-1-
فاطمة
تعجلت السنوات ، طلبت مجيء بعيدها حثيثاً ، وكأنها بفطرة النساء لم تفطر ، التقدم نحو الشيخوخة ما عاد يضيرها .
ودّت لو يمتطي الزمن لمح البصر ، وبها ينطلق سهماً يشق طريق المستقبل ، ولا يحط بها إلا عند لحظة اكتمال حلمها المنشود ، لكن الزمن وجه رياحه عكس ما تشتهي .... ما طلبها كثيراً، باعد بينها وبين لحظة اكتمال حلمها الجميل، سامها قسوة الانتظار وعدً الأيام، وجشمها خمسا وعشرين سنة، كانت في حساب صبرها ألفاً أو يزيد.
هذا الزمن المراوغ هو ذاته الذي تعجل بها ، عندما كانت ترغب بتوقفه بها عند لحظة الشباب اليافع ، قبل أن تشتعل بمشاعر الأمومة ، وقبل أن تنوء تحت أثقال انتظار يوم زواج ابنها البكر .
مرً على يوم زفافه الميمون حتى اللحظة خمس سنوات ، وعلى يوم مولده العظيم ثلاثون سنة . يوم مولده انفجرت لها أسارير الدنيا بأروع الابتسامات ، التي لم تزدد بمرور الزمن إلا روعة وجمالاً كوردة تتفتح .
راقبت تفتح وردتها لحظة بلحظة، بفارغ الصبر.
مع كل لحظة كانت تزيده نضجاً وتفتحاً، كان لها فرح وعرس.
مرة من قبل، لم توسوس بها نفسها باحتمال ذبول وردتها ولا بأن تمتد إليها يد الموت قاصفة، كانت ترفض مرور فكرة قصفها بخاطرها ولو لمحاً. الحذر،ا الآن، وبعد خمس سنوات من اكتمال تفتح وردتها وإثمارها بوردتين جديدتين مبشرتين، أ، تعايش حدساً مفزعاً فيها نعيق غربان الكون مجتمعة: " الحذر.. الحذر ، يد الموت تقترب من ابنك الوردة" .
ذلك الحدس المفزع ، كيف انبعث فيها من تراب اللاممكن ..... من مجاهيل مستبعدها المرفوض ؟ انبعاث الموتى من أرواحهم ، ومعايشة جثثهم المتآكلة ، ومصاهرتهم ، كان في ممكنها ومعقولها أقرب من أن تعايش مثل ذلك الحدس الكابوسي ، الذي أتاها مما لاحظته عليه من أعراض شهادة !
تلك الأعراض تجلت في حديثه كالشمس .... أحاديثه كلها أصبحة لا تخلو ... كلمات مستعارة من قاموس أولئك الاستشهاديين ، الذين تشاهدهم على شاشات التلفزيونات العربية وغير العربية بين اليوم والآخر ، وهم يعلنون بثبات وفرح عن التبرع بأجسامهم من أجل الله سبحانه وتعالى ومن أجل فلسطين .
في البداية تجاهلت كلماته الاستشهادية ، ورفضت أن تفهمها على محملها الذي يقصده ، وأقنعت نفسها بأنه لا يعني تماماً تلك الكلمات الصادرة عنه ، وأنه لن يصدقها بحقيقة الفعل ، رغم ما تعرفه فيه من التعود على إعطاء أقواله مصداقية من الأفعال .
أقنعت نفسها بذلك ، لأنها لم تتخيل ، ولم تحب أن تتخيل ، نفسها تهون عليه لدرجة طعنه إياها بحرمانه لها من نفسه ، وشرائه حبه لغيرها بحب لها ، ولو كان ذلك الغير هو الله سبحانه وتعالى وفلسطين .
صحيح أنها ربته على حب الله تعالى وعلى حب فلسطين ، قبل حب كل شيء ، حتى قبل حبه لها ، ولكنها علمته أيضاً أن حبه لله لا يصادر حبه لها ، بل يزيده .
وأقنعت نفسها بأن حبه لها ، وابتغاءه رضاها ، يحولان قطعاً دون إقدامه على الشهادة ، مؤثرة بذلك عيش الوهم المريء ، على عيش الحقيقة المرة ، التي حتماً ستيقظها من حلم جميل لا تريد الاستيقاظ منه أبداً .
ولما وجدت منه الدفع الشديد نحو إشعارها بالحقيقة المرة ، والإصرار الأكيد على إيقاظها من حلمها الجميل بإلحاحه على استخدام تلك الكلمات الاستشهادية ، بمناسبة وبغير مناسبة، عمدت إلى إبعاد أحاديثه معها عن فرص استخدام مثل تلك الكلمات ، وإلى سد السبل المفضية إليها .
حذرت منها حذرها من حقول الألغام .
لكن جموح إصراره المتزايد ، على إقحامها في أحاديثه إقحاماً ، بلغ ذروة أيأست قدرتها عل الإمساك بزمام الحديث معه ، وقوده حيث تريد في جادات تخلو من أشواك تلك الكلمات التي كانت تألمها جداً .
صار له من القدره العجيبة ، ما يمكنه من تحويل أي حديث بينهما ، إلى حديث عن فضل ومكتسبات الشهادة ، التي تعود في الدنيا والآخرة على الشهيد وأمه ، الشيء الذي أجج من خشيتها ، وجعلها تظن أن وراء أحاديثه تلك نعي نفسه لها ، وتهيئتها ليوم عظيم ، يعود فيها إليها شهيداً مسربلاً بدمه .
حاولت نهيه عن أحاديثه في فضل الشهادة والشهداء، بالتودد والاسترحام تارة، وبالزجر وإظهار الغضب تارة أخرى، ولم يزده ذلك إلا إلحاحاً عنيداً.
بمجرد سماعها بالكلمات الطافحة بتجميل الشهادة ، كانت ترتعد فرائصها ، ويرسم جزعها في عين خيالها صورة له تظهره شهيداً مسربلاً بالدم ، ولسانها ينطق بكلمات منفعلة :
يكفي ... يكفي ، لن يصير الموت حلواً في فمي ، ولو غمسته لي بالعسل .
فيرد عليها مراوداً :
في الشهادة حياة .... لا موت ...... حياة أفضل من هذه الحياة الدنيا، في الشهادة يا أمي، الجنة... الجنة للشهيد وأمه .
وبذات الإنفعال تجيبه :
ولماذا نطلب الجنة بالشهادة؟ يكفينا أن نطلبها بالصلاة والعمل الصالح .
لكن الشهادة أضمن وأسرع ( وسألها مبتسماً ) إذا كنت ـ مثلاً ـ تودين السفر إلى أمريكيا ... تسافرين بالطائرة أم بالسفينة ؟
قبالة هذا المنطق الفريد... منطق عشق الشهادة.... مذهولة تقف، وتفقد كل قدرة لها على الحوار، ولا تجد من حجة غير حجة الدموع تسعفها وتعجز كل حجة.
كانت تعلم أن شيئاً لا يضعفه كدموعها ، ولذلك كانت تجعل من دموعها سلاحها الأخير ، تشهره فقط في الضرورة القصوى . وكان لا يرى ذلك السلاح يشهر إلا ويضع كل جهده في الفرار من الميدان ، قبل أن تحكم عليه الحصار ويضطر للاستسلام لها ، ولم يستطع الإفلات من حصار دموعها ، إلا بعد أن أصبح الأمر يتعلق بقضية الشهادة .
من قبل، لم يساورها ندم على علم لم تحصله... وكاليوم ، لم يسبق لها أن تمنت نصيباً وافراً من علم يدر عليها حججاً عمادها العقل السليم ، لتقارع بها حجج ولدها المثقف ، قبل أن تقاومه بالدموع والعواطف ، وكذلك يمنحها القدرة على نقد حججه وتمييزها إذا كانت تعتمد على منطق سليم ، واصل ديني متين ، أو على عكس ذلك .
ثقافتها الدينية المحدودة ، أقامت في نفسها حارساً يمنعها من البوح بكل ما يعتمل في صدرها من مشاعر ، ووضعت على تفكيرها وما تأتي به من حجج الكثير من القيود والخطوط الحمر ، التي لا تثق تماماً بوجودها في الدين ، إنما أوجستها إياها خشيتها من الانزلاق في العقيدة ، وذلك ما كان يعجزها عن التعبير عن ذاتها ، ويفقدها ثقتها بدفاعها عن حججها أمامه ، ويشعرها بضيق لم يسلوه عنها مشاركة زوجته المتعلمة لها في مقارعة حججه الثاقبة ، التي يدعمها بنصوص من القرآن والسنة النبوية الشريفة .
واعتماداً على ما يعرف في أمه من خشية الانزلاق العقيدي ، وما يعرفه عن ثقتها بعلمه ، قرر اللجوء إلى منطق التخويف والإرهاب في محاورتها ، فمثلاً قالت له قبل أسابيع عدة :
طاعة الأم من طاعة الرب ، وعليك طاعتي بأن تبتعد عن الجهاد والاستشهاد والحديث فيهما .
فوضع على وجهه قناع الغضب ، وقال :
أتأمرينني أن أشرك بالله ؟ !
أرعدتها كلمة شرك ، وجعلتها تجيب باضطراب ، كمن يدفع تهمة سيئة عن نفسه .
أنا آمرك بالشرك ، أعوذ بالله ... أعوذ بالله ... كيف تقول ذلك ؟
فأخذ يسألها كمحقق :
أطلبت مني الابتعاد عن الجهاد ... أم لا ؟
لأني لا أريد لك أن تموت .......
وربي يطالبني بالجهاد ... أم لا؟
صحيح، ولكن ......
قاطعها :
ولكن من أطيع ... الله أم أنت ؟
لم تجب إلا بدمعة بللت قلبه بالحنان ، ورققت صوته الذي تابع :
يا أمي أطلبي مني أن أطيع ربي ... وعلى ذلك كوني لي عوناً .
شعرت كأنه يسخر من مشاعرها بما يطلب، فحدقته بنظرة أسى سرعان ما سقطت على الأرض، تمتمت هناك مخاطبة نفسها بصوت هادئ ولكنه مترع بالغيظ:
بكل بساطة يقول : كوني لي عوناً ... عوناً على موتي .
ووضعت عينيها المغرورقة في عينيه من جديد ، وتساءلت :
ولم لا ؟ ....
ثم ذهبت عنه وهي تقول بصوت متهدج ارتفع فجأة:
يا قلبي صر حجراً وأعنه على موته .... وبموته موتي ...
صوته الذي حمل إليها ذلك الطلب الرهيب، لم يسكت في نفسها مذ خرج من فمه، شرد فكرها، وأسهد لياليها، واستنفر فيها ذكريات أيامها الخوالي معه.
ذكريات كثيرة ، حامت جامحة في أفق ثلاثين سنة ماضية ، تنقلت في أعنتها وبين لحظاتها ذات الألوان والمذاقات المختلفة ، كنحلة تنتقل من زهرة إلى زهرة في بستان واسع يحتوي مختلف الأزهار الجميلة ، وأكثر ما حملت ذاكرتها ... حامت حول يوم مولده . آهات مخاض انتهت ببكاء طفل وليد، وكلمات تهنئة تخرج من أفواه نسوة مملوءة بالزغاريد والفرح:
مبروك .... ولد
عاودتها ذكريات ذلك اليوم المشهود بكل ما فيه من تفاصيل بكل وضوح تذكرت لحظة أن قربوه منها بصراخه الرقيق... تذكرت كيف أفعمت رائحته أنفها بأول شمه ، كيف لامست شفتيها خده بأول قبلة ... كيف ألصقت جسده الغض بجسدها بأول ضمة ... تذكرت كيف اكتسحتها ـ لحظتذاك ـ مشاعر الأمومة اكتساحاً ، كنهر فاض فجأة على بحيرة جافة فملأها بمياهه العذبة ... كيف نفخت فيها تلك المشاعر الدافئة نفخاً ، كما لو كانت روحاً نفخت في دمية فملأتها بالحياة .
حينها شعرت بنفسها تذوب وتمتزج في نفسه ، وبروحه تنصهر في روحها كما السكر في الماء الساخن ، وبأحلامها تسيل وتراق فيه وكأنها الماء من وعاء إلى وعاء ، مذ أرضعته أول مرة ، وهي لم تعد تشعر بأحلام لها إلا فيه وبه ، فهو قد أصبح حلمها الأكبر ، والأحلام كالأسماك كبيرها يبتلع صغيرها ، وحتى خوفها الفطري على ذاتها ما عادت تشعر به بمقدار ما تشعر بخوفها عليه .
تقبلت التهاني بمولده من جاراتها وقريباتها ، بفائض السعادة ومنتهى المباهاة .
هو الأجمل ، فانظرنّ إليه ...
إذا نام فهو ملك كريم، وإذا تبسم فهو قمر منير، وإذا بكى فهو عصفور ضاج
هو الذي لم ولن تنجب مثله امرأة، فلاحظنه...
في سكونه الجلال والوقار ، وفي حركته الإيحاء والذكاء ، وفي نظراته المغازي والعبر ، والمهنئات كنّ يخفينّ امتعاضهنّ من خيلائها المفرط الذي يجعل من مولودها طفلاً معجزة .
فإحداهنّ لم تكن تؤمن بأنه الأجمل ، أو فيه من المحاسن ما يميزه عن غيره من الأطفال الرضع ، وكُنّ يجاملنها ، رغم ذلك ، بالثناء على كل صفات الحسن التي تضفيها على مولودها بحق أو بغير حق .
وبمقدار سعادتها بقدوم جاراتها وقريباتها المهنئات ، كان استياؤها من قدوم حموها ، الذي لم يكن في الحقيقة قاصداً بقدومه تهنئتها ، بل العودة إلى بيته من محلاته التجارية في شارع عمر المختار ، إذ في بيته تعيش هي وزوجها وباقي أبنائه ، وحين عاد لم تره ، بل خبرت بعودته من زوجها الذي طلب حمل الطفل إلى جده ليراه ويباركه .
راودتها نفسها بأن ترفض إعطاءه الطفل ، وأن تقول له : بأن من يريد رؤية الطفل عليه أن يأتيه وهو في حضن أمه ، ليعيدها بنفسه ، وليقدم لها التهاني بالمولود قبلاً ، غير أنها تمالكت نفسها ، وكتمت كلمات الاستياء التي نضحت بها تعابير وجهها ، وتركته يذهب بالطفل .
ولما رأت أهل البيت كلهم يذهبون عنها بالمولود إلى جده ، ليحتفوا به ويهنئوه بحفيده الأول ، وكأن الفرحة تخصه قبل أن تخص أحداً آخر ، ولو كان ذلك الآخر هو أمه ... غضت بالغيظ ، وأكلتها الغيرة ، وتعزز الخوف فيها من قوة مجهولة تريد أن تصادر منها فرحتها بمولودها .
عاد إليها الطفل بعد دقائق استشعرتها رغم قلتها دهراً ، وفي قماطه تنغرز أوراق نقدية من النقد الإسرائيلي الذي فُرض التعامل به في غزة قبل عامين تقريباً من ذلك الحين ، ومحملاً باسم جده " عبد القوي " .
أثناء دقائق غياب الطفل القليلة عنها ، كانت قد غابت تفتش عن كيد يشفي لها غيظها وغيرتها ، وعن فكرة تأمن لها خوفها ، طافت مطاردة الكثير من الوساوس الشيطانية والأفكار الشاردة ، تحت وطأة توترها الذي نشر دخانه حول تفكيرها ، فأغشى رؤيتها عن إبصار فكرة واحدة بشكل كامل ، ولم تكتمل لها رؤية فكرة كيدية ... إلا عندما أخبرها زوجها بأن جده منحه اسمه، فأمسكت بتلك الفكرة بكل قوتها.
رأت في أن فرصتها في إرضاء نزعتها الأمومية ، في تأكيد امتلاكها الكامل لطفلها ، برفض تسميته بعبد القوي وتسميته بأي اسم آخر يكون من اختيارها هي ، فاختارت اسم أكرم . وأحد لا يعرف إذا كان اختيارها لمعركتها مع الجد حول الاسم لحسم نزاعها معه حول الطفل اختياراً محسوباً ومدروساً أم كان مجرد اندفاع لا شعوري من أم تشعر بخطر يتهدد حقوقها الأمومية ... لا سيما وأن نتائج المعركة كانت للناظر محسومة سلفاً لصالح الجد ، الذي كان يتفوق عليها في ميزان القوة ... حيث لم لرفضها أو إرادتها أي وزن ، في بيت يخضع جميع أفراده لسلطة رجل واحد ، يجمع في يده كل مصادر حياتهم .... مسكنهم ، وحتى المصروف الشخصي لكل واحد منهم ، فلاقى رفضها لاسم " عبد القوي " تسخيفا حتى من زوجها ، فأحد في البيت لا يمتلك فرض إرادته على الجد ، ولو فيما يتعلق بالأمور الشخصية ، بل مجرد التفكير في كسر إرادة الجد يعتبر ضرباً من ضروب الجنون ،
نصحها الجميع أن تنسى ما هي عازمة عليه ، وأن تحرص على ألا يصل إلى الجد رفضها تسمية المولود باسمه ، لأن ذلك لن يعود عليها إلا بالخسران ، ولكنها ظلت على عناد لبوءة في الدفاع عن أشبالها ، وإن لم تُقدم على مواجهة واحدة مع حميها وجهاً لوجه ، وبقي نضالها من خلف زوجها وباقي أفراد الأسرة .
حاول أحد أعمام المولود ، وهو العم " حافظ " ، بما يمتلكه من روح النكتة ، التوسط بين الجد والأم باقتراح اسم ثالث يمزج بين الاسمين ، فيكون الاسم المقترح " عبد الأكرم " ، وقدم " حافظ " مقترحه للجد ، في سياق يجمع بين الجَد والهزل ، مانحاً نفسه بذلك سبيلاً للتراجع في حال عدم رضى الجد عن المقترح وإثارته غضباً ، وذلك ما حدث فعلاً ، إذ ردَّ على " حافظ " بعاصفة من السخط :
يا خيبت بختي فيك... يا عديم العقل، أنا عبد الأكرم أم عالأكرم، ؟ وهذا المولود من جده أنا أم عبد الأكرم ؟ ثم هل سمعت في حياتك برجل اسمه عبد الأكرم، كل شيء عملوا له دواء إلا البله، ولذلك ستعيش وتموت أبله
إنني أمزح ... فقط أمزح يا أبي .
أترى أباك هزأة يا قليل الحياء ، لتمزح معه هكذا ؟
وسكت لحظة، سكتت معه فيها الدنيا، ثم عاد ليقول، وهو يدق سهام نظره في عيني أبي المولود:
والله لو كان أبوه قائلاً هذا الكلام لحرمته من شرف حمل اسمي.
عرف أبو المولود أن جوابه هو المطلوب، وأدرك عمق الوعيد في العينين المصوبة نحوه، وأن عليه الرد برد يرضي الجد، وإلا أنزل عليه نقمته، وضيّق عليه عيشه، فسارع لإنقاذ نفسه قائلاً:
إذا كان ابني البكر لا يحمل اسمك يا أبي، فلا أريد أن يكون لي أولاداً.
وأما لو طرح ذلك الحل الوسط على الأم ... لما أرضاها حتماً، فكل الحلول الوسط كانت في نظرها، لا أكثر من ترضية زائفة تُغلِف لها تنازلاً قاسماً.
ورغم هزيمتها الساحقة بتسجيل المولود في شهادة الميلاد بعبد القوي، لم تقبل بالاستسلام وقررت المقاومة حتى النفس الأخير، رفضت مناداته بغير أكرم، ولم ينج من تأنيبها تبكيتها كل من يناديه أو يشير إليه بعبد القوي حينما يكون الجد غائباً. ولأنها لم يكن لها شغل ولا هم غير ولدها ، على عكس الجد ، الذي ما كان يعود إلى البيت إلا للمبيت وملاعبة الحفيد سويعة من كل يوم ، كانت لها الفرصة الكاملة في إجبار اسم عبد القوي على الغروب والانزواء داخل شهادة الميلاد وعلى لسان الجد فقط ، وفي فرض اسم أكرم على جميع الألسن .
تسجيل المولود باسم عبد القوي في شهادة الميلاد ، علق في حلقها هزيمة تقطر في جوفها بالمرارة كل لحظة ، وأشد تلك القطرات مرارة ، كانت تلك التي تجرعتها في الأيام الأولى التي لم تتبين فيها مدى نجاح مقاومتها في صلب اسم الجد على شهادة الميلاد ، ولا شك بأنها وجدت في نفسها حاجة للتخفيف من مرارة هزيمتها الأولى بالبحث عن انتصارات جديدة ولو وهمية في معارك جانبية كانت تفتعلها للجد ، فدبرت مع أخواتها وصديقاتها مكيدة يفعلنها في حفلة أسبوع المولود .
يوم الأسبوع كان يوماً حافلاً للأسرة . الأم تألقت في بهو البيت بين النساء المحتفلات وسيدة للحفل ، وكذلك كان الجد بين الرجال المحتفلين في تعريشة مقامة في الحديقة إلى الجانب الغربي من المنزل ، وكانت أصوات المغنيات والراقصات طرباً وفرحاً بالمناسبة ، تقتحم على الرجال تعريشتهم من خلال شباك مغلق إذا فتح كان يفتح داخل التعريشة .
وبينما بدأ طعام العقيقة يصف على موائد الرجال في التعريشة .. بدأت النساء بالدق على الهاون ، وبصب وصاياهنّ على المولود .
طربت نفس الجد لرنات الهاون النحاسية ، وأصغى السمع للوصايا المنهالة على حفيده من أفواه النسوة الزجالات ، منتظراً أن تكون فاتحة تلك الوصايا آمرة بطاعته ، فهو يعتبر نفسه أول المعنيين بالمولود ، وأن فرح الوجوه في أسرته مجرد مرآة لفرحه ، وأن الرجال من حوله في العريش أتوا كرامة لفرحه ، واحتفاءً به ، ولتهنئته قبل أي أحد آخر بما في ذلك والد المولود . ففي شعوره أنه أحق الناس بالتهنئة ، وأن تهنئة أحد غيره سرقة مقصودة لفرحه ، وقد يكون له في ذلك شبهة حق ، إذ المولود ثمرة لمشروع هو في الأصل مشروعه ، حيث هو صاحب فكرته ، وهو من خطط له ورعاه وموّله ، وليس من قبيل المبالغة القول : أن " راضي " والد المولود قبل ليلة العرس لم يكن له دور في زواجه من إبنة عمه فاطمة ، بل لم يصل إلى علمه الخبر بذلك المشروع إلا بعد الاتفاق مع والد العروسة على كل شيء ، وكان وصوله إليه كما وصل إلى أصغر فرد في الأسرة ، وفي الوقت ذاته ... وما كان تعجل الجد في تزويج بكره " راضي " مبكراً... إلا تعجلاً في تحقيق حلمه الخاص برؤيته لأحفاده ، الذين برؤيتهم تطمئن نفسه على استمرارية ذريته .. تلك الطمأنينة التي كان ينشدها قبل أن يأتيه الذي بات يشعر بدنوه .
وأتاه صوت النسوة بين دقات الهاون يهتفن ّ:
يا أكرم ، أطع أمك .... يا أكرم ، أطع خالاتك ... يا أكرم ، أطع أعمامك ...
اشتعل الجد بالغضب ، وشعر أن في الأمر مكيدة نسويه . " أيتها الأفاعي ، من أكرم هذا ؟ أين عبد القوي ؟ أين أنا ؟ وأين حقي عليه في الطاعة ؟ " وزاد غضبه اشتعالاً عند هتافهنّ :
يا أكرم ، لا تطع جدك ...
حاول فتح الشباك المقفل بيديه المضطربتين ، فلم يفتح ، فراح يدق عليه بعصبية فائرة ، ويزعق بصوت راعد :
يا قليلات الحياء ، انخمدوا واخمدوا هذا الهاون ..
دهش الرجال من موقف الرجل العجوز، وبقوا في مقاعدهم مغروزين. منهم من كتم ضحكة تتنطط في صدره وتكاد تقفز من فمه ، ومنهم من أشفق عليه من الغضب الذي أحرق فرحته كعود ثقاب ، وجميعهم تساءل سراً وهمساً عما يحدث ، وأما الأبناء فوقفوا بدهشتهم ، غارقين بحرقتهم واجمين أمام مشهد أبيهم الذي تعرى من وقاره على مرأى من الرجال .
وتوقفت النسوة عن دق الهاون ، فيما دقات قلوبهنّ أسرعت صاخبة في صدورهن ، وتحول العجوز عن الشباك قاصداً حفلهنّ ، تبعه أبناؤه بصمت متوتر ، دخلوا خلفه البهو ، حيث حفل النساء ، أخذ الهاون الملقى جانباً كأداة جريمة كلهن تنصلن عن حيازتها ، وراح يدق عليه ، وسط استغراب النسوة اللائذات في صمت حاذر من فورة غضب بركانية تصدر عن العجوز ... الذي رغم هيبته لم يتورع عن اقتحام حفلهنّ، ويردد عبارة واحدة:
يا عبد القوي أطع جدك ... وجدك فقط .
ولما رآهنّ لا يرددنّ خلفه، صرخ فيهنّ:
ما بالكنّ بالعات الألسن ... هيا رددنّ ...
رددت النسوة خلفه مرات عدة ، بحناجر مثقلة بالتوجس ، ثم انتدب من بينهنّ إحدى بناته ، لتأخذ مكانه في دق الهاون ، وترديد عبارة واحدة لا أكثر : " يا عبد القوي أطع جدك " ، وعاد إلى عريش الرجال بفرحة ذابلة بنصر تحقق له بالسطوة ، وبإدراك مزعج لوجود من ينازعه الاستئثار بحفيده الأول . من قبل، لم يخطر له وجود من سينازعه الاستئثار بحفيده الأول، كان يسهو عن حلم الأمومة الذي هو في زوجة ابنه كما هو في كل النساء، كان يتوهم أن حرصها وزجها على الإنجاب حرصاً من أجله... التماساً لرضاه بتحقيق حلمه بمنحه الولد الذي يضمن له استمرارية سلالته وامتداد أفرعها... ودقات الهاون نبهته من سهوه وأوهامه ، وأشعرته بالخشية من خسران النصر الذي أحرزه بالقوة ، فهو يعلم أن النصر المولود من رحم القوة المجردة يموت مع موت تلك القوة ، وأن الهزيمة العائمة فوق الحق لا بد أن تلقى جيفة مع واحدة من الموجات القوية أو واحدة من الفيضانات الجارفة ، رغم ذلك ركب المكابرة واندفع لا إرادياً لتعزيز نصره بنصر جديد يحرزه بقوة المال .
وقف في التعريشة ، قبالة شباك بهو البيت المغلق ، ونادى :
يا جماعة اسمعوني ....
سكتت دقات الهاون الآتية من خلفه ، وكأنها استجابت لندائه ، وأمام المدعوين الذين كان يعنيهم بندائه ، فلم يكن يعوزهم الانتباه إليه ، حيث راقبوه باهتمام ، منذ ظهر لهم عند زاوية البيت ، وحتى وقف قبالة الشباك ، وتنقل ببصره بين المدعوين ، وكأنه يريد الاطمئنان على انتباههم له ، ثم قال :
يا جماعة هذا اليوم هو أسعد أيام حياتي ، لما رزقني الله ببكري ، لم أفرح كما رزقني ببكر بكري " عبد القوي " وبهذه المناسبة هديتي لعبد القوي الصغير قطعة الأرض القريبة من المستشفى ، كلكم يعرفها وكلكم اشهدوا على هذا الكلام ، وإنشاء الله العقبى لكم بأن تروا أولاد أولادكم .
تعالت صيحات التبريكات من الحضور ... بينما وقعت المفاجأة على الأعمام كالقنبلة .
فهذه القطعة كانت درة أملاك أبيهم من الأراضي ، فهذه الأثمن والأفضل موقعاً ، وهي قبلة آمالهم ومحط أطماعهم . " لمن سيئول ميراث تلك القطعة ؟ " هذا هو السؤال الذي كان في الليل يسهدهم ، وفي النهار يشقيهم لتكون الإجابة بالنسبة لكل واحد منهم : " لي وحدي " ولتكون الإجابة كذلك تنافسوا جميعاً في كسب رضا وود العجوز ، تسابقوا ببذل كل ما في الوسع ، من إظهار الطاعة والخضوع له ، لينالوا منه الرضا ، ففي رضاه كانوا يعرفون بوابة سعادتهم ، كما كانوا في سخطه يعرفون بوابة حرمانهم ، ولم يكن ليحظى أحدهم بأفضل الميراث إلا برضاُ منه ، لا بأسوئه إلا بسخط منه ، وكان الأب العجوز يعرف كيف يخضع أبناؤه ويطوعهم لرغباته بإغداقه على كل من يرضى عليه منهم ، وبمعاقبتهم بالحرمان على كل من يسخط عليه منهم .
أعين الأعمام دارت غيظاً وحسداً .. وعبثاً حاولوا التمويه عليها بابتسامة زائفة ، كلمة مبروك خرجت من أفواههم لأخيهم راضي مهزوزة مغتصبة ، ولو كانوا يمتلكون حولاً أو حيلة ترد أبيهم عما منح حفيده ، لما تورعوا من الاستعانة بها ، ولو كانت من حتى شيطان رجيم ، ولكنهم كانوا يعلمون أن كل معارضة منهم تنزل عليهم من سخط أبيهم بما لا يطيقون تحمله ، وأما راضي فبرقت أسارير وجهه بفرح ينطق شكراً للمولود الجديد وللظروف التي هيأت له الجائزة ، على عكس زوجته ، التي أتاها صوت حميها ، حيث كانت تجلس بين النساء ببشرى هديته الثمينة لمولودها ، ليدخل إلى نفسها الإنقسام بين الثروة التي أتت لوليدها تسعى ، وبين عدم الرضا بها لأنها ستكون بمثابة رشوة لأبيه ليتخلى عنها في معركته مع الجد حول أكرمها .
تذكرها لك الحدث ، ولتلك المشاعر المنقسمة ، لامست في نفسها مشاعر مشابهة ، فأيقظتها من شرودها في فجاج ذكرياتها البعاد ، وأعادتها لمعايشة واقعها الملبد بالخوف ، والتفكير بأكرمها الذي أصبح يجهر بعشقه للشهادة ، وقادها تفكيرها إلى بحر من الندم ، وأغرقتها أمواج اللوم الذاتي : " بإصراري العنيد جعلته أكرم ، لماذا لم أتركه ليكون عبد القوي ؟ كانت منافسة حمقاء مع عمي عبد القوي . وعلى ماذا كنت تنافسينه يا فاطمة ؟ على أمومة أكرم ؟ يا له من تفكير أخرق ، فهل كان عمك عبد القوي يطمع في أن ينتزع منك أمومتك له؟ غباء ... غباء ... لم يكن يريد أن يكون له أماً ... لم يكن يريد أن يكون أكثر من جد يحب حفيده ، يفرح به ، لم يقدم على انتزاع أي حق من حقوقك فيه ، ترك لك تربيته ورعايته ، بل كان يريدك أن تكوني له أماً مثالية بتوصياته لك عليه ، ولكن لضيق أفقك يا فاطمة ، كانت الغيرة تحرقك عند سماعك لتوصياته تلك ، أو لانتقاداته في سوء رعايتك له ، وكنت تستشعرينها حرصاً وأمومة لأكرمك ، ما كان عمك يريد أن يصادر منك أمومتك ، ولكنك كنت تريدين أن تصادري منه جدوديته ، وكنت تريدين أن تكوني له الأم والجد وكل الأقارب وكل شيء ، وها أنت جعلته أكرم بدلاً من عبد القوي ، فإلى أين ذاهب أكرمك الآن ؟ إنه ذاهب إلى موته !! أرأيت ؟ إنه ذاهب إلى موته ، فلو لم تعاندي جده وتركته ليكون عبد القوي لا أكرم كما أراد جده ، لربما كان الآن ذاهباً إلى مصير آخر ، ولكنها غيرتك الفارغة ، ليتك يا عمي بقيت توقد فيّ نار الغيرة ، فنار الغيرة عليه منك أرحم من نار غيرتي عليه من الموت الذي أصبح لا يكف عن مغازلته ، أرأيت يا عمي حفيدك المحبوب أصبح يعشق الموت .... الموت أصبح منافسي فيه ، وآه من منافسة الموت على حبيب ... ليتني تركته ليكون عبد القوي لا أكرم ، فمن يدري ؟ لعله لو ظل عبد القوي لكان الآن رجلاً آخر يختلف عن أكرم ، ولعله بقي على حب أمه ولم يولع بالموت " .
ندمها على إصرارها في جعله أكرم لا عبد القوي , وتأنيبها لنفسها على ذلك الإصرار استدرجها لتتذكر كيف غاب عبد القوي تماماً ، وبقي لها أكرم كما كانت تريد ، بموت الجد قبل أن يبلغ أكرم عامه الخامس ، كان اسم عبد القوي قد اختفى تماماً عن الألسن وطوي في أحد أدراج خزائن الذاكرة المهملة ، كثوب زمنه فات وولى ، ولم يعد يلائم الشباب ولا عصرهم ، حتى ظنت بأنه مات ودفن مع الجد ... لولا أنه عاد للظهور ثانية عند دخوله المدرسة ، كظهور مستحيل لرجل قد شبع موتاً .
يومذاك عاد إليها أكرمها الصغير مبلبلاً وفي عينيه حيرة طفل تائه :
أنا عبد القوي ؟
ساءها تساؤله استياء قائد أتاه خبر هزيمة غير متوقعة لجيشه ، بلعت حسرتها متلمظة ، ثم قالت بنبرة حاسمة :
ما عبد القوي ؟ ... أنت أكرم .
فأتاها صوته متشكياً على وشك بكاء :
يقول الأستاذ إني عبد القوي .
ضمته إلى حضنها ، هالها أن تسمع تهدج أنفاسه على صدرها.
كيف تشرح لبراءته وبساطة تفكيره الالتباس بين الاسمين ؟ خشيت جرح براءته الطفولية بقول الحقيقة ، التي تكشف عن نزاعها مع جده حول التسمية ، وفكرت في إقناعه بأنه في البيت يكون أكرم ، وهناك في المدرسة يكون عبد القوي ، ولكنها لم تفعل ، إذ أنها خشيت عليه ـ بوعي فطري ـ أن يعيش حالة ازدواج الشخصية وقررت إفهامه بأن عبد القوي هو الاسم الذي وضعه الموظف في شهادة الميلاد خطأ في غفلة منه ، وأن هذا الخطأ سوف يصححه أبوه في القريب .
ولم يعد من الصعب عليها في ظل الغياب الأبدي للجد ، وبقليل من الإلحاح والضغط أن تقنع زوجها بتغيير الاسم في شهادة الميلاد وكان لها ذلك في وقت قصير ، فكيف لها الآن إبقاؤه لنفسها ، وهولا يكف عن مغازلة ما تسميه هي بالموت ، ويسميه هو بالشهادة .. كيف ؟
عاد إليها سؤالها النافذ ، بكل ما فيه من صعوبة تحير نفس الحكيم وتفقد صبر الحليم ، وتبلبل عقل اللبيب ، ليُلح عليها مجدداً بالتفتيش عن إجابة شافية له . ولكنها كالعادة ، رغم سهومها الطويل لم تجد ولو منفذاً صغيراً يفضي للإجابة الشافية . فالطريق والمنافذ إلى الإجابات كلها كانت أمام تفكيرها مسدودة ، فأكرم ما عاد ذلك الطفل الذي يمكن فرض الوصاية عليه ، والذي يستقي منها معرفته للأشياء ، وأصبح له رؤاه وأفكاره الخاصة منذ زمن طويل ، وغدا وقوفها قبالة سؤالها الثاقب ، وقوفاً عاجزاً مشلولاً ، وقبل أن يرهقها التفتيش غير المجدي ، ويفتح لها غرف ذاكرتها مع أكرمها لتستريح فيها من عناء ذلك التفتيش ـ كما يحدث لها دائماً ـ أتاها صوت أكرمها ليخرجها من سهومها ، وينقذها من عناء ذلك التفتيش ، ولم تتبين ما قاله بالضبط ، غير أنها عرفت من ابتسامته العريضة أنه قال لها قولاً فيه دعابة ، إذ ديدنه أن يبتسم تلك الابتسامة في أعقاب مداعباته للآخرين التي لا تنتهي .
تأملته بنظرة مشتاقة ، ملؤها الأسى والحب والنداء لينضم إلى حضنها ، كما كان يفعل صغيراً .
ثم قالت بحسرة موجعة :
سألها مستغرباً:
يا ريتك بقيت عبد القوي .
نعم ؟ ...
يا ريتك بقيت عبد القوي ، كما جدك كان يريدك ، ولا أكرم .
( سبق لأكرم أن عرف ـ تفصيلياً ـ قصة صراع أمه مع جده حول تسميته ، من عمه محفوظ الذي كان كثيراً ما يتندر في المجالس العائلية بهذه القصة ) .
لماذا ؟
لو بقيت عبد القوي ... لكنت اليوم مثل جدك تاجراً يحب الدنيا ، لا أكرم الذي هو اليوم أنت .
وما شأن الأسماء في نفوس الرجال وشخصياتهم ... يا أمي
حدجته بنظرة من يمتلك الإجابة ولا يستطيع التعبير ، فأردف بلهجة هذرة :
كان من الأفضل لو قبلت بحل عمي محفوظ الوسط ، وسميتني عبد الأكرم .
وضحك ضحكة صغيرة ، ثم تابع :
حل عمي محفوظ يشبه اقتراح القذافي بدمج إسرائيل وفلسطين في اسم واحد ، هو إسراطين . كان عمي محفوظ راجل عنده نظر ، لماذا لم تقبلي بحله ؟
وما الفرق بين عبد الأكرم وعبد القوي ؟! كل الأسماء غير أكرم كانت بالنسبة لي سواء .. واسم أكرم لو زاد أو نقص حرفاً واحداً فسوف لن يبقى أكرم .
وصرت اليوم لا تريدينني أكرم .
فأجابت بتأثر :
لا أريد فقدانك ، أن تكون عبد القوي ولا أفقدك ... خير لي من أن تكون أكرم وأفقدك . اليوم لا يهمني الاسم .. إنما ما يهمني هو أنت .. أنت يا أكرم ، كل شيء لي في هذه الدنيا .
وبدأ صوتها يختنق ، وقبل أن تجهش بالبكاء ، نظر إلى ساعته ، وتمتم بكلمات ، وتململ بحركات تبحث له عن مهرب ، وبينما شرع بخطوات لا تخلو من انفعال .. حاولت أن تستوقفه :
ذاهب إلى أين ؟
فأجابها دون أن يلتفت أو يتوقف :
إلى شاكر .
شاكر بالنسبة لها أصبح اسماً مزعجاً ، بعد أن كان اسماً أنيساً ، وأصبحت ترى في صحابه صديق المهالك ، بعد أن كان صديق الوقاية منها ، هي من مد جسر الصداقة بينهما منذ سنوات طفولتهما الأولى ، وها هي الآن تكره اليوم الذي مدت فيه ذلك الجسر ، وإليها أعاد اسم شاكر سؤالها الثاقب بإلحاحه الشديد من جديد ، كيف تقيه مما تعتبره مهالك وأصدقاء مهالك ؟
أعياها البحث عن الإجابة ، فهربت من عناء ذلك العياء إلى استرجاع ذاكرتها مع أكرمها . وتذكرت كيف كانت تجعل من نفسها حرساً يقظاً يدفع عنه أسباب المهالك ومواطنها ، كانت تحمله إلى الطبيب لأتفه ما تلمس فيه وتتوهم من عوارض مرضية ، وكان زوجها لا يجرؤ على مناقشتها في صحة أو وهم ، وكان لا يملك إلا أن يدفع لها من أجل الطبيب ، وانتهى بها طوافها على الأطباء إلى طبيب عرف كيف يستغل هوسها ويأججه ليسرق أموالها بزياراتها المتتالية له .
جعلت من نفسها حارساً يخشى عليه كل شيء ، حتى الهواء الذي يتنفس ،وودت لو تضعه في قلعة محصنة من كل شرور الحياة ومصائبها ، وجعلت له البيت تلك القلعة بالفعل ، ألزمته إياه ، وألزمت عينيها بمراقبته ، حتى عندما يذهب ليلعب قريباً داخل حديقة المنزل .. كانت لا تكل من تفقده كل لحظة ، ورغم ذلك لم تتخلص من هاجسها الدائم بأن خطراً يترصده ... مكروهاً يتعقبه ... عين حاسد ستلتهمه .. لقد عاشت حياتها كلها مطاردة لاهثة في غابة من التوجسات المتوحشة ، وعيّشته معها في عزلة عن الأطفال خارج البيت ، وزرعت فيه الخوف من الشارع ، ذلك الغول المجهول .
داخل البيت وفرت له كل شيء حتى الأصدقاء من أترابه الأطفال ، أولئك الأتراب لم يلتقهم في طفولته المبكرة .. إلا إذا كانوا في صحبة أمهاتهم الآتيات لزيارة أمه ، أو إذا صادفهم في إحدى البيوت التي تصحبه أمه معها لزيارة جارة أو قريبة فيه ، وأكثر ما كان يلتقي شاكر ، الذي عاقدته أمه ليأتيه للعب معه في حديقة المنزل كل يوم .
حدث ذلك التعاقد بين أم أكرم أم شاكر ، عندما لاحظت احتفال أكرم الكبير بشاكر كلما أتى بصحبة أمه ، وكثيراً ما كانت تجيء لزيارتها ، كان أكرم يتلقف شاكر بمجرد دخوله البيت ، ويدعوه للعب معه داخل الحديقة بنظرة مبتهجة وبالركض أمامه إلى قلب الحديقة ، وكان شاكر يتلقى دعوة أكرم بذات الابتهاج ، وذات الاستباق .. وذات مرة ، أقبلت عليهما وهما في غمرة من السعادة والمرح باللعب مع بعضهما ، وفي يدها قطعة من الشوكولاته وزعتها عليهما ، وجعلت تنظر إلى شاكر وهو يستمتع بالتهام حصته بشهية زائدة ، وسألته وهو في ذروة استمتاعه بطعم الشوكولاته التي يلوكها بفم ممتلئ :
أتحب الشوكولاته يا شاكر ؟
هز رأسه المشغول بالتهام الشوكولاته مؤكداً ... فضحكت ، ومسحت على رأسه بيدها ، وعادت لتسأله :
ألا تعطيك أمك شوكولاته ؟
حدّجها بأقصى ما تتسع عينيه ، وتباطأ في المضغ لحظة ، ثم صرف نظره عنها إلى القطعة التي في يده ، وتابع في التهامها ثانية .
حارت في فهم الشيء الذي ملأ عينيه وجعلهما تتسعان كل ذلك الاتساع ، أهو العتاب على السؤال الذي لا يخلو من المن ؟ أم هو الشكوى من أن أمه لا تقدم له الشوكولاته ؟ أم هو شيء آخر ؟ لم تقف عند تفكيرها بدلالة نظرته سوى هنيهة قصيرة قصر نظرة طفل صغير، لتعود فتسأله من جديد :
أتستطيع المجيء وحدك هنا ؛ لتلعب مع صاحبك أكرم ؟
هزّ برأسه الصغير مؤكداً ، فتابعت تقول عارضة صفقتها عليه :
كل يوم تعال ... وأنا أعطيك شوكولاته .
فرح شاكر بعرضها ، وحلم من لحظتها بمجيء الغد ليبدأ العمل بذلك العرض .
ولما آن لأمه أن تنهي زيارتها ، أتاه صوتها منادياً عليه ، وهي تودع أم أكرم قريباً من باب البيت ، كان شاكر وكذلك أكرم ، يعرفان في صوتها تلك الرنة الخاصة جرساً لإشعارهما بانتهاء لحظات الهناء باللعب معاً ، تسللت نظرتهما الممتعضتان بمساواة قامتيهما القصيرتين من تحت أغصان أشجار الحديقة المثمرة بالفواكه إلى مصدر الصوت والتقت لدى مدخل البيت بأميهما ، صدرت من أكرم تنهيدة من صدر صغير يحترق بالغيظ ، وراح شاكر ينتزع نفسه انتزاعاً من المكان ، وهو يتحرك بتباطؤ شديد وعينيه وقلبه يرفضون الانسلاخ عن أكرم وعن اللعب معه ، استغلت أم أ:رم تباطؤ شاكر لتلتمس من أمه إبقاءه ، إذ قالت :
أتركيهم مبسوطين في اللعب مع بعضهم .
أجابتها أم شاكر :
عليّ العودة إلى البيت فلدي ما أفعله .
عودي لأشغالك ، واتركيه يلعب ، أم تراك تخافين عليه وهو عندنا ؟
لا ... ولكن ...
قاطعتها :
ولكن ماذا ؟ ... هو عندي مثل أكرم .. وإذا ما خفت عليه أنظريه من فوق الـجدار ( وأشارت بيدها إلى الجهة الغربية من سور الحديقة المنخفض الذي يفصل بين بيتيهما )
ليست مسألة خوف عليه .. ولكني أخشى أن يزعجك .
ضحكت أم أكرم فرحاً ، لما لمسته في حجتها من موافقة مبدئية ، وقالت :
شاكر يزعجني فقط إذا تركني لإزعاج أكرم .
( وتابعت قولها لشاكر الذي كان قد اقترب منهما )
ارجع للعب أكرم .. هيا ... هيا
نجحت في إبعاد أكرم عن الشارع ، وعن خطر الموت المتربص فيه للأولاد ، ذلك الموت البشع تحت عجلات السيارات ، كان ذلك الموت يفزعها في صحوها ومنامها ، في كل طفل كان يأتيها خبر دوسه كانت تشعر بأنه أكرمها ، فتجد نفسها مدفوعة إليه بفزعها لتأخذه في حضنها لحمايته من سيارة تسير في مخيلتها بسرعة جنونية ، وفي منامها كانت تغشاها كوابيس مرعبة ، تريها ابنها مفروماً وسط عدد كبير من سيارات جامحات زاعقات بأصوات مرعبة .
ولكن كيف لها الآن أن تبعد ولدها عن الثورة ... عن خطر الموت المتربص فيها للرجال ، فكما كان موت الأطفال تحت دواليب السيارات يفزعها ، الآن يفزعها موت الشباب بنيران الثورة ، يسكنها شعور بأن شباب البلد يقفون في صف طويل أمام فوهة طاحونة الثورة ، وتشعر بأن ولدها يتقدم ذلك الصف ، وكلما سقط أحدهم في طاحونة الثورة شهيداً ، وتتأكد بأنه ليس ابنها ، كانت تبكي بدموع الفرح وبدموع الحزن في آن واحد .. دموع الفرح من أجل تأخير دور ابنها في الشهادة لشهيد واحد ، ودموع الحزن من أجل ألم أم الشهيد الذي تستشعره في نفسها إلى حد بعيد .
في انتفاضة 1987 ، لم تكن تظهر عليه أعراض الشهادة ، بالدرجة التي تظهر عليه الآن في انتفاضة الأقصى ، وعلى ذلك فإن خشيتها عليه في حينه لم تكن أقل من خشيتها عليه الآن ، كانت مثقلة بخشية كبيرة بحجم إصرارها على إبعاده عن فوهة طاحونة الثورة بتسفيره عن أرض فلسطين للدراسة في بلد أجنبي ، أي بلد أجنبي ، المهم أن تبعد وردتها المتفتحة عن حصاد منجل الاحتلال .
كانت رغبته في الانتساب لكلية الشريعة الإسلامية بغزة ، خصوصاً وأنه كشف في وقت مبكر من عمره عن مواهب عالية وعن نبوغ لافت في الخطابة والتكلم بالفكر الإسلامي ، وكان يطمح بتزكية تلك المواهب بالدراسة الأكاديمية ، وعندما أفصح لأمه عن طموحه ... تهكمت عليه متسائلة :
كل حلمك أن تصبح مأذوناً تزوج وتطلق ؟
فانبرى مدافعاً عن طموحه :
من قال لك أن كلية الشريعة تخرج فقط قضاة يزوجون ويطلقون ؟ .. للخريجين من هذه الكلية يا أمي ، مستقبل كبير ، ممكن أن يحصلوا على شهرة واسعة ، ويصبحوا نجوماً في مجتمعاتهم .. إذا اجتهدوا ، وممكن لنجوميتهم أن تفوق نجومية السياسيين والفنانين في العالم العربي والإسلامي مثل الشيخ الشعراوي مثلاً.
رفضت الاقتناع بكل حججه التي ساقها للدفاع عن طموحه ، وأصرت على انتسابه لإحدى كليات الهندسة في جامعة أجنبية عريقة ، وكان لها أسلوبها الخاص في امتلاك خياراته وإرادته ، إذا كان لا يقوى على الصمود أمام عبسها ، ويخر مستسلماً لدمعة واحدة تسقط من عينيها ، سمح لها من البداية أن تملي عليه أحلامها ، وأن تخط له مستقبله ، عملت على تلقينه الأحلام مع تلقينه كلمات نطقه الأولى ، كانت تسأله ولم يكن قد تعلم سوى القليل من الكلمات :
ما حلمك أن تكون حين تكبر ؟ ...
وكانت دائماً إجابته تأتيها بما تلقنه :
موندز ....
فتنطرب لكلمة مهندس الخارجة من فم صغير لا يحسن إخراجها من مخارجها الطبيعية ، تختال بها ضاحكة حينما تستنطقه إياها أمام ضيفاتها . كنّ يضحكنّ لمجاملة ضحكاتها .
وفي المرحلة الثانوية من دراسته ، اختارت له أن يلتحق بالفرع العلمي مثلما فرضت عليه ، فيما بعد ، الالتحاق بإحدى الجامعات التركية لدراسة الهندسة .
صحيح أن التحاقه للدارسة في تركيا يتماشى مع تحقيق حلمها بأن يكون لها مهندساً ، ولكنه لم يحقق لها غايتها في إبعاده عن فلسطين ، فمخاوفها عليه من جحيم الاحتلال الإسرائيلي لم تخمد ... إذ تأججت فيها من جديد بما تكشف لها من حقيقة أن نيران الصراع مع الاحتلال لا تتوقف عند حدود فلسطين ، بل تطارد الشباب الفلسطيني أينما حل وأينما وطأ ، هذه الحقيقة أخذت تتكشف لها بفضل اهتمامها بأخبار الطلاب الفلسطينيين في الجامعات الأجنبية .
قبل سفر أكرم لم تستوقفها تلك الأخبار مطلقاً ، ولم يكن يصل إلى علمها شيئاً عن عودة طالب إلى أهله بكفن ، يبكون عليه بدلاً من شهادة يفرحون بها ، ولم يكن يصل إلى علمها أن الاستخبارات والدبلوماسية الإسرائيليتين تضيقان الخناق على الطلاب الفلسطينيين في أبعد أصقاع الأرض وأقربها ، وذلك بأنهم يطلبون هدايا صداقتهم من الدول المضيفة للطلاب الفلسطينيين التواطؤ معهم في التضييق على أولئك الطلاب ، وبأنهم يتعقبون خطاهم ويرصدون تحركاتهم .. يحصون عليهم الأنفاس ، وحين يعودون يجدون أجهزة استخباراتهم الداخلية في انتظارهم لاستضافتهم في زنازين تحقيق جهنمية .
أدركت بأن خيارها بتسفيره إلى تركيا ، لم يكن بأفضل من خيار إبقاءه إلى جانبها في بلد يشتعل بالانتفاضة ، هذا ما أشعرها بالندم والحسرة ، فحينما غادرها ودعته بدموع سخّنها قلب كان يحترق إشفاقاً من فراقه ، على الرغم من كل ما كانت تجده من عزاء بأن في فراقه حماية من نيران الانتفاضة المضرمة بين الشعب الأعزل والاحتلال المسلح بأعتى أسلحة العالم وأكثرها فتكاً ، فكيف أضحى حالها وقد ذهب عزاؤها بما اكتشفت ؟
تمنت لو تركته يلتحق بكلية الشريعة في الجامعة الإسلامية بغزة ، كما كانت رغبته ، ولامت نفسها لوماً شديداً لوقوفها في طريق رغبته ، فلو لم تُصر على إرساله إلى تركيا ... لما عانت ألم الفراق ، وألم القلق الدائم عليه ، ولو أنه بقي بقربها في غزة ، لما شعرت بعجز شوقها إليه يكوي أضلعها ليل نهار ، ولتسنى لها أن تسكت قلقها بالاطمئنان عليه من خلال رؤيته كل يوم .
واشتد بها القلق وتأنيب الذات مع ازدياد حديث الإذاعات الإسرائيلية عن اشتداد حملات دولة الاحتلال الاستخباراتية ضد نشاطات الطلبة الفلسطينيين في تركيا ، وكانوا قد تحدثوا عن اعتقال أحد الطلاب لدى عودته إلى البلد ، وأنه اعترف لهم عن قيامه بتنظيم العديد من الطلاب وإرسالهم لتلقي تدريبات عسكرية داخل معسكرات في لبنان وإيران .
ويلي ... ( صاحت عند سماعها الخبر )
وكتمت في نفسها صيحة أخرى : " يا لفجيعتك يا فاطمة ، لو كان اسم أكرم من بين تلك الأسماء " .
كل كلمات التطمين التي قيلت لها من زوجها وأبنائها ، لم تهدئ من روعها ، وفي الحقيقة هي لم تفصح لهم عن مخاوفها من احتمال ورود اسم أكرمها في اعترافات ذلك الطالب المعتقل ، بل أظهرت استبعادها لذلك الاحتمال ، وموهت على مخاوفها منه بتغليفه بإدعاء بأن نبعث شعورها بالقلق والاضطراب هو تأجج الشوق فيها لرؤية أكرم وسماع صوته ، وانبعاث حدسي لديها يوحي بأنه في حاجة ماسة لشيء ما في غربته ، ولا شيء مكروه آخر ، وذلك لأنها تطيرت من توقع ذلك الاحتمال البغيض ، والتحدث به ، كما هو شأن تطيرها من ذكر كل مبغض ، ومن توقع كل مكروه وبلاء ، فهي مثلاً لم تلفظ كلمات موت على لسانها قط ، إلا حينما بدأ أكرم في الحديث عن الشهادة ، وذلك لتكريهه بالشهادة ، حيث أنها تعتبر كلمة الموت أبشع كلمة تقارن بالشهادة ، وكانت في حديثها تستخدم كلمة " ارتاح " بدلاً من كلمة " مات " ولم تستخدم كلمة " النكبة " مطلقاً ، وإنما كانت تقول بدلاً منها " النكسة " ، وهذا هو شأنها مع جميع الكلمات المفجعة .
طويلاً انتظرت الليل لينتصف ، ويجيئها بالميقات المعلوم ، الذي تعتاد فيه الأسرة الاتصال الهاتفي مع أكرم ، حيث يكون في هذا الموعد ملازماً لمسكنه .
وقبل إجراء الاتصال شددوا في تحذيرها :
من الممكن جداً أن يكون التلفون مراقب ، فلا تتحدثي بغير كلام الأم لابنها .
ومع كل تحذير كانت تجيب بعصبية :
طيب .. طيب ، فهمت .
أخذت سماعة الهاتف قبل أن تعثر على كلماتها ، فصمتت ، وكأنها أخذت بوقع المفاجأة ، ولكن صوته أتاها مسارعاً بانفعالات سعادة انطفاء شوقه بسماع أنفاسها المتلاحقة ، ممطراً أذنها بكلمات التودد والسؤال عن الحال .
لم تجد ما تقول له ، سوى الرد على كلماته بالمثل ، والإجابة على أسئلته بأسئلة مماثلة ، ولما يئست من العثور على صيغة للسؤال الذي يطالبه بطمأنتها على نفسه وإذا كان له علاقة مع ذاك الطالب المعتقل ، وذلك دون أن تدخل إلى صيغة السؤال بكلمة واحدة قد توقعه في شبهة لدى مخابرات الاحتلال ـ فأجهشها البكاء :
ماذا هنالك يا أمي ؟ هل من مصاب ؟ .... أقلقتني
لا شيء ... فقط شوقي لك هو الذي يبكيني .
فرّد على تبريرها الذي لم يخفف من فزعه شيئاً بقوله :
على كل حال ، سأنزل البلد في أقرب فرصة .
خافت من أن تكون السجون الإسرائيلية تترقب عودته ، فعارضت عودته بكل قوة :
لا لا ... لا تعطل دراستك . إذا اشتد الشوق إليك سآتيك أنا ، فأراك وفي نفس الوقت أغير جو .
شعر أكرم بأن أمه لا ترغب في عودته لخطب جلل يريدون إخفاءه عنه ، ولذلك رتب أمور عودته ، وأبلغ أهله بالموعد الذي سيصل فيه إلى غزة .
انتظرت أم أكرم مع بقية أفراد أسرتها لحظة عودته ذي ذلك اليوم المعلوم لديهم ، وكان أحد أيام شهر كانون أول من عام 1992 ، ولكن الليل قد جنّ على انتظارهم ، وخيّم على نفوسهم بالقلق والتوجس لعدم وصوله ، فاتصلوا بسكنه في تركيا ، وتأكدوا من زملائه بأنه ركب طائرة الأردن منذ يومين ، فاتصلوا بخالته أم يحيى المقيمة في الأردن ، حيث كان يقيم عندها للراحة خلال سفره إلى أو عودته من تركيا ، أكدت لهم الخالة أم يحيى بأنها أوصلته بنفسها إلى جسر أريحا في الصباح .
وقع ما كنا نخشاه ... وأنا السبب .. جعلته يأتي إلى السجن بقدميه .. الآن يعذبونه ويضربنه ( وانفجرت في البكاء الشديد والعويل وتأنيب النفس ) .
تذكرها لتلك الدموع التي سكبت من عيونها ذلك اليوم ، أغرى عيونها بذرف الدموع على حالها الحاضر ... على فاجعة تترقب وقوعها بين لحظة وأخرى ، والفرق بين وقوع الفاجعة وترقبها ليس بالفارق الكبير ، إذ تبدأ الفاجعة باستشعارها ، واستشعارها يبدأ منذ لحظة ترقبها الأولى ، ويبقى الفارق الضئيل بين ترقب الفاجعة ووقوعها محصور في نوع العزاء والسلوى ، إذ بإمكان المترقب للفاجعة ، أن يجد عزاءه وسلواه في خيط دقيق من نور أمل ـ ولو كان خداعاً ـ يَعِدُ بتجنب الفاجعة ، وكانت أم أكرم ـ شأنها شأن كل من يترقب فاجعة محققة ـ تلجأ إلى إيجاد ذلك الخيط الدقيق من نور الأمل ، كلما اشتد بها ألم استشعار الفاجعة المرتقبة ولم تعد تطيق الاحتمال ، وخيط الأمل ، الذي تعلقت به لمّا عيونها ذرفت الدموع منذ تذكرها لحادثة اعتقال أكرم لدى عودته من تركيا ... كان في كلمة قالها أكرم لها في لحظة ضعف أمام استجداء دمعها له بالإعراض عن فكرة الشهادة ، حيث قال في تلك الكلمة :
لا تقلقي يا أمي ، فالعمل الاستشهادي له رجاله ، ولأمثالي أعمال أخرى غير العمل الاستشهادي .
بهذه الكلمة تحاول أن تقنع نفسها كلما وصل استشعارها بالفاجعة ذروته ، وبعد أن تطمئن لها بعض الشيء ، تعود لإنكارها باعتبارها مجرد كلمة هو قائلها للمراوغة والإفلات من حصار دموعها .