(3)

5 0 00

(3)

في حضرته

دققت الباب الخشبي الثقيل بيدين مرتجفتين…أز أزيزا خافتا يشبه إلى حد بعيد أنين المريض المنهك…مددت قدمي اليمنى في جوف الدار…وضعتها على الأرضية ببطء شديد

أردفت الأخرى وأنا أمد نظري إليه.

هو كل شيء يزين العمامة والجبة واللحية والدار أيضا لم يلحظ حضوري … لا أستغفر الله العظيم لقد رآني ظاهرا وباطنا بعمق دون أن يرفع بصره…لا أستغفر الله

العظيم هو لا يرفع بصره لأنه لا يرى بزجاج النوافذ التي نلصقها نحن في مقدمة الرأس.

لم أنطق بكلمة واحدة... ولابنصفها…ولا بربعها... ولا بأقل من ذلك... ولا أكثر... وإن يك مثقال حبة من خردل في فضاء سماواتي أو في أعماق أرضي.

كان يذوب منه الكل في طقوسه وكانت طقوسه تذوب فيه… كان هو هي…وهي هو…هما هما…شيء واحد لا ثاني له…إلا الوحدة إلا اللاشيء…إلا هو حاضر في جبته.

تصَّاعد أفنان البخور…تسْبَح في ملكوت الله…تطقطق النار مسبحة…تحمر وجنتاها... شفتاها… عيناها... جيدها... في جيدها حبل من شفق…يحمر الوجه يتلألأ

كتلألؤ اللآلئ.

ارتفع صوته لينبه الغفلة فيك…تجمدت مكانك لا تدري ما تفعل…لا شيء إلا هو وقلبك الذي مازال يدق خافتا، ونفَسُك الذي مازال يتسلل بطيئا، ودمك الذي مازال يتسلق

عروقك…كل ذلك منه.

وارتجفت جنبات بدني…تهرأ جسدي…بقي هيكلي العظمي منتصبا وحده دون قطعة واحدة من لحم، ارتعدت عظامي وتمتمت بين أسناني.

في لمح البصر وجدت نفسي أتكوم قربه عاريا إلا من ورقتين أستر بهما عورتي…لم أشأ أن أرفع بصري إلى السقف…كان يئن... يضج…وهو يردد صدى الكلمات... اللغة...

اللسان.

نظرت إلى النار والدخان وأنا أقول في قلبي:

- لا علم لنا إلا ما علمتنا.

وسكتُ فجأة…لماذا جئت إلى هذا المكان؟ لماذا كلما تضيق بي السبل أقصده كالعاشق الولهان؟؟ وعم أسأله؟؟ هل أسأله عن غربتي بين الغراب والنعل والأخدان؟ أم

أخبره عن قصتي مع حبيبتي نون التي لم ترد على رسائلي؟؟ أم أسأله عن عشق المدينة لي وهيامها بي؟؟

والحقيقة أني جئت أسأله عن المدينة المومس التي ظلت تتهادى أمام بصري في ثوبها الشفاف…يتصافح ثدياها… شكوتاها... تضرب الأرض بكعبها العالي…تدندن أغنيتها

المفضلة.

-ياسيدي … يامولاي ...

يامن أوتيت رحمة وعلما…

لم لا تخرج إليها تمنعها عني؟ لقد أصبحت أخشاها… أرهبها…أنا أرى في لحظيها شهيق الشهوة…خوار الشبقية…

ليس لي بها طاقة…أخشى أن تبتلعني…إنها تبتلع الجميع…

كلهم على جسدها المتهدل المتهرئ…يغدون حلزونات لا تحسن إلا التلذذ بالالتصاق…

وأنا أرفض…أكره…أنبذ الالتصاق…

وهي تحب…تهوى…تعشق…تبغي…تريد…تطلب الالتصاق.

أنا وحدي تعشقني…تتعشقني…تغشاني…

هي شيطان…ملعون…مطرود…منبوذ…

هو شكلها…هي شكله…الكل على شكل وشاكلة…لقد تشاكل البقر علينا وإنَّا إن شاء الله لمهتدون.

رفع فيَّ عينين مصباحين دريين…فأضاء حوالي…تحركت شفتاه صبًا يرفرف عندليبا على القلب الظمإ…قال:

-تريد أن تبلغ مجمع البحرين…وقلبك معلق بالحوت…ولبك عاشق للعجل…عد اذبح العجل*…واحي الحوت*… ودون ذلك فلن تسطيع معي صبرا*…

هكذا خلته قال، ولعله لم يقل…هو لغته الصمت… التأمل…وأنَّى لي أن أفهم مالم أحط به خبرا؟

الهبوط

يقال إن أبانا خلق واحدا متفردا استوى على الخير كله ونحن كلنا... جميعا... كافة... عامة... قاطبة نعيش داخله نسبح في ملكوته... فكفر بأنعم الله

حين انطفأ نوره الداخلي والتهب نوره الخارجي... تفقد ما حوله فقال مالي لا أرى أنيسا لأكفرن أو أنتحرن أو ليأتيني بأنيس مبين... وفي لمح البصر نُسخ

من أبينا نسخةٌ أحلى وأمر... ودارت عينا أبينا اليمنى صارت اليسرى واليسرى صارت اليمنى، وتحركت فيه بهيمية الأنعام، وتهاوى في دركات الحضيض... قلنا

اخرج منها إنك من الفانين.

ووجد نفسه عاريا في الخلاء فبكى، لقد فقد الخلد… العرش…الله على العرش استوى... واستبدل الفرش بالعرش…أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير؟؟ اهبطوا فإن

لكم فيها ماسألتم.

انبطحت نسخته على ظهرها فوق رمال تشوي الوجوه ساءت مرتقدا…لقد أدركت أنه يبكي الخلود…خلوده وخلودنا داخله في ملكوته فأوحت إليه أن ابذر داخلي خلودك يخلد…وفي

لمح البصر تقيأنا جميعا في جوف نسخته.

لماذا تتزاحم كل هذه الخواطر في نفسي كلما دخلت عزلة الشيخ؟؟ جئت من أجل أن أشكو إليه همي من المدينة المومس ثم نسيت كل ذلك وما أنسانيه إلا الشيطان أن

أذكره.

هل أصارحه بما جئت من أجله؟؟ أقصد هل أبوح إليه بالسر؟؟ وهل هو في حاجة إلى البوح لقد رأى كل شيء... وفهم كل شيء... إنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى

القلوب التي في الصدور.

ثم خرجت دون أن أنبس نبسة واحدة ولا أقل من ذلك ولا أكثر…