الفصل الثاني

6 0 00

الفصل الثاني

السجان الجديد

عندما استعادت كولين وعيها كانت في نفس الغرفة التي فقدت الوعي فيها .و لكن الذراعان القويتان لم تعودا تحيطان بها.

و تساءلت إذا كانت قد تخيلت ما حدث ، و وجدت جوليانو انريكو واقفا بقربها . ربما لم يكن هو ، بل شخصا آخرا هو الذي وضعها على أريكة ، و ليس على الأرض.

و تملكها التعب ، و رغبت في إغماض عينيها ثانية . ثم تذكرت الأشياء الفظيعة التي قالها لها هذا الرجل الأطول من المكسيكين العاديين ،

و جاهدت كي تجلس ، محاولة الاحتفاظ بأكثر مايمكن من كرامتها .

و سمعته يقول:

-هل تشعرين بشكل أفضل سنيوريتا؟

و تذكرت بأنه اتهمها بأنها أتت إلى المكسيك لترى ما تستطيع أن تلتقطه هنا من ثروة !

-أنا بخير تماما.

و أدركت ، من دون أي شك ، بأنه لم يصدق بأنها غابت عن الوعي . و حمدت الله على كبريائها الذي استطاع دفعها إلى الوقوف،

دون أن يبدو عليها ما يشير إلى مدى ارتجاف ساقيها .

و كان الرجل الذي بدأت تكرهه أكثر من أي شيء آخر في الدنيا . واقفا ايضا .

و لكن تجاهلت يده الممدودة بقصد مساعدتها:

-أعتذر لإغمائي هكذا ... فهذا أمر لايحدث لي عادة .. لقد مضى وقت طويل لم أنم فيه.

-اسمحي لي إذا ياسنيوريتا ، أن أعوضك عن هذا .

و نظرت إليه، و أخذ عقلها يفكر بوضوح أكثر ، الوضع الذي هي فيه لا تحسد عليه . فليس لديها أية فكرة عن مكان وجود شقيقها،

و لا أحد آخر قد يعرف . و ليس لديها مال كثير ، و لن يوصلها هذا إلى أي مكان.

-هل تقترح علي أن أنام هنا ؟

-هذا صعب . فعائلتي قد عانت ما يكفي على يد عائلتك . و لا يمكن التفكير بأن تستيقظ إيزابيلا صبيحة اليوم الذي كان يفترض أن يكون يوم زفافها لتجد شقيقة من خانها تنام تحت سقف واحد معها.

-رايان لا يفعل ...

و قاطعها بثبات :

-سآخذك إلى فندق ..و سنخرج الآن .

إذا فهو لايريدها في المنزل و لا دقيقة بعد. بإمكانها أن تتفهم هذا.

فلا بد أن إيزابيلا بحاجة لعناية طبية لتهدئتها . و مع ذلك فلم تستطع تصديق أن رايان قد فعل هذا.

-هل أنت جاهزة للذهاب ؟

و دون أن ترد التقطت حقيبة الكتف التي أدخلتها معها ، و تحركت نحو الباب حيث كان جوليانو إنريكو ينتظرها، و رافقها عبر التراس و التقط حقائبها ثم إتجه معها إلى سيارة واقفة خارج المنزل ،

فجلست فيها آملة أن يختار فندقا صغيرا رخيصا.

و غاص قلبها عندما لاحظت أنه أوقف السيارة أمام فندق كبير فخم و حديث، فهذا سيكلفها الكثير ، و هي تعرف هذا .

و قالت له ، راجية أن يظن بأنها تفضل الفنادق الصغيرة و لاشيء أكثر .

-أفضل فندقا أصغر من هذا .

-ما تفضلينه ليس مهما الآن ، فالوقت متأخر و لا أنوي قضاء الليل في البحث عن مكان يلائم ذوقك.

و نزل من السيارة و فتح لها الباب ، ثم حمل حقيبة في كل يد ، و وقف على الرصيف ، و من الواضح أنه كان يتوقع أن لا تناقشه ،

و لكنها لم تتحرك خطوة . و أحست بكراهية له أكثر ، ليس فقط لأنه قال لها بأنها أتت إلى هنا بحثا عن الثروة ، بل أيضا لأنها ستضطر أن تخبره عن و ضعها المالي . و واجهته قائلة:

-ما معي من مال لا يتناسب مع هذا النوع من الفنادق .

-أتعنين أنك هنا دون مال ؟

و لم تعجبها رنة الرضى في صوته التي تثبت ريبته فيها . و دون أن تنظر إليه ، دفعها كبرياؤها ثانية وسارت متجهة إلى مدخل الفندق .

إقامتها هنا سوف تدمرها ماليا ، و هي تعرف هذا ، و لكنها لن تفكر بهذا قبل أن تحصل على بعض النوم.

و وقفت جانبا ، بينما كان يتحدث مع موظف الاستقبال ، ثم شاهدت صبيا يحمل حقائبها و يأخذ المفتاح ، و نظرت بثبات إلى جوليانو إنريكو غاتورادي دون أن تفوتها ملاحظة التوقد في عينيه،

ثم استدارت لتلحق بالصبي نحو المصعد .

***

كانت الشمس تشع عبر النافذة عندما استيقظت . و نظرت إلى ساعتها .. لقد كانت تظن أنها ستنام لشدة تعبها عدة أيام ، و مع ذلك فالساعة تشير إلى الثامنة إلا عشر دقائق.

و تذكرت الإرهاق الذي هاجمها بعد خروج الصبي من غرفتها ، و لم يدهشها أبدا أن النوم غلبها فور أن وضعت رأسها على الوسادة .

و داهمتها نوبة سعال مفاجئة ، حتى دمعت عيناها ، إنها هنا و الشمس مشرقة الآن ، فلماذا لايتوقف سعالها ؟

على كل الأحوال ليس لديها وقت الآن للاستغراق في هذه الأفكار ، فهناك أفكار أخرى تتجمع في رأسها .

كانت خارجة من الحمام ، ترتدي ثوبا قطنيا قديما ، عندما شاهدت مذكرة الفندق تقول إن الغرف يجب أن تخلى قبل الساعة الثانية .

و هذا يعني أن أمامها وقت حتى الثانية لتقرر ماذا ستفعل .

في البداية ، سوف تذهب لتقابل مالك شقة شقيقها الذي قابلته ليلة أمس ، فلابد أن شقيقها ، إذا كان هرب مع إمرأة أخرى ،

حتى و لو لم تصدق هذا ، قد ترك دليلا على مكان وجوده ؟

و وجدت حرارة الشمس مقبولة في البداية ، و لكن بعد عشر دقائق على من السير ، أدركت أن من المستحيل السير بشكل متواصل ،

و أحست بالراحة بعدما جلست خمس دقائق على مقعد في إحدى الساحات العديدة للمدينة.

و بعد نصف ساعة من السير ، قضتها بالسؤال بواسطة الإشارات و كتاب تعليم الأسبانية ، و الرسالة التي تحتوي على عنوان رايان ، تمكنت من الوصول أخيرا إلى حيث تقصد.

و كان عليها أن تعترف بالهزيمة بعد أن رنت جرس الباب ، ثم ضربت على الباب بقوة دون أن تتلقى أي رد .

و خرجت من المبنى ، دون أن تعلم أين ستذهب ، عليها أن تعود فيما بعد ، و لكن المشكلة الجديدة كانت تغزو كل تفكيرها ... إذا وجدت عنوان شقيقها فمن السهل أن تصل إليه .. أين ستقضي هذه الليلة؟

كانت تشعر بالحرارة ، و الإنزعاج ، و لكن خوف ، و وجدت نفسها في شارع ماديرو .. و اغتنمت الفرصة لتهرب من الشمس ، فدخلت إلى أحد محلات بيع الكتب .

و لم تكن تنوي شراء شيء ، و لكن المكان هنا أبرد و امضت عدة دقائق في تفحص بطاقات البريد و تفكيرها مشغول فيما ستفعله الآن ؟

و خرجت من المحل ، و اتجهت إلى حديقة عامة فيها نافورة ماء تتدفق ، يقصدها العديد من الناس الهاربين من حرارة الشمس للاسترخاء على المقاعد الخشبية الموضوعة هناك.

و لكنها لم تستطع الأستقرار ، فوقفت ثانية ، و أخذت تتمشى على مهل .

كواريتارو ، كما علمت ، بلدة ذات أهمية تاريخية . فهنا أُعدم الإمبراطور ماكسيميليان ، و هنا عاشت جوزفين اورتيزدو دومينغيز بطلة الاستقلال ، و إلى هنا أُعيدت بقاياها بعد موتها .

و تمنت و هي تمر قرب التمثال المقام لها في الساحة لو أنها تملك جزءا يسيرا من شجاعتها .

و بلغت الساعة الثانية عشر ، و هي ماتزال تسير على مهل و على غير هدى .

و وصلت إلى كنيسة "سانتاروزا" و دخلتها لتخرج بعد قليل و هي تشعر بالهدوء أكثر ، مع أنها ظلت قلقة ، و سارت نحو الحديقة المقابلة لتجلس هناك ، و تذكرت أن عليها العودة إلى الفندق قبل قبل الثانية ،

و لكنها لم تكن متلهفة لأن تحمل حقيبتين و تسير في الشوارع ، و خطرت في بالها فكرة البحث عن عمل يقيم بأودها حتى تستطيع أن تجمع ما يكفي لثمن بطاقة العودة .

و لكنها لاتدري أي نوع من التراخيص هي بحاجة إليه للعمل في المكسيك ، وما هو نوع هذا العمل ؟

فكل ماكانت تجيده هو إدارة المنزل ، و أي إمرأة بإمكانها أن تفعل هذا .

و لم تكن أذنيها مستعدتان ، و هي مستغرقة بالتفكير ، أن تسمعا الصوت الذي ظنت بأنها لن تسمعه ثانية .

-أين كنت طوال هذا الوقت ؟

و أجفلت لرؤية جوليانو انريكو يقف أمامها ، فتراجعت بخوف.

و بقيت جامدة ، و العبوس على وجهها . و قالت له ببرود :

-معرفتك التامة باللغة الإنكليزية تدهشني . أنا أعرف أين كنت ، لقد ذهبت لأقابل صاحب منزل شقيقي .

-و لماذا ؟

و كانت على وشك أن تطلب منه أن يهتم بشؤونه عندما تقدم ليشاركها الجلوس على المقعد الخشبي المدهون باللون الأبيض .

فقالت قلقة:

-لقد ذهبت لأسأل عن عنوانه الجديد .

-كان بإمكاني توفير المشقة عليك .

و ادارت رأسها بقوة :

-أتعلم أين هو ؟ صاحب الملك لم يكن موجودا ، و فكرت أن أعود لاحقا عندما يعود من عمله .

-لا .. لا أعرف مكانه ، و كم كنت أود لو أعرف . و لا يعرف صاحب الملك أين هو كذلك .

و وقفت ، و لكنها لم تخطو سوى خطوتين ، عندما أمسك بذراعها ليوقفها :

-و أين تظنين نفسك ذاهبة الآن ؟

و حاولت أن تتخلص من القبضة الحديدية التي أمسكت بذراعها ، و لكنها لم تنجح ، و أوشكت على البكاء ،

و لكنها منعت نفسها بجهد حتى لا تمنحه فرصة الرضى ثانية لمشاهدتها و هي تبكي .

-أنا ذاهبة إلى الفندق لآخذ حقائبي و أسدد حسابي .

و وجدت نفسها مجبرة على العودة إلى مقعدها ، هذا إذا كانت تريد أن تتجنب صراعا معه أمام أنظار الناس .

-فاتورة الفندق مدفوعة .

-و هل دفعتها أنت ؟قل لي من فضلك كم دفعت ...

-لا تكوني سخيفة!

و لاحظت أنه قد غضب لأنها تحاول أمام الناس أن تدفع له مالا.

-أنا لست سخيفة.. و لكن إذا كنت تظن أن كرامتك كرجل جرحت بسبب ...

و أسكتتها النظرة على وجهه .. فقد بدا مستعدا لضربها !

و لاحظت ضغطه على فكيه ، ثم أدركت أنها كانت مخطئة بما ظنته حول كرامته . فقد أخبرها , دون اكتراث برأي أحد به ، كم كلفت الإقامة لليلة واحدة في الفندق ، و حاولت أن لا تقفز من مكانها عجبا لضخامة المبلغ، بينما مد يده إليها كي تدفع له ،

و راقبها بعينين حادتين و هي تفرغ ما في حقيبة يدها ، و عندما رأى ما تملك قال :

-أقبل أن تدفعي شيكات سياحية إذا كان هذا كل ما تملكينه من مال نقدي.

مال نقدي !.. هذه القطع النقدية هي كل ثروتها . فتمتمت:

-لا أملك شيكات سياحية .

-و هل هذه النقود في يدك كل ما تملكين؟

-إنها تكفي لتغطية فاتورة الفندق .

و شعرت بالغضب لأنه لم يحاول أن يأخذ المال الذي كانت تقدمه له، و فهمت أن السبب الوحيد لمطالبته لها بالمال هو أن يعرف ما بحوزتها من نقود .

و تمنت لو إنها لم تقل له إنها لا تملك شيكات سياحية ، و بدت غبية و هي جالسة هكذا تمد له يدها بالمال ، و هو يتجاهله . ثم سألها:

-إلى متى كنت تنوين البقاء هنا ؟

-لقد كنت أتوقع أن أقابل شقيقي.

-و هل كنت تتوقعين أن يدفع لك مصاريف إقامتك ؟

-أنا.. لقد.. دعاني لحظور . و قال ...

أوه ... لما هي مهتمة هكذا ! و عاودها كبرياؤها ، فقالت :

-أستطيع العودة إلى بلدي بسهولة .

-و هل حجزت لطائرة العودة ؟

كان سؤاله حادا.. بشكل دفع كولين ، التي لم تكن معتادة على الكذب ، أن ترد قبل أن تفكر :

-لا...

-و لكن معك تذكرة العودة ؟

احمرار وجهها الفجائي أجاب عنها ، و علمت أنه عرف الرد .

-أستطيع أن أجد وظيفة .. عمل.. أنا..

-و هل كنت تتوقعين أن يدفع لك شقيقك ثمن تذكرة العودة ؟

-من ماله الخاص و ليس من مال إيز... خطيبته السابقة.

-يبدو لي ،سنيوريتا شادو، أنك في مأزق.

-أنت ذكي حتى تستطيع استنتاج هذا !

-لا أعتقد أن من الحكمة أن تتكلمي معي بهذه اللهجة سنيوريتا .

-و ما السبب ؟

-السبب ، يا كولين شادو ، هو أنني أستطيع أن أضمن لك أن لا يوظفك أحد هنا، و في نفس الوقت هناك فرصة بأن أفكر أنا بتوظيفك.

و أجفلت ، و نظرت إليه لترى إذا كان جادا ، و أحست بكراهيتها لنفسها ، فهذا الرجل هو آخر شخص قد تفكر بالعمل له ، و مع ذلك فهي فعلا في مأزق و تحتاج إلى المال ,

فعليها إذن أن تتنازل عن كبريائها لتفهم منه المزيد :

-و ما نوع هذا العمل ؟

-مانوع العمل الذي كنت تمارسينه في إنكلترا؟

تدبير المنزل ، عمل إعتادته بشكل طبيعي ، إذ لم يكن لديها خيار آخر .

فمامن مدبرة منزل استخدمها والدها في السنوات الأولى بعد وفاة والدتها استطاعت أن تتعايش مع طريقة حياته لمدة طويلة .

و هكذا اضطرت لممارسة هذا العمل بشكل طبيعي .

-لم أكن أعمل ..

-و هل كنت تفضلين العيش بكسل ؟ و مانوع العمل الذي تفكرين به لكسب المال لأجل تذكرة عودتك إلى إنكلترا ؟

-مدبرة منزل .. في الفندق.. أي شيء. فالمركز ليس مهما.

و ساد صمت ، بدا خلاله مستغرقا في التفكير . ثم و كأنه اتخذ قراره ، قال و هو يلقي الأوامر عليها ، بطريقة متعالية:

-ارجعي مالك إلى جيبك , ستحتاجين إليه و إلى الكثير غيره، سنتناول الغداء أولا.. ثم سأصحبك معي إلى "دورانغو".

-دورانغو ؟

-حيث أعيش .. لقد قلت لك هذا من قبل . لقد قلت إنك راغبة في العمل كمدبرة منزل ، و لدي العمل المناسب .

-العمل المنزلي ؟

شعرت بالاشمئزاز منه ، و لكنها كانت مستعدة للتمسك بأي شي مع أن قليلا من الحذر منعها من الذهاب معه دون أن تعرف المزيد.

-و هل كنت تأملين بعمل أقل حقارة من هذا ربما ؟

و هكذا لم يتخلى عن سخريته لوقت طويل ، و إذا كان كبرياؤها قد أزعجه ، فها هو يستعيد كبرياءه و هو ينظر إليها من طرف أنفه و يقول :

-ربما فكرت بأن عملك في الفندق ، قد يتيح لك مقابلة شخص ثري كما فكر شقيقك أن يفعل ؟ هل تخشين أن لا تكسبي في النهاية أكثر من أجرة سفرك عائدة إلى بلادك ؟

و ردت بحدة و برود:

-أنا لا أخشى العمل الشاق . و كل ما أطلبه أن أعرف المزيد من المعلومات عن العمل الذي سأقوم به . فأنا لا أعرف عنك الكثير سنيور .و أظن أنك توافق معي أن من الطبيعي أن أرغب في...

-أتظنين أنني سآخذك إلى منزلي.. لتنفيذ هدف آخر معك ؟ اسمحي لي أن أقول لك بالنسبة لذوقي في النساء ، أحبهن مع لحم أكثر على أجسادهن.

و كانت مضطرة لتجاهل إهانته حول جسدها النحيل ، حتى و لو كانت تظن أن جسدها ليس سيئا لهذه الدرجة ، و قالت له:

-لم يتبادر إلى ذهني للحظة أن أفكارك ستتجه هذا الإتجاه ، و إذا كنت قد قلت شيئا , فلأنني أريد أن أفهم لماذا تريدني مدبرة لمنزلك ، بينما نحن لا نحب بعضنا كما هو واضح . و لكن ما يهمني أكثر هو.. هل ستوافق زوجتك على أن..

-ليس لدي زوجة .

تصريحه الفظ جعلها تنظر إلى عينيه الزرقاوين غير العاديتين. و من نظرته ، بدا سعيدا لأنه أعزب .

-و هل سأعيش معك في المنزل ؟

و تمنت من كل قلبها أن لا يقول نعم ، و أن لاتكون مضطرة للسكن معه لوحدهما. فهو يكرهها لما فعله رايان لعائلته ، و يكرهها لاقتناعه أنها أتت إلى المكسيك لترى ما إذا استطاعت الحصول على شيء ،

و تعلم بأنهما سيتشاجران كلما فكر بالموضوع ، و لأنها امتلكت حريتها حديثا ، فليست مستعدة أن تنتقل من ظلم والدها و استبداده ، إلى تحت حكم هذا المستبد الجديد ، و قال لها :

-ستعيشين معي تحت سقف واحد ، و لكن سيكون معك من يرافقك، إن كان هذا ما يقلقك ، فمدبرة منزلي تعيش هناك مع زوجها.. و طالما لن أنسى أن الأرنب السمين أفضل من النحيل..

يمكنك أن تنامي و انت مرتاحة ، سنيوريتا . و ستكون تينا ، و زوجها امادو منزعجين كثيرا إذا حدث شيء شرير في المنزل.

المزيد من الإهانات! و المزيد من التأكيدات بأنها آخر إمرأة في الدنيا قد يفكر بها . إنها تعرف القليل عن الرجال،

و لكنها ليست غبية كي لا تميز نظرة الإعجاب عندما تراها . و لكن ما يزعجها أن جوليانو يحاول تدمير ثقتها بنفسها. و لن تقول له إن كبرياؤها نابع من خجلها الطبيعي ،

و أنها لأكثر من مرة أرادت أن تكون ودودة مع الناس ، و أن عفويتها تنبع من تحفظها . و أنها فقط هنا في المكسيك و في الباص الذي أتى بها إلى هنا،

بدأت تخرج من عزلتها ، و بقي صامتا ليترك لها مجالا للتفكير ، ثم قالت :

-و هل أفهم من هذا أن علي أن أقوم بالأعمال الصعبة في منزلك؟

-ستعملين هناك و تنامين هناك.. أجل.

و ابتسم ، فأشاحت بنظرها بعيدا، فهناك معنى عميق في هذه الابتسامة الساخرة . إن ما من أحد يمكنه أن يزعجه و ينجو بفعلته ،

و إنه ستكون له الكلمة الأخيرة في الدين الذي على أخيها لعائلته، فهو يظنها سيدة كسولة لا تعرف طرف الفرشاة من قبضتها ،

و سيكون مسرورا جدا لرؤيتها جاثية على ركبتيها تنظف الأرض..

و قال لها:

-العمل الذي عندي لك ياكولين شادو ، هو تنظيف كامل للمنزل الذي سيسكنه المراقب الجديد الذي أتوقع قدومه بعد وقت قصير .

و ابتسمت له كولين ، فالعمل المنزلي و هي صديقان منذ زمن بعيد .

-و لكنني لا أتوقع أن يأخذ هذا مني وقتا طويلا ، و أنا لن أستطيع الحصول على أجرة سفري منك لقاء عمل أقل من أسبوع .

و جاء دوره في الابتسام، و تلاشت ابتسامتها أمامه :

-إذا حدث و أنتهى هذا العمل و كنت راضيا عنه ، قبل أن تكسبي مايكفيك ، فما من شك بأنني سأوفر لك عملا مماثلا .

و تكونت لدى كولين فكرة بأنها سوف تتجول في كل بناء مقام على أرض مزرعته ، قبل أن تقلع طائرتها في النهاية إلى إنكلترا و هي التي كانت تظن بأن والدها مستبد...!

***************الفصل الثالث

عمل... عمل...

تقع "دورانغو" على سفوح تلال "سييرامادري" . و هناك كلمة واحدة فقط يمكن أن تصف المنطقة ، حيث يمتلك جوليانو إنريكو مزرعته ، و هذه الكلمة هي : جميلة !

و وصلا إلى "كواريتارو" في طائرة خاصة ، ثم استقلا سيارة لحوالي ساعة و نصف بعد أن وصلا إلى عاصمة المقاطعة .

في الصباح التالي ، لم يكن لديها أي مزاج للتفرج على جمال المنطقة ، و هو يقود السيارة باتجاه منزل المدير الجديد للمزرعة ، أو لتكون ممتنة للظروف التي أتاحت لها أن ترى هذا الجمال الرائع،

فكل ما كانت ترغب به ، أن تخرج من هنا ، بأسرع وقت ممكن .

رب عملها ، كما تنظر إليه الآن الجالس إلى جانبها بدا وكأن ليس لديه ما يقوله لها .و بالكاد كان لطيفا معها منذ أن وافقت على العمل عنده .

و نظرا لهذه الظروف فضلت أن تبقى باردة معه.. فالأشياء التي قالها عن رايان لا تزال تؤلمها ،و الأشياء التي قالها و فكر بها عنها ليست مشجعة كي تتخلى عن تحفظها الذي نما معها.

و تذكرت لحظة وصولهما يوم أمس ، كيف التفتت لتحضر حقائبها و لكنه قال لها:

-اتركيها فسوف يوصلها أمادو إلى غرفتك.

ثم دخل إلى منزله ، تاركا إياها تتبعه بسرعة ، خوفا من أن تضيع بعد دخلت ممرا يقود إلى العديد من الاتجاهات . و نادى:

-تينا!

و ظهرت إمرأة فوق الخمسين بسنوات ، لون بشرتها بني فاتح ، كانت كولين قد قرأت أنه يتولد من امتزاج الدم الهندي الأحمر و الأسباني ،

و هو يختلف عن بشرة جوليانو انريكو ، الذي كان بلون برونزي.

و تخلى رب عملها عن خشونته و هو يتحدث مع تينا بالأسبانية ، و التقطت كولين كلمة "سنيوريتا" و تأكدت أنه يتحدث عنها ، ثم التفت ليقدمهما لبعضهما، و بعد أن تصافحتا أكد لها ما كانت تظنه من أنه يتحدث عنها :

-تينا لديها غرفة جاهزة لك . و ستأخذك إليها ، نحن سنتناول العشاء بعد نصف ساعة .

و كانت على وشك اللحاق بتينا ، عندما استوقفتها كلمة "نحن" و لم تعجبها الكلمة ، فسألته:

-و هل سأتعشى مع باقي الموظفين ؟

فنظر إليها بهذا التكبر الذي تكرهه تماما:

-سوف تتناولين وجباتك معي .

-و لكن...

-وجودك في المطبخ مع تينا سوف يحرجها.

و أدركت أن عليها أن تتعلم الكثير بعد عن العادات المكسيكية ، بما أنهاخادمة هنا فلماذا سيحرج وجودها في المطبخ أي أحد .

شيء واحد تعرفه الآن.. لقد أكتفت تماما من تصرفات هذا المستبد ليوم واحد ! أن تجلس عبر الطاولة في مواجهته فهذا أمر غير مستعدة لتحمله ، فقالت :

-أرجو أن تعذرني سنيور.. و لكنني لست جائعة.

-و لكنك أكلت القليل عند الغداء.

-شهيتي دائما ضعيفة .

و تفرس بها من فوق لتحت ، و انتظرت تعليقا ساخرا حول نحافتها . و لكنه أثبت أنه سيد المفاجآت فقد فاجأها بقوله ببرود :

-اذهبي مع تينا ، إنها لا تعرف الإنكليزية ، و إذا احتجت لشيء فتعالي إلي .

و استدارت كولين مبتعدة عنه ، سوف تستطيع تدبير أمرها دون الا ضطرار للجوء إليه ، و لكن إذا كان لا يطيق حتى النظر إليها ، فلماذا يقترح عليها أن تراجعه ؟

الغرفة التي اصطحبتها إليها تينا ، كانت بيضاء ، باردة ، و الهواء الناعم يتدفق من النافذة المفتوحة ، و فيها سرير كبير على الطريقة المكسيكية ، و لم تمكث معها تينا أكثر من ثواني ،

و تلقت منها الشكر دون أن تبتسم "غراتسيا تينا" و أجابتها بأدب بالاسبانية : "عن إذنك" و تركتها .

بعد خروج تينا ، تفحصت الحمام الملحق بالغرفة ، و لم تستطع إلا أن تفكر بأن هذه الشقة فخمة جدا بالنسبة لخادمة للسنيور.

و لكن يا إلّهي كم هي تعبة ! لقد أرهقها التعب عند وصولها إلى أرض المكسيك ، و فكرت أن حماما سينعشها فدخلت إلى الحمام و أغلقت الباب وراءها.

بعد خروجها من الحمام الذي أنعشها ، لاحظت أن حقائبها قد أدخلت إلى غرفتها . و عندما أنهت فتح الحقائب و تفريغها أحست بالتعب ثانية ، و قررت أن تنام . و لكنها اكتشفت أن مفاجآت هذا اليوم لم تنته بعد.

فقبل أن تصل إلى السرير ، سمعت قرعا على الباب ، ففتحته لتواجه وجه تينا الجامد وهي تحمل صينية ، لا بد أن جوليانو إنريكو قد أرسل لها العشاء بقصد أن يجعلها تسمن ، فأخذت الصينية .

اهتمامه قد يعود إلى أنه يريد منها أن تنفذ عمل يوم غد أكثر من رغبته في رؤية المزيد من اللحم عليها.

أوصلتهما رحلتهما بالسيارة إلى منزل بدا مهجورا ، و كأنما لم يسكنه أحد منذ سنوات . و خرجت من السيارة و تبعته . و قال لها باختصار عندما تركته لتدخل إلى المنزل :

- خذي هذا .

فاستدارت كولين . "هذا" كان صندوق كرتون ، و أخذته منه ، ثم وقفت تنتظر بينما كان يخرج صندوقا أكبر و أثقل ، و سلة طعام للنزهات، ثم تناول مكنسة طويلة اليد لم تلاحظ وجودها من قبل ، و قال لها:

-أظن أن لديك هنا كل أدوات التنظيف التي ستحتاجينها.

و نزع القفل الخارجي عن باب المنزل الذي يعلم الله وحده ما يجاوره ، فهي لم تستطع أن ترى منزلا آخر على مدى النظر .

نظرتها الأولى إلى داخل المنزل جعلت معنوياتها تهبط . فالمكان قذر جدا! و هي التي كانت تظن أن بالإمكان تنظيفه في أقل من أسبوع! و استمرت تفكر بينما كان جوليانو يتجول بها من غرفة إلى غرفة دون أن ينبس بكلمة واحدة ، ستكون محظوظة إذا استطاعت إنهاء عملها فيه ، كما تريد ، قبل شهر!

و قالت معلقة :

-مما رأيته من البيت يبدو أنني سأكسب ثمن تذكرة سفري بمشقة .

و كانا قد وصلا إلى المطبخ حيث لاحظت الشحوم و الأتربة على الطباخ الذي بدا أنه بحاجة لأيام لينظف .

و ظنت أنها رأت الاشمئزاز في عينيه ، و لكنها لم تستطع معرفة ما إذا كان هذا بسبب حالة المكان أم بسببها . مع أنها لاحظت نوعا من الاعتذار في كلامه عندما قال :

-لقد أستخدم اللصوص هذا المنزل كمقر لهم لعدة أسابيع بعد هروب ساكنيه منه... سآتي لآخذك عند الساعة الرابعة . أبدأي العمل .

و أين ستبدأ ؟ المكان كله قذر . و عادت تجوب الغرف ثانية ، الأوساخ منتشرة في كل مكان ، المفروشات فيه و التي عرفت في الماضي يدا حنونة تعتني بها ، أصبحت الآن باهتة ، لا حياة فيها ، قذرة و ملطخة بالبقع...

و بدأت كولين..

الإرهاق كان رفيقها بعد أن أنهت الكنس من فوق إلى أسفل ، و هاجمتها نوبة سعال اضطرتها للتوقف .

ذكرى ما قاله المستبد "هل أنت خائفة من تلويث يديك " كان يحفز في أعقابها و يجعلها تتحرك لتعمل في وقت كانت بأمس الحاجة للجلوس.

و لملمت الأوساخ التي كنستها ، ثم فتحت الباب الخلفي .

و استقبلتها أشعة الشمس البراقة ، فتركت الأوساخ في الخارج و تجولت قليلا حتى وصلت إلى ناحية بدا لها أن الغسيل الأسبوعي يجري فيها . كان هناك مغسلتان كبيرتان و عميقتان . و لكن لايوجد مياه ساخنة ،

و قاومت شعورها بالتعب ، و صعدت إلى الغرف العليا و أنزلت الستائر من مكانها و حملتها إلى هناك لتضعها في الماء .

بعد أن أنهت غسيل الستائر ، و خلال بضع ساعات ، شعرت بأنها على وشك الانهيار ، و أصبحت حركاتها ثقيلة . و أعادت إقفال الباب الخلفي ، و نظرت إلى ساعتها ، ثم جلست .

و تمسكت بذراعي المقعد الخشبي تحتها و أخذت الدنيا تدور بها ، و فكرت بأنها قد تشعر بحال أفضل لو أحضرت الطعام من السلة لتأكله ، و لكن الفكرة جعلتها تشعر بالغثيان .

كان يجب أن تستريح لبعض الوقت ، فرفعت قدميها على المقعد ، الطابق العلوي بدأ يأخذ شكلا محددا ، و سوف تركز على العمل هناك هذا الأسبوع .

و هذا بالطبع يعني ، عندما يحضر جوليانو بوجهه المتجهم عند الساعة الرابعة سيظن بأنها لم تفعل شيئا طوال اليوم سوى الكنس في الغرف السفلى ، و لكنها تعرف أن شكوكه سوف تدفعه لتفحص المكان ، و سيعرف عندها أنها لم تتوقف حتى لتناول الغذاء.

و أجفلت ، بعد أن أدركت أنها لا بد قد غفت لثوان ، و فتحت عينيها . و علا الدم إلى وجهها ، و نظرت إلى ساعتها بسرعة ، ثم إلى الوجه المتجهم للرجل الذي دخل بصمت بينما كانت تغفو!

فشهقت قائلة :

-أنا.. إنها الثالثة و النصف فقط!

-و أنت أيتها الكسولة المثالية ، لم تكوني تتوقعين قدومي قبل الرابعة .

-و لكن .. أنا..

و لاحظت أنه غير مهتم بتفسيراتها ، و غير مهتم بالبحث عن أثر مما تراه عيناه حوله، و قال بحدة:

-تعالي..

و بدا أنه سيجذبها من مكانها بالقوة إذا لم تقف . و قال ساخرا:

-إذا كنت ستعملين بنفس السرعة التي عملت بها اليوم فلن تكسبي ثمن تذكرتك أبدا، يا كولين شادو.

عندما وصلا إلى المنزل كان غضبها قد انخفض قليلا . و صممت أن تعمل في الغد إلى أن تنهار ، كي تستطيع مغادرة هذا المكان المعادي في أقرب فرصة .

و دخلت المنزل من باب المطبخ لتضع سلة الطعام . و التفتت فتاة في مثل سنها من غسل الصحون ، و كانت طفلة سوداء الشعر تتعلق بها فدفنت الطفلة وجهها في تنورة الفتاة على الفور .

و توقف جوليانو ، فاضطرت للوقوف أيضا . و سمعت ذكر اسم تينا و هو يتحدث إلى الفتاة و كلمة "سيستا" و خمنت بأنه يسأل ما إذا كانت تينا ترتاح . و أجابته الفتاة :

-سي سينور.

-بونيو.

و انتبه عندها فقط أن كولين معه فقدمها للفتاة ، ايما و طفلتها بيلا ، و ابتسمت ايما على الفور و هي تصافح كولين ، و شعرت بحرارة مصافحتها ، و ازدادت حرارة ابتسامة كولين عندما مدت الطفلة يدها لها ، حسب تعليمات أمها ،

فالابتسامات تتخطى حواجز اللغة ، و كررت الفتاة وراء أمها : موتشو غويستو سنيوريتا(مسرورة كثيرا ياسنيوريتا).

و كانت كولين تستقيم في وقفتها بعد انحناءها لمصافحة اليد الصغيرة ، عندما التقت بعيني جوليانو إنريكو يحدق بها ،

فقد فهمت تفكيره بأنه يجد صعوبة في الرابط بين الفتاة الكسولة التي وجدها نائمة أثناء عملها و بين الفتاة التي بدت مسرورة لقضاء وقتها مع ابنة الخادمة... و اعتذرت من الفتاة ، ثم غادرت المطبخ .

و ساعدها الحظ فقط ، و ليس الحكم السليم لكي تجد طريقها إلى السلم ثم إلى غرفتها ، فهي لم تعتد بعد على المنزل.

و لاحظت فجأة أنه هنا ، و إلى جانبها.

و توقفت ، فهو ليس ذاهبا إلى غرفته ، فقد توقف أيضا ، و أحست بالقلق ، و حاولت أن تسيطر على الغضب الذي يجتاحها فقد توقعت أن تسمع منه تعليقا لا يرضيها و فكرت بأنه لو قال كلمة واحدة عن العمل الضئيل الذي يظن بأنها قامت به اليوم ، فسوف تصفعه.

و أخذ الغضب يتصاعد أكثر و أكثر في نفسها بينما كان يتفرس بها . ثم قال بشكل فاجأها، و هو رجل المفاجآت:

-يبدو عليك التعب . هل أقترح عليك أن تفعلي مثل تينا و ترتاحي قليلا ؟

و ذهلت لهذا التحول ، حتى كادت أن تقتنع بأن توافق معه ، و لكنها لم تستطع أن تنسى بسرعة أنه دعاها "بالكسولة المثالية"، وهذا مازال يحز في نفسها حتى أنها لم تشكره على اقتراحه. بل قالت متسائلة ببرود:

-و هل هناك شيئا آخر؟

و شاهدت البرودة تعود إلى عينيه ، و مع ذلك لم تندهش عندما أضاف:

-العشاء عند الثامنة.

-مع معرفتي أنني أكرر نفسي.. أنا لست جائعة.

و ظنت عندها أن كبرياؤها أثاره بقدر ما أثارها كبرياؤه. و الوميض السريع في عينيه أثبت أنها ليست مخطئة .كذلك الطريقة التي أشتدت بها قبضته اليمنى ، و عرفت بأنه أيضا يود لو يصفعها . و رد عليها بصوت بارد:

-إذا.. نامي دون عشاء . لقد تناولت وجبة جيدة اليوم ، و لا أنوي الطلب من تينا أن تحضر لك الطعام و تحمله إليك.

و ابتعد عنها ، قبل أن تتمكن من الرد عليه.

و في الصباح التالي ، عملت حتى بللها العرق ، و فكرت بأن عليها أن تكون ممتنة لأن تجد كل يوم مشمس مثل اليوم الذي سبق.

و لكنها أحست بالحر الشديد ، و هي تمرر المكواة جيئة و ذهابا فوق الستائر ، التي غسلتها في اليوم السابق . و عاودها الإرهاق الذي أصبح الآن مألوفا لها ، بعدما انتهت من الكوي ، و اتجهت نحو السلم لتنزل إلى المطبخ و تحضر ماتبقى من الستائر المنشورة على الحبال .

خطواتها كانت تعبة و بليدة ، و صامتة ، و غير قادرة على الأستعجال ، و عندما وصلت إلى الردهة السفلى أحست بالصدمة .

فالرجل الواقف هناك و ظهره إليها هو جوليانو إنريكو ، و لم تكن تعرف كم هي الساعة الآن ، و لماذا لم تسمع صوت سيارته ، و لماذا لم تسمعه يدخل المنزل .

و بدأ يستدير فنصبت كولين قامتها ، و رفعت كتفيها عاليا ، و لم يفتها أنه كان يتفحص ما فعلته اليوم ، أو ما لم تفعله بعد ، لأنها كانت قد قررت أن تترك العمل في المطبخ إلى النهاية.

-لقد عدت للعمل بجهد ثانية ، كما أرى.

-نحن الكسولات المثاليات معروف أننا لا نتحرك بسرعة البرق!

-هل أزعجتك تلك الملاحظة ؟

و تفحصت عيناه الزرقاوان شكلها المشعث ، يبدو أنه يظن بأنها كانت نائمة في الطابق العلوي . و أنها جاءت عندما سمعت صوت وصوله، فتابع ساخرا:

-من المؤسف أنها لم تزعجك بما فيه الكفاية كي تخرجك من كسلك.

-هل لكل المكسيكيين هذه الشخصية اللطيفة ، أم أن سحرك لا مثيل له؟

كم تحب أن ترى وجهه عندما يشاهد ما فعلته في الغرف العلوية . و تمنت لو أنه يفعل ، و لكن أمنيتها ذهبت أدراج الرياح..

و قال لها بحدة و هو يحمل سلة الطعام التي لم تلمسها :

-غدا أتوقع أن أرى بعض التقدم.

-و أية عقوبة سأتوقع إذا لم يحدث هذا؟

و كان جوليانو يسير بإتجاه الباب الخارجي ، و لكن لدى سماع كلماتها ، استدار و نظر إليها . و علمت عندها أنه نوع من الرجال من الحكمة الابتعاد عن الصدام معه.

-لقد تغاضيت عن كسلك لأنني ظننت أنك تحتاجين إلى يوم أو اثنين لتعتادي على الطقس ، و قد مضى عليك الآن ما يكفي في بلادي .و أنا لا أرغب بالأحتفاظ بك لتزيين هذا المكان.. و غدا سنيوريتا شادو ، سوف تبدأين العمل الفعلي .. حتى لو اضطررت للبقاء هنا للإشرف على عملك.

-و ماذا فعلت في حياتي لأستحقك؟

و تجاهلها و تقدم نحو الباب و فتحه ، ثم قال :

-و هل أنا بحاجة لأن أقول لك إنك من جلبت هذا لنفسك لأنك جشعة مثل أخيك ؟

و نظرت إليه نظرة جارحة ، و هو يقفل الباب.. يا إلّهي كم تكرهه! و بصمت جلست إلى جانبه ، و أدار السيارة و قادها بصمت. و كانا على وشك الوصول إلى المنزل عندما نظرت إلى معصمها بشكل آلي لتعرف الوقت ، فصاحت :

-ساعتي .! لقد تركتها في الطابق العلوي هناك.

و لأنها لم ترد أن يمن عليها بعودته لجلبها ، أضافت بسرعة :

-لا يهم.. سآخذها في الغد.

-و هل ظننت أنني سأعود لأحضرها لك؟

-ما أظنه بك سنيور قد يحول الهواء إلى اللون الأزرق ، لو سمعه أحد .

و أحست بالغضب عندما أدركت أنه بدلا من أن ينزعج من كلامها استقبله بشيء من السرور.

-لا بد أنني أثرت فيك يا سنيوريتا ، مهما كان نوع تفكيرك بي.

و خرجت من السيارة بسرعة ، و أدركت بعد أن فاجأتها لحظة دوار ، أنها لم ترد عليه بعد ، و أمسكت بمقبض الباب ، و حققت ما تريده بقولها :

-و أنا لا أريد تناول العشاء معك الليلة أيضا ، فأرجوك لا تطلب مني هذا.

- لم أكن أنوي أن أطلب.

و سيطرت على أعصابها ، و لكن عندما أصبحت داخل غرفتها انهمرت الدموع من عينيها ، و كل ما استطاعت عمله ، أن جرت نفسها إلى الفراش و استلقت . لم تكن قد شعرت بمثل هذا التعب في حياتها . و تركتها ملاحظاته الجارحة في حالة من الانهيار الجسدي و المعنوي.

و سيطر عليها النعاس الشديد ، و كانت تعبة لدرجة أنها لم تخلع نعليها . فدفعتهما واحدة واحدة ، و تركتهما يقعان على الأرض .

و بدا لها أنها لم تنم سوى دقيقة واحدة عندما سمعت صوتا في غرفتها . و أرادت أن لا تفتح عينيها ، و أن تستمر في النوم .

و لكن عقلها عارضها و جعلها تفتح عينيهالترى جوليانو إنريكو يقف ناظرا إليها:

-لا عجب أنك تعبة يا كولين . لقد أتت ايما لمقابلتي..

-ايما؟

-لقد كانت قلقة ، فعندما أفرغت محتويات سلة الطعام ، وجدت أنك لم تتناولي سوى القليل من العصير و بعض الدجاج ، و هذا كل ما دخل معدتك اليوم.

-لم... أكن جائعة .

ثم أخذ عقلها يعمل.. إنها تبدو خاضعة و معتدلة أكثر من اللزوم و لو استمرت على هذه الحال ، فسوف تعود إلى الاستسلام دون جدال . تماما كما كانت تتراجع عن المواجهة مع والدها.. فبدأت تستجمع قواها و تضيف بعض الحيوية إلى الشخصية الجديدة التي تحب أن تكونها .

ثم أضافت بحدة :

-على كل الأحوال أنا لست مجبرة على تناول طعامك إذا لم أكن أرغب به.

-ألهذا السبب لم تأكلي شيئا يوم أمس أيضا؟

و بدا الآن يعتقد أن فقدان شهيتها متعمدا . و قال إن ايما أخبرته بأنها لم تأكل شيئا يوم أمس أيضا ، و تابع:

-حسنا.. دعيني أقول لك شيئا سنيوريتا . لقد أتيت بك إلى هنا لتعملي... و لكي تعرفي أنك لن تحصلي على شيء دون مقابل و لكي تتعلمي الربح عن طريق العمل الشريف .

-بكلمات أخرى من أجل.. فائدة نفسي .

-سوف تلوثين يديك ، و لا تكوني مخطئة حول هذا الأمر ، لذا إذا كنت تفكرين بتجويع نفسك كي تكسبي العطف عندما تنهارين من نقص التغذية ، ففكري بالأمر ثانية ، ستأكلين و لو اضطررت إلى إطعامك بنفسي.. أفهمت هذا؟ أنت تعرفين موعد تناولي العشاء.

و نظر إلى معصمها الفارغ ، و خلع ساعته و رماها على السرير، و بقي شيء واحد ليرميه في وجهها. فصاح:

-و كوني هناك!