الجزء الرابع

7 0 00

الجزء الرابع

خلل في تقويم الزمن

الأيام لواقح ، فيها الراقصة ، وأخرى تعسة ، تمنح كل شيء للاشيء ، أو تسلبك أشياء ، فالسماء لا تدع لك الخيار فيما تشاء وفيما لا تشاء ، مولدك ، رزقك ، مدينتك ، حظك زوجك أصدقائك وحتى اسمك .

بالكاد تسلقت الباص من الباب الخلفي ، خيل لي اني ساجد مريم بين ركابها ، حدس لا أكثر وربما نبوءة ، وقبل ان اجلس تفحصت الركاب والمقاعد الفارغة ، كان في احدها امرأة جالسة تراءت لي أنها هي ـ مريم ـ ألقيت بجسدي في المقعد المحاذي لها ، فكانت هي ، اندهشت لوجودها وكذلك هي استغربت وجودي إلى جانبها بهذه اللحظة الاستثنائية من زمن كنت بأمس الحاجة إلى التحدث مع أي أحد للخروج من عزلتي ونسيان ما الم بي ، فالشعور بالخيبة في زمن سلب مني كل شيء ، نعم كل شيء الأب والحبيبة والحرية ولم أكن سوى شاخصا دمره الحرب ، والألم المتمكن في فخذه فأعاق حركته.

وما ان تلاقت عيوننا الجائعة للقاء غير مرتقب ، تغير لون وجهها ، وارتسمت علامات الذهول عليه ، أطبقت جفونها وأشاحت بوجهها عني نحو زجاج نافذة الباص ، وأخذت نفسا طويلا لحظات وعادت متسائلة :

مختار .؟ !

أومأت براسي : نعم .

ـ ما الذي جرأك على الجلوس هنا ؟

سكت ولم اجبها

قالت : هل نسيت ؟ّ ! ، أو تناسيت ؟ .

أطرقت رأسي لحظة ثم نظرت بعينيها . فقرأت الحيرة فيهما .

واصلت :

ـ ألا تتذكر ؟! ، ما فعلت بي .

تشاغلت بالكتابة بسبابتي على ظهر المقعد قبالتي . لكنها عادت تقول :

ـ تكلم ، هل لفضت لسانك ؟!

لماذا .. لماذا لم تطاوعني وتهرب معي ، أما كان لنا أفضل مما نحن فيه ؟

تشيخ الأيام وتمضي لتفصح عن غبارها الراكد وتبيح المستور في عالم فقد صوابه وانزاحت قيمه ، عاد إلى زمن القبيلة واتخذ الحرب ثقافة . و لحوم جلدته ودماء جنسه لذة . فما عاد يمتهن الفضيلة ، ولا يؤمن بالحكمة . متهور ، كنود ، يقوده صناع الشر بشراسة ، وتدفعه أوهامه بالخلاص بتعاسة . فما عسانا أن نصنع وقد سلبت الحرب أحلامنا وأفراحنا ، وصرنا رمالا صماء شاسعة لا واحة فيها ولا قطر ، غير ركام من ضجر ، وأمراض وعلل وأتون من سقر .

إنها لا تعلم حتى تلك اللحظة ما حدث لي ، بعد ثلاث سنوات من فراقنا ، كنت أتصور إنها سعيدة بزواجها واني تعست بفراقها ، وكان من الصعب علي أن اعترف لها بكل شيء وعلى وجه السرعة ؛ ولا اعرف ما يدور بخلدها ولا موقفها ، أو حالها ، أو ظرفها ..

نظرت إلي وأطلقت حسرة هائلة كما لو أزاحت عن صدرها ركاما من أطلال الوجع ، أحسست بذلك في داخلي وغزا فؤادي ألما مبرحا ، أخرجت منديلا ورقيا ورديا ومسحت عن عينيها قطرات الندى الساقط من أطراف مآقيها اللامعة كلؤلؤ البحر انحدر على بشرة سمراء بلون حبات القمح أو كالبرد الساقط على أوراق السنديان في يوم شتائي ، سكتت فترة وابتلعت ريقها وأكملت :

ـ لو شاء القدر ووافقتني على الهروب ، أيحصل كل ذلك .

وبصوت خفيض سألتها :

ـ وما الذي حصل ؟

ـ ضياع في أروقة متمادية ، ومتاهات ملتوية ، قبول بالقسمة ، واحتفاء بالمجهول .

ثم سكتت قليلا ، وأنا متلهف لمتابعة حديثها :

ـ بعد فترة وجيزة من زواجي علم زوجي بكل شيء عنك وعني وسرعان ما هجرني .. وفي بيت أهلي شاب راسي من اللوم والتقريع ، رأيت الليالي الغبر والأيام الداكنة ، وأنا ابحث في الصور والذكريات الغائبة .حبيب تنكر لي وزوج هجرني

لم أكن سوى طلل تركه الأحبة ، في زمن أتت عليه رمال عاقة وكلما وطأته زخة مطر تنهد تحت سطوة اليأس المتراكم بأنفاس الأمل الراحل من حلقات مشكوك في وجودها .

******

أسندت لي سرية الاقتحام . وفي آخر تلك الليلة بدأ الهجوم الكبير ، توغلت مع جنودي داخل الحدود الملتهبة واجتزت السواتر الواحد بعد الأخر وأنا أهدر زحفا كالرعديد المخمور نحو العدو في منطقة الخفجي ، كما لو أن جرارا متهورا يسير بجنون ، لا تهمني الحمم البركانية ولا القذائف الصاروخية ، والجبهة مشتعلة كأنها بركان غاضبٍ . المقاتلات فوق رؤوسنا والرصاص أمامنا .

عند اندلاع الفجر كانت مريم حاضرة هناك ، أمام الزاحفين في الجبهة الأخرى ، حاضرة بكيانها ، اكبر حجما وأطول قامة ، فاردة جناحيها تتقدم نحوي ، تدعوني لأحتضنها ، وعلى وجهها نور ملائكي كله أسى وشفقة ، تقدمت نحوها وكلي شوق لملاقاتها ، لم تكن المسافة بيننا كبيرة ، تقدمت .. تقدمت ، وعلى حين غرة توقف كل شيء وغابت صورتها بعيني وانطفأ الضياء .

تلك هي فجوة من الزمن ، تفصل بين الحاضر والماضي ، ركود وانعدام للصلة الحية للتعايش المستقر ، فهناك فرق بين الحركة التي تعني الحياة ، والسكون الذي يعني الموت . كنت أنا الحركة و الحياة ، الآمر و الناهي ، صانع القرار ، أصبحت سكونا ، موتا ، حجرا ملقى في زاوية ما . في رميم . أيام لم اهتد إلى شواطئها .. ارتجي شفاء قدمي قبل انتهاء الأجازة المرضية

*****

تحت وطأة أحلام الأجازة المرضية التي وهبتها لي الرصاصة التي استقرت في فخذي في الهجوم الجنوني . لم تنفك مخيلتي من نسيان مريم ، فهي الدائرة التي كانت أمنياتي تدور حولها كدبور النحل الذي يدور حول وردة ، انتابني هوس مستديم وفي كل الأوقات للقائها والتحدث معها . وماذا صنعت ؟ وهل أصبح لديها طفل ؟ الأسئلة التي لا استطيع مواجهة أمي بها ، فهي الآن في ذمة رجل ومن العيب السؤال عنها ، كما وان أمي دمرها الحزن ، فقط إني احتملت أن مثل هذا الزواج لا ينجح بسبب معرفتي بجنونها الفطري و تعلقها بي

توقف الباص واستأذنت بالانصراف ، فسحت لها المجال من أمامي وفي لحظة المرور أمسكتها من أطراف أصابعها وهمست لها بتودد :

" هل نلتقي ثانية " .

ابتسمت وأسدلت جفونا ولا أجنحة الفراش برقتها ، وبحركة خاطفة أومأت موافقة .

في المرة الثانية كنت قد سبقتها إلى موقف الباص صعدنا سوية وفي الطريق أخبرتها بدعوة والدتي لها صباح الجمعة القادم

حَضَّرت والدتي كل ما يلزم لذلك الوقت ، كنت سعيدا بقدومها ، ارتأيت مع والدتي طلب يهدها فيما إذا تحررت من ذلك الرجل . كانت فرحة أمي بها أكثر من فرحتي ، استقبلتها بشوق وعانقتها عناقا لا يخلو من بكاء صامت ، جلسنا نتحدث لكنها سرعان ما استأذنت بالانصراف ثم وقفت وهمست بإذن أمي كلمات ، رأيت أمي قد تغيرت سحنتها . شيعتها إلى الباب وطلبت مرافقتها إلى بيتها إلا إنها اعتذرت لي وقالت :

ـ دعك هنا ، أنا اعرف الطريق .

تَوقفتُ ، ودعتني ، خطوات ثم عادت وهي تبكي أخذتني بحنان وقبلتني وخرجت مسرعة ، كانت والدتي تنتظرني وهي الأخرى أخذتني وقبلتني ، فسألتها :

ـ ما الأمر يا أمي ، ماذا يجري . ماذا أخبرتك ؟

ـ إن زوجها يريد إرجاعها ، وقد أرسل قبل يومين احد الوجهاء إلى أبيها ، وقد وافق أبوها ، واليوم عصرا يأتي زوجها ليحملها إلى بيته .

ـ هكذا أذن .. أراها أسرعت ولم تمكث معنا طويلا !!

******

عدت إلى وحدتي العسكرية بعد انتهاء شهرين مدة إجازتي المرضية ، بعد تماثل ساقي إلى الشفاء ليسند لي تدريب البطرية الثالثة في كتيبة الدروع . كنت مرتاحا في مهمتي ، هذه رغم التعب الذي ابذله في الشرح والتطبيق العملي على آليات الدروع ، و سياقات التدريب واللياقة والتفتيش على نظافة البدلة العسكرية ، وحلق الذقون ، وتلميع الحذاء ، والحضور المستمر والأوامر القاسية في أوقات السلم في المعسكرات التي تشدد على تأديتها . لكنها في كل الأحوال أهون من قساوة ساحة القتال ورهبتها .

بعد شهر من تنسيبي في هذه الكتيبة كآمر للبطرية الثالثة .عدت إلى غرفتي بعد انتهاء التدريب ، طلبت من المراسل أن يحضر لي الإفطار ، لكنه أبطأ علي ، فانتظرته مدة ، ثم وقفت وتناوبت على ذرع مساحة الغرفة ذهابا وإيابا ، وأنا قلق لا اعرف من أين تسرب هذا القلق إليّ ، بعد حين عاد خليل وبيده صحن من السيراميك الصيني يحتوي على البيض المحمس بالزيت ورغيف من الخبز وبعض الطماطة والخضار والبصل وقدح من الشاي . وضعها على الطاولة الصغيرة بقي خليل واقفا ولم ينصرف كعادته ، استغربت لذلك وأمرته بالانصراف قائلا :

ـ تفضل كل معي أو خذ راحتك !

استدار يريد الخروج وعند الباب توقف ، فبادرته

ـ هل لك حاجة يا خليل ؟

ـ لا .. لا.. سيدي .. فقط . وسكت

سألته :

ـ فقط ماذا .. تكلم لا تستحي .. نحن أصدقاء .

دعوته إلى الاقتراب والجلوس ، ظل مطأطئا رأسه ، عرفت أن في نفسه شيء ، يرد البوح به إلا انه محرج في قوله ، سألته أن كان قد حصل له مكروه أو لعائلته ، أو بحاجة إلى إجازة . كنت احمله على التحدث ، لكنه التزم الصمت . صحت به بصيغة الأمر .

ـ تكلم .. ما بك ؟

حينها وقف بوضع الاستعداد وكأنه استيقظ من حلم ، تردد أولا ثم قال بصوت متحشرج :

ـ سيدي وصلت إلى الكتيبة سيارتان نوع مرسيدس تحمل مسئولين كبار ، اجتمعوا مع آمر الكتيبة وجميع الضباط إلا أنت .

سألته :

ـ صحيح ما تقول

ـ نعم رأيتهم بعينيّ وجميع الجنود .

******

قلقت لهذا الخبر ونحيت الطعام عني وجلست على حافة السرير ، وارتكزت براسي على عصاي بكلتا يدي ، فكرت فيما يجري هناك ، واختلقت عدة احتمالات لأسباب عزلي عنهم .

احدها : إن آمر الوحدة نسيني من دون الضباط . قوضت هذه الفكرة ، وانه لو نسي الضباط كلهم لما نسيني . لما كان بيننا من مودة وعلاقة طيبة ، وانه يحبني كثيرا ويساعدني كثيرا ؛ لكوني رسام وقد افرغ لي غرفة خاصة ، ورفدها بما احتاجه من أدوات الرسم ، من لوحات وألوان وكنت ارسم ما يطلبه مني من بوسترات انضباطية أو توجيهية أو إعلامية للوحدة ، وكان معجباً بما أقدمه منها .

ثم قلت مع نفسي : وربما تركني مع الجند لضبطهم وحل مشاكلهم ، ولكني فندت هذه الفكرة باعتقادي أن الجنود يتركون يوميا على حالهم دون مراقب , والضباط يذهبون إلى مقراتهم للاستراحة . إضافة إلى أن الآمر لم يأمرني بذلك !!

تذكرت .. آه أن هذا اليوم هو موعد إجازتي الدورية ، وربما عفاني عن الاجتماع معهم لتحضير حقيبتي وأغراضي التي احتاجها للسفر ، والساعة تشير إلى الثانية عشر والنصف وعادة ما تخرج الأجازات في تمام الساعة الواحدة !! فندت هذا الاحتمال ، كون أن الإجتماعت تلغي كافة الإجازات أو تؤخرها .

فكرت أن أكون قد قصرت في أداء واجبي إلا أن هذه الفكرة سقطت أيضا ؛ لأني اعرف جيدا مدى التزامي وحرصي على أداء الواجبات العسكرية !!

يا الهي ماذا جرى لي هذا اليوم ! لماذا لا اسكت واترك الأمور لحالها ؟ لا . لابد أن هناك شيء . أمر خطير . في عزلي المقصود عن الضباط الآخرين ، نعم هذا صحيح ، ومباشرة عرضت أمامي فكرة ربما تكون اخطر مما أتوقع وهي :

قد أكون تلفظت بكلمات تمس الدولة أو الحرب الظالمة التي امقتها أمام احد الجنود أو الضباط ، وتلقفها أحدهم ليشي بي أمام ضابط التوجيه السياسي لتأكيد انتمائه وحبه للوطن نفاقا !! ذلك الضابط المتغطرس ، الذي يتحسس من علاقتي بآمر الكتيبة العسكرية ، وكثيرا ما يدس لي بعض الكلمات اللاذعة التي تفوح منها النميمة و الكره والحسد ، ريب إني كنت حذرا في حديثي أمام الجنود وضباط وحدتي ، فقد حذرني الجد من البوح باعتقاداتي ومشاعري للبعض ودائما ما يحذرني :

ـ احذر يا مختار من الحديث فان للجدران آذان تستمع بها !

دخل مراسل الآمر وقطع علي سلسلة أفكاري قائلا :

ـ سيدي الآمر يطلب حضورك .

******

تناولت طاقيتي وعصاي ونظرت في المرآة ، ثبت طاقيتي على رأسي وتفقدت هندامي ومسحت على نجمتي المتلألئتين على كتفي بمنديل ورقي ، وكذلك حذائي ، خرجت بخطوات متعثرة وعصاي تتدلى من طرف أناملي أحسست أثناء ذهابي وكأنني أحبو نحو هوة مظلمة ، ثم قلت مع نفسي :

ـ لم كل هذا التطير ؟ فلنذهب ونرى ما ينتظرنا هناك .

لم تكن المسافة بعيدة بين الموضع الذي أنا فيه وغرفة الآمر . فقط الطريق الترابي الذي يفصلنا والشكل النصف دائري لهندسة الموقع تجعل من أجزائه متلاصقة وقريبة ومفتوحة أمام الساحة الممتدة في عمق السواتر الأمامية وخنادق الجنود المرابطة هناك ، التي كانت سابقا تترقب أيام العواصف الجنونية التي تظهر بين الحين والآخر ، لأوقات يوقتونها . لتحرق حتى الحجارة وتترك أشلاء مبعثرة ودماء قاتمة ، ثم تهدأ فتترك بعدها مساحة مستقرة من الزمن بعد ان صفت حسابها وأخذت حاجتها من أعداد الضحايا ، ثم تأتي بعدها مساحة رتق الجيوب ، والتعويض عما اخذ . وحساب النتائج وأسبابها والتهيؤ للاحتمالات القادمة .

لم أكن أتوقع أن الأمور تصل إلى هذا الحد من التعقيد ، فجل ما كنت أتوقعه هو التسريح الذي بات وشيكا والذي بدأ بالجنود والمراتب أولا ؛ كما جاء بوثيقة توقف القتال بين دول التحالف والعراق .وإنهاء الحرب . وأعود إلى حياتي الطبيعية كالضباط الآخرين ، إلى مدينتي قرب أمي وجدي وخالي وأبناءه ، كما يتمنى الآخرون ممن طمرتهم الحرب الطائشة سنين طويلة . و الأنكى من ذلك كله انك لا تعرف حقائقها ولا أسبابها أو مشروعيتها ، فقط ما عليك إلا الطاعة بدون نقاش ، وحينها تزج بهم كما يزج الحطب بالمواقد ، ليزيدوا النار تأججا ، وتكون أنت الضحية ، والحقيقة أن ليس لنا فيها ناقة ولا جمل ، ولديهم الحجج الدامغة في موجباتها ومبرراتها ، وليس من حقك أن تسأل : لماذا ؟ وكيف ؟ وما السبب؟ وهكذا بقيت تحت وطأتها متحيرا بين الفرار والبقاء لديمومة حياة عائلتي وإبعادها عن جبروتهم ، فجدي الذي ضحى براحته وماله وحياته من اجلي وأنا ليس ابنه المباشر وإنما ابن بنته ، وأمي التي ضحت بفراشها الدافئ مع أبي كما مكتوب في بطاقتي الشخصية ؛ لأجل أن ترعى عواطفي وتسهر على راحتي ، وخالي الذي ارث الحنان والشفقة عن أبيه جدي ليغرقني فيها مع زوجته تلك الإنسانة التي وهبت حياتها حبا وطاعة مطلقة لخالي وأولاده باسم وحازم اللذين يضفيان السعادة والبهجة على البيت . وها هي الأيام تتساقط ، وما تبقى منها إلا القليل مجرد شكليات التسريح ؛ لأعود إلى الحياة الطبيعية وأمارس دوري كإنسان في هذا المجتمع .

******

قبل وصولي بقليل سمح للضباط بالانصراف إلى مقراتهم

دخل مراسل الآمر قبلي على آمر الكتيبة واخبره بحضوري . سمعته يقول له :

ـ سيدي وصل ملازم مختار .

ـ دعه يدخل

خرج المراسل وخاطبني :

ـ تفضل سيدي .

فوجئت بوجود ثلاثة ضباط احدهم برتبة عميد أعلى من رتبة آمرنا . جالس على كرس الآمر إضافة إلى ضابط التوجيه السياسي في كتيبتنا ، دخلت وأديت التحية ، ووقفت بهيئة الاستعداد . بقيت واقفا ، انتظر السماح لي بالاستراحة والجلوس ، لكنه أبقاني على وضعي بالاستعداد . كما رأيت آمرنا ليس كعادته في استقباله لي ، بل تجاهل وجودي وضع رأسه بين يديه مهموما مغموما . كل ذلك واضح على محياه . ينظر نحو الأسفل . خاطبني أحد الضباط الثلاث :

ـ هل أنت مختار؟

ـ نعم سيدي .

ـ اخلع طاقيتك !

أزحتها عن رأسي . حسبت أنه يجاملني . ثم قال بنبرة حادة :

ـ ألقها

ألقيتها على الأريكة الفارغة وأنا مستغرب من أوامره ! وقد زلزلت الأرض من تحت قدميّ ، لم استطع التماسك رغم قوة إرادتي أخذتني حالة من الانهيار وخاصة بعد أن أشار إلى الضابط الأقل رتبة منه والذي بدوره تقدم نحوي وامسك برتبتي وقطعها عن كتفي ، كدت أن اسقط لهول ما أرى. صرخ الضابط بوجهي

ـ جبان !! خائن !!

بينما تقدم نحوي ضابط التوجيه السياسي وصفعني على وجهي بقسوة .. ذلك الضابط المغرور الذي نصب نفسه نائبا عن سياسة الدولة والذي كان يضمر لي العداء والحسد والكره بسبب اللطف الذي كان يحفني به آمر الكتيبة ، ثم أشاروا إلى المراسل بإحضار السيارات ، أطرقت رأسي إلى أسفل ولم ارفع عيني لهم وأواجههم ، عقد لساني ولم أتفوه بكلمة واحدة أدافع بها عن نفسي . وكأني غصت في طبقات الأرض ، وفي صدري صرخة إن أطلقتها ستأتي على الجبال فتقتلعها ، لا اعرف ما يدور حولي ، ولم استفهم عن أي شيء من معاملتهم لي .

******

قرب السيارة وضع احدهم العصا في ظهري ودفعني داخل السيارة وكأنه غرس رمحا في قفاي خرج من صدري فكرت مع نفسي :

ـ يا لهول المصيبة ، ماذا حل بي ، إن راسي لا يحتمل هذه الإهانة التي تتمادى حد الاحتقار والكره وكأني أسير من أسرى الحرب ، يعاملوني بكل وقاحة وكل قسوة لا يراعون شرف انتمائي لهذه الأرض الطاهرة التي مرغوها بغيهم ورجسهم ، ولا شفع لي دفاعي عنها .. ويا ليتني كنت أسيرا . سقطت بلا سبب من مرتفعي العالي إلى قعر واد مظلم ، سحيق ، لا قرار له ، كانت نظراتهم نحوي دبابيس غرست في جسدي ، وكلما حاولت احتواء نفسي والوقوف بقامتي خذلتني ساقاي ، كما لو كنت في محرقة جحيم ، كارثة مجانية قدمت لي فجأة بدون مقدمات .

في مديرية المخابرات العامة صفعني احدهم وبصق في وجهي آخر قبل أن يتعرفوا على جريمتي ـ كما يسمونها ـ ثم ألقيت بزنزانة قذرة لمدة ثلاثة أيام !

كان الضرب والكي قد تعايشا مع جسدي . كان مبرحا ، متوحشا ، سافرا ، تعدى حدود القوانين الإنسانية عامة . وحتى قوانين الغاب .فالمفترس لا ينقض على فريسته مرة واحدة ، وإنما يراسلها أولا بإشارات الهجوم ، وبعد ذلك يترك لها مسافة للهرب ، فتبدأ المطاردة ، ومتى ما شعر بضعفها وتَعَبِها أسقطها تحت فكيه . وهو لا شك له أسبابه في القنص ؛ فان غريزة الصيد والشعور بالجوع هما اللذان يدفعانه إلى القنص . أما هؤلاء الغلاظ الذين يتواجدون حولي من كل جانب بصونداتهم وعصيهم وأنا عار لا يتمتعون بما تتمتع به حيوانات الغاب ، ولا يملكون ابسط قوانين القنص التي يمتلكها الذئب أو الفهد أو ابن آوى ، أنهم يمارسون طقوسهم الخاصة أثناء عملية التعذيب . فتراهم يستأنسون ويضحكون ويأكلون ويشربون على شرفها . كم امقت نظرة السعادة في عيونهم . أثناء برنامجهم في سلخ أجساد البشر ، لم أجد تلك السعادة أثناء وجودهم الطبيعي في باحة السجن ، بل العكس أرى نظراتهم حزينة وسحنتهم غامضة ، وما إن يبدؤوا ممارسة رياضة التعذيب على أجسادنا تنفرج أساريرهم ، وتطفح بالسعادة والحبور . وحينما يأخذون فرصة للاستراحة تتفتح شهيتهم يباشرون الضحك الهستيري أمام الجسد المضرج بالدماء ، أحسست بأحدهم يتناول مسحة بإصبعه دما نازفا من جسدي ، يتذوقه ثم يمضغه ويهمس لصاحبه :

ـ لذيذ ، شهي ، حلو .

فيجيبه الآخر بضحكة مقززة :

ـ انه لا يزال طري .

تصور !! مختار المدلل معلق من رجليه عاريا في حبل غليظ يتدلى من حلقة ثبتت في السقف الكونكريتي في غرفة التعذيب !

تصور !! أن أمي حينما كنت طفلا لا تدعني امشي على الأرض ، خوفا على قدمي من التعب ، كانت ترفعني عنها .

ـ مختار ذلك الشخص الوديع المسالم الرقيق الذي لا يعرف سوى الألوان وبهجتها وكيميائيتها ، عالمه الذي يتيه فيه ، الأزرق الفاتح لونه المفضل ، لون السماء ، لون البحر ، اللون البارد لون الراحة والهدوء والاستقرار ، اللون الأم بعطائه وتوالده إلى آلاف الألوان عند مزجه بالألوان الأخرى ، لون قائم بذاته ، معجزة الألوان ، ببهائه وصفائه ونمائه وروعته . هذا هو مختار الآن : جسد عاري ! معلق ، متورم ، منتفخ ، تقطر الدماء من انفه وفمه ورأسه وباقي أجزائه ! معلق لأيام دون طعام أو شراب . كيف له ان يبقى حيا كل تلك الأيام ! إنها معجزة حقا . وبعدها يترك ليسقط على الأرض التي امتلأت قذارة تفوح منها رائحة عطنة ـ بول وغائط ودماء وإعقاب السجائر التي يستخدمونها لكي أجساد السجناء .

******

يومين في غرفة التعذيب ، فاقد الوعي . أحسست بقطرات ماء تقطر في فيّ . كانوا قد نقلوني إلى غرفة الطبيب ، وكان يتحسس نبضي ، كل نصف ساعة ليتأكد من حياتي ، حسب في البداية أني مت ، ثم توضح له أني لا أزال حيا . ضمد جراحي . وألبسوني ثوبا ونقلوني إلى قاعة السجن ، تجمع رفاق السجن حولي بعيون الأسى ، وسقوني ماء مذابا بفتاة الصمون ودقيق الكبسول المسكن والمضاد للالتهابات . كانوا ادخروها خفية ، نمت نوما عميقا ولم استفق إلا بعد اليوم الثاني ظهرا ، كان حيدر الصديق المقرب لي في السجن إلى جانبي، اعد لي قدحا من الشاي وحين شربته أحسست بالدفء يتسلل في جميع أجزاء جسدي ، كان بين الحين والآخر يزق لي كلمات ، تزيدني قوة وجاشا :

ـ لا تهتم .

ـ كن قويا .

ـ أنت لا تقل عنا شجاعة .

ولكن من أكون أنا بعد ما رأيت ؟ كان الموت هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذي من هذا الهوان .. الموت ، آه كم تمنيته بعد ان جردوني من رتبتي . ليس افتخارا أو حبا بها ، وإنما هي إساءة لي لشخصي .فما أتعس الإنسان في وطنه ، ذلك الوطن الذي يكرهنا ويعذبنا وينبذنا .

لماذا كل هذه الغربة وأنت فيه ؟

ولماذا تنعم بكل العز وأنت خارجه ؟

ماذا يشدنا إليه غير الأهل والأصحاب في ظروف كهذه ؟

وأنا احتسي قدح الشاي كان حيدر يقف أمامي كشجرة يابسة ، ينظر إليّ بدهشة ، وكلما رفعت راسي نحوه أراه حيث هو ، مذهولا ، مأخوذا ، لا حراك فيه مصوب ناظريه نحوي بصمت ، أحسست بالخدر يتسلل براسي وجسدي ، غفوت مرة أخرى ولم استيقظ إلا في المساء ، شعرت بيد تدلك صدري فتحت عيني لأرى حيدر جالس إلى جانبي ، ابتسم لي ابتسامة فاترة ، قال :

ـ أنت الآن أحسن ، انتبه لنفسك ، لا تفقد إرادتك ، تماسك ، أنت رجل لا ينقصك ما يمتلكه الآخرون .

سكت وهززت راسي له دون أن اكلمه ، وضع كفه بكفي وهزها برفق وهو يبتسم ، اقبل بعض السجناء سلموا علي .

******

كان الأستاذ حيدر أربعيني السن ، وسط في الطول بجسد مفتول متماسك الجأش ،لا يأبه لهم . كانت تهمته شبيه بتهمتي ، كان هو الأخر متعلم وحاصل على شهادة جامعية ، وشى به احد طلابه من أبناء المسؤولين ، سرب لأبيه بأنه يُنَظّر للثورة والتمرد على الحكم السائد ، وهذا بدوره رفعها إلى الجهات المختصة ليكون الأستاذ ضحية لتلميذ غبي ضعيف في المواد الدراسية ، كان الأستاذ حيدر تسلسله في برنامج التعذيب لجمع الاعترافات قبلي بأسبوع ، كان صلبا رغم انه تجاوز الأربعين من العمر ، لم يستطيعوا كسر شوكته رغم ضعفه ، مرات اندهش لصموده أمامهم . لقد تعبوا على أن ينتزعوا كلمة واحدة منه . كان طودا شامخا أمامهم . احتاروا بتمسكه وإبائه ، كنت اعتبره الرجل الاستثنائي ، تعلمت منه الكثير فهو المعلم والمربي طالما تراءت قامته أمامي كأنه علما لا ينقطع رفيفه .

بعد يومين من استفاقتي استدعاه مدير السجن الملقب بين السجناء ( بالطاعون ) وكان حقا طاعون ، وباء ، لا يتكلم كثيرا فقط ينظر بعينيه ويشير بحاجبيه وعند ذلك يطلق جراثيمه الناقلة للوباء ، القاتلة المتعطشة لدماء البشر . اللائي دربهن فتنقض على الطريدة وتمحق الأخضر واليابس .

أُعيد إلى الزنزانة بعد نصف ساعة من لقائه بالطاعون ـ الوباء القاتل ـ لم يتكلم معي طيلة النهار ، ظل صامتا ، قتلني صمته ذلك اليوم . كم تمنيت أن اسمع منه كلمة واحدة ، كما إني لم أجرأ على التحدث معه . بقيت أراقبه وهو يذرع القاعة ذهابا وإيابا . بعد خمس ساعات من صمته أي في المساء راح يحدثني أشياء كثيرة .. وقبل الفجر بساعة بحث في فراشه واخرج ورقة ، ناولها لي وقال :

ـ أخفيها بسرعة ، إنهم لا ولن يتركوني بسلام . أرجو توصيلها إلى عائلتي بأي وسيلة إن كتب لك الخلاص ، إذا حدث لي مكروه . ستجد العنوان فيها .

******

في الصباح أقبلت الضباع بعصيهم يتضاحكون فرحين ، يصدرون إيقاعا كريها من صوت عصيهم التي يضربون بها اكفهم ، اقتادوا الأستاذ حيدر . وضعوه في وسطهم وأنا أتابعه كما لو كان ملكا وسط حاشيته يتخطى رقاب حراسه ، تلك الصورة التي رسمتها في مخيلتي ، تمنيت لو توفرت اللوحة والألوان لوثقت ذلك المشهد المهيب ، لم يهتز ، ولم يرتبك ، وعند البوابة التفت إليَّ ونظر نحوي ، نظرة كلها النصر والظفر . نظرة كلها الكبرياء والعظمة والتحدي والقوة والإباء ، وكأنه يطلبني لأكون شاهدا على شجاعته . دفعوه بالعصي من ظهره ، لم اسمع له صراخا غير صفير العصي وهي تشق الهواء في طريقها إلى جسده ، وصوت ارتطامها بجسده ، لم يئن ، ولم يتأوه ، وبقي جبلا شامخا ,

انقطع صوت العصي وبدأ الضحك .... لم أر حيدر بعدها .

******

ثلاثة أيام أنا أفكر فيه . مضى الأستاذ حيدر كما مضى غيره .

في اليوم الثالث بعد استشهاد حيدر فتحت بوابة السجن ودخل حارسان نادى علي فأجبتهما ، وأنا أقول في نفسي :

ـ لقد جاء الدور عليك يا مختار ، احسم أمرك وتشجع وليكن الله في عونك ، فقضيتك رغم إنها غير معقولة ولا مقبولة في تاريخ الإدانات والمحاكم القضائية والجنائية على نطاق العدالة الإنسانية كافة ، فقد أصبحت واقعا لا بد منه .

كان الطاعون دعاني . ليتحدث معي . وفي غرفته طلب مني الجلوس على الكرسي أمام طاولته وطلب لي قدح شاي

تذكرت في ساعتها ما قاله لي حيدر في آخر ليلة :

ـ احذر مما يقدمه لك هذا الطاعون ، و حكيَ لي ما فعلوه بالشيخ الجليل عمر بعد أن استدعاه من بيته ، على اثر الأوامر الصادرة من الجهات الإستخباراتية العليا في الدولة ، قدم له بكل ألفة واحترام فنجان قهوة ، المسكين تناولها بسرعة لأنه متعطش لها ، فقد أعتاد على احتسائها في كل وقت . وعلى سجيته ارتشفها دفعة واحدة . تناولها بشغف لم يعرف إنها مسمومة ، وحينما عاد إلى بيته تهرأ جسده شيئا فشيئا ، حتى فارق الحياة ، وأصبح كالخشبة المحروقة ، وهو يصارع الألم أمام عياله ، ومضى رمادا ، تحير الأطباء في حالته لم يروا مثلها شبيه ، ولم يستطيعوا إعلان سبب وفاته ، كان الجناة يتابعونه في ردهات المستشفى ويراقبونه عن كثب حتى نهايته ، أمروا إدارة المستشفى بالتحفظ وإخفاء ملفه .

وكذلك فعلوا بالسجين ياسين حينما قدموا له جكليتة ( شوكلاتة ) ، كانوا يعرفون انه يحب الحلويات ، وان شهيته تتفتح لها ، التهمها المسكين ينهم ، لم يصدق عينيه انه أمام قطعة من الحلويات الفاخرة بغلاف لامع وأنيق ، وضعت أمامه تناولها قبل أن يأمروه بذلك ، وعند عودته إلى السجن بدأ الألم يجتاحه ، سرعان ما استحال الألم إلى أوجاع مبرحة أجبرته على الصراخ والتمرغ على ارض القاعة ، نقلوه إلى المستشفى ولم يعد بعدها .

******

طلب مني الطاعون الجلوس على الكرسي أمامه وقدم لي قدح شاي ، بقي القدح أمامي وأنا أقول بنفسي :

ـ اشرب يا مختار ، أما كنت تتمنى الموت ؟ هذا هو أمامك .

قال :

ـ تفضل اشرب شايك .

قلت :ِ

ـ أنا لا اشرب الشاي .

ابتسم ابتسامة خبيثة وقال :

إذن أنت لا تحترمنا ما دمت لا تشرب ما قدمناه لك

فزاد ذلك في شكي وأيقنت أنهم وضعوا السم فيه لقتلي . ثم أضاف :

ـ ما دمت لا تشرب الشاي نشربه نحن .

تناول القدح من أمامي وارتشفه رشفة واحدة .

سَكَتَ قليلا وهو مستمر بضرب راحة كفه اليسرى بالعصا ، ولا ينظر نحوي وإنما وجه نظره نحو الطاولة مرة وأخرى إلى السقف أو الجدران ، ثم فتح فمه واخرج كلامه كما لو قذائف تنطلق من فوهة مدفع :

ـ مختار ، أنت شاب ذكي وحاصل على شهادة عالية ، جامعية ، عرفت ذلك من خلال التقارير التي بحوزتي .. أنت فنان ، فنان متميز ، قد يكون لك شأن في الحركة الفنية للبلد ،وقد تكون احد رموز البلاد مستقبلا .

حرام عليك أن تقتل نفسك !

أنت بسلوكك هذا وعدم اعترافك إنما تريد الانتحار !

وأنا أشفق عليك ، حرام يا بني !

واصل :

ـ هؤلاء جرائي لا يعرفون الرحمة ، ولم تعرف الشفقة نفوسهم ، أنت تعرفهم ، إنهم أوغاد ، سفلة ، تربوا على الأجرام وسفك الدماء ، ما ذا تحسبهم ، هه ، إنهم لقطاء ، أتوا بهم من دور الحضانة واشرفوا على تدريبهم ، وصرفوا على تربيتهم النجسة آلاف الدولارات ، كيف اشرح لك ، إنهم بالسهولة كانوا كذلك ؟ لا يا مختار أنت واهم كثيرا .

ثم سكت وبعد قليل قال :

أحفظ نفسك ووقع على الإفادة التي كتبتها لك ، لقد تسامحت معك فيها كثيرا ، فاني انتشلتك بها من الإعدام إلى كم سنة تقضيها وتخرج ! لتزاول حياتك من جديد مع أصدقائك وبين اهلك .

خاير نفسك بين أن تموت هنا برفضك ، أو تحيى بقبولك . حياتك مرهونة بجوابك ، إنها بيدي ماسك عليها بقبضتي لا تتعدى اليوم الذي سيأتي . وبين عدة سنوات ، وقد تختزل سنواتك لحسن سلوكك ، وقد يشملك إعفاء عام ويطلق سراحك . خير لك بكثير أن تموت تحت ضربات هؤلاء المردة . انك في المرة اللاحقة لن تصمد أمامهم دقائق لا أقول ساعة ، إذا أطلقتهم عليك سينهشون أمعاءك ويخرجون روحك من مناخيرك بمخالبهم وكأنهم في حفل عرس ، وقع ورقتك وارتحل لأحد السجون ستجد الجنة هناك بالنسبة لنا ، فكر جيدا ، أنا لا أحب لك الموت هنا !

ثم سكت ونقر المنضدة بعصاه . مباشرة فتح باب الغرفة ودخل الحارسان اللذان جاءا بي ، امسكاني من ذراعيّ وما إن خطونا خطوات نحو الباب تنحنح وقال :

ـ ماذا لو أحضرنا جدك هنا ولفقنا له تهمة ؟ وجردناه من عقاله وتركناه حاسر الرأس ، والقينا فوق رأسه ... !!

انهرت لسماعي كلماته ، وتيبست قدماي ، ثم سكت ونقر المنضدة بالعصا سحبوني . وقبل بلوغي عتبة الباب تنحنح وقال :

ـ ما ذنب أمك لو أتينا بها إلى هنا وتركناها عارية أمام أولاد ابن آوى ؟

وقعت أرضا لقوله . ثم قال :

ـ ما تضن بهم سيكتفون بالنظر إليها وهم لم يتذوقوا النساء ؟ ..

ها ، أنهم سيفعلونها .

أما والله أنهم لا ذمة لهم ولا ضمير .

تبرؤوا من الإنسانية والإنسانية تبرأت منهم ، هههههه .

كانت كلماته ترتطم براسي كالحجارة الصلبة وأنا أقول في نفسي :

ـ اتركوا أمي وشانها ، وافعلوا بي ما شئتم ، أمي تلك الإنسانة العظيمة التي ضحت بكل شيء من اجلي : البيت الواسع ، والحضن الدافئ ، والعاطفة الزوجية والمال والدلال ، كانت ملكة يوم كنت صغيرا ، ملكة في مملكتها الصغيرة ، كانت تنتظر عودة والدي من الحدود بإجازة دورية ، كانت تحضر نفسها له قبل مجيئه قبل أيام ، تعرف موعد عودته ، تغتسل وتصبغ شعرها بالحناء وتعطر البيت بأنواع البخور ، وتغير شراشف السرير وتهيئ الدار لساعات لقاء الفراق الذي يدوم شهرا في كل مرة ، وعلى الرغم من قسوته كان يدللها بأحلى الأسماء والألقاب ، ويغدق عليها من راتبه ما تحب وترغب ، من الملابس والمجوهرات ، أياما مقطوعة من أيام الجنة كانا يعيشانها .

رفعني الحارسان بقوة وخطونا خطوة أخرى فصاح خلفي بصوت قوي وحاسم :

ـ غدا أستدعيك فاحسم أمرك ولا تتهور .

في قاعة السجن وقفت نفس الوقفة التي وقفها حيدر ، وأخذت اذرع القاعة كما كان يفعل ، حتى المساء حينها عرفت ما قال له ـ استنتاج لا يقبل الشك ـ هددوه بزوجته وأطفاله ، وأشياء أخرى لا اعرفها لكنه تحداهم وتحدى الموت .

******

بقيت هكذا حتى المغرب ، كلماته باتت فلماً سينمائيا يتكرر في ذاكرتي . حتى المساء لم أفق على حالي ، حتى صاح بي احد السجناء وطلب مني أن استرح واكف عن المشي قائلا :

ـ أما تعبت ؟ لقد تعبنا نحن من متابعتنا لك .

جلست وتجمع بعض السجناء حولي يسألوني عما قاله الطاعون لي ، أخبرتهم باني مفارقهم غدا أو بعد غد ولم أوضح لهم نوع الفراق ، بقي مبهما عليهم ، لم انم تلك الليلة حتى الساعة الأخيرة من الليل ، غلبني الكرى ونمت نوما قلقا ، تراءت لي مشاهد غامضة ، و أحلام مزعجة ، رايتهم يجرون أمي وجدي بحبل غليظ في صحراء قاحلة لا ماء فيها ولا كلأ وقد أخذهما العطش ، وهما يستغيثان من هول ما جرى لهما ـ منظر رهيب ـ ثلاث من المردة يجرونهما بعنف وهما مكبوبين على وجهيهما يستغيثان ويألمان ، أخيرا توقفوا واقتربوا منهما ووقفوا فوق رأسيهما ، تبادلوا النظر فيما بينهم ثم ضحكوا ضحكة مدوية ، تركوهما في العراء تحت وطأة الشمس اللاذعة . استيقظت فزعا ،متوترا ، مندهشا من هول ما رأيت ،كان الليل قد رحل وحل مكانه الفجر ، فرّكت راسي وصدري وشربت بعض الماء ، بقيت ممتدا على فراشي حتى الصباح استدعاني الطاعون .

ذهبت مسرعا وعدت مسرعا .

في الليلة الثالثة تجمع بعض السجناء حولي وكان كل واحد منهم مشغول بنفسه ، منهم من يفكر بأمواله وآخر بأولاده وغيره بعمله ، كل له همه في هذا السجن الرهيب وكأنه مستشفى حجر لأمراض معدية ميئوس منها كالسرطان والكوليرا والجذام والطاعون والايدز قسم منهم وافقني على قراري وقال احدهم :

ـ ألف مرة أفضل لك من البقاء هنا ، هذا الطاعون وباء لا يدع احد إلا وقضى عليه ، في الأقل هناك قد تتمتع بشيء من الحرية مهما كانت محكوميتك .

وقال آخر :

ـ الخروج من هذه الحفرة وحده كفيل بتنفس هواء نقي .

انقضت ثلاثة أيام بعدها ساقوني إلى المحكمة وهناك صدر الحكم علي بالسجن المؤبد . رحّلت إلى سجن الرضوانية لأمكث فيه ردحا من الزمن .

******

في كل الأحوال كان السجن أهون بكثير من مديرية المخابرات العسكرية ، فهنا في القليل ذرة من فسحة لا باس بها من الحرية ، فليس هناك برامج تعذيب مستمرة كما هو الحال في الحجز ، رغم أنهم لا يتسامحون مع كل من يسيء أو يحدث شغبا أو شجارا أو يتفوه بما لا يعجبهم ، فيكون التعذيب في أعلى درجاته ، كما إن بعض الحراس يتعاطفون مع السجناء وينظرون لهم على أنهم في الأقل عراقيون من جلدتهم . فيعاملونهم بلطف في الخفاء دون إظهار ذلك أمام الآخرين كما إن وجبات الغذاء هي الأخرى أفضل بقليل من هناك ، فقد خصص للسجناء وجبتين الأولى في الساعة العاشرة صباحا ، والتي تحتوي على صمونة واحدة وكوب الشاي ، والثانية في الساعة الرابعة عصرا وتحتوي على الرز والمرق وعلى الرغم من أن تحضير الطعام رديء وكميته قليلة إلا إنها تفي بسد الرمق ولو لبعض الوقت ، ولأهم من هذا كله ساعة الرياضة التي نخرج بها إلى ساحة السجن للتمشي او مزاولة بعض التمارين الرياضية ، إضافة إلى أن السجين يستطيع القراءة أو الكتابة بالخفاء . وان بعض الدواء والورق والأقلام تتسرب خفية إلى السجناء من الحراس .

مضت ستة أشهر هناك تعرفت على بعض من السجناء ممن أرى فيهم الخلق والهدوء والثقافة وما تمر لحظة علي في كل هذه الفترة إلا وتذكرت أهلي أمي وجدي وخالي وعائلته فاذهب بعيدا في خيالي عبر قضبان السجن وأعيد الأحداث من جديد واندب حظي واحزن واضرب كفاً بكف وتتوارد الأسئلة في راسي :

ـ هل هذا عدل ؟ اقضي بقية عمري هنا أكابد الهم والألم حتى أكون نسيا منسيا . أين العدالة الإلهية من كل هذا ، فهذا هو قانون البشر جائر الى هذا الحد ! تراودني أفكار سوداء : مرة أفكر بالانتحار واخطط له واجمع له أدواته حتى يكاد وشيكا أغير رأيي . ومرة أفكر بالهروب من السجن وأظل أياما أتفحص بناية السجن ، وممراته والأماكن الضعيفة فيه ، وحركة الحراس وأوقات خفاراتهم والبحث في القاعة عن الأماكن التي يمكن الحفر بها واختيار من يساعدني في هذه العملية من السجناء الذين أثق بهم . ومرة أفكر في إغراء احد الحراس لمساعدتي على الهروب وأشكو له حالتي لعله يرأف بي ويساهم بإخراجي بطريقة غاية بالسرية لا يعلمها إلا هو . ثم أعود من جديد والغي هذه الخطة ،لأعود لغيرها وانفي الأولى لصعوبة تحقيقها .وفي النهاية أتوقف بعد أن أصل إلى قناعة باستحالة كل هذه الاحتمالات . انه الحلم الذي يراود كل سجين في بداية سجنه بعد اليأس من إطلاق سراحه .

******

الوقت طويل في السجن وممل ومن الصعب تزجيته دون عمل ما ، واني امتلك أقوى موهبة وهي الرسم أو الكتابة التي بدأت لبناته الأولى في السجن ، وكانت عبارة عن قصص قصيرة أو التخطيط لوجوه السجناء المميزة بتعابير بارزة والتي تصلح للتخطيط وأحتفظ بها تحت فراشي ، وأول ما رسمت هو وجهي السجينين اللذين يشاطراني الغرفة ، احدهما شاب اسمه خالد ولآخر كبير السن اسمه إسماعيل .

كانت بناية السجن تتكون من قسمين : قسم للسجناء ، والآخر للإدارة السجن وغرف للضباط والمراتب . يتكون القسم الخاص بالسجناء من قاطعين. يحتوي كل قاطع عدة قاعات وفي كل قاعة عشر غرف صغيرة ، في كل غرفة ثلاثة سجناء . لا تتعدى مساحة الزنزانة أكثر من مترين ونصف في متر ونصف بسرير واحد ذو ثلاثة طوابق . يحيط السجن سور كونكريتي مرتفع ، غاية في الأحكام ، أما القسم الثاني فهو منفصل عن القسم الأول بمساحة بعيدة قليلا عنه وبناؤه من الآجر .

كنت احتل السرير الوسط بين خالد في الأعلى وإسماعيل في الأسفل ، خالد هو الذي سرب معلومة إني أجيد الرسم ، ولما واجهتهما هو وإسماعيل اعترف خالد معتذرا بحسن النية ، وسرعان ما انتشر الخبر ليصل الى حراس السجن . كان خالد شابا يافعا لم أتحدث معه طيلة شهرين ، لأنه لا يحب الحديث مع الآخرين ، صامتا طوال الوقت ، وفي بعض الأحيان يخرج كتابا من تحت وسادته ويقرأ متجها إلى جهة الجدار ، تاركا ظهره لنا . يقرا بصمت وحكايته غريبة سنأتي على ذكرها فيما بعد ، و لم يعترف لهم باني رسمتهما . وإنما قال إني رسام بحسن نيته. في البدء كنت قد استأت لقوله ، وبسرعة انتشر الخبر بين السجناء ثم تخطاهم إلى الحراس . وفي أيام قليلة تبدلت نظرتهم لي ، واخذوا يتوددون لي ويتقربون ، حتى الذين لم تكن بيني بينهم أي علاقة ، ثم تسربت العدوى إلى الحراس ، وهم الآخرون بدا الاحترام على وجوههم ، ولكني لم اعرف هذا إلا فيما بعد ، حينما سألني احد الحراس بهمس بعد أن أمن من الآخرين :

ـ هل أنت رسام ؟

تفاجأت بسؤاله وسألته :

ـ من أين عرفت ؟

فابتسم وقال :

ـ الكل في السجن يعرف .

استأت بادئ الأمر لقوله ، ولكن اتضح لي فيما بعد انه قدم لي أفضل خدمة في حياتي داخل السجن ، حيث لاحظت الحراس يتوددون إليَّ ويحاولون التقرب مني ، كان متخوفا حين سألني ؛ لأن الأوامر شديدة وصارمة في التقرب إلى السجناء أو التحدت إليهم ، ويعاقب المخالف لهذه الأوامر عقوبة صارمة . إما السجن أو إرساله إلى المعسكرات التي ترابط على الحدود كجندي مشاة للشغل الشاق ، الذي يخشاه الحراس . في عدة مرات أراه يبتسم لي وأنا أبادله الابتسامة دون أن اعرف سببا لها

ذات يوم ناداني باسمي في غفلة من الحراس الآخرين :

ـ مختار ، إذا احتجت لشيء اكتبه لي بورقة ودسها لي حينما افتح لكم الزنزانة .

استوعبت كلماته جيدا ووضعت يدي فوق راسي علامة الشكر ، وعندما عدت إلى الزنزانة لم يأتي على بالي غير مشاهدة أمي ، فكرت بان اكتب له قصاصة اطلب منه مساعدتي في مشاهدة والدتي أو جدي ، وبقيت ذلك النهار أفكر في كيفية توصيلها له ، ولم انم تلك الليلة فقد رافقني الحلم الجميل وهو اللقاء بالوالدة العزيزة ، شخصت صور الأهل أمامي وتذكرت أحاديثهم معي والحب الذي يربطنا ، المواقف الجميلة التي تحدث لنا ، وتوالدت الفكرة براسي وبين لحظة وأخرى أتراجع عنها وأقول في نفسي :

ـ مالي وما لهذا الحارس الغريب ؟ قد يمسكون القصاصة عنده فينال بسببي عقوبة لا أحب ولا أرضاها له ، ثم استسلمت لسلطان النوم دون أن اتخذ أي قرار .

في ضحى اليوم التالي رأيته من خلف القضبان ينظر نحوي

قلت في نفسي :

ـ انه ربما يعرفني أو أوصاه احد بي وربما انه يحتاجني في شيء ، ثم عدت وقلت :

ـ ولكني ماذا املك لأقدمه له ؟

إلا إني وفي هذه اللحظة قررت أن اكتب له ارتجيه مساعدتي لرؤية أمي ، ولكن متى سيكون ذلك ؟ فانا لا استطيع الاقتراب منه ولو لبضعة أمتار .

******

عادة ما تكون الوجبة الثانية في الساعة الرابعة عصرا يفتحون باب القاعة الكبير ويضعون القصاع أمام الزنزانات ، ثم يفتحون الزنزانات ويغلقون باب القاعة حينها نخرج لتناول الطعام لوقت محدد ، تضرب صفارة الانتهاء ، نرفع أيدينا من القصاع ونمسح أفواهنا بثيابنا ونعود للزنزانة فيغلقونها علينا ، فقط يبقى احد السجناء الذي عليه الخفارة ، ويقوم احد السجناء من كل قاطع الذي يتكون من عشر قاعات بجمع القصاع لغسلها وتنظيفها في الحمامات الخاصة بالسجن برفقة حارسين ، وكان غسل القصاع تتابعيا ضمن جدول زمني لكل يوم ، وكنت اعرف أن تسلسلي في هذه الواجب سيكون بعد ثلاثة أيام من هذا اليوم .

بعد انقضاء ثلاثة أيام ابلغوني بالخفارة وكان عليهم أن يخرجوني عند الساعة العاشرة لاستلام الصمون وتوزيعه لكل سجين واحدة في القطاع المحتجز فيه ، لكل غرفة ثلاث صمونات وفي الساعة الرابعة عصرا أخرج لاستلام القصاع وتوزيعها لكل زنزانة واحدة ، وبعد الانتهاء من تناول الطعام اجمعها وانقلها إلى احد الحمامات لغسلها وتنظيفها ، ثم أودعها في المخزن المخصص لها وأعود إلى زنزانتي .

أعددت القصاصة في الليل وأودعتها في جيب سروالي من الداخل ،الذي خيطته بيدي ، تناولت الطعام مع أصحابي ، وانتظرت مدة فتح باب القاعة وخرجت مع القصعة لجمع القصاع الأخرى بمرافقة حارسين لتنظيفها في الحمامات ، وفي أثناء فترة التنظيف طلب الحارس صاحبي من الجندي الذي معه أن يذهب لأمر ما ، وفي غياب الحارس قال لي بهمس وبسرعة :

ـ هل لك حاجة ؟ قلها بسرعة قبل عودة الحارس .

ارتبكت وأسرعت إلى إخراج القصاصة وناولتها له . دسهّا في جيب الصدر لبدلته وهو ينظر إلى الخلف حذرا من عودة الحارس .

فكرت بأمي وجدي وكيف إذا رأوني وأنا بهذا الحال ، قد لا يعرفوني ، لقد فارقتهم منذ شهر كانون الثاني وها نحن في حزيران ، أي مضى ستة أشهر على فراقهم ، والذي يحز في نفسي ويؤلمني إنهم لا يعرفون أي شيء عن سبب غيابي .

ـ هل أنا مريض ، ام من الهاربين ، أم سجين . هذه هي مخلفات المعركة التي يطلقون عليها اسم ( أم المعارك ) أو كما نسميها نحن ( بأم المهالك ) ، وأكيد أنهم بحثوا عني كثيرا في وحدتي العسكرية .

ولكن من يستطيع أن يخبرهم ؟

في اليوم الثاني كنت أترقب حضور الحارس صاحبي . لكنه لم يحظر ، مرت وجبة الطعام الأولى والثانية ولم أره . ورأيت حارسا آخر بدلا عنه ، مما زاد في ظنوني وقلقي وفكرت مع نفسي :

ـ ترى هل اكتشفوا القصاصة عنده ؟

ـ هل عاقبوه وأرسلوه إلى مكان آخر ؟

ـ ماذا حل به ؟

ـ لماذا تغيب في هذا الوقت بالذات وجاء متزامنا مع قصاصتي ؟

وأخذت ألوم نفسي لما فعلته بهذا الحارس وراحت الأفكار تراود راسي ، وكلما فندت واحدة برزت أخرى لتأخذ حجما أكبر من راحتي ، وكانت أقسى فكرة راودتني هي أنهم سيوافونني آجلا أم عاجلا ، ويكيلون لي من قناطير التأديب المبرح .

******

سالت خالد يوما عن سبب سجنه . حينها حدثني أنه كان من الطلاب المتفوقين على أقرانه في جميع مراحل الدراسة ، حتى بلغ مرحلة السادس العلمي ، وكان يروم معدلا متميزا ليؤهله إلى كلية الطب أو الصيدلة ، لكنه حصل في ذلك العام على معدل بفارق قليل لتحقيق رغبته ، فارتأى أن يعيد الامتحان للعام القادم ، وفعلا استعد لذلك العام وبذل جهدا استثنائيا لنيل تلك الدرجة ، وكان معتادا المذاكرة صباحا وفي وقت المساء يخرج ليلتقي بأصحابه للترويح عن نفسه وأعادت نشاطه في القراءة . وهكذا استمر في برنامجه حتى الأيام الأخيرة لقرب الامتحان . وكالعادة خرج ليلتقي أصدقاءه فلم يجدهم ، عاد إلى البيت ، وبعد دقائق طرق الباب ولما خرج القي القبض عليه من قبل خمس من المسلحين ، اقتيد إلى مديرية الأمن وهناك سألوه عن أصحابه وهل يعرف إنهم يخططون لإثارة الشغب ضد امن الدولة واستقرارها .فاعترف لهم بأنه يعرفهم ولكنه يجهل نشاطهم ، لم يصدقوه وحكموا عليه بالسجن لمدة خمسة عشر عاما .

كان خالد شابا ضعيف البنية غائر العينين ذا انف بارز معقوف ، جفت شفتاه ، يمد رقبته إلى الأمام حينما يمشي ، كأنه هيكل عظمي ، رغم أن ملامحه فيها شيء من الوسامة . لا يتكلم إلا قليلا ، اعتاد على النوم عصرا والاستيقاظ في منتصف الليل ، ويبقى مستيقظا حتى الضحى ، يخرج كتابا من تحت وسادته ويبدأ القراءة فيه حتى الفجر ، وكلما أحس باقتراب دورية أو أي حركة خارج القاعة دس الكتاب تحت وسادته وتصنّع النوم . وبعد توقف الحركة يعود إلى الكتاب ويكمل قراءته ، لم اعرف هذا عنه حتى استيقظت يوما بعد منتصف الليل على اثر كابوس مزعج ، فوجدته يقرأ بكتاب على ضوء المصباح الوحيد في القاعة ، سألته عما يقرا فلم يجبني واستمر بالقراءة ، لم اكرر عليه السؤال تحسبا من إزعاجه ، وفي الوجبة الأولى عاتبته عن تجاهله لي وعدم الإجابة عن سؤالي ، نظر في عيني طويلا ثم قال ببرود :

ـ إنها رواية .

أثار غيرتي لما سمعت منه ذلك وسألته :

ـ رواية ؟

أجابني ببرود أيضا :

ـ نعم رواية !

بعد الوجبة الثانية نام خالد ، أما أنا فبقيت مستيقظا حتى الساعة الواحدة بعد منتصف الليل حينها استيقظ واخرج الرواية وبدأ القراءة في مكانه دون أن يحدث أي صوت ، أحس بي وسألني بصوت منخفض :

ـ هل أنت مستيقظ يا مختار ؟

ـ نعم لم يأتني النوم .

عاد إلى قراءته ، فكرت مع نفسي :

ـ خالد يقرأ الروايات فقط ولا يكتب وأنا اكتبها ولا أقرأ .

ثم سالت أن يعيرني واحدة للتلهي بها . فقال بصوت خفيض :

ـ سأعطيك ما تحتاجه من روايات لتقرأها . فما دمت تكتب عليك أن تقرأ ، فان القراءة تغني لغتك ، وتحسن أسلوبك ، وتوسع ثقافتك ، وتغني ذائقتك الأدبية ، فهي الشريان الذي يغذي الكاتب، وبواسطتها تتعرف على كتّاب الرواية ، العرب منهم والأجانب وبذلك تصبح لك ثقافة واسعة ، تسهم في صقل موهبتك وتحصينك من التعرض لأي سؤال طارئ .

سألته :

ـ هل هذا كل شيء ؟

ـ كلا هذا بعض الشيء .

ـ مثل ماذا ؟

ـ مثل الاطلاع على المدارس النقدية والمناهج الأدبية وبعض نماذج من نقد النصوص والتدبر في تحليلها ودراستها وفك رموزها .

ـ وكيف السبيل إلى ذلك ؟

ـ لا عليك سأزودك بكل ما تحتاج .

ـ شكرا لك على أبداء مساعدتك .

ثم سألته :

ـ وهل قرأت كل ذلك ؟

نعم ، منذ أن كنت طالبا في الإعدادية .

مد يده تحت فراشه واخرج لي رواية ناولها لي وقال :

ـ اقرأها وسأعطيك غيرها بعد ما تنهيها .

أخذتها من يده وبدأت القراءة فيها . ساعة وجاءني الكرى وضعتها تحت رأسي ونمت بينما بقي خالد يقرا .وفي اليوم التالي بعد وجبة الإفطار سألته عن الطريقة التي يحصل بها على الكتب ، أجابني :

ـ كان أبي أستاذا جامعيا وقد طرد من الجامعة وكذلك بعض الموظفين من أقاربي بسببي كوني سجينا سياسيا ، فتح أبي مكتبة صغيرة يعتاش عليها وهو يعرف ولعي وحبي للقراءة فيجلب لي في كل مرة يزورني بها كتاب او كتابين بعد أن يدفع لأحد الحراس مبلغا مقابل سكوته عنها أثناء التفتيش .

*******

من خلال حديث خالد فتح لي بابا آخر لمعرفة الكيفية التي يستطيع أبوه زيارته ولكني أخرت هذا السؤال عنه رغم انه بدا يشاغب أفكاري . وفي اليوم التالي ما ان استيقظت بدأت أفكر مع نفسي وقررت أني أحذو حذو خالد في القراءة ، فما دمت أنا اكتب إذن علي أن اقرأ ، كما قال . ، وهكذا نمت بعد الوجبة الثانية واستيقظت بعد منتصف الليل فوجدت خالد قد سبقني إلى القراءة ، تحدثنا قليلا بصوت منخفض خوفا من إيقاظ إسماعيل ثم بدأت القراءة حتى الصباح ، بعد مدة تعودت على هذا المنهاج وبقيت أمارس القراءة باستمرار .

عدت أفكر بالحارس وقد توقعت انه سيأتي في اليوم الثالث لغيابه ، لكن توقعي ذهب هباء فازدادت هواجسي وتفاقمت ظنوني وشعرت بعدم جدوى تصرفي . كمن يغوص في بحر لا يعرف قراره وهو لا يعرف السباحة . وبدأت أتساءل مع نفسي :

ـ ترى ما الذي قادني إلى هذا الجحيم ؟

لقد كنت راضيا عن وضعي هنا رغم انه ليس مكاني ، فقد وضعت فيه خطأ ، فأن الدنو من هذا الجحيم وحده كفيل على إنهاء ما أتمتع به هنا !!كفاية علي أن أخلص جسدي من سياط مهلكة قد تناله في أي وقت ، وبقي غياب الحارس يدور في راسي ويصطنع آلاف الاحتمالات ، هكذا أصبحت بدوامة من التفكير حتى قاطعت الطعام ، وكلما مضى يوم زاد قلقي .

أحس إسماعيل بذلك ، إسماعيل الرجل الكبير الذي لا يكلم احداً ولا يرد على سؤال أحد ، قال لي :

ـ كُل يا ولدي فانك ستموت إن بقيت بدون طعام .

لم أرد عليه وعاد فسحبني من ثوبي وهو يقول :

ـ كُل ، لا شيء أسوأ مما أنت فيه .

استجبت لطلبه وجلست معهما تناولت لقمتين ثم نفضت يدي .

******

كان إسماعيل يحب العمل خارج الزنزانة ، يقضي معظم وقته خارجها ، طالما يرسلون إليه لقضاء أعمالهم الخاصة ، تنظيف غرفة المدير أو غرف الضباط وحتى المراتب أو مساعدة عمال المطبخ بغسل الصحون أو تنظيف الأرضية وغير ذلك من أعمال وعندما يعود لا يكلمنا ، ، وحينما ينام يتحول إلى جثة ميتة ، يبدأ بشخير هادئ ثم يتصاعد رويدا رويدا حتى يصل إلى الذروة ، فيستيقظ على صوت شخيره ثم يعود ليكرر سيمفونيته من جديد . كنت لا استطيع النوم بسببه ، أما خالد فلا يهمه . شكوتُ له ذلك يوما فقال لي بهدوء وهو يبتسم :

ـ ضع قطنا في إذنيك .

سألته مباشرة :

ـ ومن أين آتي بالقطن ؟

ابتسم مرة ثانية ومد إصبعيه في ثقب وسادته واخرج لي قليلا من القطن ناوله لي .

شكرته وقلت :

ـ لو كنت من غيرك ما تدبرت شيئا .

سالت إسماعيل يوما عن سبب سجنه ، فلم يجبني ، ونظر في عيني واغرب عني ، ولما عدت السؤال عليه غضب وصاح وهو يهز كفه أمام وجهي :

ـ مالك ومالي ، عليك بنفسك ، لا عليك بي .

أشار لي خالد بالسكوت عنه ، ولما خرج للعمل قال لي خالد :

ـ لا تحدثه انه لا يحب الحديث من سنتين وهو معي ولم نتحدث إلا نادرا .

ومن يومها وأنا أخشى الحديث معه إلا أن يسألني هو ، وعادة ما تكون عن زنزانتنا أو يشترك معنا أحيانا بحديث مقتضب .

******

مضت سبعة أيام على غياب الحارس وأنا في دوامة من التفكير والقلق المستمر وفي اليوم الثامن ظهر فجأة قبل الوجبة الأولى ، وأطلق صفارته لإخراج بعض السجناء للعمل ، وقد دنا من زنزانتنا عرفته من صوته ؛ لأني لا استطيع رؤيته . وحينما سالت خالد عن غيابه أجابني بأنهم يتمتعون بإجازات دورية كل شهر سبعة أيام . فقلت في نفسي :

ـ يا لي من غبي .. لو سالت خالد منذ البدء لما تحملت كل هذا القلق !

في فترة الرياضة فتح زنزانتنا في الأخير وغمزني بعينه اليمنى .

عرفت انه يريد محادثتي

تأخرت عن الخروج بالبحث عن ثوبي بينما خرج خالد وإسماعيل ، قال لي بسرعة :

ـ لا استطيع مساعدتك بما طلبت ، ولكني استطيع مساعدك بأشياء أخرى ، كالسجائر أو الأوراق للرسائل أو الأقلام أو بعض الأطعمة المعلبة أو الدواء .

شكرته على اهتمامه وطلبت منه إحضار بعض الأوراق ، تقدمت للخروج وهو خلفي فأضاف :

ـ لي طلب صغير عندك

ـ تفضل

ـ أن ترسم لي صورتي

ابتسمت وقلت :

ـ وكيف أرسمك وأنت خارج القضبان وأنا في الداخل ، والرسم يحتاج إلى حضورك أمامي ؟

قال ونحن نمشي قرب عتبات القاعة :

ـ الأمر بسيط سأعطيك صورتي لترسمها يا أستاذ مختار .

اندهشت لمناداتي ( يا أستاذ مختار ) وقلت مع نفسي :

ـ أكيد انه يعرفني ، ثم خرجنا إلى الساحة .

قلت :

ـ طيب هات الصورة لي لأراها تصلح للرسم أم لا .

مباشرة مد يده في جيب الصدر في بدلته وناولني الصورة التقطتها منه وأخفيتها بجيبي بسرعة وقلت له :

ـ اجلب لي أوراق وأقلام لرسمها ، ثم خرجت إلى ساحة السجن وأنا أفكر مع نفسي :

ـ ربما سيكون هذا الحارس المفتاح الذي أتوصل من خلاله لرؤية أهلي ، الشيء الوحيد الذي ابتغيه ولو على مدى طويل من الأيام .

بعد يومين احضر لي الورق والأقلام من النوع الجيد .

رسمت صورته وتفننت برسمها وأخرجتها إخراجا رائعا .

رأى الصورة وطار عقله من التعجب ، لم يتصور أن ارسمها بهذه المهارة النادرة ، ثم نظر لي وقال :

ـ اطلب مني أي شيء .

سألته ثانية عن رؤية أهلي .

سكت ولم يجبني وهو يفكر قال .

ـ اترك الأمر للأيام .

المجد والشهرة جميلان وخصوصا من بعيد . عندما نحلم . ولكن ما إن نمتلكهما فإننا لا نعود نحس إلا بأشواك

الكسندر كوربين