-3-
عبير
النوم ، كانت رغبتها به ملحة ، لا لنعاس لم يكن يراودها أصلاً ، بل لرغبة بالهرب من خواطر تفور في نفسها كحمم بركانية ، طلبته طيلة ليلة صيفية محترقة كنفسها ، فلم تجده إلا في لحظات قليلة منه ، فكلما كانت تكاد أن تغيب فيه .... كانت خواطرها الشريرة تقتحمه عليها ، وتعيدها منه انتزاعاً بما تجلبه عليها من أحلام كابوسية.
حاولت أن تستذكر كل ما رأته من أحلام كابوسية ، عندما أدركها الصباح الذي تأخر عنها كثيراً ، غير أن رؤيةً واحدة فقط استأثرت بذاكرتها ، لم ترّ مثيلاً لها من قبل ، فأثارت فيها العجب والقلق ، وجعلتها تهرع إلى زوجها ، الذي كان على حظ من علم بتأويل الرؤى ، تستفتيه فيما رأت .
وجدته في غرفة مكتبه غافياً على سجادة الصلاة ، فأدركت أنّ ليله كله ، حتى مطلع الفجر، أمضاه متهجداً متعبداً ، فأشفقت عليه ، وترددت في إيقاظه ، ولكنّ فزعها كان أقوى من إشفاقها .
أيقظته وأخذت تروي له رؤياها ، وعيناها المليئتان بالقلق تترصدان في عينيه كل ما يُحدثه قولها في نفسه من تأثير :
رأيت فيما يرى النائم ، في حديقة البيت ، أسداً أبيض ، يمشي على الأرض هوناً كرجل وجيه ، لم أخف منه ، وشعرت بألفة بيني وبينه ، ورغم ذلك كنت كارهة وجوده ، صرخت عليه ، لأوقفه ، لكنه تلفت إليّ دونما اكتراث ، في عينيه رأيت براءة طفل صغير ، وراح يمشي في طريقه ، وتسلق سور الحديقة ، ومشى على حافته بنفس هدوءه ، ولمّا انتهى السور لدى دار البيت وقف وأخذ يحدق إلى شباك غرفتنا ، ثمّ أخذ يتسلق الجدار إلى الشباك ، ركضت إلى غرفة النوم ، فوجدته على السرير حيث تنام أنت ، وكان مطمئناً ومرتاحاً ، أخذت في يدي شيء لأرميه به ، كي أشرده من الغرفة ، رغم ما كان بي من رغبة في أبقائه ، وفجأة خرج لي صديقك شاكر من الخزانة ، وقال بغضب : " ألقّ ما بيدك ... لا ترجميه! " فرميت ما كان بيدي ، ثمّ أفقت من نومي .
الغبطة التي رقصت في عينيه ، وهي تروي له الرؤيا ، أذهبت عنها وجس الفزع ، بيّد أنه عقَّب على روت تعقيباً ، أعاد إلي نفسها ما قد ذهب ، إذ قال :
أبشري يا عبير ، في بيتنا سيكون شهيداً !!
ضاق صدرها ، وتساءلت باستهجان :
شهيد ؟!!
فسألها بلهجة ودودة :
أتكرهين أن يكون في بيتنا شهيد ؟
أجابت وهي تعلم قدرته الثاقبة على تأويل الرؤى :
لا أظن أن مثل بيتنا يخرج شهيداً .
لماذا ؟
أنت تعرف لماذا أكثر مني ؟
أعرف ماذا ؟
أجابت وفي لهجتها شيء من الضيق :
تعرف جميع أخوتك ، ليس لهم من هم غير العمل والمال ... من أين سيكون لنا شهيد ؟
أتريني مثلهم ؟
لم تجب ، فتابع بنفس اللهجة الودودة :
إذا كان أخوتي كذلك ، إذن أنا المقصود برؤيتك ...
وسادت لحظة صمت قبل أن يضيف بنبرة تتكلف المزاح :
خصوصاً وأن أسدك الأبيض اختار الاستلقاء مكاني على السرير .
فقالت والكلمات تخرج متهدجة من صدر ازداد ضيقاً :
أنت تخيفني بهذا الكلام .
تغيرت لهجته وأصبحت جدية تماماً :
من المفترض أن تكوني معتادة على ذكر الشهادة ، فأنتِ ابنة المخيم المليء بالشهداء وابنة الجيل الذي تفتحت عيونه على الدنيا في انتفاضة السبعة والثمانين .. على حياة أهم ما يميزها الشهادة والشهداء .
إني ذاهبة لتجهيز الفطور .
عرف بأنها تريد الهروب من حصار حديث الشهادة ، فألقى أمامها بقنبلة :
كيف ستتلقين خبر استشهادي ، إذا أكرمني ربي بها ؟
ردت بتلقائية :
لا سمح الله
فسألها بذات التلقائية وبلهجة مستاءة :
لماذا تكرهين ليّ الخير ؟
أنا ؟!!
أجل أنت ... كيف تدعين ربنا بألا يقدر ليّ الشهادة ... وأنت تعرفين أن أكبر خير للمؤمن أن يتقبله ربه شهيداً .
فقالت والدمع بعينيها :
الشهادة أكبر خير ... لكن ليس لمن هو مثلك ... لديه أولاد .
واختلفت لهجتها وهي تتابع :
ماذا ينقصك لكي تستشهد ؟ لديك كل شيء ... المال موفور ، والعمل ناجح ، والأطفال الظراف ، و......
قاطعها :
لأول مرة أعرف أن الجهاد يسقط عن أصحاب المال والأعمال والأولاد ، وأن للجهاد رجال دون رجال .
يكفي صاحب المال المجاهدة بماله ، وأنت لك دورك في الجهاد ... ودورك في الدعوة للجهاد يكفيك .
هذا ما يوسوس لي به الشيطان ، كي يقعدني عن طلب الشهادة ، ( وتابع بلهجة مختلفة ) يا عبير ، يكفي الجهاد بالكلمة لدى سلطان جائر ، أما تحت الاحتلال فلا يكون الجهاد إلا بحمل السلاح حتى الشهادة أو تحرير البلاد والعباد .
فقالت بأسى :
تغيرت يا أكرم ..
وكيف تغيرت ؟
كلامك عن الجهاد والشهادة ليسا بالشيء الجديد ، لكن الجديد ، في لهجتك عنهما ، أشعر أنك تقصد نفسك بكل كلمة تقولها ، على عكس ما كان قبل فترة قصيرة ... فماذا حدث ؟
ما حدث أنني قررت أن أكون صادقاً في أقوالي .
تجمدت الكلمات في فمها ، وسادت لحظات صمت قصيرة ، تلمظت خلالها أكثر من مرة ، ثم قالت باستجداء ، وقد جرى الدمع في عينيها :
أكرم نحن لا نستغني عنك .
رقّ لها قلبه ، وشعر بأن الضعف أمام فتنة الأولاد والزوجة يتسلل إلى نفسه ، واستذكر قوله تعالى : " (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ)(التغابن: من الآية15) " وخشيّ من استيلاء ذلك الضعف عليه ، فاختار قطع الطريق عليه بالهروب من الموقف كله حيث قال وهو يتصنع روح المرح :
وأنا لا أستطيع الاستغناء عن الفطور .
فسمرت عينيها المليئتين بالدموع والرجاء في عينيه الموشكتان على البلل ، ولم ترفعهما منهما إلا بعد أن استحثها على الذهاب لتحضير الفطور ، مع إضافة مطلبه بأن يكون فطور يومه ذاك على مائدة أمه وأبيه ، لم تعترض على مطلبه الذي أصبح مكرراً منذ أيام عديدة ، رغم ريبتها منه .
يممت وجهها نحو مطبخ حماتها وهي تفكر بالأقدار كيف سيّرتها إلى ما هي فيه وكيف ستؤول بها إلى ما هي قادمة إليه ، تلك الأقدار التي خلّصتها من زواجتين بغيضتين باعجوبتين مختلفتين ، وأهدتها زواجة فاقت كل أحلامها .
فارس أحلامها لم يكن سوى شاب مثقف ، منفتح الصدر ، متفتح العقل ، تحبه ويحبها وتقاسمه حياة متواضعة يشتركان في إزهارها ، وكانت أخشى ما تخشاه أن تجبر على الزواج من شاب تافه الاهتمامات فاقد الأهمية ، وكان لخشيتها تلك ما يبررها ، إذ أنها من أسرة يمتلك فيها الأب القرار الأول والأخير في زواج البنات ، وهو ( الأب ) من النوع الذي ليس لديه معايير في اختيار الشاب الذي يناسب بنته سوى سعة الجيب وعراقة النسب .
تلك الخشية أثقلتها للمرة الأولى ، حينما وافق أبوها على خطبتها من أحد أولئك الشبان الغرباء عن عالم أحلامها ، حينما كانت في الصف الثالث الثانوي ، حينما أتتها أمها لتبشرها :
مبروك يا عبير ، جاءك اليوم عريس .
احمرت أوداجها خجلاً ، وعبثاً حاولت مواراة ابتسامتها ، وإخفاء الفرح من صوتها الذي لامس سمع أمها خافتاً متردداً :
لا أريد الزواج ... أرغب في إكمال تعليمي .
لكن أمها فهمت حقيقة رغبتها تماماً ، فلم تهدر أي وقت في مناقشة تمنعها ، وتابعت تجيب على سؤال لم تسأله بلسانها :
اسمه سامي الرفدي ، ابن فائق الرفدي .
ومن يكون فائق الرفدي ؟
أجابت متعجبة من عدم معرفة ابنتها من يكون فائق الرفدي :
جار قديم لنا ، ربنا فتح عليه ، وصار من الأغنياء ، فرحل عن المخيم لبيت بناه مثل القصر في حي النصر .
نسيت عبير تمنعها الذي أبدنه قبل لحظات وراحت تستوضح عن العريس :
أبوه غير مهم ... المهم هو ، ماذا يكون ؟ ماذا يعمل ؟
يا ابنتي ، لا يهم ماذا يكون العريس إذا كان ابن فائق الرفدي ... ابن فائق الرفدي يكفيه أن يكون ابن فائق الرفدي .
لم تعقب بشيء ، رغم عدم موافقتها لأمها ، ورغم تسرب الخوف إلى نفسها بأن يكون واحداً من أبناء الأغنياء المتكلين على آبائهم ، فأردفت أمها قائلة :
جهزي نفسك يوم الخميس ستكون قراءة الفاتحة .
تسرب الخبر بين زميلاتها في المدرسة ، أسرع مما كانت تتوقع ، فهي لم تطلع أحداً على الأمر إلا لاثنتين أو ثلاث من أكثر زميلاتها صداقة لها ، وتساءلت في نفسها : " كيف تسرب الخبر إلى كافة الزميلات ؟ " لكنها لم تكلف نفسها عناء التفكير في الإجابة طويلاً ، إذ طربت لذلك التعميم ، ولذَّها أن تسترق بعض عيون زميلاتها الحاسدة والأخرى الغابطة النظر إليها، والتهامس فيما بينها بموضوع خطبتها التي لم تترسم بعد .
وكنَّ زميلاتها المتبرعات بإظهار خفايا الخطيب غير المعروف لديها ، وهنّ من جاراته الحاسدات ، أكثر عدداً من الفضوليات اللواتي أكثرن عليها بالأسئلة عنه ، فعرفت من أولئك أنه شاب فاقد الشخصية ، لا علاقة له بالعصامية ، ولا اهتمامات له سوى بعض التفاهات ، ساءتها تلك المعرفة وأزهدتها في الخطبة منه ، وقوّلتها بين زميلاتها برفضها له .
يوم الخميس ، وبينما كان البيت يأخذ استعداده لاستقبال آل الرفدي لإعلان الخطوبة ، أكدت لأمها على قرارها النهائي برفضه ، فما كان من أمها إلا أن استشاطت غضباً :
أجننت ؟ ... أتوجد عاقلة ترفض ابن فائق الرفدي ؟
أجابت بعناد :
أجل ... أنا أرفضه .
ولماذا ترفضينه ؟
لأنه ابن فائق الرفدي .
امتلأت عينا أمها ـ فجأة ـ بالريبة ، وتساءلت :
أتعرفينه يا بنت ؟
لا ...
انقلبت الريبة في عيني أمها إلى تعجب ، وقالت :
إذن لماذا ترفضينه ؟ فمن الممكن أن يعجبك .
لا ، لن يعجبني ..
اعترى لهجة أمها مزيداً من الرجاء والشفقة ، وهي تقول :
يا ابنتي ، أبوك لن يقبل برفضك بعدما واعد الناس ، ولم يبقّ لموعد مجيئهم إلا ساعات .
ردت بلهجة أقرب إلى الاستجداء :
ليس من المعقول لموقف ممكن نهيه في دقيقة ، أن يتعس حياتي كلها .
التعاسة سوف لن تعرفينها في بيت الرفدي ، حياتك كلها ستكون سعادة في سعادة .
أمي لست صغيرة ، وأستطيع معرفة ما يسعدني ويشقيني .
ردت أمها بلهجة فيها من الحزم ما فيها :
بل أنت صغيرة ومجنونة ، ولا تعرفين مصلحة نفسك .
فردت عبير ضاجرة متحدية :
لست صغيرة ، ولا مجنونة ، وأعرف أين مصلحتي ، ولن أتزوجه .
ستتزوجينه رضيت أم لم ترض .
حضر فائق الرفدي ، وابنه سامي ، على رأس لفيف من عائلته ، في الميقات المتفق عليه ، وطلب من والد عبير بعد إجراء الاتفاق المبدئي بينهما على " خطبة الأولاد " ـ كما كان يحب أن يقول فائق ـ أن يرى العريسان بعضهما ، فقبل والد العروس ، وأخذه وابنه إلى غرفة مجاورة ، وأمر زوجته بإرسال عبير لتقدم مشروباً بارداً للعريس ووالده ، ولمّا عرف بامتناع عبير ... عنّفها بكلمات خشنة ، وأجبرها على طاعة أمره .
دخلت عبير على والدها والعريس ووالده ، بسحنة حانقة ، وذقن تلامس الصدر وبين اليدين صينية تقف عليها ثلاثة كؤوس ملونة ، ابتدأت بوالد العريس مع كلمة تفضل التي تظن بأنه لم يسمعها بسبب حياء يخنقها ، ثم قدمت للعريس الذي لاحظت تردده في تناول كأسه الأمر الذي دفعها لرفع بصرها قليلاً ، وسرقة نظرة من وجهه من طرف خفي لمعرفة سر ذلك التردد ، فرأت وجهاً يكاد يكون مشدوهاً ، سرعان ما نقل شدهه إليها ، فأتبعت نظرتها بأخرى أكثر إمعاناً ، وجلست بتوترها واضطرابها إلى جانب والدها للحظة لم تقوّ على تمديدها بلحظة أخرى ، فانسحبت من الغرفة متكلفة الهدوء إلى غرفتها .
أمها لاحظت انفعالها وهي تدلف إلى غرفتها ، فلحقت بها لتجدها على حال بائس .. تبكي بين يدّي أختها نور التي تصغرها بعام واحد ، وقبل أن تسألها عمّا أبأسها إلى ذلك الحد ، كانت قد بدأت تنوح بأنه لا يمكنها القبول بالزواج من سامي ، ولا بأي حال من الأحوال ، فسألتها عن السبب ، ولمّا رفضت إعطاء سبب مقنع ، قالت لها زاجرة :
رضيت أم ترضِ ... ستتزوجينه يعني ستتزوجينه .
وسفقت الباب خلفها ، تاركة إياها مع أختها نور التي انتدبت نفسها لتقوم بدور المحقق مع عبير ، وبعد إلحاح لجوج في استنطاقها بدافعي الفضول والتضامن ، تكلمت عبير قائلة :
أتعرفين من هذا السامي الآتي لخطبتي ؟
من ؟
إنه الشاب التافه الحقير الذي كان يتحرش بنا عند بداية المخيم بكلماته التي تعرفينها .
صحيح ؟! ( تساءلت نور بتعجب ، ثم تابعت ضاحكة ) إذن الشاب واقع في أسر حبك ولم يطق صبراً على الابتعاد عنك أكثر .
قالت عبير وقد أغاظها ما سمعته :
أنت تعرفين أنه ما كان يقصدني بالخطبة .... إنما كان يقصدك أنت !
ماذا تقولين ؟
كما سمعت ، لا بد وأن في الموضوع خطأ ... لا بد وأنه أخطأ بين اسمي واسمك ، أنا لا أشك أبداً في أنه يقصدك أنت لا أنا .
قالت نور كمن يرد عن نفسه تهمة :
لا لا ، فهو طلبك أنت لا أنا ، فالذي يستطيع أن يعرف اسمك ويأتي ليخطب لا أظنه لم يتمكن من معرفة اسمي أيضاً ، ثم كيف عرفت ما قلت ؟
من كلماته التي يقصد بها غيرك ، أنا لم أشعر بأنه قصدني بكلمة واحدة .
وأنا لم أشعر بأنه كان يقصد غيرك في كل كلمة تحرش فينا بها .
هذا غير معقول ؟
هذا هو المعقول ، أمثال سامي عادتهم أن يوجهوا كلماتهم المتحرشة لمن يقصدونهم بطريقة غير مباشرة وهذا أسلوبهم .
كلامك غير مقنع ...
سمعتا من خلف الباب ، أصوات أقدام الرجال ، وكلمات وداعهم لبعضهم البعض المفعمة بالمجاملة .
فقالت نور :
ها هم قد خرجوا .
وما كادت أصوات الرجال خلف الباب تبتعد ثم تغيب عن السمع ... حتى طرق الباب بدقات نزقة ، ثم فُتحَ عن وجه أبيهما الغاضب الذي تقدم مسرعاً نحو عبير ، واقترب منها لدرجة الملامسة من رأسها الذي كان ساقطاً على صدرها ، وقال بسخط :
ما الذي فعلتيه يا قليلة الحياء ، بهذه الطريقة تستقبلين خطيبك ؟ أتريدين إحراجي ؟
لم ترد إلا بزفرات سرعان ما تحولت إلى بكاء .
ها ... ردي عليّ ... أتريدين إحراجي ؟
ولكنها لم ترد إلا بالبكاء ... وأبوها لم يتوقف عن تعزيرها بأقسى الكلمات .. إلا بعد أن أفرغ على مسامعها كل ما في صدره من غل وغضب ، وبعد أن تدخلت أمها في لتهدئ من غضبه بإعطائه وعداً بمعالجة الأمر معها .
وبعد جهد جهيد من التحايل على عبير ... استطاعت الأم أن تستنطقها بكل ما يزهدها بالزواج من ابن الرفدي ، ولكنها ـ شأنها شأن أبيها من بعدها ـ لم تقتنع بكل ما قدمته من حجج ، واستهانت بها وسخرت ، ولم تتراجع عن إصرارها في إتمام هذا الزواج .
قالت عبير مستنكرة موقف أمها :
ولكنه يريد نور ... فكيف أتزوج بمن يحب أختي ؟
ما هذا الحب الذي تتحدثين عنه ، هذا كلام فاضي ... كلام أولاد صغار ، الجماعة خطبوك أنت بالاسم ، يعني أن ولدهم يريدك أنت لا نور ، ولو كان ما تقولين صحيحاً ... فبعد الزواج ستنسون كل شيء ، لأن كل شيء بعد الزواج يتغير ، ثم أنت الأكبر ، ونحن لا نزوج نور قبلك .
ولكنني لا أريده يا أمي ... لا أريده ...
هذا يا ابنتي عيب ، أين نذهب بوجهنا من الناس ؟ ماذا نقول لهم بعد أن عرف الجميع بخطبتك ؟ هل نقول لهم إن العريس غيّر رأيه وصار يريد نوراً بدلاً من عبير ؟ يا عيب يا عبير ، يا عيب ... فكري تفكير عقلاء .
وبعد يومين ، جعلهما الغم والهم والسهاد يمران على عبير كسنة ثقيلة أتى فائق لزيارة والد عبير بوجه قلق فيه رغبة التواري .
شعر والد عبير أن وراء ذلك الوجه مشكلة عويصة ومحرجة ، انتظر منه إبداء ما في نفسه، وهو يتساءل في داخله : " لو كان يريد فسخ الخطبة لما كلف نفسه المجيء شخصياً ... لو كان الأمر كذلك لوجد ألف طريقة يبلغني بها غير أن يأتي بنفسه " وقال له مرحباً :
أهلاً وسهلاً ...
ولكن والد سامي لم يرد إلا بتحية مماثلة مشفوعة بابتسامة صغيرة ، وتكرر الموقف أكثر من مرة ، قبل أن ينفذ صبر والد عبير ويقول :
أرى في وجهك كلام ، خيراً إن شاء الله ...
تشجع والد سامي قليلاً ، وقال كلمته الأولى بشيء من الاندفاع ، وكأنه وجد ما يريد قوله :
إن شاء الله خيراً ...
وعاد إلى صمته الحائر ، وكأنه أضاع الكلمات من جديد ، ثم عاد يعد لحظة ليقول بكثير من التردد :
المشكلة محرجة قليلاً ، ولكننا أهل ، ولا يجب أن يكون بيننا أي تكلف ، أليس كذلك؟
بالضبط ، فنحن أبناء بلد واحد ، وبعد الهجرة أصبحنا أبناء مخيم واحد وقد تقاسمنا رغيف الخبز مدة طويلة .
وذلك ما يشجعني على الحديث ، فالموضوع ببساطة ، أننا أخطأنا باسم عروستنا !
ماذا تعني ؟
أعني أننا كنا نقصد بالخطبة نوراً لا عبير ، إذ التبست علينا الأسماء .
وماذا يعني ؟
أنت تعرف يا سيدي العزيز ، أنه لافرق عندي بين نور وعبير ، فالاثنتان لديّ كبناتي ، ولكنها رغبة الولد ، فالقلب وما يريد ، وأنت سيد العارفين .
فسأله بحدة :
والمطلوب ؟
إصلاح الخطأ .
وخطأ كهذا ، كيف نصلحه ؟
بإعلان الخطبة على نور ، فخطبة عبير لم تتجاوز قراءة الفاتحة ، ومن الممكن التغيير بدون أي ضجة ، خصوصاً أن الموضوع ما زال محسوراً في نطاق ضيق .
ردّ أبو عبير متسائلاً باستنكار :
يعني نصلح الخطأ بخطأ أكبر ؟
وتابع بلهجة مختلفة :
يا أبو سامي يستحيل أن أقبل بذلك . ماذا سيكون شعور ابنتي عبير لو علمت بذلك؟ هذا سيكون فظيعاً على نفسها وسيترك أثراً سلبياً عليها وعلى
أختها حتى مماتها ، لا لا يا أبا سامي ، لا يمكنني القبول بشيء كهذا . إذا شئتم افسخوا الخطوبة .
أجابه فائق بالقول :
استشر البنتين قبل أن تعطي موقفاً كهذا .
فرد عليه قاطعاً :
حينما وافقت على طلبكم ليد عبير لم استشرها ، وللعلم فهي لم تكن موافقة ، ولكنني ضغطت عليها ، وبعد ذلك تريد مني أن أستشيرها ؟ سيكون ذلك صعبا عليها.
وتابع معاتباً :
بالطبع أنت لم تفكر بها ، أنت لم تفكر إلا بتحقيق رغبة ابنك فقط .... أليس كذلك ؟
نحن أهل ، وبناتك بمقام بناتي .
يا فائق ، موقفي النهائي أنه ليس لكم عندي بنات سوى عبير ، وحتى عبير هي الأخرى ليست لكم إذا سمعت هي أو أختها بخبر كهذا .
فكر في الموضوع من جديد .
هذا آخر كلام عندي .
إذن نحن سنفكر في الموضوع من جديد .... عن إذنك .
وقبل أن يخرج سمع من أبي عبير الرد الحاسم :
لا داعي للتفكير في الموضوع بعد أن تخرج من عندي .
بكتت أم عبير زوجها على هذا الموقف المتصلب الذي أضاع من ابنتها فرصة حياتها في زواجة ترفعها من حياة الكرميد في داخل المخيم الفقير إلى حياة القصور في الأحياء الراقية ، وكانت حجتها في تأنيب زوجها أن الخطبة لم تأخذ الشكل الرسمي بعد وأن ابنتها عبير ستكون مسرورة بتحويل الخطبة إلى أختها ، لأنها كانت تريد تخليص نفسها من هذه الزواجة بأي شكل .
وما كادت عبير تشعر بالنجاة في غرسة البؤس التي أراد أهلها غرسها في حياتها حتى عاد إليها شعورها القديم بأنها جمرة في يد والديها ، يريدان إلقائها في أي اتجاه وبأي فرصة وقد تلبسها ذلك الشعور جلياً .. حينما أتت أمها إليها بخبر موافقة أبيها لعمها بتزويجها من ابنه فهمي ... حيث قالت لأمها :
لماذا تفعلون بي ذلك ؟ ... هل غرضكم التخلص مني ؟
لا تقولي لي ذلك ، أنت غالية علينا ، ويعز علينا فراقك ، ولكنها سنة الحياة ، يجب أن تتزوجي قبل أن يفوتك القطار ، وإلا سيبقى عدم زواجك حسرة في قلبك وقلوبنا.
لن يكون حسرة على قلبي أكبر من حسرته على زواجي من شاب كفهمي .
ماذا به فهمي ؟ ... شاب لا يعيبه شيء ... كمال ومال وجمال .
إنه غير متعلم .
وما دخل التعليم في الزواج ؟ ... الرجل لا يعيبه إلا جيبه .
يا أمي فهمي ليس له جيباً ... ليس له سوى غرفة في بيت أبيه .
فهمي يعمل في إسرائيل ، وله دخل كبير .
يا أمي ، من يعمل في إسرائيل لا تبقى له حياة يعيشها ، يخرج للعمل قبل طلوع الشمس ولا يعود إلا بعد غيابها ... يعود للنوم فقط ... وحتى أجره لا يمتلكه ، كله يضعه في يد أبيه .
ردّت أمها بحنق :
ماذا تريدين ؟ ... ابن الرفدي رفضتيه ، وابن عمك ترفضينه ، أتريدين أن تخربي على نفسك بهذا الدلال ؟
يا أمي ....
قاطعتها بالقول :
أسكتي ، أنت جاهلة ولا تعرفين مصلحة نفسك ، لن نتركك تخربين حياتك ... سنزوجك بمن نختاره لك .
ولكنني لا أريد فهمي .
بل ستتزوجين فهمي بالذات ... أم تريدين القطيعة أن تقع بيننا وبين دار عمك ؟ ألا تعلمين أن عمك زعلان من أبيك بسبب موافقته على زواجك من ابن الرفدي من قبل؟ ولم يرضّ إلا بعد تدخل أهل الخير للإصلاح واستعداد أبيك لتزويجك من فهمي؟
وظل خوف أبيها من مقاطعة أخيه أبو فهمي سيفاً مسلطاً على رقبته ، تشجعه على تحديه كل الدموع التي ظرفتها بين يديه ، وكل التوسلات التي قدّمتها له ، وبقي على موقفه في إتمام الزواج إكراماً لأخيه ، وصوناً لصلة القربى بين بيتيهما .
بدأ الإعداد ليوم العرس ، ووزعت بطاقات الدعوة ، وحينما لم يبقّ لميقات الحفل المعلوم سوى يومين ... أخطر فهمي أبيه وعمه بأنه سيسافر إلى تل أبيب لاستلام أجره ، وبأنه سيعود في غضون بضع ساعات ، وقد ذهب ولكنه لم يعد ، بل هرع في أثره أبوه وعمه بعد أن وصلهما تلفونياً أن فهمي أصيب بحادث طرق إصابة طفيفة ، غير أن الإصابة الطفيفة أصبحت بمجرد وصوله إلى المستشفى إصابة بالغة ، وبدأ يخضع لعلاج مكثف في غرفة العناية الفائقة ، وبعد عدة أسابيع أمضاها في تلك الغرفة ، عاد إلى بيته بسيارة سوداء استقبلها الأهل والجيران بالدموع والبكاء والعويل .
مشهد تلك الحشود الباكية ، وتلك السيارة السوداء ، داهم مخيلتها ، وأبى أن يفارقها ، بينما كانت تضع آخر الصحون على مائدة الإفطار ، حيث استولت عليها مشاعر كئيبة ، صورت لها ذلك المسجى داخل السيارة زوجها ، تمهلت في دعوته إلى المائدة فلعل ذلك المشهد يذهب عنها ولكنه أبى فذهبت إليه بكآبتها .
وجدته كما توقعته في غرفة الأطفال ، منتشياً بتأملهم في نومهم ، ولم يلفتها شيء سوى أن رأته على أحسن هندامه ، زكى هندامه في ذاكرتها استرجاعها لذلك اليوم الذي ذهب فيه فهمي إلى تل أبيب ولم يعد ، فازدادت كآبتها ، واكتشفت أن خوفها الكامن من هندمة الرجال لأنفسهم يعود لحادثة فهمي ، وبدأت كعادتها كلما تراه بكامل هندامه ، تحاصره بأسئلتها ، وتلح عليه بالعدول عن الذهاب إلى مقصده ، والتخلي عن الهندمة .
سألته :
لماذا كل هذه الهندمة ؟
ابتسم برضا زوج يطرب لغيرة زوجته عليه ، وقال دون ملاوعة كما هي عادته معها في مثل هذا المقام :
اليوم عندي إلقاء كلمة في حفل تأبين لشهيد .
وهل أصبح حفل التأبين عرساً ، لتتهندم فيه كل هذا الهندام ؟
وما الفرق بين حفل التأبين وحفل العرس ؟ ففي كلاهما شاب يزف إلى عروسه حورية كانت أو إنسية .
وقبل أن ترد بشيء ، أخذ طريقه إلى غرفة السفرة بخطوات مرحة ، وهو يقول :
قد أعود اليوم للغداء في البيت .
كلمة " أعود " وقعت في نفسها ، كما تقع رذاذة ماء باردة على وجه محرور ، إذ منحتها شيئاً من الأمل بالعودة .
تناول إفطاره بشكل متعجل على مائدة شاركه فيها إلى جانب زوجته أبوه وأمه ، ثم قبض على مفاتيح المحلات الموروثة في العائلة ، وهمّ بالذهاب بحيوية ونشاط .
وإن صليل المفاتيح ليطرب سمع أبي أكرم طرب أم بمناغاة طفلها ، ولذلك يصيغ السمع لها بنشوة ، وما أن تستقر في قبضة أحد أولاده ، وخصوصاً أكرم ، حتى يبدأ بالدعاء له والترضي عليه ، فلمفاتيح المحلات عند أبي أكرم رمزية خاصة ، فهي بالنسبة له كالراية التي لا يجب أن تسقط أبداً ، التي يجب أن يتوارث حملها وحمايتها الأبناء جيلاً بعد جيل ، وهي أمانة الآباء لدى الأبناء ... وعلى الأبناء أن يصونوا تلك الأمانة بحدقات العيون ... وإن شيئاً لا يرضي أبا أكرم بقدر ما يرضيه تمسك أبناءه بمفاتيح المحلات التي ورثها عن أبيه .
ذهب أكرم إلى عمله تاركاً زوجته ، تترقب عودته بصبر كان يزعزعه وسواس التطير من خروجه بأحسن هندام ، وخطر لها أن سأل حماتها ، التي كانت تلوك لقمة صغيرة بين فكين يكسلهما شرود الفكر ، بلوم :
لماذا لم تتركيه يكمل دراسة الهندسة في تركيا ؟
وقبل أن تستحضر ذهنها الشارد وتستوعب السؤال ... انتدب لها حموها الذي استفزه السؤال قائلاً :
وما لها التجارة ؟ ... صارت التجارة لا تعجبك ؟
لا أقصد ذلك يا عمي ، إنما أقصد ....
قاطعها :
قصدك أو غير قصدك يجب أن تفهمي أنني وآبائي تربينا على التجارة وأولادي وأولاد أولادي يجب أن يتربوا على ذلك .
يا عمي ، التجارة تعجبني أكثر من الهندسة ، ولكن قصدي لو أنه أكمل تعليمه وفتح مكتباً للهندسة لكان من الممكن أن يكون كل اهتمامه في عمله ولانشغل عن الاهتمام بالسياسة .
تدخلت حماتها ، بينما لا زال في عيني زوجها كلام غاضب :
أنا أفهمك يا ابنتي ، ولكني لم أطلب منه التوقف عن التعليم ، وعدم العودة إلى تركيا ... إلا لأنني خفت عليه أن يغرق في السياسة ، طلبت منه ذلك بعد أن خرج من السجن ، بعد أن رأيت أن دراسته تغرقه في السياسة أكثر بدلاً من أن تبعده عنها ، فمن يدري أنه لو عاد إلى تركيا لإكمال دراسته لقدر الله له مصيبة أكبر ، فلا تقولي يا ابنتي لو ... إنما ادع الله أن يسلم لك زوجك .
هزت عبير رأسها بالموافقة مجاراة لحماتها ، وتركزت عيناها على زاوية من المائدة دون أن تبصر شيئاً ، وبعد قليل عادت لتسأل :
وماذا سينفع الدعاء إذا لم يبتعد عن المهالك ؟
استدعت كلمة مهالك في حماتها ذكرى قولها لأكرم ذات مرة: ولا تلقوا أنفسكم إلى التهلكة، وجوابه لها في حينه: التهلكة يا أمي، هي النار في الآخرة، لا الموت، والشهادة أفضل وسيلة للاتقاء من التهلكة. ولكنها قالت بحذر:
ـ كل شيء مقدر ومكتوب، وعند القدر يعمى البصر.
فأخذت عبير تجمع الصحون عن المائدة، وهي تتمتم بصوت مسمع: عند القدر يعمى البصر.
وعند عودتها إلى شقتها، في الطابق الأعلى، استوقفتها حماتها قائلة :
ـ لا تمنعي الأولاد من النزول.. مشتاقة لهم .
لاحظت في عيني حماتها، وهي تطلب منها ما طلبت، نظرة محبة على قلبها، يلوح فيها الشوق والرجاء ، فابتسمت سعادة لرؤيتها تلك النظرة الشبيهة بأول نظرة استقبلتها من ذات العينين ـ يوم أن دخلت بهما إلى بيت أهلها (أهل عبير) للمرة الأولى، وتركتهما تتنقلان في أرجاء البيت بحثاً عن شيء، وما أن عثرتا على وجه عبير توقفتا عن مسح البيت، لتبدأ بمسح ذلك الوجه، وحينها رأت عبير في تينك العينين مثل هذه النظرة ـ وقالت:
ـ حاضر يا عمتي، وإذا لم ينزلوا من أنفسهم فسوف أنزلهم إليك بنفسي .
وذهبت إلى شقتها، ودخلت إلى مطبخها الصغير، لتعد للطفلين طعامها قبل أن يستيقظا. و كانت تجتر السعادة اجتراراً من ذاكرة تسترجع فيها أجمل أيام العمر. تلك الأيام التي كانت إشراقها الأولى ابتسامة امرأة تقترب بعمرها من الخمسين.. أتت لتخطبها لابنها البكر، بعد أن هبط سقف أحلامها في الأزواج إلى حد رجل لا يتميز بأي شروط .. وبعد أن توقف الخطاب عن دق بابها منذ سنوات عديدة، منذ توفى عريسها فهمت قبل الزفاف بأقل من يومين. وكان الخطاب فيها من الزاهدين لا لقلة جمال أو أخلاق، فيه على حظ وافر منهما، ولكنه التشاؤم الذي أصابهم، والذي كان يجد من يزكيه لهم من آل الرفدي الذين راءوا بحمد الله لتخليص ابنهم من خطبتها قبل أي يصيبه النصيب المحتوم الذي أصاب فهمي . ومن بيت عمها الذين لم يكتموا اعتقادهم بأنها أصابتهم بالنحس بمجرد خطبتها .
خطبة أكرم لها أحيت فيها أحلاماً ميتة بل حققت لها أبعد مما كانت تحلم به من قبل انتسابها للجامعة. لم تستطع أن تخفي فرحتها على أمها التي أتت لتضع بين يديها كل ما امتلأت به جعبتها من معلومات عن العريس الجديد استقتها من أمه. وبطبيعة الحال وجدت مع كل معلومة تعرضها عليها ما تضيفه من خيالها. فعرفت في عريسها الذي لم تره بعد أنه شاب في السابعة والعشرين من عمره، وسيم، درس الهندسة ولم يبق له غير سنة واحدة للتخرج ، مثقف، متدين، خطيب معروف، وتاجر ناجح. وحينما رأته. وجدته أكثر وسامة مما وصف لها، وأوسع ثقافة مما توقعته، فزاد ذلك من سعادتها .
وكان أول كلامه لها سؤالاً :
ـ هل رأيتني من قبل؟
استغربت السؤال، ولم تجد ما ترد به، وبعد لحظة تفكر مفعمة بالإحراج.. حركت رأسها مومئة بالنفي، وقالت بصوت هامس:
ـ لا أعتقد.
فقال بأسف :
ـ يا خسارة!.
وتركها تحار قليلاً، ثم قال بلهجة مختلفة :
ـ أما أنا فأعرفك.
ـ ماذا ؟
ـ أجل، أعرفك منذ زمن بعيد، وبحثت عنك كثيراً، إلى أن رأيتك تمرين أمام بيتنا، قبل حوالي الشهر. ألم تلاحظي حينها؟
نفت بإيماءة من رأسها الحائر، ثم قالت بعد لحظة تفكر:
ـ ولكن كيف تعرفني منذ زمن ؟ ومتى حدث ذلك ، شيئاً. أنا لا أذكر شيئاً .
ـ عرفتك حينما تفتحت مداركي على الحياة.. حينما حددت أوصاف المرأة التي أحب، و حينذاك بدأت في البحث عنك .
ـ هل أنت شاعر؟
ـ وكيف عرفت، رغم أنني لم اقل أمامك شعراً؟
ـ لم تقل شعراً، ولكن ما تقوله لا يخرج إلا عن شاعر مرهف .
تذكرت ذلك الموقف، الذي تداعى عليها بذكرى حديث ليلٍ طويل دار بينهما قبل أيام قليلة. كانت تغلب على حديثة في تلك الليلة لغة الدم والموت والشهادة، وكأنه كان ينعي لها نفسه، الشيء الذي أثار حفيظتها، ودفعها لتقول مستنكرة :
ـ ما بك يا أكرم , ما سبب تغيرك إلى هذا الحد ؟ أين كلامك القديم عن الحب والحياة ؟ أين عاطفتك المتأججة ؟ لم يعد لديك كلام إلا عن القتال والدم والموت؟
ـ والله يا عبير، ما سبق لي أن تحدثت وأنا متأجج العاطفة، كما أنا أتحدث معك الليلة .
ـ هذا أغرب كلام سمعته في حياتي. أن يكون الكلام عن القتال والدم والموت كلاماً عاطفياً، هذا شيء غريب فعلاً.
ـ بل هو في تمام الانسجام .
ـ لا يمكن.
ـ سأقنعك..
واحتوى وجهها بنظرة متفحصة سريعة، ثم استقر في عينيها، وكأنه وجد حجته، ثم تابع :
ـ انظري، لو كنت تسيرين في شارع وصادفك متسول شاب فيها ستتصدقين عليه بشيء؟
لم تجب. وبعد أن حثها.. أجابته بربما ، فتابع :
ـ وإذا صادفك طفل صغير جائع، فهل ستتصدقين عليه بشيء؟
ـ بكل تأكيد، وإذا لم يكن له أهل فسأتبناه .
وإذا كان ذلك الطفل هو طفلك؟
فأجابت بانفعال :
ـ سأموت جوعاً قبل أن يجوع أحد أطفالي.
ضحك أكرم، وقال :
ـ أي أنك ستضحين بكل شيء لإشباع طفلك.
ـ هذا لا شك فيه.
ـ هذا هو العطاء، والعطاء يكون بمقدار الحب، وهؤلاء الذين يحملون السلاح ويقاتلون :
هم محبون من الطراز الأول . والعطاء لا يكون إلا بمقدار العاطفة؛ ولذلك قلت بأنك لن تترددي في التصدق على الطفل الصغير، وترددت في أن تتصدقي على الشاب، أليس كذلك ؟ (لم ينتظر منها رداً وتابع) وأما حينما تعلق الأمر بابنك انفعلت، وكان الأمر حادث فعلاً، وقلت بأنك : ستموتين جوعاً قبل أن يجوع . وكذلك يكون عطاء المقاتلين متعلقاً بقدر عاطفتهم، وأما إذا بلغت العاطفة لدى أحدهم الذروة، فإنه لن يتردد في تفجير نفسه بالأعداء. وأنا عندما يكون حديثي عن القتال والشهادة فهذا يعني أن العاطفة لدي متأججة، إذ يدفعني حبي لأطفال فلسطين إلى أن أدفع عنهم القتل بقتل قاتلهم ومن يتسبب في مأساتهم
فقالت عبير بابتسامة تشير باستخفافها بما سمعت :
ـ وهل تستطيع أن تقتل؟
أجاب أكرم متسائلاً بلهجة تنم عن استيائه من استخفافها :
ـ وهل لديك من شك؟
ـ من يكره أن ينظر إلى الدم المسفوح ، ولو كان دم خروف، لا يستطيع القتل .
رد بلهجة لم تتغير:
ـ ومن قال لك بأنني أكره رؤية الدم المسفوح؟
ـ عرفت من ملاحظتي عليك..
وبدى الإحراج والتردد في لهجتها هي تتابع:
ـ كلما كانت لدينا ذبيحة.. كنت تتهرب من البيت حتى الإنتهاء من تعبئة لحمها .
ـ ولكنني أحب أن آكل من لحمها، وإذا لم يكن هناك من يذبح فإنني أذبح .
ـ غير دجاجة لم أرك تذبح.. وكنت مضطراً .
وكذلك عندما أكون مضطراً للقتل سأستطيع أن أقتل. وذلك ما ستخبرك إياه الأيام القادمة .
ـ هل تعني ما تقول ؟
ـ إذا بلغت عاطفتي ذروتها ستتأكدين من ذلك .
أخرجها الحليب، الذي أخذ يغلي ويفور فوق النار، من تداعيات ذكرياتها المتلاحقة كأمواج بحر هائج .
ودون أن يمهلا حتى تعالج الحليب الفائر تماماً.. عاودها الشرود مرة أخرى، وأخذها لتفكر: " هل يعني أكرم ما يقوله فعلاً، وسينفذ، أم لا ..؟". ولكن الشرود لم يوغل بها كثيراً، إذ الطرق كانت أمامه في ذلك الاتجاه مليئة بالعراقيل، فذهب بها نحو التفكير، وماذا سيكون موقف أصدقائه إذا قرر قتال اليهود قتالاً هو فيه مقتول لا محالة؟ .. سيمنعونه.. أم سيدفعونه إلى ذلك دفعاً؟..
ولم تكد تخطو صوب ذلك التفكير خطوة واحدة.. حتى أتتها صيحات آية الباكية الرقيقة، لتنقذها من شرور تساؤلاتها، وتجعلها تهرع باتجاه الصيحات بسرعة الحنان الذي فار فيها كما فار الحليب على النار قبل قليل .
رفعتها من مهدها وهي تناغيها، وتضمها إلى صدرها، وتلامس بشفتيها ـ المناغيتين دون توقف ـ خدها الغض، الذي استقبلت به أنفاس أمها المفعمة بالحنان بمتعة لا تعادلها متعة. وبعد أن أصلحت لها من نظافتها.. أجلستها على جانب صحن من الكورنفلكس الغارق بالحليب. فجعلت الصغيرة تضرب بالملعقة ، كيفما اتفق لها، على غير هدى من فمها الصغير ، الذي لا يلقم الملعقة إلا فارغة أو بها شيئاً يسيراً. ثم جعلت تثبت الملعقة قبالة عينيها، ثم تسدد إليها فمها المفتوح. وظلت في محاولاتها إلى أن عادة إليها أمها برفقة أخيها، وكانت قد أفرغت نصف الصحن على ملابسها وعلى الأرض. لا قطها أمها بملاطفة ومداعبة على عدم نجاحها في إطعام نفسها، ووضعتها في حضنها، وأخذت في إطعامها مدللة، بينما كان محمد يأكل وحدة وهو مترع بشعور الرضا والاعتداد بالنفس.
أتمت إطعامها، دون الحرص على إشباعها، ليقينها بان جدتها التي تجد اكبر متع حياتها في إطعامها سوف لن يهدا لها بال..إلا بعد إطعامها بيدها قدرا متخماً من الفواكه والحلوى. وجددت لهما لباسهما. ثم أنزلتهما إلى جدتهما التي استقبلتهما بفرح كفرح حميها عندما كان يستقبل ويداعب حفيده وابنها أكرم. وذلك التماثل بينها وبين حميها كانت تدركه بعقلها الباطن، ويشعرها بالأسف.
وحين عادت عبير إلى شقتها.. عاد إليها شرودها بسؤالها المؤرق:هل أصدقاؤه سيدفعونه إلى حتفه في مواجهة غير متكافئة مع اليهود ؟..أم سيمنعونه عن ذلك؟.وهو السؤال الذي جعلها تستحضر في نفسها تلك القصة، التي رواها لها أكرم عن صديقه محمود، الذي عندما مات أبوه، وبينما كانت تلقى عليه النظرة الأخيرة، أثار حدثاً ما ـ تافها ـ ضحكه، فانكبَّ على وجه أبيه ليوارى ضحكه، ويوهم الناس من حوله بأنه يبكى.وخال ذلك على الناس الذين رأوا جده يهتز فوق جثة أبيه، وسمعوا ضحكاته المخنوقة كزفرات بكاء، واخذوا يسرون عنه، ويذكرونه بالإيمان وبقدر الله، وحينما اختلى به أكرم وقال له:
ـ لم أتوقع منك كل هذا البكاء على أبيك:
فعاد إليه ضحكه، وهو يقول :
ـ ومن قال لك: أنني كنت أبكى ـ أصلاً ؟.. لقد كنت أضحك.. أجل غلبتني ضحكة، فلم أجد من حيلة لكتم ضحكتي سوى إخفائها بالبكاء، والحمد لله نجحت بذلك .
تسترجع عبير صوت زوجها ، وهو يروى لها تلك القصة ، ونفسها تحدثها بأن:مثل هؤلاء الأصدقاء الذين لا يحزنهم موت آبائهم .. لا يمكن لموت أصدقائهم أن يحزنهم ، وبالتالي لا يتورعون عن تركهم للذهاب إلى حتفهم . اكتنفها شعور كئيب بالاغتراب .. شعرت بأن أحدا لا يشعر بها ،ولا بما يهمها ،وأن كل من في الكون يعاديها ويتآمر عليها . شعور الاكتئاب خيم على دنياها بعباءته السوداء .فكل ما حولها صار مظلماً .وشأن كل من يغرق في الظلمة ،بحثت على بصيص من نور ، فوجدته ـ ولو لم تجده لابتغت توهمه لنفسها ـ في شاكر ،صاحب المواقف المليئة بالإيثار وإنكار الذات في التضحية وفداء الإخوان والأصدقاء ،وخصوصا زوجها الذي كان يحدثها بتلك المواقف .وجدت في شاكر طوق نجاتها في دفع فاجعته المرتقبة بفقدان زوجها عنها . وخطر لها أن تلجأ إليه،وتتوسل له ليساعدها في ثني زوجها عما هو عازم عليه. فهرعت بمجرد أن لمعت الفكرة في رأسها إلى الهاتف. وقبل أن ترفع السماعة وتدير القرص برقم شاكر ،الذي أخرجته من مذكرة صغيرة كانت ملقاة إلى جانب الهاتف وكانت تحتوي على جميع الأرقام المهمة لزوجها .. تراجعت ،وقررت أن تدعو حماتها لتقوم بهذه المهمة ، فهي تعتبر نفسها شريكة لأمه في تربيته , وهو يحفظ لها البر ما يؤكد اعتبارها .