(4)
الكابوس الجميل
إرهاق فضيع يقطع خلايا جسدي…براكينه تنفجر داخل مخي دبابيس حادة صدئة تنغرز في قدمي المشققتين… عجلت إلى مخدعي…دلفته…ارتميت فوق حصير بال قرضت الفئران جزء
كبيرا من أطرافه.
فجأة توهج نور* في المخدع…تعاوى الظلام منهزما يختفي بين فجوات الجدران... دهشت... جلست من اتكاءتي… لمحته يقف بين يدي... مد يمناه…أمسك بتلابيبي…أنهضني
غضبا.
هو : أين هي؟ أين ذهبت؟ أين ضيعتموها؟
تدلى قلبي حتى أمعائي هلعا وراح يتأرجح كبندول الساعة… أردت أن أسأله من هو؟ وعمن يبحث؟ غير أني لم أستطع…لقد انقلب لساني حتى دخل بلعومي…دفعني حتى ضمني
الجدار وأعاد سؤاله.
هو : هكذا تسكتون... تلجمون حين تواجهون بالحقيقة المرة... أين هي؟ أين ذهبت؟ ضيعتموها يا أوغاد؟
اشتد غضبه…لحظت حمرة شديدة في عينيه كأنما داهمتهما حمرة الشفق…وما فتئ أن تكسرت أمواج غضبه على شفتيه تاركة زبدا رابيا، يتجمع ثم يندفع نازلا…أعادتني صدمة
الخوف إلى وعيي…سألته بحيرة.
أنا: من أنت سيدي؟
هو: إني أبحث عنها... هنا كانت...
أنا: من هي؟
هو: (وقد أطلقني) من هي؟؟ من هي؟؟
ابتعد قليلا واتكأ على صندوق نخر يتهالك قرب الجدار وفي بؤبؤيه دموع حائرة براقة... شعرت بالتعاطف معه وبشيء من الحميمية...
أنا:عاشق أنت سيدي؟
هو:عاشق…متيم…تفطر مني الكبد واشتعل القلب حبا…
تذكرت نون حبيبتي…وقفت أمامي خلقا من نور وهِجٍ تحيطها هالة قوزحية…أخرجني من سبحاتي وهو يواصل حديثه.
هو:الحب إكسير الحياة…وحين تفقد من تحب فإنـ..؟!! ولزم الصمت فجاريته في ذلك ولكني رحت أتأمله... من التاريخ هو... من الأسطورة... ؟ تعالت أمامي قصور
دار السلام وروائح ألف ليلة وليلة... أردت أن أسأله ثم صرفت أمري عن ذلك.
أنا:أنا في الخدمة ياسيدي... مرني وستجدني طوع أمرك.
هو:(صمتا استهزاءً ابتسامةً خَرجَت نفَساً من أنفه)
أنا:(فهمت) صدقت... يا…سي... دي من عشيقتك؟
سكت لحظة يتأمل السقف المتهرئ وكأني به يضطرب تفكيره ويمور مورا.
هو: كل قدرات الإنسان ومواهبه لن تصفها…لن تصورها وإن حدثتك عنها فسأكون خائنا... والترجمة خيانة…لغتي عاجزة…وذهنك خائر بليد فكلانا ليس مؤهلا لاستيعاب
حقيقتها... كنهها…جوهرها…
ما يحوم حول إدراكها هو موسيقى القلب ولغة الصمت… وهما أرفع لغة…وهما أول خطوة لمحاولة إدراكها وفهمها.
أنا: هبطَت من السماء إذن؟
هو: أجل إذا كانت السماء غير التي تراها فوقك.
هكذا قال…أو هكذا خلته قال…واختفى من أمامي شواظا من نور فتثعبن الظلام من جديد مالئا الحجرة واندفعت إلى الخلف فانكفأت على قفاي فوق الحصير البالي أفرك
عيني.
أين ما كنت أرى؟ وأين النور الذي ملأ الحجرة؟؟ قمت من مكاني…شققت الباب الممزق…نظرت خارجا…الظلام المدجج يحاصر كل شيء…والفضاء حاصبٌ مرعب… والهواء قحط…سغب.
عدت إلى مكاني لقد كان كابوسا مرعبا لكنه في الآن ذاته كان جميلا…أجل دون شك ما وقع هو كابوس*.