الفصل الثالث

6 0 00

الفصل الثالث

استيقظ ستيفن قبل ميليسا بدقائق، ثم بدأ يرتدي ملابسه، كانت ليلة البارحة مليئة

بمشاهد هوليوودية، فبعد سنين طوال لم يحضى ستيفن بليلة حمراء كهذه، إلى أين

أنت ذاهب؟ قالت ميليسا وقد أيقظتها برودة السرير.

-عندي عمل اليوم، نلتقي غدا -حمل هاتفه، ثم خرج من الغرفة التي احتضنتهما

طيلة الليلة وتبعته ميليسا مهرولة

-ستيفن، ابقى معي أرجوك، ابقى حتى نأكل وجبة الفطور على الاقل -توقف

ستيفن ثم استدار ووضع يديه على وجنتيها-

-لقد فعلت، الفطور فوق الطاولة ميليسا، سأتصل بك فور انتهائي من العمل، قبل

جبينها ثم غادر، بينما بقيت ميليسا واقفة، تشاهده يغادر ثم يغلق الباب، بينما

هرول هو مجريا اتصالا بأحد زملائه، ألقاك بعد نصف ساعة، نفس المكان،

سنغير الخطة!

أغلق الخط واستقل سيارة الأجرى، شارع لونغ كوزواي، مقهى ستاربوكس من

فضلك .

أخدت ميليسا حماما ساخنا سريعا، ثم تناولت فطورها إلى غرفة المعيشة،

وأشعلت التلفاز، اه كالعادة يتحدثون عن رمز بريطانيا، الرسام الاسكتلندي ديفيد

روبرتس، هذا الرسام الذي كان بداية ابن صانع أحدية، ليتحول خلال سبع

سنوات من عمله في مكان للطلاء إلى رسام محترف، رسم من اللوحات الفنية

العديد، ولعل أبرزها هي تلك التي رسمها عندما سافر إلى طنجة عام 1832 ،

لكن بالنسبة لي فإن أروع ما رسم هي لوحة معبد الكرنك، التي صور فيها أكبر

معبد مسور على وجه الأرض، هذا المعبد الذي يفصل بينه وبين المعبد الأقصى

ما يقارب الثلاث كيلومترات أي 22 ملعب كرة قدم تقريبا، كل هذه المسافة

يتخللها على جانبي الطريق 1200 تمثالا بعضها تصور أكباش وأخرى أبي

الهول، وتسمى هذه الطريق، طريق الأكباش أو وات نثر بالمصرية القديمة، وكل

كبش من هذه الأكباش يرمز إلى الاله آمون، مما يعني أن المعبد قد أسس من

أجله... كل هذه المعلومات باتت راسخة في ذهن ميليسا، فهي متأثرة بالحضارة

المصرية والسومرية، والحضارة الأكدية وغيرها من الحضارات القديمة التي

حيرت العلماء بألغاز بناياتها، وفخامة معمارها، وتعقيد هندستها، لقد كتبت ميليسا

يوما مقالا تقريريا لطلب من رئيس التحرير عن الحضارة السومرية، حيث كان

الموضوع مركزا حول نظرية الأنوناكي وكيف أسست الحضارة السومارية إلى

هذا المفهوم الذي يعني الخمسون الذين نزلوا من السماء إلى الأرض قبل 445

ألف سنة، وتقول الأسطورة السومرية أنهم جاؤوا من كوكب نيبيرو الذي يتموقع

بين كوكبي المريخ وزحل، واليوم هذا الكوكب، هو الكوكب الغازي المشتري اله

البرق والرعد عند الرومان، لكننا لا ندري هل كان السومريون يقصدون

المشتري أم أحد أقمار المشتري الأربع والستين. لحد الآن يعتبر الأنوناكي لغزا

محيرا، خصوصا أن السومريين كانوا متطورين بحيث صنعوا العجلات

والسفن... ومما يزيدنا حيرة أمام هذا اللغز هو الألواح الطينية التي تشير بشكل

صريح إلى أن المعرفة الكبيرة التي توصلوا إليها قد نقلت إليهم من الأقوام

الفضائين.

وصل ستيفن إلى مقهى ستاربوكس، وجلس ينتظر زميله بين حشد من الناس،

قهقهات تسافر عبر أشعة الشمس الصباحية، لتطبع الجو بنسيم هادئ الأعصاب،

هكذا هم سكان المدينة، هادؤون، دمهم بارد كأنهم أفاعي أليفة، على يمين ستيفن

يجلس شاب وشابة يتحدثان عن تطور الأديان ومدى تشابهها، لقد شكل الوضوء

في المسيحية جزءا مهما في العبادة، ولا شك أن الديانات التي اشتقت عنها لم

تفرط في هذا الطقس المهم، فالوضوء حسب الأرثدوكس والبروتستانت

والكاثوليك، فسر على أنه طهارة جسدية وروحية ومن تم عقلية وأدبية، وبدون

هذه الطهارة المسيحية لن يتمكن الانسان من التقرب إلى الله، ولا أعتقد أن

الديانات الأخرى قد فرطت في هذا الإرث الديني، فالوقوف أمام الله يحتاج إلى

استعدادات وإجراءات تليق بمقامه.

أتفق معك تماما، لكن عندي إضافة مهمة، ألا وهي أنه لا يجدر بنا أن ننسى

الإجراءات الأولية لاعتناق الدين المسيحي كالسر المعمودي مثلا، هذا السر

الرمزي الذي يتطهر من خلاله الإنسان من الخطيئة الأولى، والعماد هنا يعني

موت ياسوع من أجل مسح خطيئتنا، وعودته إلى الحياة من جديد، وبشكل رمزي

تطور هذا الطقس، عبر العصور، ليصبح غطس المعمد في الماء يعني اغتساله

من الخطيئة ودخوله إلى حياة جديدة، صفحة بيضاء سيملؤها بالمحبة وحب

الخير...

جلس ستيفن يقتطف الكلمات من شفتي الشابين، وعلى وجهه ابتسامة ساخرة، آه

لو تعلمان أن أكبر خطيئة ارتكبتها الكنيسة، هي أنها قتلت غاليليو، وأثارت

الرعب في غياهب كوبرنيكوس، لو تعلمان أن أكبر جريمة ارتكبتها الكنيسة هي

أنها حرقت ميخائيل سيرفيتوس حيا في جنيف، تحت شعار ما يسمى بمحاكم

التفتيش، التي اعتبرت نفسها محاربة للبدع الهرطوقية، لكن بعد أن تمكن العلم من

فرض نفسه، وتحققنا من صحة هذه التي سميت بدع، ألا يسعنا القول أن ما

جاءت به الكنيسة هو الهرطقة؟ تساءل ستيفن وهو يشعل سيجارته ويلوح لصديقه

الذي يبعد عنه بياردات قليلة.

جعل هوبز يقترب من ستيفن شيئا فشيئا إلى أن استقر جالسا في كرسي خشبي

أسود يشبه السلة، كيف الحال ستيفن؟

-لا يهم، ليس لدينا وقت للبوح بحالتنا النفسية، أخبر فيكتور أن.... تسمر هوبز

مكانه يستمع إلى الخطة الجديدة ثم غادر حاملا الخبر إلى فيكتور دون أي

اعتراض...سأفعل...لكن...لا بد أنك جننت يا ستيفن !