الألوان الهادئة تحت الضوء الناعم ، والجدران البيضاء ، الستائر الرمادية , المكتب الفستقي ، شاشة الكمبيوتر الزرقاء ، قميص رجل التحقيق المزركش ، إطار نظارته الذهبي ، كل لون أصبح بالنسبة له لوحة نفيسة تستحق التأمل وإمتاع البصر بها . وأعاد اكتشاف الهدوء , ما أصعب شقاء السمع ، وما أجمل راحته ، ظن في لحظاتٍ كثيرة وهو يعيش عالم الكيس الرهيب بأنه لن ينعم بلحظة هدوء واحدة ، فمنذ دخل ذلك العالم وأذناه تضربان بضجيج متواصل من الموسيقا. و كانت دهشته كبيرة من جعل الموسيقا مصدراً من مصادر التعذيب. وأعاد اكتشاف المتعة بالشم، فقد حار كثيراً ـ قبل إقناع نفسه بأن الكيس مصنوع من جلد ميت ـ في مبعث الرائحة النتنة في عالم الكيس . ولم يبق له سوى العودة إلى متعه التذوق. في عالم تمنى لو يفقد حاسة التذوق ـ كما تمنى أن يفقد باقي حواسه : البصر ، والسمع , والشم ، والإحساس ـ لكي لا يشعر بطعم ما ينزل في بطنه .. حتى الماء لا ينسون إكسابه طعم الأسون . وكيف يكون طعام صاحب الكيس ؟ .. يوضع أما طاولة عليها صنف واحد من الطعام يستحيل اكتشاف نوعه، وتفك له من القيد يد واحدة ، ويرفع الكيس عن الوجه حتى نصف العينين، ويأمر بالأكل، فما أن يزدرد ثلاث أو أربع لقيمات حتى يعود الكيس والقيد إلى سابق وضعهما.
تركه المحقق الشاب الوسيم يمتع جميع حواسه للحظات ، أو لعله تركه تلك اللحظات ليدرسه بنظراته التي تفقدته بإمعان . ولما بدأ الكلام قال وكأنه يريد منحة متعة التذوق التي لازالت تنقصه :
ـ أتريد شاياً؟
كان صوته يمتلئ ثقة دفء "إذن يوجد هنا من يعرف الكلام بأدب ودون شتائم ".
قال في نفسه وكاد يوافق ،لوما خشية اعترته بأن يكون هذا الكأس بداية صداقة،وان يكون ثمن هذه الصداقة اعترافه ؛لذلك رفض .وقد سعد بذلك الرفض .وحمد الله عليه ،بعدما بلغه ـ بعد انتهاء التحقيق معه وترحيله إلى السجن ـ أن هناك من اعترف عرفاناً لكرم المحقق ،بداية ،خبر بهذا الاعتراف من صاحبه ،فظنه يمزح .وفقط أيقن بجديته بعد سماعه من أكثر من شخص ،وحينها سأله باستنكار :
ـ كيف اعترفت بهذه الطريقة ؟
قال :
ـ أخجلني بكرمه يا رجل .كان غيره يدخلني الثلاجة وهو كان يخرجني منه ،ويقدم لي الدخان والبسكويت والشاي ،وكان يريحني من الشبح ..كان يدخلني زنزانة لأنام ،أو يستضيفني في مكتبه،ولا يسألني أي سؤال ..بل على العكس كان هو من يحكى لي القصص من مغامراته مع أصدقائه وصديقاته .وبعد عدة أيام وجدت نفسي أبادله القصص ،وبعد حوالي سبعة أيام طلب مني طلب الصاحب من صاحبه أن أكتب اعترافي فخجلت أن أكسفه وكتبت .
قال ضابط المخابرات لشاكر بعد ان عرف نفسه بالكابتن أبي فؤاد :
ـ اسمع يا شاكر ،أنا لا أحب اللف والدوران ،سبحتكم فُرطت ،وكل الخرز وقع في أيدينا ،عبد الحليم وخليل وجلال ..وكل المجموعة ..كلها وقعت .يعني لا داعي للحكي الكثير. وكما تعرف نحن في أرض مقدسة لا يبقى فيها سر ؛فلا تتعب نفسك وقص القصة.
ـ إذا كان كل شئ كُشف ،ولا داعي للكلام الكثير ،فلماذا تطلب مني أتكلم .
ـ روتين .أنت تعرف عملنا،عليتا أن نسمع القصة من الجميع ،
ـ لا توجد عندي قصة لأحكيها لكم .
ـ إذن أنت من النوع الغبي الذي يحب أن يهلك نفسه دون فائدة .
واستغرقت الجلسة الأولى ما الساعة ، لم يستطع خلالها إقناعه بقول كلمة واحدة ، فأمر بإعادته للكيس . دخل العالم الجهنمي ، فأنحصر أفق إبصاره في سنتيمترين ، وامتلأ أنفه برائحة النتن ، وأُلقى على قلب الضوضاء على الكرسي الخازوق؛ ليتعلم كم الدنيا مملؤة بالمتع، وكم كان زاهداً فيها . تمنى لو يعود به الزمن شهراً واحداً للوراء ليتخلى عن زهده، ويشبع البصر والشم والسمع متعة ولذة ، وجسده من الاستلقاء في الفراش الوثير.
وبعد ساعتين أعادوه إلى غرفة التحقيق. وكانت ما أكبر فرحته بتلك العودة. قرر ألا يرفض دعوة المحقق إلى كأس الشاي. فك قيده، وأخرج من عالم الكيس؛ ليجد من المحققين خمسة . لفت انتباه أحدهم أن شاكراً لم يحول يديه عن خلف ظهره، فذكره:
ـ يداك غير مقيدتين .. تستطيع وضعهما إلى الأمام.
استغرب أنه لم يلحظ إطلاق يديه.. إلا بعد تذكيره . فحولهما لحظة، ثم سرعان ما عادتا إلى خلف ظهره، غذ وجدتا راحتهما في إبقائهما على الخلف ، بعد أن أقلمتهما أيام الشبح الطويلة على تلك الوضعية.
أحدهم لم يعزم عليه شاياُ، وإن كانوا قد أعدوا على مسامعه كل ما قاله وسأله أبو فؤاد قبل ساعتين . وهو بدوره اسمعهم ما سبق أن أسمعه له.
أعادوه على القيد والكيس، ووجد نفسه خلال ثوان يستلقي على الأرض وجميعهم يجلس على جسده. " ماذا يريدون ؟" قال في نفسه. وقال أبو فؤاد:
ـ أولاً نسقيه قهوة.
فكل للحظة، بأنهم سيسقونه القوة على الطريقة اليابانية القديمة في تعذيب المعتقلين ,وذلك بتعبئة بطونهم بالماء بواسطة المحقن . وكان تفكيره صحيحاً، غير أن القهوة بدأت تراق في أنفه قطرات. شعر وكأن بحراً من القهوة يفيض ويغرقه. صدرت عنه ردات فعل غريق، ولك تثبيت يديه تحت ظهره منعهما من التجديف، وكان قيد يديه اللعين كلما تحركت أنغرز في ظهره أكثر.
ـ ها .. ماذا تقول يا .. ، هل ستقص القصة أم نجرب معك طريقة أخرى.
كان منشغلاً بالعطس والسعال.
وقال آخر:
ـ أنت لدينا فأر تجارب، سنستخدم معك كل طرقنا المجربة ومثلها لم تجرب بعد.
وقال آخر:
ـ لا لا .. شاكر ذكي ، سيريح نفسه ويريحنا من التجريب. الآن تأكد بأننا لا نمزح. ولذلك سيتكلم.
احتار بين خيارين : أن يتكلم بكل ما يغيظهم من شتائم ومسبات ، أو أن يعقد لسانه ويقفل بشفتين من حديد.
ـ ها .. قص القصة يا ..
ولكموه في بطنه.
وأيقن بأنه لن يضارعهم بالمسبات، فهم مهنيون في ذلك ، ولا يحتكمون لأي معيار أخلاقي. فحسم أمره، وعزم السكوت.
ـ ها .. ماذا تقول؟
لم يرد ، فغضبوا، وأصيبوا بالسعار.
ـ نعرف كيف نجعلك تغرد، خلال دقيقة، كالكروان، يا ..
كلهم قالها بأسلوبه الخاص، وكلماته المعجمية الخاصة.
" ما هذه الطريقة التي ستنطقني خلال دقيقة واحدة".
لم يملون ليتخيل تلك الطريقة . خلال ثوان قليلة توزعوا على جسده، وكل منهم قبض عضواً وعمل فيه قرصاً وفركاً. وبيد أنه انشغل عن ألم كل الأعضاء بألم الخصيتين .. كان ألم جرح يمتد من أعلى الرجلين حتى أعلى الرأس .. ألم جرح يحشي بالبارود ليتفجر به الدماغ، تلك التفجيرات رآها التماعات خلف العينين.. هناك داخل الجمجمة . من يقول أن العيون فقط ترى خارج الجمجمة ؟ .. كذب ؛ فالعيون ترى البرق داخل الجمجمة أيضاً ـ لقد أكد شاكر بأنه رآها بنفسه ـ ولكن بعد أن ترى البرق داخل الجمجمة عدة مرات تفقد الشعور تماماً .
كان شاكر عنيداً معهم. رفض حتى الصراخ وهو يرى البرق داخل الجمجمة ؛ لأنه قرر أن يغيظهم بصمته. ولما أفاق من غيبوبته .. أفاق على الشعور بالماء يبلله.
"من يبلغ ذلك لأم أكرم ؟.. " لطالما تمنى شاكر لو تبلغ بذلك وتصدقه.
ـ .. ما قولك؟..
ـ لاتريد أن تتكلم ؟ .. نحن الحجارة نجعلها تتكلم.
أجلسوه على الأرض . وأمسك أحدهم بالكيس المعبأ به رأسه، وهوى به، فإذ به يغرف في دلو ماء . اختنق، ووقفت روحه على أعتاب الجسد لتودعه. وكان ذلك مبعث فرحته.
أخيراً إنه الفرج. ولكن الجبناء سدوا عليها طريق الخروج بإخراجه من الدلو ومن الكيس ، بعد أن رأوها عزمت الرحيل ، ولم يبق لها سوى شعرة واحدة.
وودَّ لو يرجوهم بإعادته إلى الدلو، وأن يزيدوا من بقائه فيه دقيقة، ولكنه أحجم ؛ آل على نفسه ألا يتكلم.
أعادوه للدلو مرة أخرى. حمد الله على فرصة خلاص الروح الجديدة التي منحوه إياها.
وناشد روحه، التي أصبحت على أعتاب الجسد المعذب مرة أخرى ، بالمغادرة السريعة ، ودون إلتفاتات الوداع الواشية بالتردد. فماذا كل هذا التردد، وكل هذا التمسك بهذا الجسد وهو جحيمك؟.
خشيته الوحيدة كانت أن يخرجوه من الدلو قبل تمكين روحه من فرصتها في الخلاص. فخطر له أن يُسمر رأسه داخل دلو الماء، ويحول دون إرادتهم بإخراجه. بيد أن فكرة الانتحار لم ترقه، شأن كل مؤمن يتقي جهنم، ويعتبر الانتحار اقرب الطرق إليها، كما يعتبر الشهادة أقرب الطرق إلى الجنة.
كلما عادت به الذاكرة إلى تلك الأيام السوداء.. تخيل أم أكرم ، وقال في نفسه: " لو كنت مكاني لفضلت الموت على الاعتراف على أكرم يا أمه؟ . الموت الذي كنت ستفضلينه.. أنا خفته فعلاً . كل يوم من أيام التحقيق ، كنت أموت مائة مرة ، وما كنت أنطق بكلمة . بكل غرق في القهوة أو في دلو الماء؟ وبكل ليله أمضيتها في الثلاجة أو الشبح، وبكل لمعة كنت أراها داخل جمجمتي .. كنت أذوق الموت.
لو حدثتك بكل ما يجري هناك لما صدقتني؛ لأنه لا يصدق فوق تصور البشر ، حتى أنا حينما أتذكر لا أصدق بأنني استطعت تحمل كل ذلك دون أن أموت. جدلاً ، ممكن أن تصدقينني وتقولين: في النهاية اعترفت، فتحت لهم الباب لاعتقال أكرم. لا يا أم أكرم، في النهاية خدعت ، لم يتمكنوا من شق صدري عند حافة الموت وينتزعوا منه اعترافاً واحداً ، و لكنهم بالخديعة، وباستغلال غبائي أخذوا مني كل ما يريدون".
أوهموه بإنهاء التحقيق ، وبترحيله على السجن. حبكوا اللعبة جيداً . أدوا جميع طقوس الترحيل . أقلوه في سيارة السجن المعتمة . لم يكن في السيارة سوى ثلاثة من عملائهم. لم يكتشف أنهم عملاء إلا بعد زمن . احتفظ به. وهنأوه بالسلامة بالخروج من التحقيق، وحذروه من العملاء الذي استعادوا مصطلح العصافير للإشارة إليهم.
ـ خذ حذرك من الوقوع في شرك العصافير. المخابرات بعد ما تيأس من المناضل تذهب به ـ أحياناً ـ لغرف العار، الغرف المخصصة للعصافير.. لانتزاع الاعترافات التي عجزت المخابرات عن انتزاعها من الشباب . يدخلون الشاب إلى واحدة من تلك الغرف ، فيجد جماعة من الصوَّامين القوامين ، يحتضنونه ويغدقون عليه كنتينهم. ولما يأنس لهم يتوجه غله من قدموه له على أنه أمير التنظيم ، ويهيئ له هذا طرق الاعتراف ، فيقول له: سيأتيك الموجه الأمني وسيتكلم معك ، كن مطمئناً له ، فالجهاز الأمني في السجون وظيفته خدمة المعتقلين الجدد، وتوصل الرسائل منهم على التنظيم في الخارج وبعد ذلك يأتيك من يدعى أنه مسؤول الأمن ويطلب منك أن تكتب كل شيء عن علاقتك بالتنظيم . فإذا كانوا من العصافير فلا تكتب شيئاً.
ـ وكيف أعرف إذا كانوا من العصافير؟.
ـ لا أسهل من ذلك .. إذا كان ترحيلك إلى نفحة فسوف تكون معنا، فنحن من سجن نفحة. وأما إذا كان ترحيلك إلى عسقلان، فالأمير هناك هو أبو خالد، رجل في الأربعين من عمره، له لحية طويلة محناة ، ورأسه أبيض كرغوة الصابون ، ومسؤول الأمن رجل في الثلاثين من عمرة تقريباً ، اسمه محمد ويقولون له أبو على ، وهو طويل وله لحية سوداء قصيرة وعلى خده الأيمن شامة سوداء كبيرة.
انزلوه في سجن عسقلان ، وأدخلوه غرفة تعرَّف فيها على أبي خالد. لمس فيه علماً واسعاً في الشريعة ، والتزاماً في السلوك ما جعله يجله ويوقره ويثق به. فهو الرجل الذي أوصاه أصدقاء سيارة السجن بالوثوق به. وقال له في اليوم الثاني من وصوله، وهو الحريص على التحدث بالفصحى وإتباع جمله بيا أخي:
ـ إذا كنت تريد إبلاغ أحد الشباب في الخارج، بأخذ الحيطة والحذر مما لمسته عند المخابرات من معلومات من خلال أسئلتهم لك ، فاكتب رسالة ، ونحن بدورنا سنقوم بتوصيلها لصاحبها عبر التنظيم في الخارج، يا أخي.
فقال شاكر ، وهو مثقل بالخوف على أكرم :
ـ عندي صاحب أريد أن أحذره، ولكن للأسف هو خارج البلد.. في تركيا.
ـ وهل من الضروري تحذيره؟
ـ في الحقيقة، إني لمست من أسئلة المخابرات أنها تحوم حوله.
ـ إذن من الضرورة تحذيره. أنت اكتب فقط الرسالة ، ونحن سنعرف كيف نتصرف.
وكتب رسالة مختصرة ، قال فيها:
" صديقي وأخي الحبيب ، أكرم ، السلام عليكم ورحمة الله وبركاته:
قبل أن تعود فكر جيداً ، فالمخابرات سألتني عنك كثيراً ، يبدو أنها تعرف عن أكثر مما نتوقع. من ناحيتي كن مطمئناً ، فلم ولن يحصلوا مني على أي كلمة.
أخوك ـ شاكر"
استلم أبو خالد الرسالة منه، وقال:
ـ اعتبرها واصلة.
وفي اليوم التالي، جاءه أبو على . طمأنه على وصول رسالته ، وأبرز له رسالة ممهورة بختم التنظيم ، على اعتبار أنها هُربت إلى السجن من القيادة في الخارج . وسمح له بقراءة الجزء الأخير منها المتعلق به . وكان قد قدم له الرسالة ، وهي مطوية بحيث لا يظهر منها سوى ذلك الجزء، الذي قرأ فيه:
" نوصيكم بشاكر خيراً ، فهو من الشباب الذين نعلق عليه الآمال الكبيرة . بلغنا عن حسن بلائه وصموده في التحقيق . المهم أن يرسل لنا عن مكان السلاح ، وعن الشباب الذين يرشحهم لقيادة المجموعة".
يجب أن نرد على التنظيم بسرعة.
لكن لماذا يطلب التنظيم مني أن أرشح له قائداً للمجموعة ، ومن نظمني لا زال في الخارج؟!.
ـ لا بد وأن للتنظيم اعتباراته الخاصة ، من وراء هذا الطلب، ونحن لا نعرفها ثم وهو يضحك:
ـ ممكن حاجة في نفس يعقوب.. أقصد التنظيم
ثم وهو يعود إلي قناع الجدية:
ـ علي كل حال بإمكانك توجه سؤالك لهم، اكتب لهم كل ما تريد وكتب لهم كل ما يردون: السلاح، أسماء من يرشحهم لقيادة المجموعة وتقييم عن كل واحد منهم زيادة، واستغرابه عن توجههم إليه لا إلى مسؤوله الذي لم ينس كتابة اسمه أيضا ،و سلم الرسالة (التقرير) لأبي علي، وبعد لحظات.. وقف السجان بباب الغرفة وقرأ أسمه وأبلغه بالترحيل إلي غزة:
سكان الغرفة ودعوه بحرارة وهم يبشرونه: بأن ترحيله إلي سجن غزة مقدمة للإفراج عنه ، لأن المخابرات لم تثبت عليه في التحقيق شيئاً
أقله سيارة السجن. وكانت هذه المرة مكدسة بالمعتقلين، عرفوا أنه كان في عسقلان، فسأله الذين هم أيضاً من عسقلان ولم يعرفه مستغربين:
ـ في أي قسم كنت؟
ـ لا أدري ، لكني كنت في غرفة أبي خالد
فسألوه بدهشة أكبر:
ـ ومن يكون أبو خالد؟
ـ أمير التنظيم
ـ لا نعرف في عسقلان أميراً أسمه أبو خالد صفه لنا ، فمن الممكن ان نعرفه ذكر لهم أوصافه، فقالوا بأسي:
ـ أنت لم تكن في عسقلان عند الشباب.. أنت كنت عند العصافير، وبكل غباء انتصر لهم:
ـ انتم العصافير، وتريدون تشويه المجاهدين الحقيقيين.
توقفت سيارة السجن وراء بوابه سجن غزة طلبه السجانون دون باقي المعتقلين الذين أسروا في أذنه ، بينما كان ينزل من السيارة : أحذر أنت راجع للتحقيق" سخر منهم، وبعد دقيقة.. بعد أن وجد الكيس يلف رأسه من جديد سخر من نفسه .
أدخلوه إلى غرفه التحقيق، ليردي علي طاولة المحقق تلك الأوراق التي سلمها لأبي خالد وأبي علي حاول الهجوم عليها ليأكلها، لولا أيدي المحققين أوقفته . ضحكوا منه ملء حناجرهم. وشعر بضحكاتهم شلال قاذورات يغرقه ومن يعيش في القاذورات سوى الصراصير وأي صرصور الذي شعر بأنه أصبحه ؟ وكيف له، بعد ذلك اليوم ، الكشف عن وجهه أو أن يسمع صوته لكل من يحب ويعرفه.
قالوا له بشماتة:
ـ هذه اعترافاتك التي شقيت لتمنعها عنا .. أخذناها منك على طبق من ذهب .
ـ هذه الاعترافات ليست اعترافاتي ، وهذا الخط ليس بخطي، وهذا الورق ليس لي.
ضحكوا عالياً ، وقالوا:
ـ لا يلزمنا إقرارك علي هذه الاعترافات ، لأننا سنأخذه من أصحابك الذين كتبت أسماءهم هم يعرفون خطك.. أم لا؟ .. سنقدم لهم هذه الأوراق، ونخبرهم أنك كتبتها لنا ، فينهارون ويقولن كل شيء . والآن مكانك زنزانة يأكلك فيها الدود.
"أكرم يا أم أكرم، لم يقدم للمحكمة إلا بناء علي اعترافاته هو لا اعترافاتي، فليس في اعترافاتي ما كان يدينه في شئ ، صحيح أنهم استغلوا رسالتي في الضغط عليه، ولكن كان بإمكانه الإنكار وعدم إعطاء أي اعترافات جديدة تدينه وتدينني معه.
تحملينني مسؤولية كل مكروه يحدث لأكرمك، ولو شاكته شوكه من وردة الجوري التي تزرعينها في مدخل بيتك تريدينني حارساً شخصياً له بل وصياً عليه يعمل بتعليماتك و توجيهاتك كما أردتني في الصغر مسلياً له ماذا لو يستشهد فعلاً ؟ كيف سيكون موقفك مني؟ هل ستأتين لقتلي ثأراُ له؟ لا لن تأتي ، لأنه لن يقدم علي الشهادة وإن أبدي الإصرار. فهو ليس من البيئة التي يقدم أهلها علي الشهادة ، والحمد لله . وهذه ليست هي المرة الأولي التي يقول بأنه سيفجر نفسه في جنود الاحتلال سبق أن قال ذلك في أول لقاء كان بيننا في الأسر.
كان حانقاً ، كمن يكره نفسه ، ويكره العالم بإنسه وجنه . ظننت في البداية أن كل حنقه عليَّ وحدي بسبب الرسالة التي حصلت عليها المخابرات مني ,ولكن أتضح لي أن على اليهود، وذلك حينما قال :
ـ سوف أنتقم لما حدث لي بتفجير نفسي في جنود الاحتلال .
اعتبرت قوله مجرد تعبيراً عن الحنق في داخله لا أكثر، فقلت له مواسياً :
ـ كلنا حدث له ما حدث لك ، وكلنا يجب أن ننتقم.
ـ فتساءل بدهشة:
ـ هل يفعلون ذلك مع الجميع ؟
ـ بالطبع ، أم تحسب أن التحقيق نزهة؟
ـ لم أحسب أن التحقيق نزهة، فأنا أعرف الشبح، والثلاجة ، وعصر الخصية ولكن
ما حدث لي لم أكن أتوقعه أو أتصوره .
كان يتكلم بتأثر شديد ، وتكاد الدمعة تفر من عينيه ، فسألته:
ـ وماذا حدث لك غير ذلك في التحقيق؟
ـ ليس في التحقيق بالضبط ، ولكن بعد التحقيق؟
ـ بعد التحقيق؟.. وهل من شيء بعد التحقيق؟
ـ كل ما جري لي من التحقيق لا شيء، كله أستطيع تحمله وأكثر منه ، ولكن أن يعرونني من جميع ملابسي فذلك مالا أستطيع تحمله .
ـ يا أخي، كل معتقل يمر في هذه التجربة الأليمة، هذا قدرنا .
ـ إن ما حدث لي أكثر من تجريد الملابس .
ـ كنت واثنين في زنزانة ، اقتحمها أكثر من عشرين شرطياً مسلحين بالغاز والعصي الكهربائية ، وأبلغونا بأنهم سيفتشون الزنزانة ، وأمرونا بخلع ملابسنا . قررنا الرفض غير أن زميليَّ انصاعا عن أول تلويح بالقوة .. أما أنا فتمسكت برفضي ، فعصبوا عيني ووضعوا القيد في يدي ورجليَّ ، ومزقوا جميع ملابس، وهنا حدثت المصيبة ، قادوني إلي جميع غرف التحقيق ومكاتب المخابرات، وكلما كانوا يدخلونني إلي غرفة .. كانت تنطلق الضحكات والتعليقات الساخرة، جمعيها لا زالت ترن في أذني، وإني لأستطيع أن أميز بين أصحاب الأصوات، وفوق هذا كانوا يسلطون أضواء كشافات اليد حيث تعلم من جسدي. وفي الليل فتح عليَّ كوة باب الزانة شرطي وأخذ يضحك ، فلما رأي عيوني تسأله قال " رأيتك عبر الكاميرا ".
وأمضي أكرم كل محكوميته كأي سجين، وأُطلق سراحه، ولم يقدم علي أي عمل استشهادي، واكتفي بدورة الخطيب.. الخطيب النجم الذي يأتيه لسماعه محبوه من كل فج عميق.. ولا أظنه سيغير هذا الدور" .