الفصل الثاني

6 0 00

الفصل الثاني

هكذا ولدت كاثرين، تحت بؤس أب سكير، و حضن أم مذلولة، ولدت في حضن

البؤس و الذل معا حين اجتمعا، استقبلها الأب ثملا و استقبلتها الأم خوفا، هكذا

ولدت يا كاثرين غير مرغوب فيك. كان والدك يدخل الحانة مساءا و يعود

أدراجه منتصف الليل ثملا يلتوي و يصيح ويلوح بالأواني، كان يضربني كل

يوم، ثمنا لما أنجبت، جزاءا لي لأنني أنجبتك بنتا و لم أنجبك ولدا، فعلت ما

بوسعي، كي تكملي دراستك، و كان ذاك حلي الوحيد، أنا و والدك لسنا من الطبقة

التي ستعيلك، و ستؤمن لك الطعام و الشراب، و لو فعلنا لن تستطيعي إتمام

دراستك، وسط كوخ ملؤه التعاسة و الشقاء، حاول والدك التخلص منك حين كنت

لا تزالين مولودة صغيرة، لقد أرادك والدك ولدا كي تعينيه، وأنا أردتك بنتا كي

تعلميه، لكي تعلميه أن المرأة مستقلة، ذكية هي الأخرى، و قادرة على العمل

خارج المنزل.

حين بلغت الثانية من عمرك، أخدك والدك مني، كنت تبكي حد الموت، و هو

يأخذك إلى صديقه السكير، كنت أبكي أنا أيضا، و أتبعه راغبة مترجية، أن يبقيك

في المنزل يوما فقط، و سأتكلف أنا بالباقي، لست أدري إن كنت تتذكرين هذه

الذكريات الاليمة بنيتي، لكنني أتمنى أن تنسيها إلى الأبد، فنحن عائلة فقيرة،

أنجبناك دون وعي منا بما قد نتسبب لك فيه، من أزمات نفسية، وما قد يضيع من

عمرك بسبب الفقر، لهذا حبيبتي، ترجيت والدك أن لا يأخذك من فقر إلى فقر، و

أخدنك أنا وأنت صغيرة إلى عائلة غنية، و تركت لهم رسالة ترج، لكي يعتنوا بك

وقد فعلوا.

كان عمر ميليسا خمسة وعشرين سنة حينما قرأت الرسالة وتساءلت : فيكتور من

هي كاثرين؟

تصببت قطرة عرق باردة و صامتة من إبط فيكتور وقد زادته توثرا ثم أمسك

بيدها بدفء وهو يطلب منها أن تجلس معه قرب المدفأة لأن ما سيخبرها به أمر

مهم للغاية : أنت الآن ناضجة بما يكفي لكي تعرفي الحقيقة

-حقيقة ؟

-نعم الحقيقة، -استجمع قواه كأنه على وشك الإفصاح عن أسد ثائر- ميليسا أمك

لم تمت في حادث، أمك لا تزال حية، وقد طلبت..

-ما هذا الهراء...أخبرني أنك تمزح...أمي ماتت... وزرت قبرها البارحة فيكتور

مالذي تقوله؟

-تلك ليست أمك ميليسا، كريستي أدمس، -ثم وهو ينهض من مكانه- مجرد قبر

امرأة مجهولة النسب، لا يزورها أحد، تزورينها أنت فقط

-ماذا؟ -حاولت أن تنهض ثم سقطت على ركبتيها-… و كاثرين..ماذا عن كاثرين

؟ -استرسلت باكية- هل اسمي الحقيقي كاثرين؟

-نعم اسمك كاثرين، اسمك الحقيقي هو كاثرين، وقد طلبت أمك من عائلتي أن

تعتني بك و..

-و عائلتك قررت أن تزوجني بك، استغليتموني لكي أتزوجك، أقنعتني

عمتي...أمك أن أتزوجك رغم فارق السن الكبير بيننا..تبا لكم جميعكم..

-ميليسا عودي إلى هنا

-ليس بعد الآن، سأخرج من هذا المنزل للأبد

لقد مرت سنون طوال على هذه الحادثة، وميليسا أو كاثرين لا تدري أي اسم

أصح، تتذكر ماضيها البائس، العقيم من ذكرى والدتها الحقيقية، امها البيولوجية

التي انجبتها، والدها التي هي من صلبه أتت، تاهت وحيدة في متاهة الذكريات

بحثا عن وجه امها، ملامحه... جزءا و بصيصا من نحته، لكن ذاكرتها لم تعنها،

يبدو ان امها محقة حين تساءلت هل تتذكرين يا كاثرين، يبدو ان امنية امها قد

تحققت بعد فراق دام لسنوات عجاف من حضنها الدافئ ونظراتها الخائفة و عبقها

المليء بفيح الفقر وبؤس الحياة، اتمنى انك نسيتي يا كاثرين، نعم نسيت… نسيت

رحم امها الذي أمضت فيه تسعة أشهر، و نسيت شكل المنزل الذي ذاقت فيه

ملامح البؤس، وعصارة الالم طيلة العامين البئيستين، خبر سار و مفرح انها

نسيت، لكنه مر ومؤلم، خصوصا انها نسيت اسرتها الفقيرة، و ملامح وجهها

الكئيبة، ذكريات ضمآنة وقاحلة ملؤها السواد والعدم كأنها لم تكن أبدا، ولم

تصادفها بدءا، تشتاق إليها وهي لاتدري قساوتها… انه مغناطيس الامومة يجدبها

الى رحم الام التي استغنت عن ابنتها من اجل المستقبل الزاهر الذي تمنته لها،

لكن أي مستقبل هذا بدون حضن أم قاست و عانت و كدت من أجل سعادة

مولودتها الوحيدة، مولودتها التي تمنتها مدرسة تدرس والدها و تعلمه مالم تعلمه

الحانات، و القنينات الرخيصة التي فاحت فوح تعاسة عليه و على أمها، والحياة

الليلة التي قضاها بعيدا عنها، وعن ابنته الوحيدة والتي لم تزد الاوضاع إلا تأزما.

خرجت ميليسا من منزل فيكور وهي لاتدري ملاذها، أين تبيت و أين تشفي غليل

غياهبها، تجر أرجلها بخطوات متسارعة، وتدخل مبنى حيث الكل يلتوي، كأس

جن مع تونيك من فضلك

تفضلي آنستي

شكرا

جن مع تونيك، يبدو أنك في حال سيئة، قال أحد رواد الحانة، وهو يحك شعر

رأسه، ثم يمد يده، اسمي مايكل و ينادونني ماركيز دي سادي، وبامكاني أن أقدم

لك نصيحة في ما يخص..

لا شكرا

اغرورقت عينا مايكل حقدا وهو يعيد يده إلى مكانها، بينما احتست ميليسا

مشروبها دفعة واحدة، وبدت على ملامحها المرارة، فرغم حلاوة جن الا أن قشر

الليمون يعطيه طعما مرا، و نسبة الايثانول المرتفعة فيه تجعل منه مشروبا يقرح

البلعم، وضعت الكأس بقوة انتبه لها النادل وقالت، مزيد من فضلك

تفضلي، هذه آخر كأس لك سيدتي

أنا من يقرر أيها السافل، شربت الكأس بسرعة و أحست بدوار شديد، رباه،

أحاطت رأسها براحتي يدها ثم أجهشت بالبكاء، بكاء تهاطلت فيه الدموع أمطارا،

و ترامت فوق رأسها حجارة الشقاء كأنها القدر، وكأن القدر طير من طيور

أبابيل، أحس الرجل المدعو مايكل الجالس بجانبها بالمرارة و الهم المخبآن في

قفص هذه الأنثى.

مابك؟ هل كل شيء على مايرام؟ قال مايكل وهو يحك على كتفها بدفئ أشعرها

بالحنان فأزاحت خيوطا من شعرها بللتها دموع الذكريات خلف أذنها، ورمقته

بنظرات تطفو بين هم و غم، لاشيء أشعر بدوار ش..د…

آنستي؟ آنستي؟ سحقا