2
أما عبدان فكان شاباً في الثالثة والعشرين، نحيف الجسم دقيق الأطراف، قضى أيام طفولته الأولى في (قرية الدور) حيث كان أبوه تاجراً ذا حانوت صغير في القرية، يبيع فيه أنواع الأقمشة الرخيصة للفلاحين الذين يأتون إليها من ضواحيها وأريافها. ماتت أمه وهو صغير لم يعد التاسعة فتزوج أبوه امرأة أخرى ذات ولد من غيره، فلم تطب حياة الصبي في المنزل لأن زوجة أبيه كانت قليلة العناية به لا تهتم إلا براحة أولادها، فكانت تعامله معاملة الخادم، وتكلفه القيام بأعمال مرهقة، وتضربه كلما قصر في أدائها ضرباً مبرحاً، قضى عبدان أربعة أعوام في هذا العذاب. وما أنقذه من ذلك إلا وفاة والده فأخذه ابن عمه حمدان ليكفله عنده بمقتضى وصية أبيه.
لم يستطب عبدان حياة الريف في أول الأمر لاختلافها عن حياة البلد التي نشأ عليها من قبل، ولكنه ما لبث إلا قليلاً حتى أخذ يألفها شيئاً فشيئاً إلى أن أحبها آخر الأمر، وصار يقوم بمساعدة ابن عمه في أعمال الفلاحة والزراعة، وكان الفضل في ذلك يرجع إلى ما وجده عند حمدان ووالدته من البر به والعطف عليه بعد ذاك الهوان الطويل الذي لقيه من زوجة أبيه.
وقد أنس بالطفلتين الجميلتين عالية وراجية. فكان يلعب معهما في الحقل وعلى ضفاف القنى، ويساعدهما في جمع الثمار وفي تحويل مساقي الماء من حقل إلى حقل أو من شجرة إلى أخرى.
كان عبدان يكبر عالية بثلاث سنوات وتصغره راجية بسبع، وكان يحمل لهما حب الأخ لأختيه، وكذلك كان شعورهما نحوه، غير أن هذه العاطفة تطورت على الأيام فأصبحت حباً قوياً بينه وبين الأخت الكبرى أيده حمدان بأن عقد خطبته عليها، فلما بلغ عبدان رشده خيره حمدان بين البقاء عنده، والرجوع إلى القرية ليفتح له دكاناً فيها برأس المال الذي ورثه عن أبيه، فاختار عبدان الثانية، وقد صادف اختياره هوى في نفس حمدان، فإذا رأى أن حياة الفلاحين على ذلك الوضع الجائر جحيم لا تطاق، فهو يتمنى لابن عمه حياة أهنأ وأرغد، تنعم بها أخته معه، ومن يدري لعل عبدان إذا نجح في تجارته أن يمد إليه يد العون فينقذه من الوهدة التي يتردى فهيا هو أسرته.
وصح ما توقعه حمدان، فقد أفلح عبدان في تجارته.. وما مضى عامان منذ اشتغل بها حتى تضاعف رأس ماله وكثر عملاؤه من الفلاحين وغيرهم،لما اشتهر به بينهم من الصدق والأمانة وحسن المعاملة والإخلاص في النصح، ولما كان يقوم به حمدان من الترويج له في أوساط جيرانه الأكارين.
وكان عبدان كثيراً ما يتعهده بالزيارة، فيقضي ليلته ضيفاً عليه ويأتي معه بهدايا من الملابس والطيب والأحذية يتحف بها خطيبته وسائر أفراد الأسرة، فيتقبلونها منه بالشكر والامتنان، وكان في خلال ذلك يلح على حمدان بالتعجيل بزفاف عالية إليه، غير أن حمدان كان يستأذنه في ذلك خشية أن يرزأه في رأس ماله بنفقات العرس قبل أن يشتد ساعده ويقف على قدميه، وما كان أشد فرح عبدان إذ رضي ابن عمه أخيراً أن يتسلم منه صداق أخته ويعين له موعد الزفاف، فأخذوا من ذلك اليوم يعدون جهاز العروس، ويهيئون لليلة الزفاف السعيدة، وإنهم لفي ذلك إذ جاء ثمامة ذات ليلة إلى كوخ حمدان والتمس مقابلته، فلما اختليا صرح لحمدان بأنه جاء ليخطب منه أخته راجية، فاعتذر حمدان إليه بأن أخته ما تزال صغيرة السن، وأنه لا يستغني عن معاونتها له في أعمال الحقل.
ولكن ثمامة ألح عليه في الطلب، وعرض عليه استعداده للانتظار عاماً أو عامين حتى تبلغ السن التي يشاء حمدان فيها أن يزفها إليه. فلم يسع حمدان إلا أن يعده خيراً، وهو ينوي أن يصرفه عن ذلك بطريقة من الطرق، فقال له: (إني سأؤامر الفتاة وأستشير أهل بيتي في أمرك، فإذا قبلوا فسأبعث إليك من يخبرك). ورضي ثمامة منه ذلك فودعه وانصرف.
وكاشف حمدان أهل بيته بما تقدم به ثمامة من الخطبة فقالت أمه العجوز: (إن يكن لها نصيب فيه فهيا يا حمدان لنزفهما معاً في ليلة واحدة).
قال حمدان: (إنني لا أعرف عنه شيئاً يا أماه، فلا بد أن أستقرئ عنه أولاً، ثم لا بد قبل ذلك من رضى راجية). فتوردت وجنتا الفتاة، وخفضت رأسها حياء، وجعلت تبتغي وجهاً تلجأ إليه وتتقي به العيون، فلما رفعت رأسها استقرت عيناها على وجه أختها عالية فوجدت على ثغرها ابتسامة ذات معنى كأنها تقول لها: (ويلك يا ماكرة! أليس هذا الذي غضبت منه إذ دعاك حمراء العينين؟ فماذا يمنعك الآن من رفض طلبه؟).
قال حمدان: (أتعرفين هذا الشاب يا راجية؟).
فجمعت راجية شعاع نفسها وقالت له: (لا يا أخي لست أعرفه ولكني كثيراً ما رأيته).
- أين كنت ترينه؟
- كان يجمعني به الطريق إلى القرية أو منها.
سكت حمدان قليلاً وهو ينظر إليها ثم قال: (ما رأيك فيه هل تقبلينه زوجاً لك؟).
فسرى عن الفتاة كأنما نجت من قارعة كانت توشك أن تنزل بها، وقالت:
(إن رضيت به لي يا أخي رضيت به لنفسي).
فظهر السرور على وجه حمدان وقال لها: بارك الله فيك يا أختي، سأستقرئ عنه فإن وجدته صالحاً قبلت طلبه.
أخذ حمدان يتحرى عن ثمامة، فما طال به التحري، إذ سرعان ما علم عنه أن أباه كان مزارعاً ميسور الحالة، حتى شب ابنه هذا فاتصل به رفقاء السوء فجروه إلى حياة اللهو والخلاعة فكان يسطو على مال أبيه ليبدده في حانات الكوفة ومواخيرها، فإذا فرغ ما عنده رجع إليه ليسلبه مقداراً آخر حتى انتهى الحال بأبيه إلى الإفلاس وبيعت أرضه للهيصم أما هو فقد صار يعيش منذ ذلك الوقت عيشة الشطار والعيارين.
عجب حمدان لما هداه إليه بحثه، واستغرب أن يكون مثل هذا الشاب الوسيم الطلعة الجميل البزة عياراً، وحمد الله على أن منظره لم يخدعه عن مخبره، ولم يشأ أن يسترسل في استقراء أحواله بعد ليعلم عنه أكثر مما علم، فما كان فضولياً وليس في وقته متسع للاهتمام بما لا يعنيه، فبعث إليه رسولاً يخبره برفض طلبه، فرجع الرسول يحمل إليه التهديد من ثمامة والوعيد، فلم يعبأ به حمدان كثيراً لثقته بقدرته على الدفاع عن نفسه، ولعلمه أن جماعة الشطار لا يجدون عنده ما يطمعون فيهز بيد أنه كان أحياناً يجد في نفسه شيئاً من هذا الأمر فيغم قلبه وينقبض صدره.
وكان عظيماً على راجية أن تصدم في حبها الأول، فمهما سرها أن نجت من الوقوع في فخ هذا الصائد الماكر، فقد عز عليها ألا تهديها بصيرتها إلى الحقيقة في أمره أول ما وقعت عيناها عليه، وكانت تعتقد أنها صادقة الحدس جيدة التمييز فقد تبين لها الآن أنها لا تكاد تدرك في هذا الشأن شيئاً.. أترى ذلك لحداثة سنها بعد؟ فما بالها إذن لا تقل عن أختها عالية نضجاً واستواء، ولا تنقص عنها بروز نهد أو رباوة كفل أو امتلاء ساق؟
وكانت تحرص أشد الحرص على كتمان شعورها هذا عن كل أحد من أهلها، وتبدي قلة الاكتراث لما انكشف من حقيقة هذا الخاطب العيار، بل إنها لتتعمد أن تقع فيه بكل ما يسعفها به لسانها السليط من كلمات القدح والتحقير، لتنفي بذلك الظنة عنها ولتوهم نفسها أنها لم تنخدع به قط وإنها إنما أذنت لأخيها في قبوله إذ شاء اتكالاً على أن تحري أخيها عنه سيكشف له من أمره ما يدفعه إلى رفض طلبه.
بيد أنها لم تستطع أن تكتم حقيقة شعورها عن أختها عالية، فهذه تعلم من سرها ما يجهله الآخرون، وتعرف أن راجية قد شغفت بهذا الشاب وإنها ما تزال تحبه على رغم ما انكشف لها من أمره. وأن عالية لتتجاهل هذا السر وتتجنب الإشارة إليه من قريب أو من بعيد، ولكن ذلك لا يزيد راجية إلا إحساساً بالهزيمة والضعة أمامها، فأخذت تتجنى عليها وتتعمد الإساءة إليها بأساليب مختلفة، فلا تقابلها عالية إلا بنظرتها الساجية وابتسامتها الصامتة التي تحمل في أطوائها مزيجاً من الشفقة والسخرية وقلة الاكتراث، فيكون في ذلك أشد ما يؤلم راجية ويملأ صدرها غيظاً. وكثيراً ما حاولت راجية أن تخرجها من هذا الصمت المطبق، فتحوم بها حول هذا الموضوع لتخوض فيه، عسى أن يزل لسانها بكلمة نابية في حقها، فتصب عليها شواظاً من غيظها المكبوت تريح به صدرها، وتجد به فرصة للدفاع عن نفسها ولرد اعتبارها أمام هذه المخلوقة الوحيدة التي تعرف خبيئتها. ولكن عالية لا تمكنها مما تريد إذ تعدل بالحديث في لباقة ويسر إلى غير ما قصدت راجية أن توجهه إليه. فلا تجد راجية أمامها بعد الجهد والمحاولة إلا تلك النظرة الساجية والابتسامة الصامتة.
ولم تعف راجية في سبيل إيذاء أختها حتى عن التعرض لعبدان بالملاطفة والتحبب كلما حضر لزيارة أهلها، وتتخذ في ذلك أساليب تختلف باختلاف من يحضرهما عند ذاك، فطوراً تبالغ في الترحيب به حين يكون أخوها حاضراً أو امرأة أخيها، وطوراً تعانقه معانقة الأخت لأخيها حين لا يشهدهما إلا أمها وأختها، وطوراً تكسر له الطرف وتخضع له بالقول حين لا يكون بينهما إلا عالية، تريد بهذا كله إحراج صدرها وإخراجها من هدوئها الغائظ لها، فإذا اعترضت عليها عالية في شيء من ذلك ولو بكلمة لينة هبت في وجهها واندفعت تلومها على ما جبلت عليه من سوء الظن وتتهمها بالغيرة العمياء على خطيبها حتى من أختها التي لا تنظر إليه إلا كما تنظر إلى أخيها من أمها وأبيها، ولما أدركت عالية ما ترمي إلهي أختها الموتورة صارت لا تعبأ بعد ذلك بهذه الهنات التي تأتيها أختها نحو عبدان، ولا تقابلها إلا بتلك النظرة الساجية والابتسامة الصامتة.
وقد كانت راجية تنفس عبدان على أختها من قبل، وتتمنى لو كان من نصيبها هي، إلا أنها كانت تكتم ذلك في أعماق ضميرها، ولا تجرؤ الاعتراف به حتى أمام نفسها، فكانت دائماً تتحامى جانب عبدان إذا حضر عندهم، إلى أن كان حادث ثمامة، فانقلب سلوكها نحوه هذا الانقلاب المبين.
غداً تزف عالية إلى عبدان وتبقى هي وحدها أمداً طويلاً في منزل الأهل تعاني من ألم الحسرة على عبدان ما تعاني فما ضر الدهر لو لم يجعل ثمامة عياراً فلم يرفض طلبه؟ إذاً لكان لها في زفافها إلى هذا الشاب الذي يفرع عبدان طولاً ويفوقه وسامة وأناقة، ما يعوضها عن ابن عمها الذي قضى سوء حظها أن يكون من نصيب أختها دونها.
بل ما ضر الدهر لو أخفى حقيقة ثمامة عن أخيها حتى تم زفافها إليه؟! أواه.. لقد كان ذلك في الإمكان فلم يكن! يا ليته كان! إذاً لأراحها ذلك من هذا العذاب الذي هي فيه، ولا بأس بعد ذلك أن تكون زوجة عيار جميل، إن العيارين بعد لمعروفون بالشهامة والنجدة وشدة البأس والمروءة، وأنهم ليعتدون على القوي، وينصرون الضعيف، يسطون على مال الغني ويعفون عن مال الفقير، وأنهم ليجيرون النساء ويغارون على الحرمات، ولئن كان بينهم من يشذ عن هذه الخلائق الكريمة، فالشواذ في كل قوم وكل قبيل.
ويستبد بها الخيال فيتصوّر لها أنها قد أصبحت حقاً زوجة ثمامة، تحيا معه حياة ملأى بالمغامرات والمخاطرات المثيرة وتنتقل معه من مكان إلى مكان ومن بلد إلى بلد، ويأتيها كل يوم بنصيبه من الأسلاب والغنائم فيرميه تحت قدميها لتتصرف فيه ليومها بدون حساب وبدون اهتمام لما يتمخض عنه الغد فالغد عند هؤلاء مضمون ما دام في الدنيا غني يفيض ماله عن حاجته وفقير لا يجد ما يسد به جوعته.
وإذا قعد بزوجها سبب من عجز أو مرض أو خانه يوماً حظ عاثر فلم يأت بكسب جديد فإن له من عصابته المتكافلين في السراء والضراء من يسعفونه ببعض ما لديهم، ويبيحونه من ذلك ما شاء.
وها هو ذا ثمامة قد أقبل ليودعها متأهباً للخروج إلى سرية كبيرة في ليلة من ليالي الشتاء شديدة القر حالكة السواد، وقد لاث عمامته على طريقة خاصة بجماعته، وتقلد سلاحه وأرخى على وجهه اللثام الأسود فلا يرى إلا عيناه البراقتان، فأخذها بين ذراعيه القويتين فضمها ضمة شديدة رسمت ببالها في مثل لمح البرق صورة منه وهو يصارع من يقاومه من فرائسه ويأبى لسوء حظه الخضوع والاستسلام، ثم حسر القناع عن شفتيه الغليظتين فأهوى بهما على ثغرها حيث استقرتا لحظة ثم زحف بهما رويداً رويداً حتى أغمض بهما إحدى عينيها وهو يقول بصوت المغرم الولهان: "يا حمراء العينين أحبك.. أحبك!..".
وها هي ذي قد طال بها انتظار أوبته من السرية فهي تتقلب على فراشها من قلق عليه، ويخيل إليها أنها تسمع خفقاً لدى الباب الخلفي في الزقاق المهجور، فتنهض من فراشها وتقف أمام باب حجرتها حابسة أنفاسها تتسمع وتتنصت فإذا الوقت يمر بطيئاً بطيئاً دون أن تسمع لزوجها صوتاً أو ترى له وجهاً فترتد متثاقلة نحو فراشها فتستلقي عليه، ترى ماذا فعلت الأقدار بثمامة؟ في أي أرض هو الآن وتحت أية ناشئة من نواشئ السحاب؟ أمعافى هو الآن يطوي الظلام بين رفقائه فرحاً بنجاح السرية مزهواً بما يحمل من الغنيمة غلى ظهره فلا يلبث أن يقتحم عليها الباب بعد لحظة فيرمي الوقر بين قدميها كعادته، فيخلع شارة العيارين ويغسل عن وجهه الغبار ويرتدي قميصه الحرير الفضفاض فينقلب زوجاً لطيفاً أنيساً يريح جنبه معها على الفراش ويقص عليها حديث الليلة، فما باله إذن أبطأ في العودة، وقد انقضى الليل إلا أقله وكادت نجوم السماء تغور؟ أم خانه الليلة حظه ففتك به فاتك ممن تسوروا داره أو نقبوا حائطها أو هاجموا قافلته فهو الآن قتيل بين الجدران، أو صريع في العراء ترقبه النجوم الباقية، وتحوم حوله الذئاب العاوية وقد تفرق عنه رفاقه بدداً وانتشروا في كل مهرب يبغون النجاة؟ أم تراه أحيط به فوقع أسيراً في أيدي الشرطة والعسس فهو الآن مكبل بالأصفاد قد ألقي به في قعر سجن ضيق؟
فإذا وصل بها التخيل إلى هذا الحد اقشعرّ بدنها وانتفضت انتفاضة المروع فإذا هي ما تزال عذراء في منزل أخيها ليس بينها وبين ثمامة من صلة أو سبب، فتتنفس الصعداء أن كل ما تصورته الساعة حقيقة باطلاً كله من صنع الوهم والخيال.