-5-
انتشرت أخبار علي الحوات في كامل القرى السبع الواقعة في طريق القصر. وما أن دخل القرية الثانية حتى استقبلته جماهير غفيرة ، تتطلع إلى السمكة المتدثرة في الرداء.
وقف علي الحوات، وسط الساحة، وأنزل السمكة يرفق. جال ببصره في الأعين الباهتة ، ثم أزاح الراداء عنها.
_ تريدون رؤيتها، هي ذي أمامكم.
_ لم نر أجمل منها قط.
_ كيف اصطدتها يا علي الحوات؟
_ هل كانت صنارتك كبيرة؟
_ لا أستطيع أن أقول لكم سوى إنها نذر لجلالته. وإنني في طريقي بها إلى القصر.
آه يا علي الحوات ، لو تحمل لي رسالة إلى صاحب الجلالة.
اسمعوا، أنا مستعد لحمل الهدايا. ورسائل الابتهاج بالنجاة، فالرجاء ألا يحرجني احد بغير ذلك .
_ ولكن يا علي الحوات.
_ اعذروني. لكل مقام مقال، وجلالته لابد انه لم ينصرف بعد إلى شيءون الرعية. أرجو أن ينصرف أصحاب الشكاوى والتظلمات، وأن لا يبقى سوى أصحاب الهدايا، والنذر، ورسائل الولاء والابتهاج.
راح الحاضرون ينصرفون جماعات، وظل علي الحوات يتبعهم بنظره مندهشا… أكل هؤلاء شاكون متظلمون ؟ أكل هؤلاء رعايا غير موالين لجلالته؟ هذا عصر سمته الشر , وإلا ما معنى ألا يعلن الرعايا ابتهاجهم بنجاة مولاهم السلطان , وعن ولائهم له, وسخطهم على أعدائه.
التفتت عجوز ، قبل أن تنصرف وخاطبته:
_ لم يدخل واحد من الرعية القصر قبلك يا علي الحوات.
_ ولم ذلك ؟
تساءل علي الحوات متعجبا، فلم تجبه العجوز . حركت رأسها يمينا وشمالا، ثم انصرفت مستسلمة لرغبة طفل يقودها، وجذب انتباه علي الحوات عنها شيخ، تصدى من اليمين، وكأنما يواصل كلام العجوز:
_ الفرص التي تتيح للعامة الدخول إلى القصر نادرة يا علي الحوات. إن لم تكن منعدمة.
_ ها هي الفرصة مواتية.
قال علي الحوات متحمسا، فبادره شاب، في حين كان الشيخ ينصرف
_ الفرصة ثمينة. وسمكتك أثمن، وليست كل الرعية علي الحوات, يكفينا علي الحوات واحد ، وتكفينا سمكة واحدة من وادي الأبكار، فكن سفيرنا لدى جلالته يا علي الحوات.
_ وهذا ما أنا فاعل ، إنما أعلن بكل طيبة قلب، عن ابتهاج الرعية بنجاة جلالته من كيد العداء.
انتظر علي الحوات تعليقا أو تساؤلا، أو تعقيبا أو اقتراحا، لكن خاب ظنه . لقد انقطعت المحادثة التي كانت متسلسلة فجة، وراح الناس يواصلون انصرافهم بعجل، وكأنما هم هاربون.
انحنى يدثر سمكته، وهو يشعر بالأسى والحسرة " هؤلاء الناس أسرى لمشاكلهم الخاصة. لا يستطيعون أبدا الارتفاع إلى مستوى أحداث سلطنتهم ، مقابل نذر لجلالته ، يريدون أن يحلوا جميع مشاكلهم، أن يزعجوا جلالته بمشاكلهم الخاصة".
عندما رفع رأسه، وهم بحمل السمكة على كتفه، قابله، كهل وقور يفتر ثغره عن بسمة متواضعة، إشعارا له، بأنه إنما وقف من أجله.
_ أنا يا علي الحوات صاحب هدية لجلالته. لقد انصرف أصحاب المشاكل ولم أبق إلا أنا. يكفي أن يكون في كل قرية، واحد يحب جلالته ويحب رعيته.
_ وما هي هديتك؟
_ تخطيط لتحويل السلطنة إلى جنة.
_ أهاه كيف ذلك ؟.
_ لقد شرحت لجلالته كل شيء في هاته الرسالة التي أرجو أن تحملها معك.
_ أحملها بكل سرور . ما هو مخططك أيها السيد الطيب.
_ واديكم الخير المعطاء، مياهه تذهب سدى، تغور في الرمل وتلتحق بالمحيط، وتظل الأراضي المحيطة به قاحلة جرداء. لقد توصلت إلى طريقة عجيبة ، لإقامة سد عظيم على الوادي بتكاليف جد قليلة، وفي ظرف جد قصير. ستمتد القنوات كالشرايين في كال السلطنة، وستخضر الأشجار، وتتطاول النباتات، وتكثر الغلال والفواكه والثمار, وتنمو الأسماك وتعظم، لن يبقى في السلطنة فقير أو جائع حتى الشرور تنقص، ويقوى الخير والخيرون. لقد فكرت جيدا في حل مشاكل جميع هؤلاء الناس، بالقضاء على أصلها.
المشروع موضح في هذه الرسالة، فتفضل خذها يا علي الحوات وقل لجلالته: هذا ما في وسع عبد فقير مخلص أن يقدمه له نذرا بمناسبة نجاته.
_ سيسر مولانا كثيرا ولاشك.
_ آمل ذلك يا علي الحوات . حمل علي الحوات سمكته على كتفه، وانطلق وسط هتافات الصبية، يغادر القرية، مواصلا طريقه .