( 32 )
هههههه أنا أراك تقرفص قربي في هذا المكان ، كأنك .. أوه الأحسن احذف هذه الكلمة من تفكيري الآن يا عارف . احترام متبادل بيننا أحسن من كلمة طائشة ومحبطة ترضي غضبي ، أعذرني ، قلت لك هكذا يكون عجوزاً مثلي عندما تقترب نهايته .
لا تقل ذلك عمي زوربا .
ورطة الحياة أكبر من أن نستوعب كل شيء فيها ، نادم على أشياء كثيرة لا أستطيع البوح بها يا صاح .
تبدو بائساً عمي زوربا ، كل شطحاتك وجنونك ولا مبالاتك ، الآن تتوقف مخذولاً ؟! كم تهبني العزاء في هذا العالم الجهنمي ، إياك تتخلى عني .
تعبت كثيراً ، أليس من الأفضل أن تتركني أرجع لأوراق صاحبي ، تركت مكاني شاغراً هناك من أجلك ، يجب أن أرجع ، قبري هناك يا رجل ، وهل هناك رجل يغادر قبره لرجل آخر غيري ؟! اللعنة اللعنة .
ماذا ستفعل ؟!!
دعني أفعلها .. عندي رصاصتين في مسدسي العتيق ، جاهزتان الآن من أجل موت سريع ، كلانا يرتاح من بؤس الحياة ما رأيك عارف ؟
أنت يائس مثلي عمي زوربا ؟ هكذا نتحول عندما ينطفىء الحلم البرىء بدواخلنا و يضمحل الـ ..
اللعنة لا تفلسف شيء أمامي ، لغتك الأدبية هذه لا تحتمل الموقف . أنت أكثر بؤساً مني ، أنت قارب صغير ومهترىء تتقاذفه أمواج العاصفة ، ضائع لا وجهة له .
هههههه عمي زوربا ها أنت ترد عليّ بنفس اللغة ، أنا أنت و أنت أنا . حتى ( غريغوري راسبوتين ) ألتفت أمس لوجه الشبه بيننا عندما ثرثرت معه !
تعرف ؟ المرة القادمة ربما لا تجدني هنا . أرجوك لا أستطيع تبرير هذا الآن فلا تسألني و .. سأصلي من أجلك . لست متديناً لتك الدرجة لكن سأفعل .
تصلي من أجلي ؟!
تمسك بشيء من الأمل ، هذا لن يكلفك شيئاً ، سأنصح بقية الأشباح من زملائي حينما ينوون القدوم إليك ، كلنا نحبك عارف ! ثم لو كنت أعرف ..
ها قد غادر بغتة ، بسرعة أخلى المكان . جاءت وعلى صفحة وجهها سؤال من أزداد استغرابها .. تتفقد المكان ، لكن المزرعة كما هي ، مقفرة في هذا النهار ، لا أحد فيها غيره مع تلك الفزاعة البشعة ، أليس من الغريب أن يتحدث هكذا مع الفراغ ؟!
معك أحد في المزرعة عارف ؟!
لا تشغلي بالك ، هذا عمي زوربا أروع واحد طيب أحبه وأحترمه في العالم كله!
لا أرى أحد ، يمكن عضة الكلب نقلت لك مرض خطير وأنت لا تدري . هذه هلوسات غير مطمئنة . زوربا من يكون ؟
زوربا أحد الأشباح الطيبين ، يزورني من وقت لآخر ، نحن أصدقاء مع بقية الأشباح التي .. أوه لا تشغلينا بهذا الموضوع ، معدتي تأكل نفسها من الجوع .
كل حتى تشبع ، عندك دجاجة مشوية و رز .. كل ما يعجبك .
خسارة .. طعم السمك المقلي أحلى ، أتتذكرين ذاك اليوم منصورة ؟
خلك من الذكريات الآن . عارف لازم تغير مكانك هنا ، لا تنتظر حتى تهجم عليك أي دورية شرطة أو يصيبك مكروه .
أخذ يمضغ طعامه في عجلة و الرز يملأ فمه منتفخاً ثم هز رأسه ..
ماذا لو قررت اسلم نفسي وأنتهي من هذه القصة السخيفة ؟!
لن يرحمك أحد هناك . أكيد لا تقصد هذا الكلام ، أخوك هاني اتصل بي اليوم .
وماذا كان يريد ؟
لا تشغل بالك ، هو في عالم وأنت في عالم آخر .
هذه ألغاز أم ماذا ؟
لا أبداً ، أحس بالضجر ولا رغبة لي في شيء ، عارف يجب أن أذهب ، طيارتي تقلع بعد ساعتين أو أقل . كتبت شيء جديد ؟
ربما نصف صفحة ثم مللت ، أعجز عن فعل شيء ذي جدوى ، أمس تيبس الدم في عروقي ، سيارة شرطة مرت بالقرب من المزرعة .
تقول أنك ستسلم نفسك ، لماذا خفت ؟!
.....................
أعرف أحدهم يعمل في الهجرة و الجوازات ، يمكن يساعدك .
هههههههههه ، أصلاً لا أعرف إن كان أبي أصدر لي جواز سفر ، شهادة ميلادي مهترئة كانت عند أمي . هويتي هذه الأرض وأنا من ملحها ونسغ نخيلها .
أنت وافقني على فكرتي واترك الباقي عليّ ، نسافر إلى بيروت وتكون في أمان . اسمع كلامي ولا تعاند .
إذا سافرت بعيد عن البحرين أموت . هي كل عالمي الذي عرفته يا منصورة .
عالم ليس فيه غير الإحباط و الكذب ، الموت القهر ، نحن بلد العجائب والتناقضات ، أكيد تهذي عارف ، هنا كل أنواع العذاب التي تتخيلها في حياتك .
عندنا بلد غيرها ؟ جاوبيني منصورة . هذا وطننا مهما حصل ، ولا كل أوطان الدنيا تعوضنا دفئه لو راح .
سأتأخر على هذه الحال لو جادلتك بلا فائدة ، هاك خذ مشي أمورك ، أحبك ، أرجوك سامحني . مع السلامة عارف .
بسرعة انسحبت من المكان ، حدق في الظرف ، لا يدري شيء عن رزمة الدنانير التي تعطر يده ولا عن الحقيبة التي تركتها . حقيبة جديدة فيها بعض الصابون والمعلبات ، هاتف جوال ، صحن الومنيوم مليء بالمعكرونة الساخنة مع رسالة لم يكترث بشأنها وأشياء أخرى . الجوع لايدع له حيزاً كي يفكر في شيء آخر ، هجم على طبقه يأكل بشهية ثم أنتقل لبقية الطيبات يأكل . وهي تنسحب على مهمل من المزرعة تفضحها دموع أخرى ، كأنما تستعد لشيءٍ ما ، يشعل حريقاً آثماً تريده وتكاد تهرب منه ثم تصطلي بندمه !
# # #
المضيفة الجوية كالمعتاد تشرح تعليمات السلامة ، ها وجهها تتراكم عليه طبقات الماكياج و.. تسرب إليها الندم ، لم تستأذنها الدموع هذه اللحظة ، تركت المضيفة وأنصتت إلى عالمها الداخلي ، ها يدها تتعرق في خوف وقلبها يهرول في غابات القنوط ، أن لا شيء يستحق في هذه الحياة ! هو هكذا يغرق في التيه ويستمر في تلك الهاوية التي تمتص عمره في حفر المجهول ، لا يعرف ماذا يريد من الحياة ولا يهادن شيء حوله ، لا يقاتل أحداً سوى ظله ، يرتدي قمصان أحلامه المهترئة !
عارف .. حزنٌ أمامك يفتح ذراعيه وحكاية بائسة لا تشبه أي شيء آخر . كانت تتوقع أن يموت في سجنه أو ربما يحصل له شيء ولكنه أفلت بطريقةٍ ما ، على ما يكافح ها هنا ؟ لأجل ماذا ؟ ليس له أحلام حقيقية ولا أمنيات ، طلق الفرح من سمائه ، عاشر طرقات الخيبة والألم ، تجول في عواصم نكباته طويلاً حتى ذابت أسماله وتقرحت قدميه وهو يحوم في دوائر الفراغ الجهنمي ، لا يبلغ أيما ضفةٍ في المدى غير محطات أخرى متجددة من العذاب !
حرام .. والله حرام ، كيف ُيترك في هذه العبثية يسقط من قمة عذاب فتتلقفه قمة أخرى ، صعبة وغريبة الحياة فكيف تفكر يا عارف ؟ لا داعي لأن تفكر في شيء ، لا بد لروحك أن تستريح ! حاولت الهرب من أفكارها ، جربت مشاهدة مسلسل كارتوني ثم غيرت رأيها مع شيء من الموسيقى الهادئة ولكن كل هذا لا يجدي نفعاً أمام (سونامي ) من القلق وتأنيب الضمير . هي لحظة حقيرة قبلت بخيانتها واستجابت لندائها الآثم . تعرف أن بكائها الآن في التوقيت الضائع ولا ينفع أو يغير من حقيقة ما جرى في الساعات التي مضت .
من النافذة تحت غلالة شفافة من الغيوم بدأت تظهر جبال لبنان ، سبقها إعلان الطّيار الاقتراب من أرض المطار ، دقائق حتى صار واضحاً في مرمى البصر، بدت على أرضيته العديد من الفجوات التي خلفها عدوان 2006م الإسرائيلي ، تم رصفها من جديد . برج المراقبة قديم كحال المطار في بلدٍ يعج بالتناقضات والمشاكل الطائفية والاقتصادية والسياسية التي لا تهدأ . أشارت المضيفة إلى أهمية ربط حزام الأمان ، تبخر بعض شرودها ، تركت التحديق خارجاً ، تركت ما خلفها ولو في هدنةٍ مؤقته ، ربما الأمور تمضي عكس التيار، يحصل هذا أحياناً . لابد للمرء من الطبطبة على هواجسه حتى يستمر في الحياة .
حطت الطائرة على مدرج المطار ، تلك الخراطيم الصندوقية الشكل لا يوفرها عادةً بالعدد المطلوب مع كثافة الحركة الجوية ، جميع الركاب ينزلون عتبات السلم نحو الحافلة المنتظرة يلهث محركها دخان الديزل الكريه ، استنشاق هذا الدخان يثير رغبتها في القيء ، كل أحشائها تتقلب ، لا تستطيع التغلب على هكذا شعور، هي ذي تبحث في الصالة عن أقرب حمام للسيدات ، تدخل في الحال ولا أحد في فراغه .. تفرغ ما بجوفها ، لحظات ثم تستريح ، كأن أحشائها تستقر في مكانها إلا قليلاً ، ترشح وجهها بالماء ، تزيل ماكياج الرحلة ، ترتب شعرها لتكتشف زيف وجهها . ما عادت تعرف نفسها الآن ؟! مع كل صباح ترى النصف المتبقي ، هي هكذا تشعر على الدوام ، تعيش بنصف وجه ، أما النصف الآخر ، بات في سجن الظلام ، تحاول أن تؤثث فيه ذاك الفرح وتدعيه ولو كذباً كيما ترضي غرورها فقط .
ثم بكت أمام امتحان المرآة ، كأنما تنتزع اعترافها .. عارف سامحني سامحني ، لعب عليّ إبليس ، يا رب خذ روحي وخليني أرتااااااااااااااح ! عارف ، عارف .
# # #
هذه لعبة ملعونة مثلك آه ه ه ه ، هاني عمرك ما حبيتني ولا خليتني أحس أنك أخي الصغير .
أخوتك ما تشرف أحد ، أنت .. ههههه . مشكلتك طيب وأهبل ،تصدق كل الناس . منصورة تعطيني أخبارك وأعرف كل حركاتك . صدقت أنها تحبك ؟ منصورة ما تحب إلا نفسها وبس .
آه ه ه ه أكيد اتفقت معها على السم ! لكن أخي يطاوعك قلبك تقتلني ؟!
صدقني سترتاح من هذه الدنيا ، لا أريدك أخي أن تتعذب فيها. وفر عليّ تعب وبلاوي أفكر فيها ، تنازل عن ورثك من أبونا .
وصلني المستشفى الله يخليك هاني ، بعدها خذ ما تريد ، ألا تراني أموت ؟؟ أنت وهي تريدان إزهاق روحي ، آه ه ه ه ، أنجدني هاني .
وقع هذه الأوراق أولاً !
هاتها آه ه ه ه ، خذ أوراقك وحلال عليك بيت أبونا و.. آه ه ه سأموووووووت ، تعال أين تذهب وتتركني !!