(1)
أنا والمدينة
الغربة ملح أجاج …
وحدي أنا والمدينة …
ثكلت الهوى… ثكلت السكينة …
لا ورد ينمو هاهنا… لا قمر… لا حبيبة …
لا دفء في القلب الحزينْ …
لا ولا شوق… ولا غيث… ولا حلم أمينْ …
لا حب يبلسم من حبة القلب الأنينْ …
وحدي أنا والظلام …
وجدران تهاوت على القلب المعنىَّ …
وغبار تثاءب يغتال من جواي السلام …
وحدي أنا والمدينة …
ثكلت الهوى…ثكلت السكينة …
أجري…أعدو…ألهث…أختفي خلف شجرة شمطاء تترمد… تذروها الرياح…
خلفي تجري الثعالب…الثعالب تجري خلفي…تجري خلفي الثعالب… أعدو… ألهث… أتسلق منارة… تتعالى أنفاسي... تتطاول… ألهث... التهم السلم… تسيخ المنارة…
تغوص… تزدردها الأرض… أنتعل التراب… أجري… أجري… أعدو… ألعن زيف الأشياء… أتمدد… أختفي خلف رصيف يكاد لا يبين.
تقهقه المدينة العاهرة في سمعي… تتهادى أمام بصري في ثوبها الشفاف… يتصافح ثدياها… شكوتاها… تضرب على الأرض بكعبها…تدندن أغنيتها المفضلة.
تبتعد عني وأنا أتأملها حزينا باكيا…تجري خلفها الثعالب… الثعالب خلفها تجري… خلفها تجري الثعالب… أتململ… أضغط نفسي مرتجفا… وأنا أراها تغوص جميعا في أحشائها…
في أحشائها تغوص جميعا.
أيتها المدينة المومس…
إلى متى تفتحين ذراعيك للبلهاء…؟؟
إلى متى تُرضعين الحمقى والأغبياء…؟؟
إلى متى أيتها المدينة تمارسين العهر جهارا دون حياء..؟
إلى متى تعرش فوق مفاتنك الطحالب…الفئران… والخنافس… تعلي قصورا... ؟؟
يـــا… أيتها المدينة المومس…!!
إلى متى تطاردني الثعالب المشردة…تعدو خلفي عند كل منعطف…عند كل زاوية…عند كل موقف…هاهم إني أراهم يأتون من هناك…يضحكون…يعوون…يعدون…يلهثون…
وأنا…وحدي والمدينة…
مدينتي بقايا الآسن بجوف الغدير …
مدينتي مبغًى كبير ...
وأنا الغريب…أجرع الفزع المرير …
أنا الغريب أيها الغرباء…السعداء…التعساء …
المشردون…الممزقون…البلهاء …
يا غرباء* الأرض اتحدوا …
يا غرباء الأرض اتحدوا …
الفأر والحصاة
من بالوعة القاذورات يخرج فأر أغبر يمشي الخيلاء…يبصر قطا متكورا على نفسه…يضحك الفأر ضحكة هستيرية… يجري خلفه…يفزع القط يندفع فارا تتناثر أعضاؤه هنا وهناك…يهتف
العجاج عاليا لبطولة الفأر… يرتجف قلبي كبندول الساعة…أفتح فمي إلى آخر نقطة ممكنة…أحس بشهوة الصياح والصراخ والعويل…على عجل تتحرك حصى كانت ترقب المشهد
عند سفح الرصيف…تقفز في فمي وتستقر تحت لساني…أحاول طردها بكل قواي ولكن لا مندوحة لقد تشبثت علقةً.
حملت جسدي المتعب وقمت من مكاني صمتا أتجرع مرارة الحصاة…والفأر…والقط…والرصيف…وبالوعة القاذورات… وعهر مدينتي البغي.
القوال والعناكب
دخلت مقهانا* الشعبية…دخان يصاعد من الزاوية يغازل أنوف المكومين معتقدا أنها مداخن.
السقف ملعب تمارس فيه العناكب هواياتها المفضلة…أجساد متهالكة هنا وهناك كرؤوس ماشية منحورة.
لم يثر ذلك في نفسي شيئا جديدا قد غدت هذه المناظر المقرفة روتينية تزرع الكوابيس حتى في أحلام يقظتي.
وسطهم كان يقف القوال يوقع على بنديره إيقاعات تشبه إلى حد بعيد لا شيء.
ثرثر بكلمات لم أفهم منها شيئا لأنها لا تعني في الحقيقة شيئا... ضحك الجميع دموعا ثم بكوا قهقهات…ثم بكوا... ثم قهقهوا… ثم ندبوا… مد بنديره إليهم
مرره على كل واحد منهم…ملأوه له نقودا.
حين حركوا جيوبهم… تبخرت رائحة العفن…إن المدينة تصب قاذوراتها فيهم… أقصد أنهم لم يشاؤوا تضييع الوقت والمال لإقامة قنوات لصرف القاذورات فحملوها في جيوبهم
وحتى في أنوفهم وأفواههم وعبر كل فتحاتهم.
تمنيت لو لم أدخل أصلا إلى هذا المكان القذر غير أني لم أتحرك والمدينة المومس تتهادى أمامي في ثوبها الشفاف يتصافح... ثدياها… وطبتاها…وتتعالى ضحكتها
الهستيرية.
غنطستهم جميعا…عجلوا إليها سراعا... التصقوا بكل تضاريسها حلزونات مختلفة الأشكال والأنواع.
لم أعبأ بهم…اقتربت مني مدت أصابعها شبقية مرتجفة… كأصابع العاهرة العاشقة…اقشعر بدني…قمت من مكاني… انزويت إلى طاولة نخر السوس عظامها…لقد قررت أن أكتب
رسالة لحبيبتي نون* التي لم أرها منذ أمد بعيد…حبيبتي التي لم ترد على رسائلي قط.