الفصل الرابع
استفاقت كاثرين وقد استوطنت أشعة الشمس وجهها، ثم بدأت ترمق الغرفة
بعيناها المخمورتين، والخوف يتخلل جسدها، أين أنا؟ كيف وصلت إلى هنا؟
نهضت من مكانها مشلولة الأطراف، وراحت تتجول في الغرفة وتفتش في كل
ركن وزاوية، عن أي شيء قد يشفي دوي أسئلتها، ثم أخدت تبحث في دولاب من
خشب الزان الأروبي، أخد أمام السرير القديم الطراز مكانا له، ما هذا؟ أمسكت
كاثرين الصندوق مذهولة بجماله، غير مدركة لمحتواه، تتحسس خشب الآرو
الأمريكي الذي تحول إلى تحفة فنية، كأنه صندوق إيملي المرعب، أو صندوق
باندورا، أي صندوق هذا؟ إنه صندوق يعود إلى القرون الوسطى، -قال مايكل،
وهو يحمل معه سينية عليها بعض الطعام- هل راقك؟ لقد حصلت عليه من خلال
صديق مهووس بجمع التحف الفنية، تقول الأسطورة أن هذا الصندوق استعمل
لأغراض دينية، -وضع السينية على السرير ثم استرسل- ربما لطرد الأرواح
والزج بها بداخله.
صمتت كاثرين، وهي تتحسس الخشب والنحوت التي نحتت بيد نحات مخضرم،
لابد أن لهذه النقوش معنى! رفعت رأسها وصوبت نظرها نحو مايكل باحثة عن
جواب، وهذه النقوش؟...هل تحمل معنى؟
-إنها مجرد زركشة يهودية، ذات معنى ديني ما، -رمق مايكل عينا كاثرين اللتان
انغمستا اعجابا بطريقة النحت ثم أضاف مكملا حديثه- ما ترينه يسمى النحت
البارز، انها طريقة استعملها المصريون في لوحة نارمر، قبل 3500 سنة، وهي
طريقة يتم خلالها نقش أو تجسيد الرموز بحيث تكون بارزة، وكأنها قطع أو
مجسمات ملصقة على الخشب، أما هذا على شمالك، -أشار باصبعه إلى الجانب
الآخر من الصندوق- يسمى النحت الغائر، وهو النحت الذي استعمل قديما من
طرف المصريين لنقش رأس أخناتون أي قبل أزيد من 1540 سنة قبل الميلاد،
وهي طريقة صعبة مقارنة مع النحت البارز، أما هذه النجمة الخماسية التي تمثل
قفل الصندوق فقد نحثت بطريقة تسمى النحت البارز المجسم، وهي طريقة
استعملها الآشوريون لنحت حارس باب خورساباد قبل 800 سنة قبل الميلاد.
-ماذا عن هذا النحت فوق السطح؟
-هذا ليس نحتا، إنها فسيفساء،...طريقة استعملها السومريون، كما استعملها
الرومان، لغرض تزيين أغراضهم من خلال لصق قطع زجاجية أو أحجار
كريمة، وغالبا لا يكون الغرض منها إعطاء معنى للمجسمات، فكما قلت الغرض
الوحيد من المزاييك -الفسيفساء- هو اعطاء لمسة فنية...
-يبدو هذا مثيرا للاهتمام
-نعم... تفضلي أحضرت لك بعض الطعام
-اه، شكرا...لا أتذكر كيف وصلت إلى هنا، لكنني متأكدة أنك لست بشخص سيء
ابتسم مايكل ساخرا وهو يخلع قبعته، ليظهر شعره الأملس الكثيف، لا أظنني
كذلك... البارحة ارتدت الحانة، وكجميع الزبناء الجدد وقعت في الفخ!
-أي فخ ؟
-إنه فخ ينصبه النادل للزبناء الجدد، لغرض المتعة، بحيث يعطيهم مشروبهم
ويضيف إليه نسبة مهمة من الإثانول وذلك لغرض افقادهم الانسجام مع
عضلاتهم، فشرب كمية قليلة إلى معتدلة من الإثانول ليست قاتلة لكنها قادرة على
جعلك بداية تفقدين القدرة على النطق ثم الوعي، وحالما تفقدين الوعي تكونين قد
نسيتي نوع المشروب الذي احتسيته، وكم كأسا احتسيت، ولولا أن الفخ يقتضي
شرب كأسين، لكنت قد تسممت، ولا أعتقد أننا كنا سنستمتع بهذا الحديث
-اه، لا أستطيع التركيز...
-سيفوتك الأمر، فالاثانول يفقد شاربه القدرة على التركيز، تناولي طعامك
وستصبحين على ما يرام
أخدت كاثرين تأكل الخبز المحمص بشراهة لم تعهدها، إنه لديذ !
-هنيئا مريئا -نهض مايكل من فوق السرير وأخد يجر أقدامه صوب باب الغرفة
مغادرا
-هل يمكنني المكوث هنا لبعض الوقت؟ ليس لدي مكان أبيت فيه...ما إسمك؟
استدار مايكل وخطى خطوتين إلى الوراء، نعم...واسمي مايكل، مفاتيح المنزل
تجدينها على باب مكتبي، أعاد قبعته إلى رأسه وغادر الغرفة تم المنزل.
سمعت ميليسا صرير الباب وقد أغلق، فخرجت هي الأخرى من غرفتها
تستكشف المنزل الجديد، هذا هو مكتبه إذن .
أخدت تتحسس خشب المكتب بأصابعها ذهابا وإيابا، وهي تمسح بعينها مدهوشة
الكم الهائل من الكتب على المكتبة الجدارية التي تحيط بغرفة المكتب، تم رمقت
كتابا غريب الشكل فوق المنضدة، التي اخذت من بين كرسيين جلدين أسودين
مكانا لها، ما هذا؟ كان قد كتب على الكتاب بخط مائل مخطوطة فوينيتش، قرأت
كاثرين النص بصعوبة وفتحت الكتاب محاولة بذلك استكشاف هذه المخطوطة،
يبدو أنها قديمة جدا! قالت مخاطبة نفسها وهي تقلب الاوراق باستغراب،
فمخطوطة فوينيتش هي مخطوطة مكتوبة بلغة تشفيرية غير مفهومة، ورسوم
عجيبة يصعب على القارئ استيعاب ما يرمي إليه الكاتب من خلالها، ولحد الآن
تعتبر هذه المخطوطة لغزا محيرا، ولا يزال كاتبها مجهولا لحد الساعة، إلا أن
هناك بعض الفرضيات تقول أن الراهب الفرانسيسكاني روجر بايكون هو كاتب
هذه المخطوطة، لكن هناك من ذهب إلى غير ذلك وقال أن كاتب المخطوطة هو
إدوارد كيلي الخيميائي الذي زعم أنه يستطيع تحويل النحاس إلى ذهب من خلال
مسحوق سري أخده من قبر أحد الأساقفة، تقول الحكاية أن إدوارد كيلي قد كتب
هذا الكتاب ليخدع الإمبراطور، إذ ربما كان يود إقناعه بلقائه مع الملائكة في
رحلة سماوية، لذلك كتب المخطوطة بخط غير مفهوم حتى ينخدع الإمبراطور
ويصدق أنه خط اللغة الإدريسية أي لغة الملائكة. حاولت كاثرين أن تخمن أي
لغة هذه كتبت بها المخطوطة لكن دون جدوى، رصيدها المعرفي خانها، لكنها
أحست بأن أمامها الكثير لكي تتعلمه من مايكل، فهذا القدر من الكتب لا يمكن أن
يمتلكه إلى حكيم.