مقدمة

9 0 00

الحوات والقصر

_ كانت ليلة ليلاء، على جلالته، تعرض فيها لأقصى الأهوال التي يمكن أن يتعرض لها سلطان.

قال حوات، يقف على صخرة منبسطة، مخاطبا بقية الحواتين المنبثين على حافة الوادي، في صف طويل فقاطعه أحدهم .

_ كان جلالته محظوظا.

_ لا أحد يعلم ، حتى تظهر أولا نتائج الليلة الليلاء.

قاطع حوات آخر، زميله بلا مبالاة، فأضاف الحوات الأول:

_ بعضهم يقول اللصوص، وبعضهم يقول الأعداء.

_ وما الفرق بين اللصوص، والأعداء؟.

تساءل أحدهم، فأضاف آخر:

_ نعم . لا فرق بين اللصوص والأعداء . العبرة فيما يريده هؤلاء اللصوص أو الأعداء.

_ أهاه. رجعتم لكلامي. هنا يكمن الفرق.

قال الحوت الأول . فتساءل آخر:

_ نعم. اللصوص شيء والأعداء شيء آخر. لكن ما علاقة جلالته بهؤلاء.

فانبرى الحوات الأول ويداه ترشان نخالة، فاسدة، فوق الماء المتطاول على صخرته المنبسطة.

_ اللصوص يريدون المجوهرات والثمائن. أما الأعداء فيربدون السلطان نفسه. يريدون القضاء على جلالته. لإبداله بآخر أو لتغيير النظام بصفة كاملة. ولربما، لإلحاق الرعايا والسلطنة، بسلطان أجنبي .

_ اسحب . اسحب . اسحب .

انبرى حوات، يخاطب "علي الحوات" الذي ظل يتابع الحديث، عن السلطان وليلته، ولصوصه، وأعوانه، باهتمام كبير .

أدار رأسه حول الشاهد فألفاه يهتز متراقصا، يتردد بين الغوص في الماء نهائيا، وبين الاستمرار على وضعيته فوق الماء ولو بصفة مؤقتة:

_ عبث سمك صغير.

قال علي الحوات، وعيناه منصرفتان نحو الحوات الأول، الذي استأنف:

ومهما يكن فالأعداء، يمكن أن يكونوا لصوصا، كما أن اللصوص يمكن أن يكونوا أعداء. وكما أن هدف الأعداء قد يكون هو هدف اللصوص. كذلك الأمر بالنسبة لهؤلاء.. العداوة نسبية في الحقيقة, بينما اللصوصية شيء مطلق.

_ قلت لك أسحب صنارتك عامرة .

أسرع علي الحوات يرفع القصبة إلى فوق غير واثق من أمرها وعندما قابلته سمكة صغيرة تتخبط في آخر الخيط همس :

_ كان هذا رأى من الأول. عبث سمك صغير، لا يهم. خير من لاشيء… أن تمسك ولو سمكة صغيرة خير من أن لا تمسك.

وواصل في سره.

لولا حكاية الليلة الليلاء، وجلالة السلطان واللصوص والأعداء هذه، لهتفوا : علي الحوات دائما هو الأول علي الحوات دائما يصطاد أكثر .

التفت فجأة إلى الحوات الأول يواصل حكايته :

_ بعد اليوم السابع من رحلته في الغابات، يواصل قنص الوعول.

لست أدرى ما موقف جلالته من اصطياد السمك. لم نسمع به قط في الوادي قاطعه أحدهم , فانبرى آخر يردد .

_ موقف الملوك والسلاطين والأمراء، وكل العظماء، واضح من الصيد، إنهم بطبعهم ميالون إلى الجري وراء الأشياء, ولا يواجهون الأمور مثلنا، ثم يروحون يحاولون التغلب عليها.

_ هذا التفسير سياسي.

قال آخر:

_ نعم سياسي، القنص فروسية ورياضة، بينما الاصطياد صنعة ومهارة يدوية, وهذا من اختصاص الرعية. هذا كل ما في الأمر، فلِمَ الجري والمواجهة وغير ذلك من العبارات السياسية.

هتف صياد يقف إلى جانب علي الحوات فراح هذا يحتج:

_ لو تركت "بوجمعة" يعطينا تفاصيل ليلة جلالته في الغابات.

فهتف الحوات الأول:

_ أرأيت يا علي الحوات كيف يقاطعونني .. مع أن الأمر يتعلق بليلة ليلاء، عانى فيها جلالته الأهوال العظام، فإنهم لا يبدون أي اهتمام.

_ انك تتهمنا يا بوجمعة .

_ أريد أن أقول، إن المسألة على جانب من الأهمية، فجلالته تعرض لمحاولة قتل.

_ بل يقال إنه قتل .

قاطعه أحدهم، فبادر آخر:

_ لا يمكن أن يموت جلالته على يد أعداء، أو لصوص، إنه تحت رعاية الله وفي حفظه.

_ لو تركتموني أروي الحكاية كما وقعت، تعلمون أن خال جارى رضيع بستاني القصر.

لقد بلغتني الحكاية منه، من الجار أعنى.

_ نعم. نعم واصل يا بومعة

هتف علي الحوات، والتزم باقي جيرانه الصمت، بينما واصل بوجمعة:

_ في اليوم الثامن من رحلة جلالته، تصدى له مجهولون, قيل إنهم كمنوا وقيل إنهم هاجموه في المخيم مع طلوع الشمس.

مات عدد كبير من حراسه. وبعض أفراد حاشيته. الحاجب ورئيس الحرس وكبير المستشارين. اقترب المهاجمون من خيمة جلالته يهتفون بسقوطه وبموته. ولم يبق بينهم وبينه إلا عدة أمتار. في تلك الأثناء، برز ثلاثة فرسان ملثمون، يهتفون بحياة جلالته، وبسقوط أعدائه، ويُعملون السيف، في رقاب المهاجمين الذين لم يلبثوا أن ولّوا هاربين. وفي الحين تولى الفرسان الثلاثة، مناصب الحجابة، ورئاسة الحراسة. والاستشارة، وعاد الموكب إلى القصر.

_ لقد نجا حينئذ جلالته.

_ ومن يكون هؤلاء الفرسان الملثمون.

لكن، أنا، بلغني عكس هذا. يقال إن الفرسان الثلاثة إنما برزوا من بين المهاجمين، وإنهم دخلوا إلى خيمة جلالته وخرجوا يعلنون عن تسلم هذه المناصب, ولا أحد يعلم ما كان مصير جلالته.

_ أُنذر لجلالته، أحسن سمكة أأصطادها خلال هذا الأسبوع، احتفاء بنجاته.

هتف علي الحوات، يسكت الجميع, ووضع الطعم في صنارته، وقذف بها في أعماق الوادي مطمئنا مرتاحا.