الجزء الأول

5 0 00

الجزء الأول

مقدمة

لم يحن الوقت بعد للخروج من البيت بعد كل هذه المدة التي قضيتها بين الجدران مع أمي ، أربعة شهور وثلاثة أيام ، كانت بالنسبة لي أياما طويلة أو عمراً مديداً لا اعرف كيف قضيته ! مشهد الرواية يتكرر أمام عينيّ طوال هذه الفترة ، بعدد الساعات ، بل الأيام التي مضت دون إرادتي ، مثلما رحل شخصه وفارقني ، ولم يترك لي سوى رائحة أنفاسه التي لا تغرب عن مخيلتي .

قبل أيام زارني فؤاد وبوران و حذام الأورفلي رئيسة قسمي وبعض الموظفين ، وقد أضفت زيارتهم عليّ نوعا من السرور والانفتاح على الحياة والانتباه لوضعي الراهن ، والإحساس بوجوب التهيؤ للعيش من جديد . شجعوني على العودة إلى دائرتي ومزاولة حياتي بين أصحابي ، وأكدوا لي أن العمل هناك وحده كفيل بنسيان ما لحق بي من دمار ؛ جراء المأساة ، وهو الدواء الناجع لترميم الأضرار التي نالت ذاتي .

أيام طويلة تختزل في ساعات ، مشاهد لزمن في واقع قاس ، تختصر في فيلم قصير لا يتعدى جزءا من قياس الزمن الحقيقي ، كما أن للوهم قوانين وشروط ، تطبق على حالات معينة كالحالة التي عشتها خلال هذه الشهور .

إن لعبة الاختفاء والظهور التي كنا نزاولها في زمن الطفولة ، لها مغزى لا ندركه إلا في عصر الكبر ، ولها قوانين من الوهم تتحكم بها تخالف قوانين الواقع والحقيقة ، فالركض في المديات الطويلة واحتساب تجاوزها بمقاييس المساحة المختلفة ضربا من التصور ، فإن عدها ينحسر بمقاييس زمن الخيال ، التي تتجاوز الحقائق وتعتمد الوقت التخميني ، حينما تقاس باستخدام أدوات النقل السريع كالطائرات أو عربات المترو الحديثة أو ألنت ، أو المركبات الفضائية التي تجاوزت سرعة الصوت واقتربت من سرعة الضوء . فماذا نطلق على زمن لم نستثمره يوما ؟ جلوس بين جدران أربع فقد كل عناصر حركة الوقت .

هل هو وقت حقيقي يقاس بأدوات القياس : كالساعة واليوم والشهر ؟

أم هو زمن ساقط ؟ يحسب للعمر ولا يحسب للحياة ؟

طلبت من مديرة قسمي السيدة حذام الأورفلي إجازة إضافية لمدة أسبوع ؛ لكي اعد نفسي للعودة للعمل . وقد وافقت على ذلك ، في هذه المرة بكى فؤاد بمرارة وبكينا معه ، ثم جلبت لنا والدتي أقداح الشاي تناولوها واستأذنوا بالانصراف .

بعد مفارقتهم بدأت أفكر مع نفسي :

ـ ترى هل استطيع العودة إلى ذلك المكان والصمود فيه ، إلى تلك المملكة التي كان مختار مليكها المهيمن على كرسيه في قسمه ، وأنا الأميرة التي تتخطف حوله بين الحين والأخر؟ .

المكان ذلك الحيز الذي كان يضمنا بكل ما فيه من أجزاء ، بكل ما فيه من أدوات من ضمنها الناس والطاولات والكراسي والجدران والسقوف و الأجزاء الصغيرة كالورق والأقلام و دبابيس الورق وحتى الفضاء ، تشهد لذلك الحب العظيم . يا لتأثيره القوي علينا ! كم كانت له القدرة على تشكيل ذاكرتنا ، وتكوين أحلامنا وصقل مواهبنا وتنسيق سلوكنا ، نحن أيضا جزء من هذا المكان نتأثر به ونؤثر فيه ، فان العلاقة المتبادلة بيننا هي الغذاء الحسي وغير الحسي الذي يصنع مشاعرنا وأحاسيسنا ، وينضجها بفعل المعايشة الطويلة والصحبة الدائمة له ، انه صَنَعَ ذلك الحب وكتب له تاريخا ، و رسم أشخاصه بشكل مرتب وأنيق دون أن نشعر . له القدرة على تأليف ملحمة من الملاحم الخالدة من الزمن الماضي ، ولكنها بشكل مختلف ، يساعده بذلك الزمن المتاح ، القادر على تشكيل أعمارنا وطريقة عيشنا ومستوى نضوج ذاكرتنا واستعداداتنا في القبول والرفض ، هناك جلسنا ، وهناك التقينا ، وهناك تحدثنا ، وهناك و هناك ...

هل اختار العودة إلى تلك المملكة التي فقدت أميرها . أو اهرب منها وابقي مع الجدران وأمي ؟

*******

ظلت الوالدة تنده علي ذلك اليوم وتصر على إيقاظي مبكرة وهي تتحدث مع نفسها بصوت مسموع تقصد إسماعي :

ـ انهضي يا عزيزتي فقد مضى زمن طويل وأنت حبيسة البيت ، ولم يبق إلا أسبوع على المباشرة في عملك ، حركي قدميك ، دعي الدماء تتحرك بجسدك ، أصبحت خاملة ، حتى غارت ملامحك ، واستباحت الصفرة رونق وجهك ، قومي لقد أحضرت لك الإفطار ، بالكاد نلحق بالوقت ، أما تعلمين ؟ انه يمر سريعا دون توقف ، متى تستيقظين ؟ ومتى تفطرين ؟ ومتى تستحمين ؟ كما انك بحاجة إلى وقت لتبديل ملابسك وتهيئة نفسك للخروج ، كم يحتاج هذا من الوقت بتقديرك ، كم يحتاج ؟

توقفت قليلا ثم صاحت بصوت حاد :

ـ انهضي يا عزيزتي .

بالكاد حركت جسدي ومطيت عضلاتي وتثاءبت ، ثم أسندتُ جسدي على ذراعيَّ من الخلف وقلت بصوت خافت :

ـ ما بك يا أمي ! لم العجلة ؟.. لم يشرع أصحاب الدكاكين أبواب محلاتهم في السوق بعد .

أجابتني :

ـ نعم أنا اعرف ذلك ولكن زحمة الطريق ولبسك يحتاج إلى وقت .

جلست متثاقلة وما بي رغبة للخروج لقد اعتدت على الجلوس والبقاء في البيت ، وبعد دخول الحمام وتناول الإفطار وتبديل ملابسي وقفت أمام المرآة لأرى انعكاسا آخر غير انعكاسي . فهناك فرق كبير بين انعكاس الأمس واليوم ، وقد وضح الفارق في شحوب الوجه وفتور بريق العينين وغور المحاجر وضمور البطن وضعف عام في جسدي وغشاوة بهائي ... فكرت مع نفسي :

ـ أهكذا يفعل الحزن بأهله ؟ ويعمل الهم بهم ؟ فكم كانت نظارتي وبهجتي ونور وجهي طافحة بالبهجة ، وحيويتي في العمل ونشاطي بالجد والمثابرة ؟ كم هناك اختلاف بين ما يسببه الفرح وما يتركه الحزن ؟ .

تذكرت جدتي حينما كانت تزورنا قبل رحيل أبي وبهجتها والنور الطافح بوجهها وسعادتها بيننا وكيف أصبحت تعيسة منكسرة ، فارقتها الابتسامة وتمكن الحزن والبكاء منها بعد وفاة أبي. حتى راحت تأن من ضعفها وهزالها و سرعان ما فارقت الحياة .

تبا لك أيتها الحياة ماذا تصنعين بنا ؟ أناس تجلبين الشمس لهم من مخدعها وتضعينها في كفوفهم لينعموا بالسطوع والأشعة والبهاء والجاه وتجلسينهم على الحرير الوفير ومقاعد الأبنوس المرصع بالذهب ، وآخرين تطفئين ضوء الشمعة الوحيدة من عيونهم ليغادرهم النور ويحل مكانه الظلام وتطرحينهم على الثرى يتمرغون ويتألمون لشدة البرد أو الحر فلا شيء يقيهم من وهج الشمس ولا ظل سميك يقيهم من زمهرير البرد .

هكذا نحن نأتي في لحظة متعة جسدية يقذف بنا الذكور في أوعية مظلمة في بطون الإناث سجناء شهور بدون ذنب أو وليجة ، نتخبط في ظلام حالك وسط جدران رطبة ضيقة لا نستطيع الحراك فيها بحرية أو النوم بهناء . بحسرة ننال غذاءنا أو هواءنا ، ثم بعد ذلك نقذف بلحظة ألم فتأتي لتلتقطنا من هذه الظلمة وتضعنا على فرس ادهم وتطلقنا في غمام ضبابي نشق طريقنا بسرعة فائقة بين حجبها ، نتدرج في مراحلها حتى نصل إلى نهايتها في حفرة . وكل وحظه : إما تتخذ بنا طريقا مجدبا تغشيه الرمال في صحراء جرداء لا ماء فيها ولا كلأ ، قد تعترضنا بيوت خاوية يعيش أهلها على بضع معزات أو جمال هزال ، أو شجر يابس أو نهر غادر ماؤه وهكذا تمضي بنا مسرعة أنكالا لا نشعر بسعادة أو فرح . وأخيراً تلقينا بتلك الحفرة .

أو تجمح بنا تلك الفرس في طرق معبدة ومدن مشيدة ، فيها من الرخاء والقصور الفخمة والتيجان المطعمة بالذهب والأحجار الكريمة والكراسي السابحة ، والعيش الرغيد لا نشعر بالألم ولا التعاسة تمضي بنا قدما ، وفي الآخر تكون نهايتنا الحفرة التي أعدت لنا .

أو تؤدي بنا إلى وسط الطرق بين هذا وذاك مرة تعلو فوق التل وأخرى تهبط إلى السفح وفي كل الأحوال في النهاية تنتظرنا نفس الحفرة .

********

خرجنا حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحا ، استوقفت أمي سيارة أجرة صعدنا بها ومضت بنا صوب منطقة الكاظمية ، تجولنا قليلا في السوق لاختيار المحلات الكبيرة واشترينا بذلة باللون الأسود وحذاء بسيط وحجابين وحقيبة تتلاءم مع لون البذلة . وكذلك قطعة قماش وشحاطة لأمي ، تناولنا نصين (كص) في احد المطاعم الصغيرة في وسط السوق ، وبعدها قصدنا مرقد الأمام أبا الجوادين للزيارة والتبرك . ذلك الولي مانح الحاجات وذو الكرامات بما يمتلك من منزلة عند الله سبحانه كونه من أحفاد الرسول الكريم (ص) . طفنا بضريحه المقدس وأقمنا الصلاة وجلسنا نستريح في الصحن المشرف ، آلاف من الناس منهم الطائف والداعي والمصلي ، وجوه طافحة بالإيمان والنور والرحمة تنشد الراحة والاستقرار ، ورائحة الإيمان ونفحات البركة وهي بين قائم وقاعد وقارئ دعاء ومبتهل لله لحاجة جرحت كيانه وناءت براحته ، أو طالب مراد عجز عن نيله . أو مرتجي شفاء تعب من علاجه ، ومتضرع لله عند قبره الشريف , ومن تأثير عطر فواح يملأ الفضاء وشذا عبير يداعب أنفاسي . شرعت استشعر بركته تهفو في روحي وتبعث بي دبيب الكرى ، ليوحي إلى جفوني بالتراخي ومس من سنا نعاس يعتريني . لملمت جسدي ووضعت راسي على فخذ أمي ، غطتني بعباءتي ووضعت يدها فوق راسي ،غفوت إغفاءة ، كنت أفكر فيه تلك اللحظة وأتمنى أن أراه ، فلقد أحزنني غيابه منذ أن فارقني ولم يزرني كل هذه الفترة :

ـ وكأني خرجت من الطواف لأراه ينتظرني في الرواق هفوت له كما يهفو الفراش إلى الورد ، أو الماء إلى الساقية ، أو الشجر إلى هديل الحمام ، توقفت أمامه معاتبة عن غيابه كل هذه الفترة ، وعدم زيارته لي رغم اشتياقي الكبير وتعطشي لروعته وسماحته ، مد يده لي وأخذني معانقا واحتواني بذراعيه وضمني إلى جسده الدافئ ثم قبلني في جبيني بعد أن أزاحني قليلا وامسكني بيديه الحنونتين من كتفي وهو يقول :

ـ لا تيأسي يا زينب إن روحي معك لا تغيب عنك وسيحرسك الرب .

ثم فارقني ومضى تعلقت بذراعه وهو يسحبها برفق فانزلقت يدي إلى كفه ، تشبثت بها بقوة وهو يسحبها بيسر حتى وصلت إلى إطراف أصابعه حينها انفلت عني وصار طيرا يرفرف بجناحيه فوق راسي ، ثم مضى محلقا بعيدا ، وأنا أتابعه بنظري واصرخ خلفه ، حتى غاب عني وتوارى بين طيات السحب .

فززت ابكي وأقول :

ـ رأيته يا أمي .. رايته !!

عرفت إني كنت في حلم ، أمسكت برأسي ووضعته على صدرها وهي تلهج بالبسملة ، وتمسح على رأسي حتى هدأت أنفاسي واستقرت روحي ، أزاحتني قليلا وقبلتني وسألتني عما رأيت فحدثتها بتفاصيل الحلم وأجوائه وكأني أعيشه ثانية ، تبسمت قائلة :

ـ رؤيا خير وبركة إن شاء الله .

أذّنَ المؤذن ، أدينا الصلاة جماعة مع النساء ثم أخذت المصحف وقرأت سورة ياسين وأهديت ثوابها له .

عدنا إلى البيت ، كان الطريق مزدحما بالمركبات والناس إلى الدرجة التي تحتاج بها وقتا طويلا لكي تجتاز تقاطع أو ساحة رئيسة من طرق العاصمة بغداد . رجال المرور لا يستطيعون السيطرة على حركة السير وتنظيمه وفك الاختناقات في الشوارع الحادثة بسبب الكم الهائل من المركبات المتواجدة فيها . ورغم الزحمة الحاصلة لم نشعر بالملل والاكتئاب لاعتدال الجو فالطقس ربيعي منعش يساعد على التحمل ، رحت أتابع المارة وحركة السير والبنايات العالية وقوة الألوان المستخدمة فيها وتصاميم هيكلتها الحديثة ، الساعة الواحدة بعد الظهر وصلنا البيت ، ألقيت بكلي على السرير ورحت أغط بنوم عميق ؛ من شدة التعب الذي نالني ؛ لأنها المرة الأولى التي اخرج بها بعد مدة طويلة من المكوث بالبيت .

*******

في اليوم التالي ضحى أيقظتني الوالدة وحثتني على تجربة بذلتي الجديدة والحذاء قائلة :

ـ البسي البذلة والحذاء وتأكدي من مقاسها سنعيدهما على صاحب المحل إن ظهرت خلاف ذلك .

خيل لي أنها تريد أن تلقي علي شيئا من البهجة بارتدائهما . أجبتها :

ـ لا تقلقي يا أمي ، أنا اعرف مقاسي .

قمت ولبستها وٍكذلك الحذاء ثم نظرت بالمرآة فوجدتها مطابقة لحجمي رغم أني ضعفت كثيرا ، أخرجت كرسي إلى حديقة البيت وتهالكت فوقه بملابسي الجديدة . مسحت الأشجار الشاخصة أمامي بنظري وجلت أتفحص جميع مكونات الحديقة : الحشائش والورود والشتلات الجديدة وشجيرات الزينة فوجدتها ذابلة يغطيها الغبار والأتربة وخيوط العناكب ولسان حالها يقول :

ـ أين أنت يا زينب ، لماذا تركتينا دون عناية .. أين حنانك ؟ .. أين عطفك وحبك لنا ؟

عدت مباشرة إلى داخل البيت وبدلت ملابسي ببذلة العمل ، بدأت بالورد أقلمها واسقيها ثم الأشجار أزيل الأوراق والأغصان اليابسة عنها ، واغسلها من الغبار العالق بها ، ثم تركت الماء ينساب على الحشيش لإروائه ، فعلت ذلك كعلاج مؤقت ريثما يأتينا الفلاح الموكل بعنايتها والذي هو الآخر انقطع عنا . وهكذا بقيت أتمتع ببهجتها ونظارتها بعد السقي والغسل حتى الظهيرة عدت إلى داخل البيت ، ساعدت أمي بتحضير الطعام ، وجلسنا نتحدث على المائدة وفي أثناء الحديث خطرت على بالي فكرة ، قلت لوالدتي :

ـ علينا أن نذهب إلى بيتي غدا .

قالت :

ـ ألا ترين إنك متعجلة قليلا ؟

ـ مضى وقت طويل ، أكثر من أربعة شهور ، لا اعرف ما حدث فيه .

ـ لا بأس سأتصل بخالك يرافقنا إلى هناك .

********

عصر اليوم التالي حضر خالي بسيارته ، تحدثنا قليلا ثم خرجنا ننشد منطقة الطالبية حيث بيت زواجنا ، وصلنا بعد ثلث ساعة . فتحت الباب الخارجي . سيارتنا لا تزال على حالها مركونة تحت طارمة البيت ، مغطاة بغطاء نسيجي ثخين ، ما إن دخلنا الصالة رحت أجول بنظري بين أرجائها ، لا يزال منظر الدمار والعطب الذي أصاب البيت اثر الانفجار الوحشي تخيم على أجواء البيت ، فالزجاج المهشم تناثر في أنحائه ، في كل مكان وكل زاوية ، والأتربة تغطي الأرض والفرش والأرائك ، ولوحات المناظر الطبيعية والجداريات والثريات المعلقة والتحف الثمينة التي اخترناها معا ، كلها سقطت وتحطمت ، وبيوت العناكب شيدت نسيج خيوطها وملأت الجدران والسقوف والزوايا ، ورائحة العطن والعفن تفوح بأرجائه ، ليبدو صومعة هجرت سكانها من سنين ، لم اصدق ما رأيت ، كل شيء يبدو لي غريبا يتراءى لي انه ليس هو البيت الذي دخلته أول مرة مع مختار ، وعملنا على تنظيمه وترتيبه وإخراجه بأحلى حلة . الخراب نال كل أجزائه ، تغلغل الحزن في قلبي ، راحت أنفاسي تتصاعد وغشاوة تحجب الرؤيا عن عيني ، رافقتني هالة من الدوار ، وإغماءة خفيفة كدت أن اسقط لولا تمالك نفسي ، بإسناد يدي اليسرى حافة الأريكة وإمساك جبهتي بيدي اليمنى وإغماض عيني . انتبهت أمي لوضعي فأسرعت إلىَّ وأمسكتني من كتفي وأجلستني على الأريكة بعد أن أزالت عنها شظايا الزجاج و ذرات التراب المنتشرة عليها وهي تقول :

ـ ما بك يا زينب ؟ تماسكي ، هذه هي الحياة ، أين أبوك الخيمة التي كانت تظللنا ، أين جدتك أين الرسل والصالحون والأولياء ؟ كلنا على هذا الطريق يا بنيتي ، كفى حزنا .

أجبتها :

ـ إنه الدوار يا أمي ، وبقيت على وضعي منحنية وممسكة برأسي بيدي ، كانت تتصور إني ابكي ! جلبت لي قدح ماء ، رطبت وجهي أولا بكفها وروتني قليلا منه . شرع الخال بالتجوال وتفقد غرف البيت وأغراضه ، كان كل شيء على حالة سوى الفوضى في عموم .

كان البيت صغيرا بالنسبة لبيوت المنطقة ، بني على الطراز الحديث من طابقين ( دبل فاليوم ) يحتل الطابق الأرضي غرفة الاستقبال والصالة وغرفة المطبخ . بينما يتألف الطابق الأول من غرفة نوم واسعة وحمام وشرفة تطل على الشارع الذي يمر أمام البيت ، تتقدمه حديقة مناسبة ، رفعت طارمته المقرنصة بعمودين كونكريتين بارتفاع ستة أمتار غُلِفا بالسيراميك الفاخر ، يرتفع بابه الرئيسي عاليا المعمول من خشب الصاج المنقوش بزخارف إسلامية وشبابيكه من الحديد المذهب وزجاجها الملون .

همت والدتي بتنظيف البيت وتعديله إلا أن الخال منعها عن ذلك مبينا لها بأنه بحاجة إلى عمل كثير لا يستطيع انجازه إلا عدد من العمال بعد نقل العفش أولا إلى بيتنا في حي الأندلس ومن ثم تنظيفه وإصلاح ما ناله من دمار . واقترح علينا تأجيره وبيع السيارة . وانه سيتولى كل ذلك بنفسه في قادم الأيام .

******

جلست مدة في الصالة ، ارتحت قليلا فغادرني الدوار ، صعدت إلى غرفة النوم ،لحقت بيّ أمي ، جلست على حافة السرير وأغمضت عيني ، تراءى لي طيفه في كل مكان وفي كل جزء من أجزاء الغرفة : في حركته المتأنية وضحكته الهادئة وحديثة المشوق ونوادره المحببة ، رايته هنا وهنا وهناك ، ابتسامة عبق فواح ملأ الفضاء ، أو رفرفة جناحين بين الأغصان ، أو لحن سحري هادئ ، أو قبس نور ينير الظلام ، فتحت عيني وعطره يملأ أنفاسي وصوته يجلجل في ذاكرتي وهيأته لا تزال تملأ كياني وروحي .

نادانا الخال .طلب منا النزول والتهيؤ للعودة ، نهضت عن السرير وتقدمت نحو السلم للنزول وأمي خلفي تتبعني وقبل أن أضع قدمي على الدرجة الأولى من السلم توقفت ، تذكرت ما قاله مختار لي في أحد أيام زواجنا الأولى :

ـ هذه نسخة من مفاتيح الخزنة دعيها معك ربما تحتاجين لها يوما .

استدرت مباشرة إلى الخلف أهمُّ بالعودة إلى الغرفة ، بادرتني أمي :

ـ أزف الوقت انزلي لنعود قبل أن يدركنا المساء .

لم أصغ لحديثها ، مددت يدي داخل حقيبتي أتحسس المفاتيح ، أمسكتها ، سرت برودتها بين أناملي ، أخرجتها ببطء وضممتها بكفي والتفت إلى أمي قائلة :

ـ دعيني أرى ما في الخزنة .

ـ أي خزنة لقد مضى الوقت لا تتسببي بتأخرنا

ـ لحظة واحدة .. لن أتأخر .

أسرعت إلى غرفة النوم وفتحت الخزنة لأجد فيها مبلغا من المال ، وتحته ملف يحتوي على حزم من الأوراق مرتبة بعناية ، وضعت المبلغ فوق الخزنة ، فاتضح الملف ، كان قد خط في أعلى غلافه الأمامي بخط واضح كلمة ( رواية ) ، نقلت نظري إلى أسفل منها كان العنوان هو الآخر مكتوب بالقلم الجاف وبحروف كبيرة ( ثلاثية اللوحة الفارغة ) تذكرت ما قاله لي بصدد روايته الجديدة وعنونتها وفصلها الأول الذي قرأته في أيام علاقتنا الأولى ، نادانا الخال مرة أخرى أخذت المبلغ وضعته في حقيبتي وأخرجت ملف الرواية من الخزنة بحذر ، سحبتها بأناملي برفق وكأني المس جزءا منه : يداه أو كتفه أو شفتاه حينما اقبلها ، أو شعاع نظره بعدما يتقاطع مع شعاع نظري ، وضعتها على صدري ، شممت رائحته وأحسست بأنفاسه وهي تقترب مني ، فتحتها بحنان أمام وجهي وتأملت فيها مدة ، ثم وضعتها تحت ذراعي وعدنا سوية ، كأنه يرافقني متأبطا ذراعي و خطواته توافق خطواتي ، نزلنا مسرعتين بعد أن أغلقت الخزنة والغرفة ، في الطابق السفلي رحت ابحث عن شيء افتقده ، وما أن وقعت عيني على اللوحة التي رسمها لي رفعتها عن الأرض ومسحتها بمنديل ورقي وأخذتها هي الأخرى ، ورجعنا معا إلى البيت . وضعت ملف الرواية على المنضدة بداخل غرفتي وأنا اشعر بالتعب ، وركنت اللوحة على الجدار مقابل السرير ، تمددت على السرير ونمت .

توقفت سيارة الحمل المحملة بعفش بيتي وأغراضي في الساعة الثانية بعد ظهر اليوم التالي أمام بيتنا ، بعد أن سبقها هاتف من الخال لأمي يقول فيه :

ـ ستصلكم سيارة الحمل مع العمال لتفريغها في البيت ، وقد اتفقت مع احد المقاولين لترميم ما لحق بالمشتمل من خراب وطلائه .

كما اخبرنا بأنه سيودع السيارة غدا في احد معارض بيع السيارات لبيعها . افرغ العفش من السيارة وأودع في إحدى غرف البيت الفارغة وأوصد الباب عليها .

******

منذ مساء أمس وأنا أهيئ نفسي للالتحاق بعملي ، قسم الترجمة في مديرية السياحة والآثار العامة ، اتصلت ببعض زميلاتي الموظفات في المديرية من منطقتنا و المناطق القريبة سائلة عن الخط المشترك بيننا لنقلنا إلى هناك وقد أكدن لي إن مكاني فارغ منذ أن غادرته ، اتفقت معهن بعودتي ، والمرور عليَّ غدا صباحا لمرافقتهن إلى عملي كما إني هيأت ملابسي وحقيبتي قبل النوم .

صباحا اتصلت بزميلتي حول السيارة و أكدت لي بأنها في طريقها إليَّ ، بعد دقائق سمعت بوق السيارة أمام بيتنا خرجت بعد أن شيعتني أمي إلى باب الدار وهي تحثني وتشجعني وتكيل لي النصائح والدعاء كعادتها سابقا ، صعدت السيارة ومضينا قدما .

جلست في مكتبي بعد الاستقبال والحفاوة من قبل الموظفين والترحاب الحار من رئيسة القسم ، لحظات وأقبلت بوران يتبعها فؤاد ، سلما علي وتمنيا لي طيب الإقامة بين أصدقائي ، ثم عادا . وفي زحمة العمل هدأت الأصوات كل منسجم مع عمله ، سألتني السيدة حذام فيما إذا ارغب بترجمة بعض الأعمال ، قدمت لي ملفين لترجمتهما وما إن أمسكت احدهما حتى شعرت بغشاوة بعيني ، وان كل شيء أصبح إمامي بلون معتم . أمسكت رأسي بكفيَّ وانتابني صراع نفسي : بين البقاء في عملي ، وبين تركه . وفجأة انهمرت عيناي بالدموع ، ورحت ابكي بلوعة ، أحاط بي الجميع وهم يحاولون تهدأتي وإسكاتي ، لكني تماديت ولم اقدر على إمساك نفسي ، شعرت أن ( مختار ) قد فارق كرسيه واني ما عدت أميرة هذا القصر ، بل رقما بين هذه الأرقام ، وان الجميع يتهامسون علي ، وليس لي القدرة على مواجهة واقعي وظرفي في مزاولة عملي هنا ، سحبت ورقة وأمسكت القلم وكتبت استقالتي ثم قمت وقدمتها إلى السيدة حذام وهممت بالخروج إلا إنها بادرتني قائلة :

ـ توقفي يا زينب ، لا تتعجلي ، لن اقبل استقالتك ، اذهبي واستريحي ، سأتركها عندي لمدة أسبوع راجعي نفسك .

أجبتها :

ـ شكرا لك ، لم تقصري معي

ثم خرجت وأنا لا أزال ابكي ، لحق بعض صديقاتي ثم جاءت بوران وفؤاد وأبديا لي النصح وتهويدي على البقاء وعدم مفارقتهما ، عند الباب الخارجي طلب مني فؤاد مرافقتي إلى البيت شكرته ودعتهما ولم اعد أبدا .

ومن هذا الوقت قررت استثمار جل وقتي لإكمال الرواية وإنهاء ما تبقى منها و في عمل البيت والعناية بالحديقة .

******

حالما وصلت البيت دخلت غرفتي وأغلقتها علي ، لم أبدل ملابسي ، ولم اخلع حذائي كانت بي رغبه ملحة لقراءة الرواية لم استطع منعها ، كأني في موعد حب ولقاء معه طال انتظاره ، وحققته الساعة بشغف .

تناولت مخطوط الرواية قبلتها أولا وبدأت أتصفحها بلهفة . وفي أول صفحة كان قد كتب

الإهداء وما أن قرأته هطلت دموعي شلال حتى كادت تتلف الكلمات ، استأنفت تصفحتها حتى آخر ورقة قرأت ما كتبه فيها :

سأتوقف هذا اليوم عن الكتابة حتى إشعار آخر .

وأتفرغ لانجاز ما يتطلبه زفافي من تحضيرات ..

اليوم الذي انتظرته من أعوام خلت للقاء فتاتي الرائعة ، الإنسانة التي بادلتني مشاعر الحب بكل صدق وقد أحببتها من كل جوارحي تلك هي زينب التي منحتني فرصة العيش والحياة من جديد.

هكذا توقف عن الكتابة في روايته التي لم تكتمل بعد ووضع التاريخ تحتها 7 / 2 /2006

******

علقت اللوحة على الجدار في غرفتي ، وتناولت الرواية تفحصتها أولا ثم سهرت معها الليل بطوله وأنهيتها عند الصباح ، نادتني الوالدة لتناول الفطور ، لم أرد عليها ، حسبتني نائمة وتركتني وشأني ، عشت أحداثها ، وأخذت بإيقاعها وذبت فيها ، لم تكن تلك الساعات هي الوقت الحقيقي الذي قطعته معها كانت أكثر من ذلك بكثير ، قد تمتد عمرا بحاله ، خمسون عاما أو أكثر بحلاوته ومرارته وفرحه وترحه كفلم مصور انه البطل فيه وأنا المشاهدة له .

آه كم الحياة قصيرة ومختزلة ، فإنها لا تمنحنا الوقت اللازم والزمن الكافي لتحقيق رغباتنا والعيش مع أحبائنا لنستوفي غاية الحب معهم . فكيف إذا سرقتهم من أول لقاء ونحن بعد في بداية الطريق ؟

فكرت كثيرا وتساءلت :

هل من المحتوم علي أن أعيش حياته ؟

وهل من المصادفة لقياه واقتراني به ؟

اعرف إنها مسألة لا احد يستطيع الجواب عنها . رغم إنها تحدث لنا في أي وقت ، فدائما ما يعيد الزمن نفسه .

ترى ما هو الدافع المهيمن الذي قوى علاقتي به ؟

هل هو الشعور بتعويض النقص ـ نقص الحنان ـ الذي افتقدته منذ غياب أبي ؟

أم هو حب حقيقي مبني على الاحترام والصدق في المشاعر والتكافؤ بيننا ؟

كان مختار بالنسبة لي : الأب ، والأخ ، والزوج الذين حرمت منهم جميعا بسبب انقطاع الإنجاب من والدتي التي لم تنجب غيري ، كنت أرى فيه كل هؤلاء ، إذن كيف لي أن أصف الحب الذي كان بيننا . فهو من القوة حيث أتصوره كراقصة شيطانية بأحلى وأجمل صورة ، ترقص بيني وبينه وكلانا مأخوذ بها ، وحينما نهفو لامتلاكها تختفي وتغيب ، فيتحقق اللقاء بيننا ، ونبقى مذهولين تحت تأثيرها .

******

غياب أبي أودع في ذاكرتي ما يشبه بالخيال المستديم ، تعايشت معه كل سِنيَ عمري ، لم اصدق فراقه الأبدي حتى الساعة ، في كل لحظة أتصوره يدخل علينا من الباب محملا بالهدايا يأخذني بين ذراعيه ويمطرني قبلا ، حتى صار هذا المشهد هوسا في ذاكرتي ، وعقدة نفسية تراودني حينما أهم بالخروج من الدار أو الدخول إليه ,

انه من الرجال العصاميين القلائل الذين لم يعتمدوا على الشهادة التي حصل عليها في الهندسة الزراعية ، بل عمل في تجارة الأجهزة الكهربائية كتاجر صغير في البدء ثم ما لبث أن أصبح تاجرا كبيرا يعد من بين التجار الكبار في البلاد بذكائه وهمته . في كل مرة يسافر لأحدى الدول لاستيراد كمية كبيرة من المواد الكهربائية ، يغيب عنا أسبوعا أو عشرة أيام في الأكثر ويعود . تشحن البضاعة بالناقلات لتصل بعده بأيام ، يودعها في مخزنه الكبير ثم يوزعها على التجار بالجملة .

يحب أمي كثيرا ويدللها ولا يقتر عليها بأي مبلغ تطلبه ، اشترى لنا أجمل بيت في حي (الأندلس ) وأثَّثه بأفخم الأثاث ، بين الحين والأخر يرافقنا إلى احد المتنزهات أو العشاء في أفضل المطاعم البغدادية ، أو التجوال في شوارعها الجميلة بسيارتنا .

كان له أخ اصغر هو ـ عمي ماهر ـ يسكن إحدى المحافظات الجنوبية مع زوجته وأطفاله وجدتي يأتي إلينا في كل عام مرة أو مرتين ، يفرح أبي لحضوره وأنا أيضا أحبه كثيرا وأتعلق به واترك أبي ، اخرج معهما وهو الذي يحملني على ذراعه وكلما أراد أبي أن يساعده و يأخذني منه يمتنع ، دائما أنام على كتفه وفي عودتهما يضعني في سريري ، استيقظ صباحا فأجد نفسي في السرير وأنا لا أزال احسب إني في السوق معهما .

أما أبي فكان مولعا بي ، يحبني حبا جما ، أول ما يصل البيت يأتيني بالهدايا والشكولاته ويداعبني بشوق كأنه فارقني من مدة طويلة ، وفي العطلة الأسبوعية وعند خروجنا للتنزه كان يلعب معي الكرة ، أو يركض خلفي محاولا الإمساك بي أو بالعكس . وفي كل مرة انتصر عليه . قدم لي هدية رائعة في احد أعياد ميلادي ، وهي عبارة عن زوج من طائر الكناري بقفصهما المذهب وقد اعتنينا بهما عناية تامة . وفي ذات يوم زرعنا في حديقة المنزل شتلة لورد الرازقي الذي كان يحبه ، وجهدنا في الاعتناء بها ومداراتها ، ومتابعة تطورها ونموها ، نجلس بالقرب منها ونتحدث ونضحك طويلا ، في يوم ما خرجت إلى الحديقة فوجدتها مكسورة . وما أن رايتها حتى انفجرت باكية ، هرع أبي ليعرف سبب بكائي ، ولمّا عرف ذلك من ساعتها بدّل ملابسه ومضينا بسيارتنا إلى مشاتل الأعظمية فاشترى لي عدداً من الأصص بشتلاتها ، وقال لي :

ـ لا تبكي بعد الآن إذا انكسرت واحدة . فهناك غيرها ,

******

في عدة مرات طلب أبي من عمي ماهر أن يترك عمله في التدريس ويلتحق معه في المحل التجاري لمساعدته وعمي يرفض ذلك رغم توسلات أبي إليه وإلحاحه في إقناعه .

كنت في الصف الخامس الابتدائي حينما سافر أبي سفرته الأخيرة التي لم يعد بعدها ، انتظرناه طويلا ثم اتصلت أمي بخالي وأخبرته عن غياب أبي ، تحرى الخال عنه ، وسال التجار في السوق ، لكنه لم يهتد لخبر عنه . أشار الخال عليها بإخبار عمي ماهر . كانت أمي في البداية تغطي على الخبر ولا تريد تكبيره ؛ لأنها تتأمل عودته ، أخيرا اقتنعت بمشورة خالي و قالت لي :

ـ سأتصل بأهله كي يكونوا على بينة .. الأمر خطير يا زينب !

وقتها بكيت وبكت أمي ثم أخذتني بحضنها وضمتني وقالت :

ـ لا تحزني يا زينب سيأتي إن شاء الله وسيجلب لنا الهدايا كعادته .

قبلتني بحرارة ومسحت الدموع عن عيني ، صدقتها ساعتها وفرحت .

حضر عمي ليلا واستفسر عن تاريخ سفره ، وخرج صباحا يسال عنه أصحابه في السوق : التجار والعمال وحتى الحمالين . عاد مسرعا إلى أهله واخبرنا انه سيعود في أول يوم من العطلة الصيفية التي باتت وشيكة ، وكان ذاك الوقت فترة الامتحانات النهائية . وبعد أسبوع عاد وتحرى عن أبي بعد أن تعرف على أصدقائه المقربين وحاول كسر المتجر ولكنه لم يفلح لأن المحل مزود بأقفال من الداخل إضافة إلى الأقفال الخارجية . كان أبي يودع المفاتيح إثناء سفره عند أمي ، لكنه في هذه المرة لم يتركها عندها إما نسيها وإما تقصد ذلك ! أهم ما حصل عليه عمي من التجار وأصدقائه هو : عناوين الفنادق التي ينزل فيها خارج العراق ، والتجار الذين يستورد منهم البضاعة ، والأماكن التي يرتادها ، رجع إلى بيته ، وبعد ثلاثة أسابيع عاد إلينا مع عائلته جميعا ومن ضمنهم جدتي . اخبرنا بإكمال جوازه وكانت خطته السفر إلى لبنان أولا للبحث عنه ثم إلى سوريا فالأردن وبعدها ـ إذا لم يجده ـ سيسافر إلى تركيا .

******

في صباح اليوم التالي سافر مبكرا وبعد عشرة أيام عاد إلينا واخبرنا بأنه لم يعثر عليه ، وان آخر فندق نزل فيه في سوريا . وكان صاحب الفندق يعرف والدي ، وانه أكد إقامته في فندقه من خلال سجل النزلاء ، واخبر العم بان الوالد في هذه المرة لم يطل المكوث بالأوتيل كعادته وإنما بقي لثلاثة أيام فقط ثم غاب وبعد يوم عاد واخذ إغراضه ودفع الحساب وخرج ، كما أن صاحب الفندق اخبر العم بأنه سأل أبي إن كان عائدا إلى العراق وانه أشار إليه برأسه بالنفي .

هكذا قال لنا العم ونحن صدقناه ولم نسأله أو نطلب العناوين منه ، بقي معنا هو وعائلته شهر آب أغسطس استطاع كسر المتجر وبيع البضاعة للتجار فتح الخزنة الحديدية واخرج منها مبلغا كبيرا من المال ، اجر المحل لأحد التجار ، وأودع المال باسم أمي في احد المصارف وكنا نعيش على إيجار المحل الشهري وإذا احتجنا إلى مبلغ إضافي نذهب إلى المصرف لسحب ما نشاء من فوائد المبلغ المودع .

******

فرحت كثيرا بعائلة عمي وكانوا دائما لطفاء وسعداء ، وكانت فرحتي أكثر بوجود جدتي والولدين ، وكنت العب معهما واجلس جنب جدتي واستمع لحديثها اللذيذ ، وكانت على قدر من الحسن رغم كبر سنها ، وكثيرا ما تعتني بحجابها وتكتحل وحينما اسألها عن الكحل كانت تقول لي :

ـ هذا الكحل ليس للغواية يا حبيبتي . أضعه حتى أرى بوضوح .

كان أبي قد اخذ الجمال عنها وعندما تنظر إليّ وتمسح شعري تقول :

ـ أنت جميلة يا زينب طالعة على ماجد ـ تقصد أبي ـ وكذلك أمك أيضا ، كنت سعيدة بهم حتى انسوني وحشة أبي .

******

ما إن توطنت الأحوال في بيتنا ورضينا بالمقسوم لنا حتى فوجئنا بمصيبة أخرى : اعتاد العم بعد هذه الفترة الخروج صباحا من البيت وارتياد إحدى المقاهي القريبة من السوق ؛ لقضاء الوقت وسماع ما يدور في البلد من أخبار ويعود وقت الزوال ، تأخر ذات يوم عن العودة للبيت ، بقينا ننتظره و لم نتناول وجبة الغداء لحين قدومه . لكنه تأخر ولم يعد ، تسرب القلق إلى نفوسنا ، خصوصا ونحن قريبي العهد بغياب أبي الذي آلمنا وأضفى على حياتنا الحزن ، بدأت جدتي بالقلق عليه ، واللوم على حظنا ، وطلبت منا إعانتها في البحث عنه ، سكت الجميع ولم نرد عليها ثم بدأت النواح وهي تندب حضها :

ـ بالأمس فقدت ماجد واليوم افتقد ماهر ! ما ذا جرى لنا ؟

ثم أخذت تدعو الله :

الهي يا راد يوسف على يعقوب اردد علي أولادي .

قالت أمي لها :

ـ تمسكي بالله يا حاجة واصبري ربما يأتينا بعد قليل

قالت جدتي :

ـ ونعم بالله ، ولكنه لم يعتد التأخر فقد مضى على تأخره أكثر من ساعتين !! .. اتصلوا لي بأعمامهم ليأتوني على الفور فما عدت احتمل الانتظار .

حينها قالت أمي

ـ تريثي يا حاجة سأتصل بإخي حالا ليرى ما يرى .

رفعت سماعة الهاتف وأدارت قرص الأرقام ، وقبل ان تنتهي منها دخل العم البيت ، قامت جدتي واحتضنته وهي تبكي وتسأله

ـ أين كنت يا ماهر ، أين ؟ لقد شغلتنا عليك .

ضحك العم وأجابها :

ـ في السوق يا أمي !

ـ ولم هذا التأخير يا ولدي ؟

ـ في أثناء عودتي صادفني أحد أصدقاء ماجد ، سألني عنه وجلسنا نتحدث حتى مضى الوقت .

ثم قبل يدها ورأسها ، حمدنا الله وشكرناه على سلامة العم .

******

في بداية شهر أيلول غادر عمي مع أهله ، وبقيت جدتي معنا واقترح علينا الانتقال معه وتأجير البيت لكي نكون تحت حمايته ، لكن أمي رفضت ذلك وأصرت على البقاء في البيت ، لأنها كانت على أمل عودة أبي في أي وقت . أما زوجة عمي فكانت إنسانة رائعة يحبها عمي وهما متفاهمان على كل شيء ، تطيعه وتحترمه غاية الاحترام كما إنها هادئة الطبع ، دءوب تعمل على تنظيف البيت وتساعد أمي بإعداد الطعام ، وكانت حاملاً في شهرها السادس ، بعد أشهر عادت جدتي لتحضر توليد زوجة عمي ، وبقينا لوحدنا يزورونا خالي أو خالاتي بين فترة وأخرى أو نزورهم نحن . وكان العم يتصل بنا مرة أو مرتين كل أسبوع ، وفي العطلة الصيفية من كل عام يأتي مع عائلته لقضاء شهرا أو أكثر ، ويتركون جدتي عندنا لشهور ثم تعود إليهم في بداية فصل الشتاء ثم انقطعت عنا بعد ثلاث سنين لكبر سنها وحزنها على أبي .

******

كانت المدرسة العامل المهم للقضاء على الوحشة الكبيرة التي خلفها أبي ، كونت مجموعة من الصديقات في المرحلة المتوسطة ، جمعتهن حولي وقربتهن لي ، فلا يخلو بيتنا من واحدة أو أكثر منهن ، وكلهن كن في منطقتي قريبات عن بيتنا ، فنجتمع لتحضير واجباتنا المدرسية أو للحديث عن المدرسة والأمور الأخرى ، وكانت والدتي هي الأخرى تسعد بهنَّ فتحضر لنا الشاي وألبسكت ، وتشاركنا الحديث وتسأل صديقاتي عن أهلهن ، وترسل معهن التحايا لأمهاتهن .

في الكلية تعرفت على سلوى السعيد وهي طالبة في نفس القسم الذي قبلت فيه ، وقد عرفت ان أبوها من تجار بغداد ، وانه كان صديقا لأبي سابقا ، وكانت أمها صديقة لأمي ، وإنهم يسكنون نفس الشارع الذي نسكنه ، كنا نخرج سوية إلى الكلية ونعود معا ، وعادة ما تأتي إلى بيتنا عصرا للدراسة ومناقشة الأمور المختلفة في الحياة ، كانت رائعة الجمال ، فاتنة ، تحبني كثيرا ولكنها كانت غيورة جدا ، تغار عليَّ حتى من زملائي وزميلاتي في الكلية ، يظهر ذلك واضحا على وجهها وتصرفاتها حينما يقتربون مني للتحية أو للسؤال ، تتدخل فيما لا يعنيها وتأتي بسلوك وكلمات تنفر الآخرين عنا ، كم نصحتها وعاتبتها وخاصمتها ولكنها سرعان ما تعتذر وتأتي بكل الأسباب لمصالحتي ، كم فكرت بها و قلت في نفسي :

ـ كم من النعم التي أنعمها الله علينا لا نحس بها حتى نفتقدها ، المفروض أن أكون أنا الغيورة وليست هي . فانا افتقد الأخوان والأخوات والأب على عكسها تماما . وحمدا لله صابرة لا شيء أحس به غير حب الناس والثقة بالنفس . فلم هي هكذا؟

ثم أسامحها مع نفسي وأقول :

ـ ليس لدي صديقة غيرها قريبة منا ، وربما تكون هي أفضل من غيرها ، فاصبر النفس عليها ، واقتنع بها .

******

تعرفت في المرحلة الثالثة من الكلية على شاب لطيف اسمه فاروق ، كان من الطلاب المتفوقين في قسمنا ، هادئ الطبع ذو لياقة عالية في احترامه للآخرين والحديث معهم ، كنا نلتقي في حدائق الجامعة لقاءات بريئة نتحدث فيها عن الدروس والأساتذة ، كانت مجرد صداقة لا تتعدى تبادل التحية والتحدث عن أمور عامة ، لم يجرؤ يوما على مفاتحتي بحبه وكنت اعرف انه يتقرب لي لأنه يحبني ، وكنت انتظر منه ذلك ، وقد لمحت له بذلك تشجيعا للبوح بمشاعره نحوي ، لكنه لم يفعل . ثم تطورت علاقتنا فكنت لا أهدا حتى أراه واسلم عليه ونتمشى قليلا وكنت اسأل عنه في القسم في حالة غيابه ، وهو كذلك ، ولكنه سرعان ما انسحب مني واخذ يتوارى عني ويبتعد ويتغيب عن لقائي ، تعجبت لتصرفه وكنت أقول مع نفسي :

ـ ترى هل تفوهت بكلام جرح شعوره أو تصرفت تصرفا لا يحبه ؟

وأسئلة كثيرة كانت تدور في فكري ولكني شككت بصديقتي سلوى أن تكون وراء ذلك وقد شاهدتها من بعيد بعد آخر لقاء بفاروق تتحدث معه ولما سألتها قالت :انه سألني عن المحاضرة القادمة ، وأشاحت بوجهها عني لكي لا اكتشف كذبتها . حاولت عدة مرات الاتصال به لكي اسأله عن سبب نفوره مني ، لكنه كان لا يعطيني أي فرصة للقاء . فثأرت لكرامتي وتركته ولم أتكلم معه حتى تخرجنا من الكلية . وكذلك سلوى السعيد فاني ابتعدت عنها ولم أرها بعد التخرج إلا نادرا .

******

ثلاثة وجوه أَحبَها مختار : مريم الوجه الأول ، وديدكا الوجه الثاني ، وزينب ـ أنا ـ الوجه الثالث ، ترى ما هو الوجه الذي أَحَبَهُ أكثر وبصدق ؟

كان حبه لمريم هو الحب الأول ، الحب البريء الطاهر ، حب الطفولة ، لا يعتمد الجنس والرغبة الجسدية ، يسوده الخوف من المجهول ، قويا وغير اعتيادي ، نبوغ المراهقة فيه ، يشوبه حب الوالدين والحنين الطفولي ، واكتشاف الرجولة في مرحلة تنامي البلوغ ، لا يعتمد عل أسس العلاقات الناضجة في كثير من الأحيان .

أما علاقته بديدكا ـ الوجه الثاني ـ فهي تعويض عن العلاقة الأولى . وما افتقده فيها أو ما لم يمارسه مع مريم ، حب مبني على الرغبة الجسدية بدافع جنسي بحت ، غير ملتزم وغير مسؤول قضاء للوقت ، ونسيان للمعاناة النفسية التي تفاقمت عنده ؛ من جراء فقدانه الوجه الأول ، علاقة غير طاهرة ، علاقة مرحلية في اشباع الغريزة والعبور عليها لاكتشاف الذات .

أما تلك المرأة المتصابية شقيقة احد القياديين في أجهزة الدولة وزوجة مدير السجن الذي كان مختار معتقل فيه . فهو الآخر مأخوذ بشرها عنوة عنه . فقد استغلت شبابه استغلالا بشعا بسبب وضعه الصعب كونه سجين ، وهي كونها ابنة الذوات المهيمنين على السلطة والمتنفذين فيها آنذاك !! أمسكت بزمام رقبته بيدها لتحقيق رغباتها الجنسية كرها ، وإفراغ شهوتها بطرق حيوانية لا تمت إلى الحضارة بالبتة ، مجردة عن القيم الإنسانية كامرأة من المجتمع الذي تحده القيم العربية والإسلامية ، فإنها لا ترعوي في الحد من غريزتها كرامة لنفسها ، بل إنها تمادت في إطلاق رغباتها كيف ما يحلو لها ، بدون أن تترك قيمة لشخصيتها ، فقد سلكت بأفعالها أبشع ما تعطيه حواء من الحب والحنان والعاطفة النبيلة ، والعطاء المطلق كمخلوق كرمه الله على باقي الكائنات !! فقد كانت أشبه بحيوان الغاب المتوحشة بل واقل منها حياء ، هكذا كانت حياتها عبارة عن كهف من الفجور مع من ترغب ، ودون الانتباه إلى سمعتها وكرامتها ، لذلك أراه دائما ما يتمنى الموت أو الإعدام والخلاص من جبروت هذه النمرة الباغية . وكل تصرفاتها هذه ترجع إلى تربيتها البيتية داخل أسرتها التي اكتسبت منها تصرفاتها ، وتركت لها الحبل على الغارب دون توجيه و عقاب منذ مراهقتها الأولى .

******

إن أبشع تعسف هو ذلك الذي يمس شخصية الإنسان وكيانه . حتى ان مختار كره نفسه ونسي رؤية أهله اللذين كان يتلهف للقاء بهم . ولهذا فان الحرية بأبسط مفرداتها قيمة عليا ، من القيم التي نتمسك بها ونناضل من اجلها ، وإذا ما أستلب جزء ولو يسير منها تتحول إلى عبودية . حتى تلك التي يرغبها البعض في الصداقة أو الحب أو الجنس ، وقد يطلبها البعض من قليلي الأهمية في المجتمع في حالات معينة وان كانت جبرية أو قسرية ، فالاغتصاب تعده جميع المجتمعات بما فيها الإباحية جريمة كبرى في حقوق الإنسانية . والتعدي على حقوق البعض بدون رضا منهم يعد تطاولا على شخصيته وكرامته .

، لهذا لم يضعها ضمن لوحته بل ترك إحدى زواياها بلطخ لونية قاتمة فارغة ليكتفي بثلاث زوايا .

أما حبه لي أنا ـ الوجه الثالث ـ فقد نما وكبر في مرحلة النضوج الفكري والعقلي والجسدي ، حب متأن ، واع ، مبني على التفاهم والتكافؤ الاجتماعي .

إذن كنت اختياره الأول في سياق السلم التسلسلي في الحب ، كان إحساسي يفوق ذلك التحليل ويؤكد مدى ارتباطي وتعلقي به .

******

أول ما تناولت أوراق الرواية لفت نظري عنوان الفصل الأول ( شهرزاد تعبث بأوراق الخريف ) الذي قرأته سابقا ، عرفت من لحظتها انه يعنيني أنا بشهرزاد ، فكيف اعبث بأوراق الخريف ؟

شهرزاد الأنثى التي أوقفت نزيف الدم الذي كان شهريار يمارسه كل ليلة من لياليه الصاخبة مع صبية بكر من مدينته ، شهرزاد أنقذت ألف فتاة من ذلك الملك الظالم الذي أراد الثأر لشرفه بطريقة بشعة ، لا يقبلها العرف ولا المعتقد ، لذلك كانت تضحيتها كبيرة جدا في راحتها والسهر الطويل لتروي له حكاية كل ليلة من اجل بنات مدينتها والتي لم تعرفهن حتى ، إذن فهو يعنيني ويقصد بقوله :

ـ أنت يا زينب تضحين بشبابك من اجلي .

أما العبث : فهو اللعب ، أو الفعل الذي يؤدي إلى الضرر . فهل كان هذا مقصده يا ترى ..؟ إشارةٌ لي باني أضره ، باللعب عليه ! أعبث بمشاعره ؟ أكيد ليس هذا ، هناك نوع من العبث المحبب تمارسه حواء لجلب انتباه الرجل ، وتحريك مشاعره الباردة ، تتحرش به بدافع الرغبة ليفيق من غفوته ويحرك أدوات تفكيره نحوها ، وهذا ما قصده . انه يريد أن يقول :

ـ أنت يا زينب أيقظت فيَّ مشاعر الحب ولفتِ نظري إليك .

أما تساقط أوراق الخريف فهي واضحة ، رمز للاقتراب من نهاية العمر ، والابتعاد عن ديمومة الحياة ، فصل الخريف ذلك الفصل الذي يكون آخر الفصول الأربعة شتاء وربيع وصيف وخريف . دورة كاملة ما إن تنتهي حتى تعود لفلكها من جديد ، كان يعني بالخريف شخصه ويقصد به تجديد الحياة بعد الكبر ، أذن فهو يعني :

ـ أنت يا زينب تساعدين في تجديد حياتي .

ومن خلال هذا التحليل المجمل لعبارة ( شهرزاد تعبث بأوراق الخريف ) خرجت بنتيجة كان مفادها:

ـ أنت يا زينب بحبك الكبير لي إنما أيقظتِ الحياة فيَّ من جديد .

*******

كان أهم ما في الرواية هو الفصل الأول الذي أصبح الجزء الثاني بعد كتابتي الجزء الأول ( المقدمة ) لأنه يخصني ، فقد تناول فيه أحاسيسه ومشاعره وحبه نحوي بكل صدق ، سرد جميل لأهم الأحداث في لقائه معي يتضمن معلومات اجهلها واعترافات صريحة لحجم العلاقة التي ربطت بيننا ، كان قد كتبه منذ الأيام الأولى لمعرفتي به وقد صاغه صياغة جميلة وبحبكة متقنة على شكل قصة قصيرة ، ولما أعطاه لي بعد عودته من إقليم كردستان ، قرأته مرات وتعايشت معه وتقمصت أفكاره ورؤاه ، وتابعت كل مفاصله ، ارتأيت أن أفرقه على شكل عبارات ، وكتابة تعليق تحت كل عبارة ، لتوضيح الرؤيا الإجمالية للنص ، فاني وبلا شك امتلك موهبة الكتابة لما قرأته للأدب الانكليزي والفرنسي ولأشهر الروايات في الأدب الروائي ، كان هذا هو تفكيري منذ بدئي بقراءته ، وفي وقتها أخرجت قلم الرصاص وهمشت تحت كل عبارة من العبارات التي جزأتها ، توكيدا لما أحسه وتوضيحا لما كتبه ، وجئت على تفاصيله بعد الاستهلال الجميل والرائع الذي بدأ به الرواية ، وقد استنسخته بنسختين أرجعت الثانية له واحتفظت بالنسخة الأصلية عندي ، ولقد تفاجأت حينما وجدته قد ثبتها ، ولم يحذفها من هذا الفصل . حينها قررت إكمال الرواية وإخراجها إلى حيز الوجود لترى النور ، لأني عشت الجزء الكبير من أحداثها ولأنه كتبها من اجلي .

بدأتها بمقدمة واختتمتها بتتمة .

الإهداء

إلى الموجة التي انتشلتني

من غياهب جنوني

وأرضعتني شهد البقاء

إلى موسيقى وأطياف اللغة

إلى طلاسم حروفها

ز . ي . ن . ب

محبتي

أيتها العصافير ، يا إخوتي ، ينبغي لك أن تسبحي وتحبي كثيرا خالقك . لقد أعطاك ريشا ليكسوك ، وأجنحة لتطيري ... وجعل منك مخلوقاته الأكثر نبلا

القديس فرنسيس الإسيزي