(2)

6 0 00

(2)

قبحون

وأذن فيهم مؤذن الغراب فهرعوا ملبين ينسلون من كل فج عميق…عميق…من تحت الأرصفة…من عمق البالوعات…من طمي المبولة البوالة…من تشققات الجدران الخربة…وتكأكأوا

عليه كبة…وحملته جماعة فوق الأكتاف وما كاد يعلو فوقَ فوقَ حتى تدثر الجميعُ صمتا ونصبوا آذانهم سمعا…إنصاتا… طاعة…كأنهم في حضرة إله جبار…قهار… دمار…

مكار.

جال الغراب بنوافذه فوق الرؤوس…تأمل المبولة تفغر فاها ضاحكة في بلاهة…تأمل جدار السجن يعلو شامخا… تتناهى من خلفه أنات مبهمات... عاد إلى نفسه… اعتدل في

جلسته… تنحنح… صاح لعن أقصد نعل بحةً…

-عاش الغراب سيدنا في الأرض والتراب.

ولهج الجميع خلفه مرددين العبارة واستمروا دون أن يسكتوا حتى بحت أصواتهم وتسايل عرقهم نتنا وانتشى الغراب فمد رجليه الأعوجين، ومد قامته إلى الخلف مستندا

ذراعيه وقد رسمت الكبرياء على وجهه لوحة مشوهة… وحين شرنقه الغبار وتسلل فاتحا مناخيره أشار بمخالبه أن اسكتوا وكأنما قطع عنهم الكهرباء فسكتوا دفعة

واحدة.

تمطط… تثاءب… وقال:

- لقد جمعتكم اليوم لننجز أعظم معجزة الدنيا…أعظم مفخرة الكون…لا بد لهذه المدينة يــا…من إله جبار… يحفظ الديار…ويرد الأشرار…ويحمينا من العار والشنار.

والتهبت الأكف تصفيقا... وتدفقت الحناجر هتافا…وأقبلت المدينة من بعيد وقد اختلط عليها البكاء والضحك… ولوحت للغراب بيديها، فرد عليها التحية وقال:

-هاهي مدينتكم قد حضرت فحيوها.

واضطرمت الأيدي والحناجر ثانية تصفيقا… هتافا… وقبل أن تخبوا قاطعها مواصلا:

- وهل هناك أعظم من إله نصنعه بأيدينا… ننحته بأظفارنا… ننفخ فيه من أرواحنا؟؟؟ولقد سماه لعن السارمي ولكني استقبحت هذا الاسم الشنيع، واخترت له اسما

رائعا… إنه قبحون…قبحون العظيم…

وتسعر الخواء عواء عَمَهًا… طنينا فارضا… فرحا صابئا… وأطل عليهم رهط يحملون هيكلا من خشب مسندة… نصبوه أمام المبوله فهرع إليه الجميع يغرفون من طمي المبولة

ويلصقون بالهيكل، وماهي إلا ساعات حتى كان النصب شامخا…إلها جسدا له أنين…نعيق… جئير…

قال أحدهم:

-لن نبرح عليه عاكفين…

وقال ثان:

-هذا إلهكم وإله آبائكم الأولين…

وقال الغراب:

-وعجلت إليك إلهي لترضى…

وخر إلى الأذقان يجأر فخروا معه ساجدين جائرين…ولهج بالوِرد* المورود فلهجوا خلفه مريدين.

سوْحب … سوْحب…

ربي ورب الغراب والرنس والغيهب…

رب اللظام واللكام والشيهب…

سوحب … سوحب…

رب الجفاء والجفاف…

رب العجاف والرجاف …

سوحب … سوحب …

رب الشطاع واللعاع …

رب الضحيح والاترياع …

سوحب … سوحب …