الجزء الثالث

6 0 00

الجزء الثالث

سراب العطش

نادرا ما تمنحك السماء من غمامها غيثا بوابل فطل يكسو الأرض زخرفا وبهجة ويمنحها رونقا وتألقا ، في وقت لا تملكه ومكان لا تألفه ، فما للجاجة سبيل إن طلبته في ساعته ، ولا قدرة في احتوائه في حينه ، وبذا يمضي سرابا وقاعا صفصفا ، فهبات السماء تداهمك على حين غفلة ، لا تعلم متى تجود أو تقتر ، وأين تحط أو ترحل ، فأنت أيها الكائن البشري رهين قدرك ، لا يمكنك تمرير قرارك .

ثلاثة وجوه صادفتها أرخت رحالها في ساحتي ، رسمت خارطة تكويني ، وتركت بصماتها غائرة على جدران كياني ، في أزمان مختلفة وأماكن متنوعة ، ثلاثة وجوه متشابهة كأنها خلقت من طينة واحدة فهي نبوءة القول القائل ( كل أربعين من طينة واحدة ) ، الشبه بينها كبير ، لا تستطيع تمييزه وربما هن وجه واحد تكرر في مراحل شتى من مراحل الزمن ( مريم ، ديدكا ، زينب ) . ثلاثة أبعاد للوحة واحدة .

أنتِ البعد الثالث فيها . لو شاءت الأقدار وكان لقيانا هذا قبل ستة عشرة عاما ، لجعلت لك جناحين من بتلات الورود ، وطرت بك على جناح السحاب إلى بلد الثلج ، وعلى الشاطئ الرملي في بحيرة الصدى جلسنا ، ننصت إلى ترددات الأثير القادم من حقول الأقحوان . لأروي إليك قصة ساقها الزمن الغابر ، رسمت عناصرها المصادفة ، وعلى الرغم أني أعرف حجم الثقة والصدق بيننا ، فلا بد من قراءتها خوفا من الشك أن يتسلل إليك ، أو لقائلة تقول : " ما لهذا الرجل يهيم بها بعد فوات سحابة العمر قطارها ، وقد تمنحك عذرا لهذه الوقفة وهذا التوحد .

قبل تلك الأعوام التي لا اعرف متى بدأت وكيف انتهت ؟ كنت هناك على شاطئ تلك البحيرة ـ بحيرة الصدى ـ مع شلة من الأحباب المتسكعين خليطا من الأجناس ، وتحت ذراعي آلة العود وإلى جانبي البعد الثاني ( ديدكا ) ، الغجرية صاحبة الشعر الذهبي ، التي تنحدر من أب روسي يعمل اطفائيا في المدينة ، وأم إسبانية تدير النزل الذي اسكن فيه ، تلك المرأة الطاغية في العاطفة والحنان ، تبنتني أبنا لها لفرط حبها لي . وكالعادة كنا في المساء نجلس في الصالة نحتسي الشراب ونتجاذب الحديث ونشاهد عروض التلفاز .

******

في عطلة ( ألويك إند ) نسافر إلى تلك البحيرة ، نفترش شاطئها الرملي ، وفي المساء نجلس صفوفا كل مع خليلته ، نتأمل مشهد الغروب ، ونرهف السمع للرنين القادم من خلف البحار ، ومنظر الشمس وهي تهبط ببطء نحو أعماق البحيرة ، ويكون المشهد أكثر إثارة حينما ينغمس نصفها في الماء ، نتنسم العطر المتسامي من حقول الأقحوان من خلال غابة الكرز ، في الليالي الباردة نؤجج نارا عظيمة ،نجثو حولها ، وعلى آلة العود أعزف لهم ألحانا شعبية ، بغدادية :

مروا عليّا .... عليّا

مروا عليّا .. عليّا

مروا عليّا الحلوين وعذبوني

نظرات تهيم الروح بيها رموني

...............

خالة شكو شنو الخبر دحجيلي ..

...............

هذا الحلو كاتلني يعمة ..

...............

ماني صحت يم أحا جا وين أهلنا ..

وأغاني إلهام المدفعي وغيرها . ننشد جميعا ، ونحتسي ونرقص حول النار حتى تخمد ويخمد الجميع . في الصباح نجمع إغراضنا ونعود إلى المدينة للعمل والجد .

ثلاث سنوات قضيتها هناك كالطفل يعدو ويرتع في حقول وقصور وانهار الجنة .

وفي اليوم الذي قررت فيه العودة إلى وطني الأم ، على اثر برقية وصلت تنبئ بمرض جدي تعلقت ( ديدكا ) بي وأصرت على السفر معي ، إلا إني أقنعتها بالبقاء ، واني لن أتغيب كثيرا وسأعود سريعا ، وكنت صادقا بوعدي لها ، بقيت أسبوعا قرب الأهل والأصدقاء والمعارف ، ثم حزمت أمتعتي للعودة ثانية إلى بلاد الثلج وملاقاة الحبيب بعد الاطمئنان على صحة الجد .

في المطار لم يسمحوا لي بالسفر خارج الوطن ، حتى أكمال الخدمة العسكرية !! ، ندمت على عودتي وحزنت على فعلتي ، ولكن ماذا عساي أن اصنع وأنا مكسور الجناح ؟ ، لا طاقة لي ولا حيلة ! فكرت بالهروب من الوطن عبر المنطقة الشمالية إلى تركيا ومن هناك السفر إلى بلغاريا والعودة إلى عملي هناك ، لكني لم أجرؤ على ذلك ، والتحقت بالخدمة العسكرية برتبة ضابط مجند ، بعد تبادل الرسائل بيني وبين ديدكا لأكثر من عام خفتت الحرارة المتأججة بيننا ؛ بسبب الظروف القاسية التي فرضتها الخدمة العسكرية ، التي شغلتني عنها ، وبذلك ضاع البعد الثاني كما ضاع البعد الأول سابقا !

******

لا تحزني يا عزيزتي زينب فان حادثة الوجه الأول أكثر قسوة من حكاية الوجه الثاني ، سأرويها إليك فهي من إسرار حياتي التي لم يطلع على تفاصيلها غير الوالد والوالدة والجد العزيز الذين رحلوا عن عالمنا الظلوم :

أقبلت عصرا ونحن نحتسي الشاي في باحة البيت ، وتوقفت ، تفاجأت لوجودي ، كأنها شطب ريحان ، عود رمان ، زهرة متفتحة توا ، قمر في ليلة تمامه ، ترنيمة على وتر منفرد ، لون مضيء على لوحة سريالية ، هالة في ليلة معتمة ، نسمة في يوم قائظ ، حيتها والدتي ودعتها إلى الجلوس جنبها ، وخاطبتها :

ـ هذا رياض وأشارت إلي ، ولدي الذي حدثتك عنه كثيرا ، جاء من بغداد ليقضي العطلة الصيفية معنا ، ثم نظرت إلي وقالت :

ـ هذه مريم جارتنا انظر إليها كم هي جميلة ؟ .

قدمت لها قدح الشاي لكنها لفرط خجلها ظلت واجمة ، مطرقة نحو الأرض ، حثتها أمي على شربه إلا أنها تنفست وبصعوبة خرج صوتها لتقول :

ـ أرسلتني أمي إليك لتقول : " إنها ستخرج غدا إلى السوق وتحب مرافقتك " .

ثم نهضت وخرجت فصاحت أمي خلفها :

ـ اخبريها سيكون ذلك إن شاء الله .

وأكملت بصوت منخفض :

ـ إنها طيبة جدا ، كم تمنيت أن تكون لي ابنة مثلها .

******

في اليوم التالي خرجت والدتي لموعدها مع أم مريم وتركتني وحيدا في الدار ، انشغلت بإخراج أدوات الرسم من حقيبة العمل ـ الفورم ، الفرش ، ألوان الزيت ، الأستاند ، المحاليل المساعدة في الرسم ـ وبينما أنا منهمك بتحضير أدواتي ، فتح الباب ودخلت مريم ، وقفت قبالتي بصمت ، رحبت بها ، وسألتها عما تبغي ؟ ، ظلت على وقفتها وكأنها لم تسمعني !! خاطبتها ثانية :

ـ تفضلي استريحي .

لكنها بقيت واقفة !! .

قلت :

ـ وبعد ؟ هل أنت بحاجة لشيء ؟

هزت رأسها بالنفي .خاطبتها آمرا :

ـ إذن اجلسي .

ـ أين ؟

ـ في أي مكان ترغبين .

جلست محاذية لي وهي تتأمل أدوات الرسم ، عاودتُ ترتيب أدواتي ، سألتني :

ـ هل ترغب بالمساعدة .

ـ كلا .. شكرا .

ـ هل أنت مختار ؟

ابتسمت متعجبا من سؤالها

ـ نعم ، أنا هو بشحمه ولحمه !

ـ لقد رسمت لك صورا كثيرة !! .

ـ كيف .. وهل أنت رسامة أيضا ؟ !

ـ لا .. صورتك هنا ، هنا في مخيلتي . وأشارت بسبابتها إلى رأسها ، من وحي حديث خالتي .ـ تعني أمي ـ

ـ وماذا توضح لكِ الآن ؟

ـ أحلى من جميع ما رسمت .

ثم أردفت :

ـ هل صحيح أنت رسام ماهر كما تقول خالتي ؟

ـ إنها تبالغ قليلا .

ـ هل تستطيع رسمي ؟ .

ـ بكل تأكيد .

ـ هيا ، ارسمني . قالتها بتوسل !

ـ ليس الآن .. في وقت آخر .

******

هكذا أخذت تأتيني كل يوم تتأمل اللوحات التي أرسمها ، أجلستها يوما أمامي ورسمتها على نغم هادئ من موسيقى كلاسيكية لباخ من اسطوانة قديمة ، بثوبها الشعبي ، وبعد أن انتهيت من رسمها ، نهضت تستطلعها ولما رأتها اندهشت وقالت :

ـ أحقا هذه أنا ؟ .

ـ أجل ..ماذا تعنين ؟ .

ـ أصحيح أنا جميلة هكذا ؟ .

ـ بالله عليك يا مريم لا تكوني متواضعة إلى هذه الحد ، أنت أجمل بكثير منها .

ـ أقسم على ذلك .

أقسمت لها ، شبكت أصابع كفيها ووضعتهما في أسفل بطنها وحنت رأسها مبتسمة بكل براءة ، تكاد تطير من الفرح !!

وهكذا توثقت عرى الحب بيننا ، وتسللت إلى قلبينا بزخات مفاجئة ، وكبرت ، كبرت بوقت سريع ، دون أن نعلم ، و ظلت تأتي إلينا كل يومين أو ثلاثة بحجة أو بأخرى وأصبحت لا أطيق غيابها .

******

ذات يوم وكعادتنا نحتسي الشاي عصرا وهي معنا ، كنت أتحدث مع والدتي وهي تستمع إلينا ، انتبهت لها فوجدتها لا تشاركنا الحديث ، ولاحظت أن عينيها لا تتحركان ! ، واجمة ، لا تحرك رموشها ! أقلقني حالها ، وضعت كفي أمام عينيها ، أحركها إلى الأعلى والأسفل ، فأغمضتهما وابتسمت !! استغربت لذلك وسألتها : كيف تستطيع فعل ذلك ؟ . فأجابتني بالأغرب : أنها لا تعلم !!

اشتكت لي يوما بهمس : بأنها لا تستطيع النوم هذه الأيام من كثر تفكيرها بي وترجتني أن أهدي إليها صورتي لتضعها تحت وسادتها ، فربما يخف الأرق وتنام .

بعد فترة ، وكان من عادتي السهر للرسم والاستماع إلى الموسيقى ، سمعت طرقات خفيفة على شباك غرفتي المطل على الشارع ، خفضتُ صوت الموسيقى لأتأكد من الطرق ، سمعت صوتها بعد الطرقة الثانية :

ـ أنا مريم ، أفتح الباب بسرعة .

فتحته لها ، دخلت مسرعة !

بادرتها :

ـ ما الذي دفعك إلى المجيء في هذه الساعة ؟ .

ـ لا استطيع النوم !.

ـ ألا تخافين ؟

ـ كلهم نيام .

ـ وماذا أصنع لك ؟!

ـ أنام معك !!

باغتني طلبها ! و قلت :

ـ وهل يصح ذلك ؟ !

ـ سأموت من الأرق ، بالله عليك دعني أنام معك ولو ساعة فقط .. أريح رأسي وأعود .

رأفت لحالها واستسلمت لأرادتها ، تركت ما بيدي ونمنا معا على سريري وأنا بكامل ملابسي ، وضعت أنفها في رقبتي وراحت تغط بنوم عميق ، لم أنم تلك الليلة حتى الفجر ، لأني لم أعتد على هذه الحالة ، أيقظتها مبكرا وعادت إلى بيتهم . وهكذا أعتدنا على ذلك ، تأتي أواخر الليل وتعود عند الفجر .

******

من عادة والدتي الاستيقاظ مبكرا لأداء صلاة الفجر ، وبعد الصلاة والأدعية والقرآن والأذكار ، تأتي إلى غرفتي تتفقدني ، وفي إحدى جولاتها التفقدية وجدت شخصا ما يشاركني السرير ، بهدوء أزاحت الغطاء عنا ونحن نيام ، فوجدت مريم ! ارتعدت ، وتراجعت إلى الخلف ، وهي تستغفر الله ، استيقظنا فزعين ووقفنا أمامها مبهوتين ، وهي لا تزال تستغفر وتسترجع ، ثم تماسكت وقالت بلهجة شديدة مخاطبة مريم :

ـ ما ذا تصنعين هنا ؟ !

أطرقت مريم رأسها خجلة وشبكت يديها عند أسفل بطنها ولم تجبها ، ثم نظرت إلي وقالت بغضب :

ـ وأنت ، أما تتقي الله في هذه المسكينة ؟ أنها على نياتها .

أقسمت لها باني لم ألمس شعرة منها ، فهدأت و قالت :

ـ هل تقسم بالمصحف ؟

ـ نعم أقسم .

ـ أني واثقة منك . لا حاجة للقسم .

أخذت مريم من يدها وشيعتها إلى الباب وحذرتها أن تعود لمثلها مرة أخرى ، عادت بعد أن تأكدت من دخولها الدار . ثم سألتني :

ـ هل تحبها يا مختار ؟

ـ كثيرا يا أمي .

ـ هل أخطبها لك ؟

ـ يا حبذا .

ـ سأنتظر عودة أبيك من الحدود وأفاتحه بذلك .

******

بعد أيام عاد أبي بإجازة دورية وبقيت أراقب أمي عن كثب واهمس لها بان تستغل الفرصة والشروع بمفاتحته بالمشروع الذي اتفقنا عليه ، ولكن ليتنا ما فعلنا !!.

لقد ثار أبي ، وغضب غضبا شديدا ، لا اعرف له سببا ، واخذ يكيل الشتائم والسباب إلينا وكان أبي صعب المراس ، أثرت أوامر العسكرية على سلوكه ، فأصبح حاد المزاج ، يثور لأتفه الأشياء ، ثم هدأ وقال كلمته ، كلمته التاريخية ـ كلمة الفصل :

ـ اختر بيننا !!

ـ ماذا !!

ـ لقد سمعت ما أقول .

ـ كيف ؟ !

ـ إما أن تتركها وتبقى هنا أو تختارها وتخرج من بيتي !

لم أتوقع هذه المواجهة المؤلمة ، آثرت الخروج من البيت والانتقال إلى بيت الجد . وتبعتني الوالدة بعد ذلك .

كان حكمه قاسيا ، متهورا ، بعيدا عن الحكمة ، فلقد ضيعني وضيع أمي و محبوبتي مريم ، فليس بإمكاني مشاهدتها بعد الآن ، أو اللقاء بها ، وكان انتقالي إلى بيت جدي بمثابة الهبة الإلهية إلى الجد ، منحة من السماء ، كان الجد يحمل بين طيات قلبه من الحب والحنان ما يعجز الوصف عنه ، فلقد كانت رعايته لي كرعاية الأم لطفلها ، لا تغمض عيناه حتى أنام ، وإذا خرجت فتش جيبي فيدس ما يملكه من نقود فيه ، وكان يجلس معي ، ويحدثني بأحاديثه الجميلة التي تؤنسني وتنسيني همومي .

******

قبل بدء الأسبوع الأخير من انتهاء العطلة الصيفية ، تهيأت لجمع إغراضي استعدادا للسفر إلى العاصمة لإكمال السنة الأخيرة من دراستي في أكاديمية الفنون الجميلة ، جلست أمام لوحاتي قبل رزمها ، توقفت أمام صورة مريم التي رسمتها ، أتأملها وأغور في تفاصيلها واستذكر الأيام الجميلة التي قضيناها ، فعاودني الحنين إليها ، ورؤية طلتها البهية ، وبينما أنا في طقسي الحزين ، وإذا بها تنتصب أمامي ، بشحمها ودمها ، بجسدها المتناسق ، وطولها المتماسك ، وقفت أمامي بصمت ، وقفت أمامها مندهشا لحضورها المفاجئ ! وأنا أنظر إليها وأتأمل صفاء عينيها دون كلام ، وبلا ترحيب ، لم اصدق حضورها بادئ ، دلكت جفني معتقدا إني أحلم لكنها قطعت الشك بحركة من يديها وفتحت أزرار ثوبها ! بقيت مندهشا أراقبها ! ثم رفعت يدها اليمنى إلى كتفها الأيسر وأزاحت الكمَّ عنه ، وكذلك فعلت في كتفها الأيمن ، ثم أنزلت ثوبها ببطء إلى أسفل بطنها ! فانبجست أضواء الكون تألقا وسحرا ، واحتوى فناء الغرفة هالة من جسدها المقمر ، كأنها منحوتة فينوس أو إيقونة القديسة مريم ، انفلتت كلمات من فمي دون شعور :

ـ ما شاء الله .. ما هذا النور والجلال !!

لم تلتفت لكلماتي إنما تركتني لحظات أتشبع بحسنها الآسر ، ثم استدارت مباشرة لتعرض لي ظهرها .

فرأيت الأهوال :

بقع زرق ! وكدمات بنية ! وجروح قاتمة ! وخدوش فاقعة متناثرة على مساحة ظهرها .. سقطت الفرشاة من يدي ، وتقلصت عضلات رئتي ، واحتبست صرخة في صدري ، ذهلت من هول ما رأيت ، رفعت ثوبها وكمت أزرارها بسرعة : صحت بغضب وازدراء :

ـ من فعل ذلك ؟

ـ أمي . قالتها بحزن

ـ لماذا ؟ قلت مستغربا

ـ الإجبار على الزواج

ـ من من؟

ـ من شخص لا أعرفه

سكت لحظات أتفكر بحالها وقلت :

ـ وماذا أنت فاعلة ؟

ـ وهل لغير الفرار خلاص ؟

ـ إلى أين .

ـ معك إلى بغداد .

فرحت بادئ الأمر وراح دبيب العاطفة يرسم لي مشهدا رومانسيا مزخرفا بالألوان ، ولكني بعد لحظات عدت إلى عقلي لأقول :

ـ لا ، لن يكون ذلك ؟

ـ ولم ؟ قالتها بعجب .

ـ لأنه إساءة إليك والى أهلك الناس الطيبين الذين وضعوا ثقتهم بأهلي ، فهل يصح أن أقابلهم بالسوء ؟

ـ إذن فهو الفراق

استدارت للخروج ، طلبت منها التريث والتفكير على مهل لإيجاد حل للمشكلة . لكنها تحركت وهي تردد بصوت خافت مكسور :

ـ الوقت لا يحتمل التأخير ، أما الفرار أو القبول ، فهل تستطيع إنقاذي ؟

سكت ولم اجبها ، خرجت دون وداع ، ولم أرها بعد ذلك ، وهكذا غادر البعد الأول اللوحة كما مضى البعد الثاني .

******

لا اعرف كيف قضيت عامي الدراسي الأخير ، عدت إلى بيت الجد ولم يكن في تخطيطي سوى هدف واحد هو الهجرة والابتعاد عن كل ما يذكرني بهذه المدينة ووجهها المغبر ، السفر إلى أي مكان بعيد ، وفعلا ودعني الجد بالأسى والدموع بعد أن ألقى خطابه الأخير :

ـ لقد أَعدتَ إليَّ الحياة وها أنت تسلبها مني .

الذي يحيرني أيتها البهية زينب هو ذلك الشبه الكبير بينكن ، في كل شيء ، في قسمات الوجه ، في طول القامة ، في طريقة الحديث ، في فرحكن وحزنكن وفي مداعباتكن ، فلا أجد فارقا سوى ذلك الخال على خدك الأيمن قرب شفتيك الجميلتين ، ولعل الخالق قد وضعه لتمييزك عنهن .

ولا اعرف ما الذي يؤول إليه هذا التودد ، هل يمضي كما مضى مع من أحببت سابقا ؟ لتكتمل لوحتي التي عنونتها ب ( اللوحة الفارغة ) ، أو أنه يتعدى إلى ابعد من ذلك ، كل هذا بيد الأقدار ، والهبات دوما تسطرها السماء بحروف داكنة ، أحيانا نقتنصها وحينا نفتقدها .

عندما لا يكون لنا حياة حقيقية فاننا نستبدلها بالسراب

انطوان تشخوف