الفصل السادس

6 0 00

الفصل السادس

بدون خبرة

خلال ثلاثة أيام ظل قلب كولين مليئا بالمرارة على جوليانو إنريكو. و عند وقت تناول الطعام لم تكن تتكلم معه إذا استطاعت تجنبه ، و تشعر بفرح قلبي عندما يظهر الإنزعاج منها . و كم كانت تفضل أن تتناول طعامها في المطبخ مع الآخرين .

و لم تكن الأمور بينهما تتحسن حتى على تتبع تعليمات الطبيب حرفيا ، و ترتاح . و بعد هذه الأيام الثلاثة أصبحت كولين متلهفة لعمل أي شيء .

في اليوم الرابع جلست في الفناء الخارجي ترتشف قهوتها الصباحية ، يبدو أن هناك بعض الفوائد من تكاسلها الإجباري .و إحدى هذه الفوائد هو تعرفها بالموجودين في المنزل أكثر .

و توقف تفكير كولين عندما خرجت بيللا الصغيرة ، كعادتها كل صباح ، لرؤيتها . و تذكرت أن الطفلة الحبيبة قد أتمت الرابعة في هذا اليوم . و مدت كولين يدها إلى حقيبتها و أعطتها قطعة شيكولاتة بالحليب من النوع الذي يفضله شقيقها رايان ، و الذي جلبته معها ظنا منها أنه غير متوفر في المكسيك . و كان هذا كل ما تستطيع أن تعطيها إياه . و أخذتها بيللا بسعادة و أمسكت بها بيديها و هي تركض إلى الداخل و تصرخ "مامي" .

و كان ماركو في المطبخ عندما دخلت كولين لتعيد صينية القهوة ، و احتجت تينا كالعادة ، و تقدمت ايما لتشكرها على الشيكولاتة التي أعطتها لبيللا و حاولت كولين أن تفهم ما كانت تقول ايما بالإسبانية عن الاحتفال . فقال ماركو و ابتسامة على وجهه تبرز أسنانه الصفراء :

-ايما تسألك عن الحفلة .

لقد برهن ثانية على أنه مفيد .

و إذا كانت قد فهمت بشكل صحيح ، فهي مدعوة لحفلة عيد ميلاد بيللا بعد ظهر هذا اليوم . و بمساعدة ماركو ، وإشارات من ايما تأكدت أنها فهمت بشكل صحيح . و بعد قبولها الدعوة بإبتهاج ، تركت المطبخ ، على الأقل سيكون هناك نوع من التغيير في حضورها الاحتفال .

يبدو أن ساعات عمل ايما كانت مرنة و بما أنها لم تكن تعمل بعد الظهر ، فقد تم الاتفاق على أن يرافق ماركو كولين إلى الكوخ الذي تسكنه ايما مع زوجها . و عند الثالثة صعدت إلى "فان" قديم بدا بدهانه الباهت , و محركه ، صالح لتسلق الهضاب أكثر من السير في البلد .

و خففت العربة من سرعتها بينما بدت مجموعة الأكواخ على مرمى النظر ، و مد ماركو يده ليغير سرعة السيارة ، فلامست يده الضخمة ركبة كولين ، و يبدو أن الأمر كان عفويا ، و كان تفكيرها مشغولا بأشياء أخرى ، فالتفتت إليه مبتسمة ، و نسيت الأمر ، و عاد تفكيرها ثانية إلى الحفلة .

-سأعود لآخذك سيدتي .

قال ماركو هذا بخليط من الإسبانية و الإنكليزية ، و كانت كولين تفكر بما قاله حتى أنها لم تلاحظ الطريقة التي كان يلعق بها شفتيه.

-موتشاغراتسيس ماركو .

و توجهت نحو الكوخ الذي أشار إليه حيث تعيش ايما ، و زوجها و فوجئت عندما دخلت الكوخ الصغير الساحر . فقد كان هناك جيش من النساء.. لا بد أن عيد ميلاد طفل في المكسيك حدث كبير ، و أدركت كولين هذا قبل أن يقع نظرها على قالب الحلوى ذو الثلاث طبقات . لم تكن قد حصلت على عيد ميلاد لها طوال حياتها . و لكنها حضرت حفلة قبل وفاة والدتها ، و قالب الكاتو في تلك الحفلة ، كما تتذكر لم يكن مشابها بأي حال لهذا القالب الضخم الجميل .

و ابتسمت ايما مرحبة بها بحرارة ، و شعرت بأنها ضيفة مميزة . ثم خرجت من المطبخ إلى الحديقة حيث الطاولات و الكراسي ، و البعض منها مستعار من الجيران ، كما لاحظت كولين ، و الأطفال ثيابهم الملونة يلعبون و يمرحون .

كانت الحفلة قد بدأت عندما حضر الرجال من عملهم باكرا . و قدمت ايما زوجها لكولين ، ثم تجمع الأولاد من حوله و أعطوه قناعا من كرتون يمثل مهرج السيرك صائحين "بيناتا.. بيناتا!". فربط القناع على وجهه و حمل الدمية على عصا ، و أخذ يدور بها ، و الجميع يرقصون و يغنون و يدورون حوله ، و هم يضربون الدمية بالعصي .

ذروة هذا الحفل كان بعد أن قطعت أول ساق للمهرج الورقي الذي كان يدور به زوج ايما ، ثم إحدى ذراعيه ، و قام الأولاد بضرب الدمية بقوة ، و تساقط كل أنواع السكاكر و الحلويات من رأس الدمية . و نتج عن هذا تجمع مضحك للأولاد على الأرض ليحصلوا على ما وقع على الأرض . و تكوم الأولاد على الأرض ليجمعوا ما يقدرون عليه حتى أن ابتسامة كولين اتسعت ثم انفجرت بالضحك .

و أمسك أحدهم بذراعها فأدركت ، بعد أن خفت ضحكتها و لا زالت الابتسامة عريضة على وجهها ، أن شخص ما قد وصل و أنها تسد عليه الطريق . فالتفتت ، الواصل المتأخر كان جوليانو إنريكو ، و لاحظت أن نظرته مثبته على فمها الضاحك ، الذي بالكاد كانت تفتحه للحديث في رفقته خلال الأيام القليلة الماضية . و اختفت الابتسامة .

-هل تتمتعين بالاحتفال ؟

لقد كنت أتمتع... فلماذا جاء إلى هنا؟ و برز تحفظها البارد بكامل قوته . فقالت ببرود :

-أجل.. كثيرا.

و لكنها لم تعد كذلك . فهي الآن راغبة بترك الحفلة، فوجوده قد أفسد سعادتها ، و قالت بخشونة و لكن بأدب :

-اعذرني...

و حاولت الابتعاد عنه. سوف تودع الجميع ، ثم تبدأ بالعودة إلى المنزل ، و قد تلتقي بماركو في الطريق .

و لكن نيتها في الابتعاد عن جوليانو لم تصل إلى نتيجة . فعندما وصلت إلى حيث والدا الطفلة الفخورين، كان جوليانو إلى جانبها . و تمتم لهما ببعض الكلمات ، ثم وجدت نفسها تسير معه و يده تمسك ذراعها بحزم ، بينما كان يتبادل التحيات مع الحاضرين .

ماذا يظن أنه يفعل.. يمسك بذراعها بحزم ، بينما كان يتبادل التحيات مع الحاضرين .

يظهر بأنه مرافقها ؟ وغضبت... و لم تتردد عندما أصبحا خارج المنزل في أن تجذب ذراعها من يده ، و هي تستعد لتوديعه ببرود . و قالت :

على الأرجح سأراك وقت العشاء.

و كانت هذه إشارة صرف له ، و لكنها أدركت من نظرته الغاضبة أنه لم يعجبه ما قالته.

-سأصطحبك بنفسي إلى المنزل .

-لا.. سيأتي ماركو لمرافقتي.. و سأذهب الآن ما...

-ماركو لن يأتي ليأخذك . و أنت لن تمشي إلى أي مكان في هذا الحر .

-لقد اتفقت مع ماركو أن...

-و أنا قلت له أن يتابع عمله.

و فكرت كولين بغضب.. يا إلّهي كم تكرهه! و اضطرت ، قبل أن يقوم بجرها بالقوة ، أن تتجه إلى سيارته . و لكنها لم تنظر إليه و هي جالسة بقربه . و لم يقم بتشغيل المحرك على الفور ، مما دفعها للنظر إلى وجهه المتجهم .

-في المستقبل لا تخرجي إلى أي مكان مع ماركو.. هل هذا مفهوم ؟

و لم تكن تنوي أبدا الذهاب مع ماركو إلى أي مكان . و لكن هذا لم يمنعها من إجابته على الفور :

-من تظن نفسك.

-أنا الرجل الذي سيدفع أجرة سفرك .

فردة عليه بحدة :

-أنت تحب أن تكرر هذا دائما!

و ضرب بيده بقوة على المقود . لقد أثارته أكثر مما يحتمل . و قال راعدا:

-ابتعدي عنه!

و أدار السيارة بعنف.

و استغرقت رحلة العودة نصف الوقت الذي استغرقته مع ماركو ، و بصمت ثقيل يجثم كالقلعة ما بينهما.

توقعها أن تشاهد جوليانو عند العشاء كان خاطئا . و شاهدت النور من تحت باب مكتبته ، لا بد أنه أمضى عدة ساعات هناك . و ربما سيتناول عشاءه وهو يعمل.. و هذا أفضل لها فبقاؤه داخل مكتبته ، سيوفر عليها ضرورة تحمله أكثر مما تستطيع.

و اكتشفت مستغربة أن لا شهية لها على الطعام ، و لا يمكن أن يكون السبب ما تناولته في الحفلة ، لأنها لم تأكل الكثير هناك.

في اليوم التالي كانت مشاعر الثورة تغلي في داخلها. فقد سئمت و تعبت من فرض جوليانو لقوانينه الخاصة عليها . و ها هو يوم آخر من الكسل و عدم الحركة يواجهها .

عند الساعة الحادية عشر من هذا الصباح ، أحست بالقلق و هي تقاوم أوامر جوليانو بأن ترتاح ، و فكرت بأن تنظيف منزل مدير المزرعة أفضل لها من أن لا تعمل شيئا ، و كانت في الباحة الخارجية عندما برز ماركو من جانب المنزل . و فكرت أن تعتذر له لأنه تلقى تأنيبا من جوليانو بالأمس . و سارت نحو المرجة لتفعل هذا.

و بعد الاعتذار ، رأت من ابتسامته التي تبرز أسنانه الصفراء أنه لا يحمل أية ضغينة ، و قال لها بالإنكليزية المكسرة :

-نزهة في السيارة ؟

و اعتقدت أنه يعني بأنه ذاهب إلى البلدة لعمل ما ، و أنه يعرض عليها أن يأخذها معه . و كان يحمل قطعة خشب في يده ، فربما هو بحاجة لمسامير أو أي شيء لهذه الخشبة .

و بأسف هزت رأسها بالنفي . فهي لن تستطيع بسهولة أن تنسى ما يستطيع جوليانو فعله لشقيقها لو أنها خطت خطوة خارج حدود أملاكه . و لكن التمرد في داخلها , و عرض ماركو أخذها إلى البلدة أعطاهافكرة أخرى . فقالت :

-أنت.. تأخذني إلى الكاسا الخاص بالمشرف؟

فقال لها ماركو على الفور :

-سي.. سي .

و فكرت كولين ، كم هو لطيف لأنه لم يحمل ضغينةضدها لتسببها بأن يلذعه جوليانو يوم أمس بلسانه . فقالت :

-مومنتو.. دقيقة واحدة.

و بشعور مبهج لأنها سترد الكيل لجوليانو إنريكو العظيم التبجيل ، أخذت تفتش في المكتبة حيث كانت قد شاهدت رزمة مفاتيح ، و لم تأخذ وقتا طويلالتتعرف إلى مفتاح منزل المشرف . فأخذته و أسرعت إلى حيث يوقف ماركو عادة سيارته .

و كان من عادتها أن تخرج من المنزل من باب المطبخ نحو الفناء الخارجي ، و نظرت إليها تينا باستغراب فقالت لها كولين :

-منزل المشرف... ماركو سيأخذني إلى هناك .

و عندما استمرت تينا تنظر إليها باستغراب أبرزت المفاتيح ، وكان رد فعل تينا عندها مهتاجا و صاخبا ، فقالت صائحة :

-لا.. لا..

فضحكت كولين وأجابت :

-سي!.. سي.. بلى.

و اتجهت نحو الباب.. فلتقل لجوليانو , فلماذا ستهتم به ! سوف تعلق الستائر اليوم.. و جلست إلى جانب ماركو في السيارة ، و انطلق بها ، متجاهلا خروج تينا و هي تصيح به بملء فمها بالإسبانية .

مرة أخرى خلال قيادته للسيارة ، لمست يده ركبة كولين . و لكن الابتسامة على وجهها هندما استدارت لتنظر إليه تلاشت فجأة ، حتى و لو ظنت بأنها تخيلت تلك النظرة على وجهه.

و فكرت.. لا بد أنني مخطئة ، و بدأ السرور يتلاشى ، و تحركت نحو الباب أكثر ، حتى و هي تظن بأنها تخيلت تلك النظرة في عينيه، و دفعها الشعور بالقلق للقفز فورا من "الفان" عندما أوقفها ماركو قرب المنزل . و قالت :

-غراتسياس ماركو .

و اكتشفت أنها اختارت المفتاح الصحيح ، إذ فتح باب منزل المشرف و دخلت ، الطابق الأرضي كان كما تركته ، و شعرت بطاقتها الكاملة ، فتوقفت في المطبخ حيث كانت تعليقات الستائر ، و حملتها ثم صعدت إلى الطابق العلوي و هي تتشوق لتعليقها.

و كانت تقوم بتثبيت العلاقات على الستائر عندما استدارت لسماع صوت .

-لنمرح.. ايه سنيوريتا ؟

و قبل أن يستوعب عقلها ما قاله ، و ماذا يفعل هناك ، بدأت يداه الغليظتان تفكان أزرار قميصه.. و تصاعد الذعر فيها ، و شعرت بالغثيان ، و جف فمها.. يا إلّهي.. يمكن أن تصرخ حتى ينفجر رأسها هنا و لن يسمعها أحد ، و قالت ، محاولة أن تجعل صوتها حازما :

-لا.. ماركو . لقد فهمت كل شيء بشكل خاطئ .

و بدا أنه لم يسمعها أبدا ، و ضحك ، و عيناه تجولان فوق جسدها و كأنهما تعريانها ، و اقترب منها .

و تحركت بسرعة بينما كان يفك حزامه ، و قفزت من فوق السرير إلى الجانب الآخر ، و التفتت إلى النافذة ، و تذكرت أن هذه النافذة بالذات لم تنفتح معها المرة الماضية . فقالت :

-لا.. لا مرح.

و هو بالتأكيد أقوى منها ، و لكن يجب أن تبقى بعيدة عنه ، فلو تقدم منها و أمسكها فلن تستطيع المقاومة ضد جسده الضخم . و قال :

-سي... فياستا..

إذا فهو يريد أن يحتفل . و لم تتحرك عيناها عنه ، و التقطت قضيب الستارة . قد لا يكون سلاحا فعالا ضده ، و لكن هذا كل ما استطاعت أن تجده.

و شاهدته ينظر إلى القضيب في يدها ، وبدأ يضحك ، ثم فجأة ، بعد أن ماتت ضحكته ، ظنت أنها سمعت في الصمت الذي تلا صوت محرك سيارة . و انبعث الأمل فيها ، و لكنها كانت خائفة من أن تذهب إلى النافذة لتنظر إلى الخارج. فيتمكن ماركو عندها من الإمساك بها . فهو لم يسمع شيئا ، كما لاحظت ، فقد أخذ يقترب منها بالتدريج و شاهدت النظرة النهمة في عينيه .

ثم توقف فجأة ، فقد سمع بدوره هدير صيحة :

-كولين!

و تبع الصيحة وقع أقدام تصعد السلم الحجري .

و خفق قلبها بشكل أعنف ، و هذه المرة من الارتياح ، و انهمرت الدموع من عينيها بعد أن دخل جوليانو الغرفة ، و نظرة غضب شيطاني على وجهه و قد شاهدها تدافع عن نفسها بقضيب ستارة رفيع . ثم نظر إلى ماركو الذي انفجر بالثرثرة.

ما كان يقوله ماركو ، لم تفهم كولين منه شيئا. ربما يقول بأنها هي من أتت به إلى هنا . و لكن جوليانو لم يهتم بتفسيراته، إذ أخذ يزأر و كأنه الثور البري ، و جر ماركو إلى خارج الغرفة بعيدا عن نظرها . و من أصوات الضرب و اللكم و الصراخ تمكنت أن تحزر ما حدث .

و لم يكن هناك شك في ذهنها ، على الرغم من ضخامة جسد ماركو ، أنه سيحصل على أسوأ عقاب من جوليانو ، و شعرت بالأمتنان و الدفء لمخدومها الذي أسرع لنجدتها ، و أتى من حيث لا تدري لإنقاذها .

و لم تكن كولين معتادة على الاستسلام للبكاء ، و لكن خلاصها من الرعب الذي تملكها ، عبر عن نفسه بنحيب عنيف أخذ يهز جسدها هزا ، و لم تستطع إيقافه .

و كانت الدموع لا تزال تنهمر على وجهها عندما عاد جوليانو بعد دقائق . و سمعت صوت محرك سيارة ماركو ، و علمت أن جوليانو لم يقتله . و لم تستطع السيطرة على نفسها لأن دموعها ظلت تنهمر .

و تجاهلت نظرة الغضب في عينيه و أخذت تصيح بانفعال :

-جوليانو.. أوه جوليانو! إنها غلطتي.. أنا.. أنا لم أفهم.. كان علي أن أعرف...

و من خلال دموعها لاحظت أن الغضب زال عن وجهه ، و بخطوات سريعة أخذها بين ذراعيه القويتين المريحتين ، و أخذ يربت بيده على ظهرها ليهدئها ، ثم قادها نحو السرير ليجلس معها هناك ، و همس بنعومة :

-و كيف يمكن أن تعرفي هذا و أنت تفتقرين إلى الخبرة ؟

و مد يده ليضع رأسها على كتفه . فبكت قائلة :

-كان علي أن أعرف ما هي نوعيته.. لقد شككت أنت فيه.. لذا قلت لي أن لا أذهب معه إلى أي مكان . أليس كذلك ؟

و أسكتها بسرعة محاولا تهدئتها :

-لقد طردته.. انتهى أمره الآن.. لا تفكري به .

-أنا.. آسفة..

و لكن المشاعر التي بقيت لسنوات طويلة مكبوتة خرجت من قوقعتها العادية و لم تعد تستطيع أن تسيطر عليها بأي شكل كان .

و أصبح تحفظها من الماضي ، فقد كانت عطشى إلى كل ذرة من الراحة والأمان اللذان توفرانه لها ذراعه الملتفة من حولها ، وضمت نفسها إليه ، و التفت ذراعاها حول وسطه و هي تتمسك به بلهفة .

و رفع يده عن شعرها، و وضعها تحت ذقنها ليرفع رأسها كي ينظر إلى عينيها . كم يبدو غريبا أن شخص تكرهه كثيرا يمكن أن تشعر بمثل هذه الراحة بين ذراعيه . و كل ما خطر ببالها تحت نظرته المتفحصة، كم أنها تبدو سيئة المنظر له :

-لا بد أنني أبدو مريعة .

و كان هذا كل ما استطاعت قوله ، و أصابعه الرقيقة تمسح الدموع عن وجهها المبلل . و قال بنعومة :

-أنت تبدين جميلة .

و من حيث لا تدري ، استطاعت أن ترسم ابتسامة على شفتيها ، لأنه قال لها مرة أنها تبدو جميلة عندما تبتسم .

و ساد الهدوء الغرفة ، و لم تعد كولين تبكي ، و لم تعد تشعر برغبة في البكاء . كانت ملتصقة به ، لأن شيئا ما كان يحدث لها و لم تكن واثقة ما هو . و كل ما أصبحت أكيدة منه أنها قطعا لا تكرهه أبدا . لأن التصاقها به هكذا لم يكن يبدو لها أمر خاطئ . و قال جوليانو:

-أعتقد.. أن علينا الذهاب الآن .

-أجل..

و لكنها لم تبعد ذراعيها عنه ، كما لم يبعد هو أيضا ذراعيه عنها . و قال وهو ينظر إلى عينيها :

-أنا..

ثم صمت ثانية و مد ذراعه الأخرى ليلفها من حولها في عناق ناعم طويل . و همس في أذنها :

-لا تخافي..

و أرادت أن تقول له بأنها ليست خائفة ، و لكنها لم تكن متأكدة من هذا ، فلم تقل شيئا ، بل همست بصوت مرتجف "جوليانو" فقال بنعومة :

-هل ضايقتك ؟

و ردت عليه هامسة "أوه.. لا" .

و احمر وجهها لما قالته ، و ابتسم عندما شهد احمرارها . و همس لها :

-تي كويرو .

-و ماذا يعني هذا ؟

فابتسم بحنان :

-أريدك... تي آمو .

و عانقها من جديد ، و أحست بشيء في حنجرتها حاولت أن تهدئه فلم تستطع... كانت على وشك الانفجار بنوبة سعال حاد مؤلم . و انتابها الذعر لهذا ، فدفعته بصدره ليبتعد عنها ، و تركها على الفور لتجلس مرتاحة .

نوبة السعال لم تحدث . و لكنها علمت أنها أفسدت كل ما كان يجري بينهما . و كانت على وشك أن تقول إنها آسفة ، و لكن العبوس الذي شاهدته على وجهه منعها ، ثم عاودها تحفظها من جديد .

و قال لها بخشونة :

-أنت دائما تختارين اللحظة المناسبة يا كولين شادو ، لتذكري الرجل بأنك مريضة مؤخرا.. و تحتاجين للراحة!

كيف تستطيع أن تقول له أنها بخير ؟ منذ دقائق كان بإمكانها أن تقول هذا، ولكن هذا قبل أن يعود تحفظها إليها ، فالفتاة التي عادت لتكونها الآن لن تحلم أبدا بالقول له أي شيء قد يفسره و كأنه دعوة له . و سألته و هي بحاجة لأن تبعد تفكيرها عما حدث للتو ، أو عما أرادت هي أن يحدث :

- و كيف عرفت بأنني هنا ؟

و ابتسم لها ابتسامةأخبرتها بأنه أصبح يعرفها معرفة أكثر مما تفضل أن يعرفها ، و أجابها بقسوة :

-لقد عدت إلى المنزل لأجري مكالمة هاتفية حول حفلة عشاء عمل هذة الليلة.. و لكن قبل أن أقترب من مكتبي ، ركضت تينا إلي و أخبرتني أنك خرجت للتو مع ماركو.. لقد استطعت أن تري بنفسك ماذا يحدث عندما لا تطيعين أوامري يا كولين ؟

و تمنت كولين لو أنها تستطيع أن تكون قاسية مثله ، لو أنها تستطيع أن تكون تجد ذلك التمرد السابق في نفسها لتقول له إنها ليست أنثى مطيعة ، حتى و لو أن أوامره بأن تبقى بعيدة عن ماركو ثبت بأنها مصيبة . و لكنها كانت قد مرت برعب حقيقي ، لم يترك في نفسها ذرة تمرد . و قالت له :

-لقد قلت إنني آسفة!

و أملت أن يترك الحديث في الموضوع ، و لكنه لم يفعل بل سألها :

-لماذا أتيت إلى هذا المنزل ؟ لقد ظننت أن منزلي مريح أكثر .

-المكان يعجبني .

-أتقولين بأن منزلي لا يعجبك ؟

-ليس الأمر هكذا .

-و ما هو إذا؟

-أردت.. ان أعمل شيئا . فأنا أشعر بخير الآن ، ومليئة بالحيوية . لم أسعل منذ أيام .

و احمر وجهها عندما تذكرت الوخز الذي شعرت به في حنجرتها في لحظة غير مناسبة أبدا . و بشكل لا يصدق وجدته و قد عاودته روحه المرحة عندما تذكر بدوره تلك السعلة الصغيرة التي لم تكن في وقتها المناسب ، و أخذ يضحك و هو يقول :

-يجب أن تفعلي شيئا حول هذا السعال المثير للأعصاب .

و ترك لها أن تستنتج كل ما تريد من وراء ملاحظته . و عادت بسرعة إلى الموضوع الذي كانا يتحدثان به :

-أنا.. لست معتادة على الكسل . و أردت أن أقوم بعمل ما .

و لحسن الحظ نجحت في دفع تفكيره إلى إتجاه آخر ، و أختفت ابتسامته ، و لكن قسوته لم تعد ، و قال عابسا :

-لن تعودي إلى هنا ثانية .

و لم تعرف كيف ستعده بهذا ، فقلة الحركة قد أثرت على أعصابها ، و بما أن هناك الكثير من العمل هنا ، و ماركو مطرود ، فهي لن تستطيع أن تعده بأن لا تعود إلى هنا لتكمل عملها ، و لكن عليها أن تجد وسيلة أخرى إذا لم يقبل جوليانو بأن يوصلها إلى هنا... و سمعته يقول :

-هل سمعتني يا كولين ؟

-لا أستطيع.. أن أعدك.

و رفعت إليه عينيها العنيدتين ، و لاحظت أنه لا يهتم بعناد المرأة.

و لكن الأمر الآن في قبضة يدها و لن تدع هذه الفرصة تفلت . و قال لها :

-حسن جدا... تعالي إلى هنا إذا أحببت.

و ظنت أن الحديث انتهى ، فوقفت ، و لكنه لم يكن قد أنهى كلامه :

-مع أنني يجب أن أحذرك ، حتى لو طردت ماركو خارج أملاكي ، إلا أن الأملاك واسعة جدا و لا أستطيع ضمان أن لا يتسلل إليك في ليلة مظلمة . لقد قلت من قبل إن هذا المنزل كان محتلا ، ألم أقل لك هذا؟

هل هو يخدعها أم أنه جاد ؟ و هل يعتقد حقا أن ماركو قد يعود ، أم أنه قال هذا كي يخيفها و يتأكد من أنها لن تقترب من هذا المكان ثانية ؟ و اعتقدت أن الفكرة الأخيرة هي الراجحة . و لكن حتى و لو كانت راجحة ، فهي لن تخاطر . و ظهر على وجهها ذلك الوعد الذي أراده جوليانو بأن لا تقترب مرة أخرى من هذا المنزل . لكن روح التمرد عاودتها أخيرا:

-أنت كذاب قذر.

و بدأ يضحك :

-هذا ليس لطيفا منك أبدا يا سنيوريتا . بعد كل ما فعلته لأجلك!

***

و تناولت كولين عشاءها وحيدة ، و عادت إلى غرفتها ، وهي منزعجة لأن رفيقها الوحيد على العشاء كان مرتبطا بموعد عشاء عمل في الخارج ، أو ربما هو يتناول العشاء مع إمرأة ، لا ينتابها سعال عصبي في اللحظة غير المناسبة .

عندما استلقت في فراشها عاودتها ذكرى ما قاله ساخرا "بعد كل ما فعلته لأجلك!" و لم تستطع أن تجد سبيلا إلى النوم .

بالنسبة لها ، ما فعله كان أكثر من إنقاذها من ورطتها في (كواريتارو). فهذا الصباح أيقظها من طفولتها و أدخلها إلى مرحلة الأثارة و العاطفة .

عند منتصف الليل ، سمعته يعود ، عندها استطاعت أن تنام .

و لكنها استيقظت عند الواحدة ، و شعرت بأنها لن تستطيع النوم ثانية فأضاءت المصباح الصغير قرب السرير و جلست .

و عاد التفكير في جوليانو يشغل ذهنها ثانية . و أسترعى انتباهها دخول حشرة طائرة ضخمة تبلغ الثلاث انشات طولا ، عبر النافذة لتقف على الطاولة الصغيرة قرب السرير.

و بقفزة واحدة خرجت من سريرها و اتجهت نحو الباب ، و فكرت بذعر أن لسعة هذه الحشرة قد تكون سامة ، و تحركت كولين بسرعة أكثر ، و لم تتردد سوى لحظة قبل أن تفتح الباب و تخرج ، ثم اتجهت إلى الغرفة التي أشارت إليها ايما مرة على انها غرفة جوليانو ، و صاحت :

-جوليانو.. جوليانو!

و حاولت أن تسيطر على رعبها ، مع أنها أقفلت الباب على تلك الحشرة الخضراء المخيفة . و عندما فتح الباب و هو يلف الروب من حوله أكملت :

-هناك.. شيء.. شيء في غرفتي!

-شيء ؟

لا بد أنه كان لا يزال نصف نائم ، و لكن عندما شاهد ذعرها استيقظ تماما :

-ما هذا الشيء... ابقي هنا.

و أزاحها جانبا و سار با تجاه غرفتها ، و لكنها لم تستطع تركه يدخل دون أن تنذره .

-أنها حشرة خضراء كبيرة ، و لست أدري إذا كانت سامة أم لا .

و دون تردد فتح جوليانو الباب ، ودخلت كولين معه و قلبها يخفق رعبا . رأت، كما رأى هو ، أن الحشرة لم تتحرك من مكانها ، فهمست و هي خائفة أن تبعد عينيها عن الحشرة .

-ما هذه ؟ هل هي خطرة ؟

-عادة.. مثل هذه الوحوش ، تجد لها مسكنا في شجرة الخوخ.

-أعلم هذا. فهناك شجرة خوخ خارج غرفتي .

-يجب أن نتخلص منها يا كولين.. و عليك أن تكوني شجاعة جدا... فهل أنت شجاعة يا كولين؟

كانت تعلم أنها ليست شجاعة أبدا . فلو كانت مصنوعة من معدن البطلات لكان عليها أن تترك والدها عندما طلب منها شقيقها ذلك ، وقالت كاذبة :

-أجل.. ماذا تريدني أن أفعل ؟

-أعطيني يدك.

و وضعت يدها على الفور في يده ، و هي تتمنى أن لا يشعر بارتجافها . و تقدم جوليانو نحو طاولة السرير ، فأخذ العرق البارد يتصبب على جسدها ، و هو يرفع يده الأخرى و يمدها ، و راقبته حابسة أنفاسها ، و هي ترغب في الهرب ، كلما اقتربت يده أكثر من ذلك الشيء . و شجعت نفسها كي تطبق أي تعليمات يصدرها بالحرف الواحد.

ثم ، و بعد أن بلغت أعصابها درجة الانهيار ، أطبق جوليانو يده على الحشرة بسرعة و أمسك بها ، واستدار نحو كولين و ابتسامة تملأ وجهه من الأذن حتى الأذن.. و قال:

-أيتها الحشرة البريئة غير المؤذية ، لقد أخفت كولين حتى الموت!

و بينما كانت كولين تقف مشدوهة و فمها مفتوح ، ترك يدها و تقدم نحو النافذة حيث أطلق الحشرة.

حشرة خضار غير مؤذية! و تحول خوف كولين الفظيع إلى غضب شديد لم تعرفه من قبل فأخذت تصرخ :

-أنت خنزير! أنت شيطان كذاب قذر ! لقد أرعبتني!

غضبها كان أكبر من أن تحتويه الكلمات ، و كالوحش الكاسر تقدمت منه و أخذت تضربه بقبضتيها , وأمسك بمعصميها و قال ضاحكا :

- أوه يا كولين! لقد كذبت أنت أيضا . و لم أستطع أن أقاوم هذا المزاح ، ليس بعد أن قلت لي كم أنت شجاعة .

-هذا ليس عذرا!

و أخذت ترفسه بقدميها العاريتين ، و هي تتلوى كي تخلص نفسها ، و كان لا يزال يضحك عندما سمعها تقول "أيها الهمجي المكسيكي" فرد عليها :

-لقد ظننت أنك عاطفية هذا الصباح أيتها القطة المتوحشة ،و لكن...

-أترك ما حدث هذا الصباح خارج هذا الموضوع!

و لم تلاحظ أن مقاومتها قد تسببت في الوقوع كرسي على طاولة الزينة و أن حلية مكسيكية أثرية وقعت على الأرض.

و زادها الفشل غضبا ، لأن محاولاتها للإفلات منه كانت دون جدوى . و عادت ترفسه ثانية . و لكن هذا أكد لها أكثر ، و بألم، أنها حتى لو خرجت عن طورها ، فجوليانو يعرف تماما كيف يسيطر عليها .

فبدون أي جهد ، التقط ركبتها من خلف بقدمه ، وقبل أن يسقطا إلى الأرض لوحها كي يسقطا معا فوق السرير . و ما استردت أنفاسها حتى أحست بالفراش الثابت من تحتها و جسد جوليانو القاسي من فوقها . و عندها فقط ذهب عنها غضبها ، بعد أن اجتاحتها أحاسيس مختلفة تماما . و قالت : "جوليانو" و وجدت نفسها عاجزة عن قول المزيد فقال لها و هو ينظر في عينيها :

-لا بأس عليك.. سأتركك حالا ، و لكن دعيني أرتاح بقربك للحظات لأتمكن من الأعتذار عما فعلته .

ما فعله كان يتلاشى من ذهنها أكثر فأكثر، و كل ما كانت تفكر به الآن أنها لا تريده أن يذهب . أرادت بقاءه ، و هي تعلم أنه يريد أن يبقى ، و قال لها :

-يجب أن لا نتعانق.. هل بإمكانك مسامحتي على تخويفك هكذا؟

-و لماذا.. فعلت؟

-أكثر من مرة نظرت إلي نظرة ازدراء . و عندما أتيت بك إلى المنزل اليوم لم تكن هذه المرة الأولى التي تنظرين إلي فيها بازدراء. و كنت أخشى أن لا استطيع مقاومة مشاعري عندما تصبحين دافئة أكثر معي .

رده أدهشها و جعلها تتحرك ، و أحست به يتوتر ، و سمعته يقول بانفعال:

-ابقي جامدة.. يا كولين.. بحق الله.

-أظن.. أظن أن عليك الذهاب .

الابتسامة في عينيه أعلمتها بأنه يعرف أنها تكذب ، و لكنه تجاوز عن كذبتها ، ربما ليعوض عنها الخوف الذي أصابها، و قال و هو يبتعد عنها :

-أظن أنك على صواب .

و لكن قبل أن يتحرك أكثر ، سمعا صوتا عند الباب ، و أدركت كولين عندها أنه إذا لم يكن قرعها على باب جوليانو، و صراخها له بأعلى صوتها قد أوقظ أحدا ، فإن صوت الكرسي يقع و الحلية المكسيكية تصطدم بالأرض كافيان لإيقاظ كل من في المنزل .

و لكنها لحظتها كانت مرعوبة و لم تفكر بكل هذا . و نظرت بسرعة إلى الباب و رأت تينا لم تكن لوحدها بل أن أمادو معها يقفان أمام الباب .

و لم يكن هناك أي شك من التعبير الذي برز على وجه تينا ما قد ظنته حول ما كان يفعله السنيور في غرفة نومها .

و قبل أن تصدر كولين أي صوت ، و كذلك جوليانو ، الذي لم يقم بأي مجهود ليشرح لهما عن موضوع الحشرة ، و دون أن يصدر عن تينا و أمادو أية كلمة ، ابتعدا عن الباب و اختفيا عن النظر .

-لماذا لم تقل شيئا؟

-و ماذا كان علي أن أقول ؟

-لقد ظنا.. ظنا أننا كنا.. كنا نائمين معا.

-أولم نكن هكذا؟

و رفع حاجبه بطريقة ساخرة كانت آخر قشة تقصم ظهر البعير ، فقالت :

-ليس بالطريقة التي ظناها.

-و هل يقلقك ما تظنه تينا و زوجها الطيب ؟

و تذكرت وجه تينا غير المبتسم ، و الابتسامتين الوحيدتين اللتان رمتها بهما ، و علمت تماما أي منها تفضل . فقال:

-نعم.. نعم يهمني .

و أدركت عندها من النظرة في عينيه أن ما سيقوله لها ، إما أن يجعلها تضربه أو يسكتها.. ثم قال و هو يهز كتفيه دون اكتراث :

-حسن جدا... إذا كان رأي تينا و زوجها يقلقك لهذه الدرجة... فسأتزوجك.

*******************