1
في ضاحية من ضواحي قرية الدور، إحدى القرى المنتشرة حول الكوفة مما يلي البطائح، وعند الظهيرة من أحد أيام الصيف القائظة، طفق حمدان يمسح بأطراف أصابعه العرق المتصبب من جبينه، وهو يعمل في حقله، وإحدى رجليه على سنة المحراث والأخرى يرفعها عن الأرض حيناً، ويلمس بها الأرض حيناً، وقد أمسك بخطام الثور الذي يسير أمامه يجر خطوه جراً ثقيلاً، والسوط في يمنيه ينكت به مترفقاً على ظهر صاحبه الأعجم كلما توقف عن المسير أو تثاقل فيه، وكأن لسان حاله يقول: (أيها الثور الحبيب، كلانا محكوم عليه أن يعيش في هذا الشقاء، وهذا السوط في يميني، ويعز عليَّ أن يقع على ظهرك، فلا تحوجني إلى استعماله).
ويبلغ حمدان نهاية الشوط، فيدير الثور ويكر بالمحراث راجعاً، فيتنفس الصعداء إذ تقع عينه على تلك الأخاديد التي خطها بالمحراث على وجه الأرض صفوفاً مستقيمة مستوية، كأنها سطور خطها قلم كاتب صناع، وترتاح نفسه لرؤية الصنيع الذي قام به وجه يومه ذاك، وغداً يبذر فيها الحب، ويرسل إليها قنى الماء من فروع الرافد الغربي، فترتوي تلك الأرض العطشى، ثم لا تلبث إلا أياماً حتى يكسوها النبت، فتصبح جنة خضراء تسر الناظرين.
ولكنه ما لبث أن شعر بالأسى يعصر قلبه فترتعش له أوصاله حين يثب به خاطره إلى يوم الحصاد، فيتذكر أن ليس له من هذا العمل الدائب والجهد الناصب الذي يقوم به وأهل بيته طول يومهم في لفح الهجير وتحت الشمس المحرقة، وزلفاً من ليلهم متعرضين للبرد القارس في ذلك الجو القاري، إلا نصيب ضئيل لا يكاد يقوم بأودهم من جشب الطعام وخشن الملابس، ولا يضمنون به أن يمر عامهم ذاك دون أن يجوعوا يوماً لا يجدون فيه حتى ذلك العيش الكفاف، حين يلم بأحدهم ما يقعده عن العمل من مرض أو مشغلة.
على حين يذهب معظم ما ينتجه عملهم المتواصل إلى خزائن شاب قاعد عن العمل مشغول بملذاته وملاهيه في قصوره المتعددة وجواسقه المنتشرة في ضواحيها، لا يدري كيف ينفق ماله من كثرته، أو كيف ينفق وقته من فراغه، ولا يحول عليه حول حتى تضاف إلى أملاكه الواسعة أملاك جديدة يعمل فيها عشرات من أمثال حمدان وأهله ليسدوا جوعهم وليضاعفوا ثروته أضعافاً مضاعفة، ذلك هو سيدهم ابن الحطيم مالك الأرض التي يعمل فيها حمدان والأراضي الواسعة حولها التي تمتد من جهاتها الأربع أميالاً وأميالاً حتى لا يكاد العاملون فيها يعرف بعضهم بعضاً.
إن هذا الشاب الثري الذي قضت الأيام على حمدان أن يعمل في أرضه فصار بذلك سيده، والذي لم ير حمدان له وجهاً إلى يومه ذاك ولا يعرف عنه إلا اسمه المشهور في تلك الأنحاء وسيرته الخليعة التي يتحدث بها أهل تلك المنطقة، ويروونها فيما بينهم كما يروون أساطير الأقدمين –لهو إنسان مثل حمدان، قد خرج إلى هذه الدنيا من صلب آدمي مثل والده وترائب أنثى كأمه، لا يمتاز عنه بشيء إلا أن أباه الحسن الحطيم قد ترك ضياعاً واسعة في تلك الجهة، فكفاه بها مشقة العمل، وملكه رقاب عباد الله المحتاجين إلى العمل فيها ليقيموا به أصلابهم.
كان الحسين الحطيم – فيما يروي حمدان عن أبيه- يملك خمس ضياع متفرقة في تلك الناحية يفصل بين بعضها وبعض ضياع صغيرة لغيره من صغار الملاك والمزارعين، كان جدهم يعمل في أرضه بنفسه ويستغلها لحسابه، فجعل الحطيم يستخدم ماله وجاهه عند السلطان في الإحاطة بأولئك الملاك الصغار والتضييق عليهم بمختلف الوسائل وشتى الطرق، فحيناً يدفع الأشقياء إلى إتلاف القنى التي تسقي تلك المزارع وحيناً يغري اللصوص ليسطوا على ثمارها ليلاً أو يفسدوا زرعها أو يشعلوا النار في سنابلها قبيل الحصاد، وحيناً يرشو عامل القرية ليوعز إلى جباته الغلاظ أن يفرضوا على أولئك المساكين خراجاً أكبر رمما تحتمله أرضهم، ويشتطوا في مطالبتهم بذلك حتى يرهقوا كواهلهم ويضطروهم إلى الاستدانة، إما من يهودي القرية بالربا، أو من أحد تجارها على أن يستولي التاجر على غلات أرضهم أو ثمارها بالأسعار التي يقترحونها، فما لبث الملاك أن رهنوا أملاكهم، ثم ما لبثت الرهون أن غلقت، فيتقدم سماسرة الحطيم لشرائها واحداً بعد واحد بأثمان مبخوسة، فما هي إلا أعوام معدودة حتى اتصلت ضياع الحطيم بعضها ببعض، وصارت تلك الناحية كلها ملكاً خالصاً له، وما ينس حمدان من الأشياء فلن ينسى أن والده كان أحد أولئك الملاك الصغار الذين سقطت أملاكهم في يد ذلك المالك الكبير، ولو بقيت لوالده ضيعته الصغيرة لورثها عنه، فاستطاع أن يعيش فيها عيشة طيبة هو وأهله وعياله، ويتمتعوا بثمرات عملهم وكدهم.
ولم يثبت للحطيم في ميدان الصراع على امتلاك أراضي تلك المنطقة وانتزاعها من أيدي أهلها الصغار إلا مالك كبير آخر هو أبو الهيصم ابن أبي السباع من وجهاء تلك القرية، له مثل مال الحطيم وجاهه ونفوذه مطامعه، وقد سلك مثل السبل التي سلكها منافسه، وتم له من الاستيلاء على أملاك جيرانه الضعفاء قريب مما تم للحطيم، وهكذا أصبح هذان المالكان سيدي القرية، يتنازعان النفوذ فيها لدى ذوي السلطان من عامل القرية إلى والي الكوفة إلى الوزراء ورجال البلاط في عاصمة الخلافة.
وقد أدى التنافس المستعر بين هذين المالكين، ثم بين وارثيهما بعدهما، إلى انقسام أهل القرية وما حولها إلى حزبين كبيرين يتعصب أحدهما لآل الهيصم والآخر لآل الحطيم، وقلما يمضي يوم دون أن يتشاجر اثنان من أتباعهما أو يتسابان في سوق القرية أو في جامعها أو في أحد أزقتها. وقد يعظم هذا الشجار فيشمل أهل القرية جميعها، ولا سيما في الأعياد والمواسم أو الولائم الكبيرة التي يولمها أحد البيتين فتصبح القرية ميدان قتال بين الفريقين بالعصي والحجارة والخناجر والسيوف، تسيل فيه الدماء، وتنهب الحوانيت وتتعطل مصالح الناس يوماً أو يومين حتى يتمكن عامل القرية وشرطته من الحيلولة بين الفريقين ووضع الأمور في نصابها. ولا يقتصر هذا التحزب والخصام على سكان القرية، بل يتعداهم إلى الفلاحين والأكارين الذين يعملون في أرض المالكين الكبيرين، فكثيراً ما يقع العراك بينهم فيسقط منهم صرعى كثيرون في سبيل الشيطان إرضاء لنزوات هذين السيدين اللذين يتحكمان في رقابهم بامتلاكهما الأرض التي فيها يعملون.
وتلي هذه المشاجرات مقاضيات ومحاكمات وأحكام تصدر بالسجن على بعض والغرامة على بعض والجلد على آخرين، ولكن السيدين الكبيرين اللذين كانا مصدر البلية كلها يبقيان بمعزل لا تمتد إليهما يد القضاء، وقد يقضي أحدهما ليلته المشئومة بأحد أبهاء قصره في قصف وشراب مع خلصان ندمائه وفهيم عامل القرية، لا ينهنههم عما هم فيه من اللهو والمرح ما يحمله الظلام إليهم من عويل النوادب في القرية وهي تنوح على موتاها.
وقد اكتوى حمدان بهذه النار فيمن اكتوى، فإنه ليذكر ما أصابه وأصاب ابن عمه عبدان ذات ليلة وهما يزوران صديقاً لهما من الفلاحين الذين يعملون في أرض الهيصم، فبينما يسمران عنده إذا بنبأ سرى في الضيعة بأن قتالاً يدور في القرية حينذاك بين أتباع سيدهم وأتباع ابن الحطيم، وإذا عصبة من الفلاحين يقتحمون كوخ المضيف بعصيهم وفؤوسهم يريدون أن يضربوا حمدان وعبدان على الرغم من توسلات المضيف إليهم أن يكفوا عنهما لأنهما في ضيافته، ولا يجوز الاعتداء على الضيف، فاضطر حمدان وعبدان أن يقاتلاهم دفاعاً عن أنفسهما حتى تمكنا من الهرب، واتفق أن أصاب حمدان أحدهم بضربة في فمه سقطت لها أسنانه فكان أن حكم عليه بدفع غرامة ثقيلة ظل يشكو عقابيلها عاماً كاملاً.
كان حمدان في نحو الخامسة والثلاثين من عمره قوي البنية جلداً على العمل، بشوشاً لا تكاد الابتسامة تفارق شفتيه حتى في أحلك الساعات وأهول الخطوب، ولكنه يحمل وراء هذا الخلق الرضي، وهذا الثغر البسام، قلباً يضطرم بالثورة على تلك الأوضاع التي يراها جائرة لا يجوز لبني جلدته أن يتحملوها صابرين، ولا يعتبرها إلا فترة من فترات الظلم والاضطراب لا يمكن أن تستقيم عليها حياة الناس، فلا ينبغي أن تستمر طويلاً.. كان يعتقد أن ما بناه المال والنفوذ لا يمكن أن يهدمه إلا المال والنفوذ، فأنى له هذان وهو لا يكاد يملك عيشة الكفاف لنفسه ولعياله إلا بمشقة وجهد، وبعد أن يقدم لسيده ابن الحطيم أضعاف أضعاف ذلك من كد عامهم.
إنه ليسائل نفسه أحياناً: أحر هو أم رقيق؟
نعم إن ابن الحطيم لم يشتره من النخاسين ولم يدفع ثمناً له فهو لذلك حر في عرف الناس، ولكن ابن الحطيم يملك ناصيته ويتحكم في رزقه، فجعله بذلك كأنه من رقيقه، بل عسى أن يكون الرقيق أحسن حالاً منه وأطيب بالاً إذ يشعر أن مولاه لا بد أن يعنى بشأنه لئلا يخسر قيمته حين يصيبه مكروه، وليس الأجير الحر كذلك، فما أكثر ما تخدع الأسماء.
كانت تدور هذه الخواطر وأمثالها في رأس حمدان، وهو يشق الأرض بمحراثه في ذلك اليوم الشديد الحر، فلا يعوقه ذلك شيئاً عن الاجتهاد في عمله وبلوغ الغاية فيه، وفي جانب آخر من الحقل غير بعيد منه، كانت شقيقتاه عالية وراجية تعملان في تكسير الركام وتسوية التربة التي كان أخوهما قد حرثها من قبل، وكان الحديث يدور بينهما بصوت خافض ويتناول ما يطيب لهما الخوض فيه من شئون جارتهما من نساء الفلاحين وفتياتهم، فهذه الجارية فلانة قد خطبها فلان ولكنه عجز أخيراً عن دفع ما بقي عليه من مهرها فانتهى أمره بفسخ الخطبة، وأخذ يطالب أباها بالجزء الذي دفعه من المهر فلم يعطه شيئاً، مدعياً أنه قد أنفقه في تجهيزها، فرفع أمرهما إلى قضاء القرية، وهذه فلانة امرأة فلان قد وضعت ثلاثة توائم، وإنهما لتعجبان من ذلك الرجل القمئ الضعيف المتضائل كيف استطاع أن يولدهما ثلاثة في بطن، وتلك فلانة ابنة صديقة أمهما، وقد طلقها زوجها لأنها لم تحبل بعد أن عاشت معه سبع سنوات، ثم تبين له بعد تطليقها أنها حملت منه، فليت شعري هل يراجعها بعد ما تزوج امرأة أخرى.
كانت الفتاتان تتحدثان وهما منهمكتان في عملهما، ولا تنقطع إحداهما عنه إلا ريثما تسوي ما اختل من نظام شعرها بين الفينة والفينة، أو تصلح العصابة التي تمسكه أن يتهدل على وجهها، أو ريثما تدير –اتقاء للشمس- المظلة التي تلبسها على رأسها من خوص النخل، أو ترفع جيب قميصها عن صدرها الناهد وقد لصق به لصوقاً شديداً من العرق فيبرز نهداها بروزاً صارخا يشعرها بالخجل إذ يخيل إليها –إن حقاً وأن وهماً- أن قميصها على سواده قد يشف عن سواد حلمتيها.
قالت عالية: لأختها، وقد نظرت إلهيا فرأت على ثغرها ظل ابتسامة عابثة: (ما خطبك يا راجية؟ ما سنح ببالك؟).
- أتعرفين ثمامة ذلك الفتى الداعر؟
- نعم أعرفه ولا أظنه كما تصفين، فما باله؟
- إنه يستحق قطع رأسه.
- ماذا فعل؟
- تعقبني اللعين في ذهابي إلى القرية أمس.
- نعم.
- وعند رجوعي منها أيضاً.
- نعم.
- وغازلني ودعاني يا حمراء العينين، أرأيت إلى جرأته ووقاحته، لقد هممت أن أشدخ رأسه بالفأس التي كانت معي.
- هل ساءك أن وصفك بحلية استلطفها فيك؟ إنك وحمدان قد نزعتما في لون العينين إلى الوالد رحمه الله، بيد أني أخذت عن أمي لون عينيها.
- ولكن عيني لا تبلغان مبلغ عيني حمدان من الاحمرار.
- أجل ولكنهما بعد لحمراوان، لوددت لو أنهما كانتا لي فإني أراهما أجمل وأملح، وماذا قال لك ثمامة بعد؟
- ماذا عسى أن يقول مثل هذا الفتى الخبيث لفتاة مثلي إذا أراد أن يختلها؟ قال لي إنه يهواني وإنه يتمنى لو أقبله بعلا لي.
- فماذا قلت له؟
- أردت أن أصرفه عني فزعمت له أنني مخطوبة لعبدان ابن عمي.
- فماذا قال؟
- ما صدقني بل ضحك ضحكة فاجرة وقال: (تلك أختك عالية فلا تدعي ما ليس لك).
فأسبلت عالية جفنيها فظهر واضحاً جمال أهدابها السود وهي تكاد تلامس وجنيتها من طولها، وانكفأت تقول: (ألم يقل عني شيئاً غير هذا يا راجية؟).
فترددت راجية قليلاً ثم قالت: (لا، لم يقل شيئاً آخر).
فرفعت عالية جفنيها فطفقت عيناها تلمعان كأنهما نجمان وجعلت تنظر في عيني أختها كأنها تشك في صدق ما تقول ثم قالت:
بحياة أمي يا راجية وحياة حمدان!
فرجعت راجية تقول: (الحق أقول لك يا أختي إنه أراد أن يغيظني لما أغلظت له الرد وقطعت عليه السبيل فقال لي: لولا أني أعلم أن أختك قد خطبها ابن عمها فهل تظنين أني أوثرك عليها وهي أجمل فتاة قبل شفتيها ماء الفرات؟).
قالت عالية وقد ازدادت عيناها صفاء ولمعاناً: (أوقد قال ذلك؟ إني لأخال صاحبك هذا شاعراً يا راجية!).
قالت راجية وقد سرى في جبينها طائف من العبوس: (أو يروقك الشعراء بعد يا عالية؟ أليس بحسبك عبدان ابن عمي؟ إنه والله لخير منه ألف مرة. أما والله لو كنت مكانك لقصرت همي عليه، ولما عناني أن يطريني سواه ولو كان أشعر الشعراء).
قالت عالية وهي تبتسم: (لو لم تكوني أختي لغرت منك على عبدان، ولخلت أن تحمسك له لم يصدر من قلب سليم قط).
فأجابت أختها وهي تصطنع الابتسام: (إنما نافحت عن ابن عمي لما آنست أنك تعدلين به غيره، وما قلت إلا ما ينبغي لي أن أقول عنه).
فنظرت إليها عالية نظرة تفيض بكثير من الحب وقليل من العتب وقالت: (والله إني لأحب عبدان ولا أعدل به أحداً غيره. ولكنك يا أختي ما زلت حديثة السن ويغيب عنك كثير من شئون الحب!).
وما قطع حوار الأختين إلا صوت أمهما العجوز تناديهما من خلفهما على بعد منهما، فألقت راجية مضربها وانطلقت لترى أمها ماذا تريد. وكانت العجوز جالسة على مصطبة كبيرة أمام كوخها، تظللها أيكة من النخل تجري حولها أنابيب من الماء، ثم تنطلق إلى حيث تسقي صفوف النخل المتفرقة في أطراف المزرعة، وكان أمامها كومة من التبن وحزم من قصب الذرة الجاف وشيء من البرسيم الأخضر، فهي تقصف من القصب عيداناً قصيرة وتضع بينها شيئاً من التبن، ثم تلف عليها حزاماً من البرسيم، تعد ذلك لغذاء الثور وغيره من الماشية التي عندهم.
- ماذا تريدين يا أماه؟
- انطلقي إلى أخيك حمدان فقولي له قد آن أوان الغداء. وارجعي أنت وأختك فساعدا أم الغيث في إعداد الطعام.
- وماذا تفعل أم الغيث من الصبح؟
- شغلها ولدها يا بنيتي عن كل شيء، فعليكما أن تساعداها ولا تغضبا أخاكما في امرأته.
- قوم ينامون في الكوخ وقوم يعملون في حر الشمس!
- إن شئت عنيت أنت بولديها وهي تعمل مكانك.
- أما الغيث فخطبه سهل، ولكن أنى لي اللبن أرضعه لفاخته؟
فرفعت آلام حاجبيها المتهدلين من الكبر ونظرت إلى ابنتها بعينين واسعتين لعلهما كل ما بقي لها على حاله من عهد الشباب بعد ما تغير كل شيء فيها وقالت في صرامة: (إذا فاهتمي بشأنك ودعي شئون الآخرين).
وانصرفت راجية لتدعو أخاها وأختها وهي تقول بلهجة لا تخلو من التبرم: (سمعا لك يا أماه، سأظل أعمل في حر الشمس حتى تصبح عيناي بلون الدم).
فابتسمت العجوز ابتسامة خفيفة وهي تشيع راجية بعينيها وطفقت تقول: (ومن يشابه أباه فما ظلم، رحم الله أباك! ما لقبه الناس بقرمط إلا لحمرة عينيه).