الجزء الثاني
شهرزاد تعبث بأوراق الخريف
ـ ينبؤني الرنين القادم من همسات الغروب بذبذبات غامضة عن حلول كائن غريب يداعب طيات ومتاهات خازن الأسرار في وقت قريب ويبارك الحظوظ ؛ وعلى اثر تلك النبوءات ، ومهما تكن قاسية ومرعبة وغامضة ، سأفتح لها مغاليق الروح الحائرة ، فليس ثمة شيء يثنيني عن إرادتي ، سأمتطي العاصفة الرعناء ، وأطارد الغيمة الهائمة في وكرها ، واركب الموجة العاتية في محيطها واصطنع الحروب ، وأقاتل بسيوف من نار الأشباح التي تحول دون ذلك وتهدد كياني و تتحدى وجودي . فقد مضى العمر وجار بي الزمن لخمسين عاما من الألم والوحدة القاتلة . ولولا الكتابة ـ السلوى الوحيدة ـ لكنت ضيفا على إحدى المصحات العقلية أو إنسانا تجتاحه الكآبة على اقل تقدير .
يتألف قسم العلاقات الذي أرأسه من سبعة موظفين كلهم إناث ما عدا ( فؤاد ) ، وكان من بين هؤلاء السبعة اثنان متميزان عن الآخرين . معروفان ومقبولان من قبل جميع موظفي المديرية قاطبة .
الأول : فؤاد الموظف الأقدم في المديرية العامة وهو اكبر مني سنا ، وكان محبوبا وشفافا ، كثير المزاح والملاطفة و الحراك ، لا يستقر في مكان واحد ، يختلق الأعذار لكي يكون خارج القسم ، وكنت أفسح له المجال في كثير من الأحيان لحبي له ولإخلاصه في العمل .
أما الثانية فهي (بوران ) موسوعة معلوماتية ، قاموس متنقل ، لها إحاطة بكل شيء في الدائرة أو خارجها كأنما فُصّلت هيأتها على مقاييس قسم لعلاقات ، تعرف جميع الموظفين صغيرهم وكبيرهم ولها علاقات حميمة معهم . عاملة ، دؤوبة ، نشيطة ، مواظبة مجاملة و محبوبة .
بدأت الحكاية منذ اليوم الأول الذي أقبلت فيه الموظفة الجديدة للعمل في مديريتنا ، مديرية السياحة والاصطياف ، وكان القسم الذي أرأسه محاذيا للحديقة الأمامية للمديرية ، ومن خلف مكتبي أشاهد كل شاردة وواردة . كنت أراجع بعض الأوراق حين دخولها ، واني لا أنسى تلك اللحظة التي قفز فيها فؤاد من مكتبه واتجه نحوي واسند ذراعه على منضدتي بعد ان نظر في عيني وأشار بحاجبيه إلى الباب الخارجي، التفت إلى تلك الناحية ، شاهدتها قادمة بردائها التركواز ، اقترب أكثر وهمس في أذني وأنا أتابعها وهي تسير بخطى ثابتة :
الموظفة الجديدة ..
زينب ..
جميلة ..
ذكية ..
تجيد اللغة الانكليزية والفرنسية ..
قسم الترجمة ..
وأنا لا أزال أتابعها حتى غابت بين دهاليز المديرية .
نظرت في عينيه وباغته :
ـ ومن أين لك كل هذا ؟ .
تراجع إلى الخلف قليلا وابتسم قائلا :
ـ وهل غيرها ؟ .
ـ بوران ؟!! .
ـ طبعا .. وهل هناك غيرها .
ـ تعرفت في اليوم الأول على موظفي قسم الترجمة وقد افرغ لي مكتب في جهة من القسم وضع فوقه بعض الملفات وقدح ماء ، وبعد فترة الترحاب والتعرف على موظفي القسم رحبت بي رئيسته السيدة حذام الأورفلي وقدمت لي نصا قصيرا باللغة الإنكليزية وطلبت مني ترجمته وإعادته لها ، استحسنت الترجمة وأثنت عليها . وفي الساعة الحادية عشرة ترك الموظفون مكاتبهم وخرجوا إلى كافتريا المديرية للتمتع بفرصة تناول الإفطار وقد دعوني بعض الزميلات إلى اللحاق بهن ، كنت آخر من دخل الكافتريا.
وأول ما وضعت قدمي في أرضها شاهدت يدا تلوح لي من بعيد ، حسبت إن صاحبتها تعرفني ، توجهت نحوها وقبل وصولي تقدمت نحوي مبتسمة وعانقتني بحرارة وأجلستني بالقرب منها وقدمت نفسها لي :
ـ بوران ، قسم العلاقات اليوم أنت ضيفتي .
ثم أشارت إلى عامل الكافتريا بكوبين ( كباتشينو ) تحدثنا قليلا وكأني أعرفها من زمان ، كانت لطيفة جدا ، وحديثها مشوق ، ما أن تفتح لها موضوعا حتى تستطرد فيه وكأنها حفظته عن ظهر قلب .
وفي أثناء تناولنا رشفات من كوب الكباتشينو رحت أتفحص الجلوس ، فانتبهت لذلك وأخذت تعرفني على كل واحد منهم :
ذلك علاء ، يعمل عصرا في معرض للسيارات شريكا . قسم الإعلانات .
تلك ماجدة لها ابنة واحدة تسكن في الكرادة داخل . معك في قسم الترجمة .
زينة التي تتحدث بصوت عال أم لثلاثة أطفال ، زوجها في السويد تعيش مع أمها في شقة من شقق شارع حيفا القريبة من الشقة التي اسكنها .
وذلك الذي يتنقل بين الطاولات عزيزي فؤاد صديقي الحميم ن و..و..و.. ثم التفتت إلى ناحية اليسار وقالت :
أما ذلك الذي يقرا فهو مختار رئيسي في قسم العلاقات ، طيب ، هادئ ، رائع ، محترم ، محبوب ، كاتب ، معروف على مستوى القطر .
ثم أضافت :
ـ ألم تقرئي له ؟
******
كنت منسجما مع إحدى الروايات وإذا بي أفيق على صوت بوران وهي تهمهم :
ـ أش ما نعجبك يا بيك ؟ .
رفعت رأسي عن الكتاب وإذا بوران وزينب واقفتان إلى جانب الطاولة ، قدمتها لي بوران :
ـ زينب الموظفة الجديدة في قسم الترجمة .
سكتت قليلا ثم أتمت :
ـ إنها مترجمة حاذقة قد تستفيد منها .
ابتسمت لهما ودعوتهما إلى الجلوس وأمرت عامل الكفتريا بان يسعفنا بشيء نحتسيه .
تحدثنا قليلا ، أبدت حبها لقراءة الأدب العالمي والرغبة في ترجمته .
تراءى لي حضورها عندما آويت إلى مضجعي في البيت ...
بطلتها العطرة كأريج البحر عند المساء ، كإشراقه الصور ، منورة بهية حانية مليحة ، ذكية ، خطواتها ثابتة لا تتكلف في حركة أجزاء من جسدها ، تمضي قدما كما لو تسير في الفضاء تمتاز بعينين سوداوين ، حنطية البشرة ، ذات شعر اسود كالليل العابس تنثره على كتفيها ، وأجمل ما فيها ذلك الخال في خدها الأيمن القريب من شفتها السفلى .
كنت انتظر لحظات دخولها المبنى ، لكي أتمتع بمرورها عن كثب ، وأتأمل رشاقتها وقوامها الممشوق وخطواتها المتسقة ، وهي تتخطى الممر بقوامها الفارع ، كأنها عارضة أزياء استثنائية ، وخصلات شعرها تتماوج على كتفيها من جراء اهتزاز جسدها عند المسير . تهفو مجلجلة كأنها رشقة نسيم عابر . أرقبها من نافذة الغرفة ، أهفو لرؤيتها بتأن ساعة طلتها عبر زجاج نافذة القسم ، أتابع حركتها ، ومراحل نقلاتها بتواصل تام حتى يغيب سحر قوامها عند الرتاج الكبير في المغارة الدافئة...
ـ بعد عدة أيام قضيتها في فترة الاستراحة كل يوم بضيافة إحدى الموظفات للتعارف عن كثب ، أقبلت بوران وأخذتني من يدي وقادتني نحو طاولة مختار وهي تقول :
ـ دعيني أعرفك على مختار .
وكان منكبا على القراءة في كتاب في يده ، وعند وصولنا بالقرب منه لم يشعر بوجودنا اضطرت بوران إلى تنبيهه ، رفع رأسه وتفاجأ بوجودي ، تحدثنا قليلا عن الأدب والثقافة و ذكرت له أني أعشق القراءة وخاصة باللغات الأخرى .
كان ذا شخصية متماسكة هادئ الطبع متأنيا في كل شيء حتى في مشيته خفيضا في حديثه محبوبا مجالسته فيه بعض من خجل ، كتوما ، في عينيه بحور من ألم وأحاديث غامضة تشعر بالدفء والأمان وأنت بقربه .
كنت اعرف انه يراقبني من نافذته المطلة على فناء المبنى حينما ادخل فاهتز قليلا في حركتي وأبالغ في تنسيق خطواتي وحركة رأسي لألفت نظره نحوي وأشده إلي وأشعل فيه نار الرغبة الكامنة بين طيات مشاعره المكبوتة ، ومن أول لقاء لي معه أحببته وشعرت كأني اعرفه منذ زمن .
******
ـ وهكذا أخذت الأيام تتوالى ونحن لا ننقطع عن اللقاء في فسحة الاستراحة والحديث ، وهي لي كالظل تحاول جلب انتباهي ومعرفة مشاعري ، فأنسحب عنها وهي تلاحقني فأضع الحواجز وأغلق الأبواب التي تحاول بصعوبة اقتحامها وهي موصدة لا حيلة في فتحها .
ـ كنت اعلم بحبه المتنامي لي ، كان يحمل كما هائلا من مشاعر الحب وركاما عظيما أودعه صندوق صوره وأغلقه بإحكام ، بأقفال فولاذية ، لا يجرؤ على فتحه والبوح بحرية لسبب لم أكن اعرفه إلا في نهاية المطاف .
******
ـ سألتها : عن أمور كثيرة عن عاداتها ونوع ملابسها وعن عطرها المفضل وعن القنوات التي ترغب مشاهدتها وأنواع الكتب التي تقرأها ، وعن أوقات خروجها وحب التسوق وساعات التنزه وعلاقتها بأهلها وعن الألوان التي تحبها ...
ـ وسألته : كيف يقضي أوقات فراغه وأي الروايات يحبها والألوان التي يرغب بها والموسيقى التي يفضلها وأوقات نومه و استيقاظه وهل يحب السهر ومتابعة الأفلام وغيرها ؟ .
******
ـ حدثتني يوما عن صديقتها مروة ، ولمحت لي بأنها تحب القراءة وتكتب كثيرا ، وقد كلفتني أن أراجع كتاباتها ومدى جودتها إذا سمح وقتي ، سررت بطلبها وأبلغتها بأن تجلب بعضا منها .
ـ حدثتُ صديقتي الحميمة مروة عنه وعن ثقافته وكانت مروة تكتب الشعر والقصة القصيرة وقد طلبت مني أن يرى كتاباتها ويخبرني عن قيمتها الأدبية ومدى جودتها للنشر .
ـ أتحفتني ببعض نصوص صديقتها مروة ، اطلعت عليها وكتبت فوقها بعض الملاحظات للاستفادة منها في كتاباتها اللاحقة ، وفي مرة أخرى عرضت علي نصوصا جديدة استحسنت أحدها ، وبعد تصحيحه نشرته في إحدى الصحف المحلية ، كانت فرحتها غامرة حينما سلمتها الصحيفة ، وبعد أيام أرسلت بيدها هدية لصديقتها ، عبارة عن مجموعة قصصية تشجيعا لها على مواصلة الكتابة . وما أن تناولت المجموعة حتى بدأت تصفحها صفحة بعد صفحة ، وكأنها تبحث عن شيء ما ، وفي الصفحة الأولى شاهدت توقيعي مختوما بعبارات الإهداء ، تسلق دبيب الغيرة في عينيها واحمرت وجنتاها ، عرفت ذلك من نظرتها نحوي التي تحمل ألف استفسار وتساؤل غريب ، وفي الحقيقة كنت انتظر هذا الشعور واقصده لأتعرف على ماهية العلاقة بيننا التي طالت أكثر من شهر . تماسكت في البدء ثم انطلقت بعتب دفين ومعاينة صارخة ، وبلغة العيون المستفهمة ، المتسائلة ، المستفسرة المنبعثة من ثنايا شفتيها :
ـ فقط تهمك مروة ؟ ونحن ؟ !!"
ابتسمت وأشرت لها على موضع القلب وأنا أقول :
ـ مكانكم هنا .. أنتم الكل في الكل .
ومن هذه اللحظة عرفت مقاصدها وقرأت أحاسيسها نحوي ، فانتشت نشوة جامحة تراءت لي من خلال حديثها المتواصل وثرثرتها غير المنقطعة .
في اليوم التالي أهديتها أحدى رواياتي وعلى صفحتها الأولى كتبت إهدائي بلون أخضر .
ـ كانت أقطار الكون كلها لا تسع فرحتي ذلك اليوم الذي أهدى لي الكتاب تأكيدا لإشارته أمس بمكانتي لديه ، في البيت أوصدت باب غرفتي ، شددت على خصري شريطا من النسيج الفيروزي وأمام المرآة رقصت .. رقصت بما أوتيت من مهارة ، ولما تعبت ألقيت بجسدي على السرير وفتحت الكتاب ووضعته على صدري ، أحسست وكأن مختار قريب مني ، وان عطره يملأ فضاء الغرفة ، و رائحته تفوح من بين ثنايا صفحاته ، وأن أنفاسه تحيط بي . أغمضت عيني ونمت والكتاب على صدري حتى المساء ، قصدت السوق ابحث عن كتاب اهديه إليه ، تجولت في الكثير من المكتبات ، لم تكن لدي خبرة في اقتناء الكتب ، غير أن احدها لفت انتباهي ، كان يحمل على غلافه صورة ملونة لشاب يقبل فتاة ، اخترته بدون تردد ، غلفته بورق مزخرف لامع وأهديته إليه .
*******
ـ قرأت لها يوما مقطعا من أحدى رواياتي ، جاء فيه :
" كان في عينيها الكحيلتين سحر الوجود ... "
في جلسة اليوم التالي لاحظت فيها سلوكا غير مستقر ، فهي في كل لحظة تفتح حقيبتها المنمقة وتخرج منها مرآة صغيرة وتنظر فيها ، لفتت نظري كثرة حركتها ، ثم ما لبثت أن تمعنت فيها فوجدتها قد خطت عينيها بالكحل ، ابتسمت لها وقلت :
ـ ما أجمل عينيك هذا الصباح .
شكرتني بدلال ، وهكذا أخذت تضع المكياج وتتفنن به من ظلال و ماسكارة ومساحيق التجميل وتبالغ باستخدامها ، مما أثر على رونق صفائها الطبيعي ، وفعلا نبهتها إلى ذلك ، وأخبرتها بان الجمال يكمن في طبيعته ، وان لكثرة استخدام المساحيق تأثيرا على رونق الوجه وإطفاء ضيائه .
ـ حينما قرأ لي النص وذكر فيه :
" سحر العيون الكحيلة "
تخيلت انه يحب رسم العيون بخطوط الكحل ، وبعد عودتي إلى البيت سألت والدتي عن الكحل ، استغربت بادئ الأمر لأنها تعرف عدم اهتمامي به ، نظرت بعيني وقالت :
ـ أخالك راغبة فيه ؟
ـ نعم ، يقولون : " إن العيون تصبح أجمل فيه "
ابتسمت وقالت :
ـ اذهبي وابحثي في صندوق حليي ، ستجدين زجاجة صغيرة فيها مسحوق لونه نيلي ، هاتيه أعلمك كيف تضعينه ، أخرجت المرود من الزجاجة وبدأت ترسمه على رموش عيني ، نظرت بالمرآة فوجدتهما قد أخذتا شكلا أجمل من ذي قبل ، في اليوم التالي كنت أحاول أن الفت نظره إليه ، ولما رآه دهش وقال :
ـ ما أجمل عينيك هذا الصباح .
*******
ـ مرة ركنت سيارتي في مرأب المديرية وترجّلت منها ، وفي نفس الوقت نزلت أحلام إحدى الموظفات من سيارة الأجرة التي أقلتها إلى هناك ، التقينا عند الباب الخارجي ، حيتني ورددت عليها التحية ، ورافقتني أثناء دخولي الممر المؤدي إلى الباب الداخلي وهي تتحدث إليَّ أثناء مسيرنا ، كانت زينب قد سبقتني كعادتها إلى المديرية ، تنتظر قدومي في الممر الفاصل بين الأقسام ، تستقبلني بابتسامة عطرة وتبادل التحايا ثم يذهب كل منا إلى قسمه ، ولكني ما أن اقتربت منها لألقي التحية عليها ، استدارت فجأة ومضت إلى غرفتها دون تحية ، وهي واجمة تنظر إليَّ بعين الريبة .
اندهشت من تصرفها وسلوكها الغريب ، دخلت لأحتل مكاني خلف المكتب وأنا أفكر فيها ، نسيت أن اسلم على الموظفين في قسمي ، وبقيت مطرقا ساعة ولكني سرعان ما اكتشفت السبب في ذلك ، انتبهت بوران إلى حالتي واستأذنت مني بالخروج من القسم . وبعد دقائق عادت وبيدها سيجارة وما أن رأتني حتى ارتبكت وأخفت السيجارة خلف ظهرها ، كنت اعلم إنها تدخن ولكنها لم تفعلها يوما أمامي استحياء واحتراما لي . في جلسة الاستراحة جَلَستا هي و بوران في الزاوية البعيدة من القاعة ، و كل دقيقة استرق النظر إليهما ، رأيت بوران توشوش في أذنها ، وبعد قليل نهضتا وتوجهتا نحوي ، وكان فؤاد قد سبقهما إليَّ ، جلست بوران بينما ظلت زينب واقفة تنتظر أن ادعوها للجلوس ، بادرتها :
ـ تفضلي . لماذا أنت واقفة ؟
ـ وهل تسمح لي بالجلوس ؟
ـ وهل كنت تستأذنين مني سابقا ؟ تفضلي أهلا بك
ـ شكرا .
اصطنعت بوران و فؤاد الشجار بينهما وسرعان ما فارقانا .. سكتنا لحظات ثم قلت لها :
ـ هل اطلب لك شيء تحتسينهُ ؟
فقالت مازحة :
ـ لا ، اطلبه لصديقتك .
فأجبتها بحذاقة :
ـ من ، زينب ؟
ـ صديقتك التي حملتها بسيارتك ودخلت معها الدائرة على آخر رواء
ـ آه تقصدين أحلام ؟ هداك الله يا زينب ، أنا حملتها في سيارتي !! هل تتخيلين ذلك ؟ ماذا دهاك ؟ فكري بتعقل .
سكتت هنيئة ثم قالت :
ـ اطلب لي قهوة .
ـ صافية لبن ؟
ـ صافية .
ثم ابتسمت ومدت يدها وأمسكت يدي وهي المرة الأولى التي تتجرأ على مسك يدي .
ـ عشت ذلك اليوم حانقة عليه كنت اغلي من الداخل كموقد متأجج ، تسلقت الغيرة إلى جفوني ، وبت لا أرى سوى الثأر لنفسي وتدميره وحرقه ومسحه من دائرة الوجود ، كنت أتحرق للقياه ، تجمعت كل الحمم البركانية فيّ ، وهي تكاد تنفجر وترسل حممها إلى كل من يحيط حولي ، يتراءى لي المشهد في كل لحظة وهو يتمشى معها ، وهي تحدثه بدون استحياء ، بابتسامتها الكريهة ، وقناع المساحيق التي يظهرها اصغر سنا ، وهو يهز رأسه لها .
ـ هل أعجبته ؟ ! وهو يرفض الزواج من شابة مثلي ، ربما اقتنع بها ! يا ويلي سأموت قهرا .
وأنا في دوامتي المستمرة التي تنهش في راسي دخلت بوران وسلمت على رئيسة وموظفي القسم وجلست إلى جانبي وهمست بإذني :
ـ ما الأمر ، ماذا جرى ؟
ـ اسأليه
ـ عن ماذا اسأله ؟
ـ عن الخاتون التي تتمشى وتتحدث معه
ـ من ؟
ـ أحلام التي تعمل في قسم الإعلانات .
ضحكت بوران وأخرجت علبة السجائر واستلت واحدة منها ، أشعلتها وما إن وضعتها بفمها حتى أخفتها قائلة :
ـ ويلي أنسيتني ، أدخن في القسم !!
ثم وقفت وهي تنظر بعيني وتبتسم كأنما تهزأ مني ، خرجت وفي باب القسم توقفت وسحبت من سيجارتها نفسا طويلا ، نفثته في الهواء وابتسمت لي ثانية ومضت ، جننتني بابتسامتها ، وتجاهلها لي . وبقيت أفكر بها لا بمختار واردد مع نفسي :
ـ ما الذي يحمل بوران إلى التصرف معي هكذا ، هل هو أرسلها ؟ أم هي أتت من نفسها ؟
انتظرت فترة الاستراحة بفارغ الصبر ، وعندما جاء وقتها هرعت إلى القاعة ، ولما شاهدت بوران وهي تبتسم بوجهي حنقت عليها وزاد جنوني منها ، ولما وصلتُ لم تكترث لي ، ثم التفتت الي وقالت بلا مبالاة :
ـ أهلا .. اجلسي أيتها الفهيمة
ـ فهيمة ؟ !
ـ نعم أفكارك الحمقى تصور لك كل شيء حسب ما تشتهي .
ـ كيف ؟ افهميني قبل أن انتحر .
وبهدوء قالت :
ـ انه يسكن في منطقة الطالبية وهي تسكن في منطقة الحرية ، وكذلك هي مشتركة بسيارة أجرة توصلها إلى هنا كل يوم .
سَكَتُ ولم اجبها مدة ، هدأت ثورتي ، واستقرت دمائي قلت مع نفسي :
ـ أهكذا أنا ؟ ماذا حدث لو لم تكن بوران إلى جنبي ؟ أكيد سأتصرف بحماقة قد تبعدني عنه .
ثم سألتها عما افعل فقالت :
ـ ذلك هو ، اذهب واعتذري له
ـ وأنت ، ألا تأتين معي ؟
مطت شفتيها وحركت كتفيها وقالت :
ـ ما لي أنا بكما !!!
نظرتُ بعينيها بحدة وقلت :
ـ هكذا إذن !!
وبقيت واقفة لا أزيح عيني عنها ، ثم نظرت إلي بتحد وسرعان ما ضحكت وقالت :
ـ تعالي نذهب له نخسره كوبين من الحليب .
كان فؤاد قد سبقنا إليه ، ألقت التحية بوران وبقيت أنا واقفة بينما بوران تجرني من بذلتي تريدني اجلس وأنا أريد أن يبادر هو ويدعوني إلى الجلوس ، ولما رآني هكذا قال :
ـ تفضلي يا زينب لماذا أنت واقفة !
جلست معهم وتحدثنا قليلا ثم أن بوران تشاجرت مع فؤاد ، وربما كان شجارهما مصطنعا ليتركانا وحدنا ، وبعد أن تفاهمنا ذهب عني الغضب وبدون شعور أمسكته من يده ، لم يسحب يده بل تركها تستقر تحت يدي ، أحسست بحبه الكبير ، وان روحه تنسل إلى روحي عبر أيدينا .
******
ـ حاولت مرة اختراق سواترنا الأمامية ، وخرق قواتنا الدفاعية حتى بلغت قلب الميدان وكادت أن تثبت رايتها في مواقعنا ، وفي اللحظات الأخيرة من هجومها ، أفشلت محاولتها وأجبرتها على التقهقر إلى مواقعها الخلفية ، كان ذلك حينما قدمت مع صديقي فؤاد وجلسا أمامي يتبادلان النظر والهمس واللمز ! بهدوء طلبت منهما التوقف عن حركاتهما والتحدث فورا ، فقالت بعد أن نظرت إلى فؤاد :
ـ هناك أمر رأيت أن آخذ رأيك فيه :
ـ تفضلي ، أنا في الخدمة . قلت
نهضت وتوجهت نحوي وهمست في أذني :
ـ لقد عرض فؤاد علي الزواج ! وقلت له لا يمكنني أن اقبل ما لم يوافق مختار ، وجئت أستشيرك !
انطلت علي الدعابة وانتفضت مخاطبا لهما :
ـ وأنا ؟
ـ وما أنت ؟ قالتها متسائلة
ـ أنا أيضا أتقدم إليك واطلب يدك
ـ ولكني خطبتها قبلك . قالها فؤاد
ـ ولكنها لم تعط رأيها بعد ، إني اطلب يدها أيضا ، ولن أتنازل عنها أبدا . قلت
ـ وماذا تصنع ؟ قال فؤاد .
ـ سأقاتل من أجلها حتى النهاية . أجبته .
أغمضت عينيها وتنفست نفسا طويلا كما لو أن كابوسا أزيح عنها . ثم أن فؤاد استل جسده وانصرف ، وبقيت زينب وحدها ، تفرست في عينيها بتأن ، رأيتها تراوغ بنظرها عني ، ولا تتجاسر على مجابهتي ، وفورا سألتها :
ـ هل الأمر صحيح ؟
فابتسمت وقالت :
ـ أنها دعابة .
ـ دعابة ؟!! إذن فأنا أتمنى لك كل الخير بفارس أحلام يملأ عليك الحياة .
فانتفضت واقفة وتابعت أثر فؤاد .
ـ حاولت يوما أن أثير غيرته واكتشف ما يجول بخاطره ونواياه وشعوره نحوي فاصطنعت فصلا مسرحيا وتآمرت عليه مع فؤاد بعد أن أقنعته وكان فؤاد يعرف بعلاقتي الحميمة معه ، أمتنع بادئ الأمر ، وبعد إلحاحي وتوسلي إليه قبل ذلك ، مضينا في مكيدتنا وكادت أن تنطلي عليه إلا انه اكتشفها في الآخر ، وأرسل لي كلمات في ظاهرها المودة وفي باطنها النكد ، فتركته وذهبت خلف فؤاد .
******
ـ تلكأت كثيرا في الأيام الأخيرة عن الكتابة ومتابعة أعمالي الأدبية ولم أتواصل مع الأدباء والمثقفين من أصدقائي ومعارفي ، وانشغلت بالتفكير فيها وفي مصيرنا الذي وضعت له نهاية لا أحبها
ـ عرفت في الفترة الأخيرة انه انقطع عن الكتابة ولم يعد يهتم لها . فسألته عن أسباب انقطاعه . وهل أكون أنا أحد هذه الأسباب أو جزءا منها ؟ رفع سيجارته من فيه ونكث رمادها في زجاجة أعقاب السجائر الشفافة ، كانت المسافة التي تفرقنا قليلة ـ مساحة منضدة ـ نظر في عيني بصمت وكنت أتمنى أن يجيبني بالإيجاب ، ولكنه بعد انقطاع الصمت أخبرني بالنفي .
******
ـ كنت أتمنى أن اخبرها ولو بكلمة صدق واحدة ، كما هي مودعة في صدري ، ولكن ذلك السبب المقيت الذي لا يمكن علاجه كان هو الحائل دون ذلك .
كنت أتصدى لكل محاولة اقتحام أو تسلل واختراق حواسي وما يدور بخاطري ، فأقف بالمرصاد قاطعا كافة الطرق لاقتحام بوابة حارس الأسرار ، قد أجاريها في بعض الأحيان ممازحا ، ولكن حينما أصل إلى الذروة اقطع الوميض بحزم قبل أن يرفع مراقب الخط رايته معلنا النتائج .
ـ كنت كلما حاولت التوغل إلى بوابات مرصده العالي لأسترق الصور الحقيقية من خبايا غرفه الموصدة ، يتنبأ بسرعة لذلك ، عن طريق مشاعل الغفلة ، فيعترض طريقي ويقوض تقدمي .
تعبت في الفترة الأخيرة ، وخاصة بعد حادثة الفصل المسرحي الذي أديته مع فؤاد ، وزادت حيرتي ، واخذ اليأس يتسلل إلى أوصالي ، فقررت مجابهته والاعتراف له مهما كلف الأمر ، وفعلا صارحته بقوة وحزم وجرأة .
******
ـ كم تمنيت أن تكون قرينة لي ، يجمعنا بيت واحد ، وتحت سقف واحد ،نجلس على أريكة واحدة نتابع سوية برامج التلفاز، يضمنا سرير واحد ، نخرج ، نتسكع ، نضحك ،نتحدث ولكن هل يمكن أن يكون ذلك في ظل ظروفي الحالية ، وهل يعقل هذا ؟ رجل خمسيني يقترن بفتاة ثلاثينية ، إن فارق العمر بيننا شاسع ، ممكن أن ينجح في السنين الأولى ولكن ماذا سنصبح بعد عشر سنوات ؟ أكون قد اقتربت من مثواي الأخير وهي في أوج شبابها ونشاطها .
ألا تكون هذه هي الأنانية بعينها ؟ استأثر بها وأنا وعاء فارغ لا حياة فيه .. لا لن يكون ذلك .
ـ على مدى الفترة التي عرفته فيها ، وأنا في كل لحظة استكشف أفكاره ، واني لا اشك في حبه لي أبدا ، ولكن كان هناك سبب ما هو الحائل والمانع بيننا ، ليس غير هذا ، على العكس مما كنت أصبو إليه ، كنت أتمنى لو نجتمع ولو لسنة واحدة أو بضع سنوات ، أعيش على ذكراه ما تبقى من العمر ، ومن يدري فربما يكون عمري اقصر من عمره ، أو يمد الله في عمره طويلا ، فهو المهيمن والقادر على كل شيء .
******
ـ في الأيام الأخيرة بدأ اليأس يتسلل إلى نفسي ، النفس المفعمة بالحب والعاطفة ، رأيت أني أسير بطريق مسدودة نهايته ، كما لو أني أخوض في بحر لجي ترامت شطآنه ، وكلما أجهدت بالعوم ابتعدت ونأت عني ، وكنت أعرف جيدا أن نهاياته مغلقة ، كشجر النخيل الذي أصله نواة ، لا ثمر فيه ، وأن يكن فهو غير مفيد ، كما أنها بدأت تتغيب عن مجالستي رأيتها مرة في مدخل الكافتريا ، يحف بها ثلاثة شباب من موظفي المديرية ، يستلطفونها ، ويحاولون التقرب إليها ، فيهم شاب وسيم بعمرها ، وقد توصلت فيما بعد إلى أنهم ينوون الإيقاع بيني وبينها ، بإسماعها كلمات ، من قبيل انه كبير وانه منطو ، فازداد ضجري وتشعب قلقي من الظروف التي تدور حولي في تلك الأيام
ولكن حدث أمر انتشلني منها وهو دعوتي إلى حضور المؤتمر السنوي للقصة والرواية في شمال الوطن ، ظننت أني هناك سوف أنساها بالانصراف إلى التمتع بالخضرة والجبال والغابات الباسقة والمدعوين هناك . ولكن العكس حدث ، فبمجرد أن وصلت هناك زاد شوقي إليها ولهفتي عليها وبدأت أتخيلها في وجوه الصبايا الحضور ، في حينها صممت أن اكتب القصة التي دارت بيننا ، سهرت ثلاثة أيام لكتابتها وعنونتها ( شهرزاد تعبث بأوراق الخريف ) وجعلت اسم بطلتها على اسمها .
بعد عودتي من هناك التقينا عدة مرات كنت في كل مرة أفكر بوضعي وإمكانية التقدم لزواجها ولكني كنت مترددا ، فإن للرغبة صراعا بين القلب والعقل ، فالأول يحاول الركض إلى ابعد المديات في ساحات الرغبة ، والأخر لا يسمح له الرقص في مضمار آفاق العمر والكياسة والورع
وأخيرا جلست أمامي واجمة ، ليس كعادتها ، سكتت طويلا ، توقعت أن ورائها أمرا مهما ، اعرفها من معايشتي لها ، ثم ضربت الطاولة بمدالية ذهبية كانت متشبثة بين أناملها الرقيقة ، وأخيرا ـ وأنا أنظر بعينيها أستكشف ما تخبئ وما تجود ـ انتفضت قائلة :
ـ لقد أرهقني كثيرا كبرياؤك وإباؤك .. أنني أستسلم الآن لك ، واعترف .. رافعة رايتي البيضاء لكي يرضيك ذلك !! انك واثق من مشاعري وحبي لك ، فماذا تنتظر بعد كل هذا بحق السماء ؟
ـ قررت مواجهته بشدة ، بعد عودته من السفر ، ومهما يكن حجم النتائج ، فتصديت له بجرأة وحزم وأنا انهار من داخل كياني ، أسمعته حديثي واعترفت له بحبي وطالبته باتخاذ موقف واضح ، واضعا نتيجة للانتظار القاتل .
******
ـ حينما واجهتني بخطابها الشديد واعترفت بصراحة بحبها لي ، ابتسمت لها و قلت أني اعرف مشاعرك منذ اليوم الأول الذي رأيتك فيه ، وأنا أكثر منك وَلَهاً .. لا عليك ، سيكون خيرا ، ولكن ليس قبل أن تقرأي هذه القصة وسلمتها لها .
ـ استلمت القصة منه وطويتها في حقيبتي ، سهرت مع حروفها تلك الليلة واعدت قراءتها عدة مرات ، كانت مؤثرة إلى درجة أني بكيت . استوعبت محتواها وفهمت مقصودها ، وتوصلت إلى قناعة تامة :
" أن لا شيء يمنعه عني سوى فارق العمر" !
قانون الحب قاس ، ولكن مع كونه غير عادل ، ينبغي مع ذلك الاعتراف بأنه وَحَدَ بين السماء والأرض منذ بدء الزمن .
بتراك