الفصل الثالث

3 0 00

الفصل الثالث

كان من الممكن اعتبار أن ثمة تغييراً قد طرأ على روتين حياته خلال الأيام التالية

وتجلى في وقته المتشابه الرتيب , جديداً ومتميّزاً كبقعة زيت على صفحة الماء .كان أمام تجربة جديدة سببت له اضطراباً ورفضها كيانه فيما ما يقوم به المرء _ في البداية _ من رفض أي تغيير يطاول عاداته ولو كان نحو الأفضل .

استمرّت لقاءات الأعين وارتفع عددها في اليوم , ولم يكن يدفعه هذا سوى لمزيد من الرغبة في رؤيتها والحديث معها ..ولكن كيف ومتى ! وبقي هذا السؤال يلح عليه مع كل الفوضى التي أصابت نظام حياته دون أن يبوح به لأحد حتى حدث ما سماه بالإشارة ! فبعد أن رجع من تجواله الليلي القلق حيث أفنى الدقائق في التفكير بها استلقى على السرير يستمع إلى الأغاني دون أن تغيب عن ذهنه ..وكالعادة مع الفجر غفا فرأى في منامه أنها جالسة إلى جوار النافذة في غرفته التي أصبحت تطل على فضاء رمادي بلا نهاية . رمقته بعينين لامعتين وتحركت شفتيها بشيء مالم يفهمه أثار فيه إغراءً شديداً دفعه للاقتراب منها ولدى لمسه إياها ارتجف جسده بالكامل وانتفض بدفعات متتالية . اضطهدته تلك الغريزة التي كانت كامنة لديه! ..لقد اضطهد جسده ذو الأربعين عاماً تقريباً احتلام متوحش غير متوقع من المفروض أن يكون قد ولى زمانه .. فكانت الشيء الوحيد في محيطه الذي اثر به و أعطاه إحساس حقيقياً بجسده أكثر من الأدوية و الآلام ..

ساءت حالته بعد المنام ذاك . وأضحى محاصراً بالكآبة كمراهق يقع في الحب لأول مرّة مما أضاف لقلقه وتوتره المزيد من التعقيد ومع مرور مزيدٍ من الوقت أصبح أكثر ملازمة للغرفة ليحيط بكل تلك النظرات..وانخفض اختلاطه بمحيطه وذلك أن الظاهرة الجديدة امتصّت أغلب وقته واهتمامه ودفعته ليعيشها بكافة أبعادها وأفرزت أموراً أخرى.. مثلاً بات للأغاني العاطفية معنىً آخر واتقدت عاطفته الكامنة وبرزت على شكل أشعار وخواطر دوّنها على دفتره بين أرقام أوراق اليانصيب , كان يكتبها ثم يزينها برسوم قلوب وعصافير ويتجول في الحي طويلا مسدداً نظره على بيتها ..أو يراقبها كيف تخرج مع شقيقتها لتتمشى إلى جوار الطريق العام حيث يفيضان على بعضهما بتلك النظرات و أحياناً يسير إلى البحر حيث يتوجه أهالي الحي عادة مع قدوم الصيف لشرب المتّة وللترويح عن النفس من جرّاء حرّ الظهيرة ليراها هناك دون أن يجد الشجاعة للإقتراب منها ..

ومضى في يوم من أواخر نيسان ليقبض راتبه من مكان عمله السابق في المرفأ. كان متوتراً عصبياً لم يستطع البقاء هناك لأكثر من عشر دقائق وهناك قال له موظف عجوز بشاربين كثين من معارفه ممازحاً :

ـ أما زلت عازباً ! يجب أن تتذوق طعم النساء قبل أن تشيخ فتذهب عليك ..

رافقت تلك العبارة سحابة يوميه وترددت في سمعه وتفكيره وأنفاسه في كل الأماكن التي تردد إليها. عقله بكليته هائم في كيفية الوصل وقد أضناه الشوق..وبالرغم من أن الهيام بدا عليه في صورة كآبة وصمت طويل . إلاّ أن الموضوع بقي سرّه الشخصي الذي لا يعرف

به أحد باستثناء الفناء وشجرة الزيتون والعجلات المهترئة التي كانت الشاهد الوحيد على هيام النظرات.. حين رجع إلى البيت في ذلك اليوم كان قد صمم نهائيا على القيام بشيء ما لقد آن الأوان لذلك وما لمنام ذاك إلاّ إشارة , أخيراً ارتجل من الفوضى تلك حلاًّ ! حيث كتب على ورقة صغيرة رسالة لها يطلب منها اللقاء في مكان ما وراح يتأملها بعناية مفكّراً في كيفيّة إيصالها . نسج إذ ذاك بروفات عدّة وكأنه ممثل يبتكر حلولاً لشخصية : تخرج من المنزل لتتمشّى فيتبعها وعندما يتحاذيان يلقي بالورقة. وإذا لم تلتقطها ! لماذا لا أوقفها, ألست رجلاً !! لا أمام بيتها قد يراها أحد من أهلها إذاً على الشاطئ وبدا له الأمر كالمهزلة .. وأفنى وقته في الليالي القلقة يفكر في الأمر والنظرات المستمرة تلهب شجاعته لكنه يتردد من جديد . لم يعثر على الطريقة بعد !

في إحدى المرّات وبينما هو كذلك يتمشّى في الغرفة و يدخن بلا توقف وعيناه تسترقان نظرات إلى شباك الأماني إذ ظهرت كالعادة لممارسة ذلك الطقس ..(طقس النظرات المتبادلة ). نظر في عينيها مبتسماً فردت بابتسامة شفافة منحته جرأة فريدة فأمسك بالرسالة بيده المتعرقة وأراها إياها فنظرت مستفسرةً ..وحرك شفتيه الداكنتين يريد القول كيف سأعطيك هذا ؟ فردّت هازّةً كتفيها تقصد أنها لم تفهم شيئاً..لم تنتهي نوبة الشجاعة تلك وبدون تفكير أشار لها بالانتظار وفتت من الخفانة التي تستند عليه خزانته الخشبية وانتزع حصاة صغيرة ولف الرسالة بها وعاد مسرعاً إلى الشباك حيث كانت تترقّب بفضول ماذا يريد , وألقى بها بخفة فوقعت في غرفتها وابتعدت متجنّبةً إياها ..وغابت قليلاً في البحث عنها..ثم برزت من جديد ألقت الحصاة الصغيرة ورفعت الرسالة له لتريه أنها وجدتها وأغلقت النافذة .

لم يشعر كيف حصل هذا وكم من الوقت استغرق ..وانتابه هيجان شديد مفاجئ فارتمى على السرير ودفن رأسه في الوسادة ..

ـ ماذا سيكون الجواب !! سيطّر عليه هذا الهاجس ..ربما لم يقدّم الرسالة بشكل لائق أو ربما لم يكتب الكلمات المناسبة ..وسرح بين خواطر شتّى وهو يفكر ثمّة شيء غير صحيح لقد أخطأت في أمر ما ! ولم يقدر على البقاء في الغرفة فخرج يلتمس بعض السكينة وهو يحدّث نفسه ويهز رأسه . جلس في جولته تلك عند أبا حامدٍ دون أن يشارك بكلمة ..ثم نهض وراح يتمشّى على طول الطريق وهو يلتهم السجائر التهاماً , ويراجع الكلمات كلمة كلمة وحرفاً حرفاً ..لابدّ أنها الآن ستغلق النافذة لقد تسرّعتُ..وعاد بعد جولته إلى الغرفة كالطفل الذي يخاف العودة إلى المنزل خوفاً من عقاب أهله ..كانت والدته تسقي المزروعات وتراقب توتره المتزايد في الفترة الأخيرة فقالت له وهو يعبر الفناء كما لو كان طفلاً :

ـ سهيل ..واقتربت منه ..مابك يا عيني هل يؤلمك شيء ؟ بالله قل لي ..

ـ لاشيء ..اتركوني ..

فلحقت به وهو يسير إلى الغرفة :

ـ الله يخليك أخبرني ما بك . يا سهيل (توقف كلمني ! )

وقف بالرغم منه و أرسل تأففاً طويلاً :

ـ لماذا لا تريد أن تعمل مع أبو أحمد ؟

ـ ( هيك ) ..(خلّصت كلامك ؟) ..اتركيني

وعندما انتبه إلى زوجة عباس التي كانت تراقب الموقف من النافذة , دخل صافقا الباب بقوة تاركاً والدته في الخارج تذوي من الحيرة والأسى والشتائم تحوم على رأس لسانه ..

كان الحرّ شديداً في الغرفة والساعة ناهزت منتصف الليل .. تمدد على السرير يسب ويردد في نفسه متى يتركونني (بحالي ) متذكراً يوم المشكلة مع شقيقه ووجه زوجته وكلامها الاستفزازي وانعكس ذلك على قلقه في انتظار الردّ على جسده ففاض بالغضب والتوتر و أسود مزاجه وهو يلوم حظّه وقدره الظالم . دائماً في هذه الحالات يصب جام غضبه على القدر وعمره الذي لم ير فيه يوماً سعيداً ..إذ يرد إلى تفكيره كل ماهو مزعج وما من شأنه أن يزيد في غضبه كتفاصيل الحادث والفترة العصيبة من الآلام في المستشفى والضياع والمهندس الذي تسبب له بإعاقة .. وقبع بحالته تلك على شفى نوبة عصبية بدأت بارتجاف شديد في رؤوس أصابعه ..فجأة أرعبته حصاة صغيرة ملفوفة عليها ورقة سقطت في غرفته..إنه الجواب !!

قفز كالقرد , كانت هناك على النافذة .. وأشارت له أنها رمت الحصاة تناول الورقة بيديه المرتجفتين وقلبه ينبض لهفة كأنه يريد القفز من بين أضلاعه .كان مكتوباً فيها أنها غداً ستذهب إلى البحر مع شقيقاتها في الخامسة بعد الظهر ..

وبدون تفكير رفع عينيه الفرحتين عن الورقة وأشار برأسه الذي تحوم حوله السعادة والصدمة بالموافقة . لم يصدق أن الأمر حدث بهذه السرعة.. تمشّى في الغرفة ورجلاه تذرعان المكان على نحو احتفالي راقص ورفع صوت الراديو . هل ما حصل حقيقة..؟! إنه حقيقة وعليه الآن الاستعداد . ولى تأزمه العصبي ليحل محله هيجان وتساؤل ! ..كيف سيقضي هذا الوقت الآن حتى ما بعد ظهر الغد ؟ ما اشد مرارة الانتظار.. ماذا عليه ارتداءه في الغد ؟ نبش خزانته بحث عن بنطال وقميص يناسبان بعضهما فوجد بنطالاً بلون سكريّ فاتح وقميص بلون أزرق غامق تفوح مهما رائحة عفن مرعبة . يجب غسلهما ! لا بأس ثمّة وقت . رمى بهما في طشته الصغير حيث يغسل ملابسه عادة..وكونه اعتاد على ارتداء البيجامة أغلب الوقت لابد له الآن من استعارة المكواة من شقيقه..وأخيرا قرر وهو يجلس إلى الطشت لينظف الملابس سأكويها في الغد عند رجاء , ولم تجرؤ والدته على عرض مساعدتها في غسيل الملابس خوفاً من إغضابه.. وهكذا مضى الوقت ثقيلا بطيئاً فلم يظهر رياض لاصطحابه إلى السهرة ..وتنقّل بين السطح والشارع والغرفة يفكّر في الغد وما ينطوي عليه من مفاجآت . جسده يحفل بنشاط وفوضى و تلفه رعشة عندما يتذكّر اللحظات الماضية بتفاصيلها التي مرّت بشكل سريع خاطف ..

في الصباح وكان قد رقد هينة قصيرة اصطحب ملابسه..استعار عطراً من أسعد , وقامت شقيقته بكي ملابسه ولم يجب عن استفساراتها الملحة عن سبب هبوط هذه الأناقة عليه بشكل مفاجئ ..وعاد بعد الظهر عندما اقتربت الساعة من الخامسة إلى الحي حيث التهم جسده القلق والرهبة من الدقائق القادمة وجف ريقه واصطبغ وجهه ذو البشرة الداكنة ببعض الحمرة ..

الساعة الخامسة إلاّ خمس دقائق .كان قد ارتدى ملابسه وبخ من العطر الرخيص الذي استعاره من أسعد حتى ابتل قميصه . تمشّى قليلاً على الطريق العام ناظراً إلى بابها ثم وقف يدخن على زاوية الشارع وهو بكامل أناقته , لقد جاوزت الخامسة ولم يظهر أحد ..

فمشى نحو البحر وقد أخذت تتقاذفه الظنون .. قطع التلال الرملية.. خطوات شاردة محفوفة باليأس وتراءى البحر أزرق هادئاً تنعكس الشمس على صفحته راسمةً درباً يتصل بالأفق و على الشاطئ توزّعت مجموعات منفصلة من الزوار ومجموعة من الصبية يلعبون

بالكرة وأصوات ممزوجة بصوت الأمواج ..بحث بعينيه عنها , كانت وشقيقتها تسيران على طرف الأمواج حافيتين وتضحكان دون توقّف . فتقدمن نحوهن يحدوه الاضطراب والخجل..لدى وصوله توقف لعبهن الصاخب . وقفت أمامه ووجهها الممتلئ يفيض بحمرة خفيفة بينما راحت خصلات شعرها الشديد السواد يتلاعب بها الهواء البحري ليغطي جبهتها وعينيها وهي تبعده بحركة خجولة وعاين عن قرب ملامحها كانت عيناها كبيرتين ذات لمعان هادئ وجسدها ممتلئ قريب إلى البدانة و اتخذا في سيرهما خط الشاطئ حيث تلقي الأمواج بنفسها على الرمل الحار لتتلاشى وتعود من حيث أتت . أول سؤال وجهته له :

ـ( لماذا تفتح الراديو دائماً ؟)

أجاب :

ـ لأني أحب الموسيقا .

ثم وجهت له فيضاً من الأسئلة ..كانت تسأله عن كل شيء بفضول وتنظر إليه وهو يروي بلا حدود ولا ضوابط كل ما يخطر على باله , أقاصيص مضحكة وأخرى مأساوية.. تتأثر وتضحك بدلال متأبطةً ذراع شقيقتها.. ( ولم يتطرق إلى موضوع الحادث بالرغم من أسئلتها له عن آثار الجروح في وجهه ) سألها وهو يتذكر الكورنيش :

ـ أيعجبك الكورنيش ..هل ترغبين يوماً ما في ( التمشاية هناك ) ..

أجابت وهي لا تتوقف عن حركاتها الصاخبة واطئة الأمواج :

ـ نعم أريد ..

واستمروا على هذا الحال حتى بدأ ضوء النهار بالرحيل ..ثم انصرفت إلى البيت بعد أن قطعت له وعداً باللقاء من جديد .

رجع إلى البيت طائراً قدماه لا تلامسان الأرض والكون يضحك من حوله..لا يصدق ما حصل وكيف , كانت انطباعاته عنها تفيض إعجاباً وسروراً من كل ما بدر منها , حركاتها العشوائية الصاخبة , تألمّها عندما تطأ على حصاة حادة أو عندما تلتقط صدفة مخروطية وتضعها على أذنها . ارتمى على سريره فرحاً بهذا التوتر المحبب وعقله يسترجع كل دقيقة قضاها في هذا اللقاء ليتقمصها والانفعالات تعصف به , يبتسم حين يتذكر ابتسامتها ويتأثر لتأثرها .وأمضى وقتاً يتقلّب دون أيّة رغبة بالأكل أو النوم كان كالمخمور يريد فقط الغوص في تلك الانطباعات والبهجة المنبعثة منها ..

في الليل هبت ريح قوية أعادت بعض البرودة إلى الجو .. بعثرت أوراق الدفتر بعنف فأغلق النافذة و أغراه الجو بالخروج إلى الفناء كان الهواء عاصفاً يهزّ المزروعات بشدّة كأنه يريد انتزاعها ويلف الملابس على حبل الغسيل وقد تساقط بعضها على الأرض ..كانت المحلاّت مغلقة ومصابيح السيارات تضيئه وهي تعبر الطريق ..رفع نظره إلى السماء كانت صافية وثمّة غيوم قليلة مبعثرة ترحل مسرعةً مع الريح لتغطي الهلال القمري والنجوم حوله وتتجاوزه كأنها أمواج بحر صافٍ يبدو من تحتها الشعاب المرجاني . أعاد له وقوفه هنا ذكريات ليست بالبعيدة فنزل به قنوط غريب وقد تذكر تجواله الذي لم يمارسه منذ أيّام بذات الدافع القديم . أعادت له الريح التي تلطم وجهه وتبعثر شعره شعوره بالبعد وتحوّل مجرى دخان السيجارة ليدخل في عينيه مسبباً له حرقة مزعجة..نظر باتجاه المنزل وصوت قرع علب المشروبات الغازيّة المعلّقة على العمود يدق برتم ثابت كأجراس توحي برحيل وفراغ . شعر بخوف مفاجئ لم يعرف سببه وتناهى إليه من الوراء صوت محرّك فالتف مرعوباً كانت درّاجة تقترب منه..كان ذلك رياضاً يقترب على دراجته من بين البيوت وقد لف على رأسه عقالاً وصاح عندما اقترب

ـ معلم سهيل ..مرحبا معك سيجارة

أمعن فيه سهيل قليلاً بطريقة أثارت دهشة رياض , وأعطاه سيجارة ثم زج أخرى بين شفتيه :

ـ عزمنا على السهر اليوم ..لكن انظر الهواء ( يطير الزلمي ) ! ربما غداً يتحسن الجو قليلاً

وساد صمت كان على خلفية صوت صفير الريح وقرقعة علب المشروبات الغازية ..وقال رياض بعد أن راقب تلك العلب وهي تتراقص على العمود ..

ـ هذا الرجل أقذر من( جربوع ) ..أعتقد أنه (يهرّب ..ويشغّل نساءً )..

ـ أي رجل ؟

ـ أبو حامد .

وعاد الصمت ..بعد قليل أدار رياض الدرّاجة وودّعه منطلقاً ..

دخل الغرفة أنار الضوء واستلقى على السرير . واستمر حتّى تناهى إلى أذنيه من بين ضجّة الريح والموسيقا صوت والده : أصبحنا و أصبح الملك لله العلّي القدير .

وعادت ذكريات اللقاء الرائع اليوم لتمدّه بلهفة دافقة استولت عليه كما أخذ الفجر يبتلع الليل بالتدريج ..واستسلم أخيراً للرقاد ..

عندما استيقظ بعد الظهر كان كل شيء في مجراه الطبيعي بيد أن الحر خيم على الغرفة لإغلاقه النافذة .

كانت النافذة المقابلة مفتوحة..غسل وجهه وسرّح شعره بدقّة واصطحب فنجان قهوة إلى غرفته و بعد قليل ظهرت و لوحت له بيدها .. وغابت .

عندما وصل لعند أسعد لم يكن هذا الأخير في مقرّه المعتاد ..فجلس يشرب المتّة ويراقب البحر الأزرق والسفن الغافية بعيداً إلى جوار المرفأ ..وصورة حبيبته الصغيرة تلوح له رائعة كصفحة البحر محفوفة بالأمل ..رجع أسعد حاملاً أدوات تصليح والتعب بادٍ عليه وقال :

ـ في البارحة خلّعت الريح نصف النوافذ ..سأتصل بالمدير و أخبره أن الشاليهات بالكامل بحاجة لتغيير ..

عندما مالت الشمس نحو المغيب ترك أسعداً ومضى إلى المدينة ليتمشّى قليلاً .. راح في نشوة مع صورة فاتن وضحكتها وشعرها الأسود الداكن الذي يمدّه بإعجاب ورغبة عارمة في لمسه وتوسيده . وانتحى طريق الكورنيش ماشياً بمحاذاة الرصيف البحري حيث طرطوس القديمة بأحجارها الرملية الصفراء ترتفع مقابل البحر كما كانت منذ آلاف السنين والأمواج تصطدم بالصخور المدببة فتعانقها بقوة ثم ترتد وتعيد الكرّة مرّة أخرى , فتيات بملابس بألوان صيفية مشرقة يتمشين , وبائعي الفستق المحمص على الرمل البحري يحدّقون بالمارّة بنظرة حيادية كأنها تحيل هذا الجمع إلى اللامبالاة وبائعي تحف مصنوعة من الصدف منشغلين بالتدخين والثرثرة .. تمنّى لو أنها معاً يده تحتضن يدها والهواء البحري يرافقهما وهما يتناولان الفستق والترمس أو حلوى ( التلاّج ) ذات الرقائق الغارقة في القطر

في الحارة الأمور على حالها ..جوقة أبو حامد الصاخبة ..أبو أمجد يدخن النرجيلة على شرفة منزله كأنه أسعد رجل في العالم .. أدار الراديو كي تعرف أنّه في المنزل وقرأ ما كتبه أخيراً ثم أشعل سيجارة ..بعد قليل لوحت له من النافذة .. ثم دخل ليأخذ حماماً وقد تعرّق جسده بشدة من جراء الحركة في الغرفة والحماس وهو في مزاج رائع ..

سمع صوت رياض من الحمام يسأل والدته :

ـ أين( المعلم )سهيل ..

ـ إنّه يستحم ..تفضّل ..

وناداه سهيل من الحمّام :

ـ انتظر..( أنا خارج ) .

خرج مبتل الشعر .. وارتدى بيجامته . ألقى نظرة أخيرة على النافذة ..وقفز وراء رياض على الدراجة وانطلقا للسهر ..فقالت والدته في أثره :

ـ ( سهيل ..ضع شيئاً ما على رأسك فقد يسفقك الهواء )

فأجاب لأول مرّة ربما منذ سنتين بنبرة عاديّة :

ـ لا تخافي ..

شهدت الخيمة القصبية احتفالاً صاخباً وتم شرب العرق البلدي وتبادل النكات والغناء وراح سهيل يثرثر و يروي قصص مختلفة وهم يضحكون ويوجهون له عبارات كالتي يوجهونها لبعضهم دون أن يسبب له أي إزعاج.. ثم تعرّوا ومضوا للسباحة في البحر العاتم على ضوء القمر وارتفع صراخهم منادين بعبارات مثل احذر سيبتلعك (فرخ سمك).. وصاح آخر لقد أمسكت سمكة هنا ..قال سهيل ضاحكاً هذا قضيبك .. فقد شعر بنفسه واحد منهم في مثل عمرهم وذلك الصخب والنشاط والحرارة أكثر ما يعبّر عنه في

هذه المرحلة ..وبينما هم متمددون على الشاطئ يرتاحون من السباحة والركض قال رياض :

ـ هل رأيتم بنات أبو قصي القادم الجديد إلى الحي ؟

علق أحدهم :

ـ إنهن ( رهيبات ) لا ينبغي تركهن هكذا ..

ارتفع الدم إلى رأس سهيل وهو يصغي إلى التعليقات وعبارات الإعجاب وتسرّب الهم إلى صدره إذ شعر بغيرة مفاجئة لم يكن يحسب لها حساباً على الإطلاق ..ورجع إلى البيت مصحوباً بهذا الإحساس الجديد كان مرّاً وثقيل الوطأة تماماً كأثر العرق على رأسه .. النوم يبتعد عن خلده وبقي يتقلّب مقلّباً الموضوع معه بين مدّ وجذر كيف يمكن له معرفة مشاعرها نحوه ؟ لابد من ضمانة ودليل وتبدلت مشاعره نحو رياض والشبان الآخرين إلى كره وتنافس ..يجب أن يحصل عليها بأي وسيلة ..الزواج الخطبة هذا هو الحل ّ لقد آن الأوان . وجاء صوت والده :

ـ أصبحنا وأصبح الملك لله العلي القدير ..

النوم مستحيل مع كل هذا القلق ..مازال الوقت فجراً وعليه الانتظار ليحصل على دليل إنه يخاف أن تسلب منه . وازداد الدوار والثقل في رأسه من جرّاء التفكير ومرّت اللحظات ببطء على صوت صلاة ودعاء والده و أزيز صراصير في الفناء وبضع بعوضات أخذت تتلذذ بالدوران حول أذنيه ..

لابد من الخطبة إنه السبيل الوحيد ..هكذا ختم أفكاره وهو يخضع لغفوات متفرّقة كانت آخرها عندما أيقظته منشرة أبو ميخائيل ..

استيقظ في حال سيء يعاني من ألم في معدته كأن بركاناً يفور في داخلها , منقبض الصدر والهم يأكل فؤاده ..كانت زوجة عبّاس تنشر ملابس في الفناء ..ووالدته تشرب القهوة مع أم أمجد ..بحث في المطبخ عن بعض اللبن ليخفف من حالة الغثيان في معدته ..ثم جلس ليشرب القهوة مازال الوقت باكراً إنها نائمة وهو لن يغادر حتى يحصل على نظرةٍ منها .. استمر انتظاره دون نتيجة ..انفعل وتوتر أن كلام الشبان البارحة لم يأت من عبث ! أدار الراديو بصوت مرتفع دون فائدة وانتفض غاضبا وبدأ بالتدخين وقد خنقته الغيرة خنقاً .. لم يغادر كعادته وبقي حتى منتصف الظهر إلى غاية ظهورها على النافذة . وانطلق عقب ذلك إلى رجاء ليتحدّث معها بالموضوع إذ لم يعد ثمة مجال للكتمان..دخل المحل فوراً حيث كانت شقيقته تستعد لتصفيف شعر إحدى الزبونات ..

ـ خير إن شاء الله ماذا حصل .؟

ـ أتيت لموضوع مهم ..

ـ هل حدث شيء للأهل ؟

ـ لا..كنت أريد. فقاطعته قائلة :

ـ لا يجوز أن تدخل هكذا عندما يكون عندي زبائن .. انتظرني في البيت , هاك المفتاح سأكون عندك بعد نصف ساعة .

في البيت تناول إفطارا سريعاً أعده بنفسه وجلس يستعد لعرض الموضوع .. وقال لها فور مجيئها :

ـ لا تؤاخذيني كنت مستعجلاً ..

ـ لابأس ..وجلست لتشاركه شرب المتّة..

ـ خير ما هذا الموضوع .

صمت قليلاً وقال بعد أن أشعل سيجارة :

ـ أريد أن اخطب ..

ـ تمزح ..علّقت رجاء بذهول .

ـ( لا والله ) أنا جدّي .

ـ ومن هي ؟؟

ـ جارتنا في الحارة .

نظرت رجاء في عينيه التي تعودت أن تراهما تعبتين قلقتين لتتأكد من أنها ليست إحدى القصص الكثيرة التي يبتكرها فرأت فيهما هذه المرّة حماساً دافئاً ومع ذلك سألته مشككة :

ـ وهل تكلّمت معها بالموضوع .

ـ تقريباً ..نعم إنها موافقة ..إنها تنتظرني كي آتي و أطلب يدها .

بالرغم من كونها لم تثق بكلامه إلاّ أن سعادة ملئت قلبها من هذا الخبر الذي يعني الكثير , وروى لها بالتفصيل عن كيفية تعارفهما , وعندما قال أن عمرها سبعة عشر علّقت باستغراب وخيبة :

ـ سبعة عشر !! إنها صغيرة ..!

ـ لا يهم فنحن متفاهمين ..

ـ كلمة أريد أن أتزوج ليست بهذه البساطة ينبغي أن تجد عملاً على الأقل فالزواج منزل ومسؤولية ومصاريف...

ـ العمل موجود .. أجاب متذكّراً عرض أبو أحمد صديق شقيقه له ..

ولم تسأله رجاء عن عمله هذا لأنها شعرت بأنه يبتكر وصممت مساعدته بعد أن تتحقق من الأمر . ومن عند رجاء اتجه فوراً إلى محل أبو أحمد الذي كان مغلقاً فأصيب بالخيبة ..

عاد إلى الحي مع غروب الشمس حيث كان أبو حامد يسقف العارضة الحديدة أمام المحل بحصير قصبي بمساعدة أولاده .. وقد امتلئ الهواء برائحة الشحم والبنزين المنبعث من مغسل السيارات .

في فناء المنزل كانت تجتمع العائلة لشرب القهوة ..

انتابه الأسى فور دخوله الغرفة وقد عاودته الغيرة فقعد إلى الطاولة ينظر إلى شباكها وهو يسترجع ما فعله اليوم وكلامه مع شقيقته والخطوة القادمة فكان قد التهم أظافره دون أن يشعر ..أثناء ذلك ظهرت على النافذة وأشارت ثم دخلت كان خلال ذلك ينظر في عينيها باستجداء وقوّة ..هذا لا يكفي إنها الغيرة ! المزيد من القلق والسجائر ..

في الأيام التالية تضخم خوفه ذاك إذ أصبح يتجول معظم الوقت في الحارة يراقب المارّة أو الراكبين وما أكثرهم !!كل شاحنة متجهة إلى المنطقة الصناعية وكل شاب يقود دراجته ويرتدي نظارات سوداء قد يحوم هنا من اجلها ! كان يلاحقهم بنظراته حتى يغيبوا عن الحي والشارع وحدث أن أثار ذلك غضب أحد سائقي الشاحنات الذي سأله (لما تنظر هكذا خيو !!) وكانت مشكلة حقيقية على وشك الوقوع لولا تدخل أبا حامد ..وبالنسبة لتجواله وزيارته إلى أسعد فقد انعدمت إذ لم يكن بقادر على ترك الحي مع كل ذلك الخوف . النظرات على ماهي عليه بيد أنها أبداً لم تلاحظ تغير ّوحزن عينيه ولهفتهما ولمّا اعتذرت له عن الخروج عندما أرسل لها بورقة ملفوفة بحجر ازدادت ظنونه وشدد الحراسة في الحي وعلى منزلها ومن الأمور الأخرى التي كانت تفعّل غيرته وغضبه هي رؤية أولاد أبا أمجد وعائلاتهم الذين يتقاطرون في هذا الوقت من العام لزيارته , والتفاهم والانسجام فيما بينهم .

ومرّ الأسبوع لم يشتر ورقة يا نصيب وغاب فيه كليّاً عن أسعد ..

أقلقت هذه التصرفات أهله . فتوجهت والدته إلى رجاء الشخص الوحيد الذي يستطيع الحديث معه وروت لها ما يحصل وأن هذه ولا بد مؤشر على انتكاسة مرضية ما وطلبت منه إقناعه بعيادة الطبيب ..أكّد هذه الكلام لرجاء ما قاله عن رغبته بالزواج فقالت :

ـ لقد أخبرني أنّه يريد الزواج ! وهو يشعر بالضيق لأنكم تهملونه ..على كل حال لقد طلبت من محمود أن يساعده في إيجاد عمل ..

قالت الأم باكية :

ـ والله نحاول الحديث معه لكنه يغضب ويصرخ ويرفض أن يأكل.. لقد زوجنا عباس بالدّين وعباس ليس أغلى منه والله سأبيع غرفتي أنا ووالده ونعيش في الشارع لأزوجه ..هكذا انتهى الكلام ..

بدأت التحركات في العائلة لدعم الموضوع وقررت رجاء البدأ بالخطوة الرسمية الأولى وهي التعرّف على الفتاة التي يريد الزواج بها .

في حين استمر حال سهيل كما كان .. في إحدى المرّات قبل منتصف الليل جاء رياض ووقف أمام المنزل , أطلق بوق الدراجة ونادا عليه ..خرج سهيل مضطرباً وقد برزت الغيرة لتأرّق فؤاده .

ـ لا أستطيع السهر فغداً عليّ الاستيقاظ باكراً للذهاب إلى العمل ..

ـ هيا يا رجل , وقطع كلامه ناظراً إلى النافذة حيث كانت تقف الفتاة وصفر بشفتيه :

ـ ما هذا كلّه ..( لديك هذا الجمال كلّه إلى جانب غرفتك ) .

تصاعد الدّم إلى رأسه ونهره قائلاً :

ـ لا شأن لك احترم جيراني ..

ونظر إليه رياض مستغرباً ليعرف مدى جدّية هذا ..أنت جدّي !! و أضاف بلغة ممازحة لم يستطيع سهيل تمييزها بسبب الغيرة : (على رأسي ) ستراها بعد يومين معي ..

جنة جنونه عقب عبارته ودفعه في صدره فسقط عن الدراجة , وقال :

ـ إنها خطيبتي يا حيوان . نهض رياض عن الأرض وهو يقول خطيبتك يا مجنون ألم تشبع كذباً ودفعه أيضاً.. ثم تماسكا وخرج شقيقه والجيران وحالوا بينهما وابتعد رياض قائلاً :

ـ لولا أنّك مكسّر من الحوادث لكنت كسّرت عظامك .. لم يعلّق سهيل بشيء بقي واقفاً وسط الجمع القليل وصدره ينتفض من الغيظ , ودخل والده وهو يسترجع إلى الله ويهزّ رأسه بعد أن يأس منه ..بينما تأبط أبو حامد ذراع سهيل وقال :

ـ انتهى كل شيء يا جماعة ارجعوا ..وسار به إلى المحل ..وهناك بقي على صمته ولم يستجب لإلحاحات أبو حامد برواية ما حدث طلباً لبعض التسلية ونهض بعد قليل يتمشى وحيداً بعد أن طلب سيجارةً من أحد الموجودين..وعلّق أبو حامد في أثره :

ـ لقد فقد عقله بالكامل ..

كانت المرحلة القادمة هي كل ما يبتغيه يريد أن يتخطّى كل المراحل السابقة للخطبة ليصل إلى مراده بأي ثمن . راحت قدماه تنهبان الطريق في ذهاب و إيّاب ورئتيه تفني السجائر وهو يتخيّل الوقت يفلت من بين يده كساعة رملية . لابد أن يتجاوز كل هذا و

سيتزوجها بأي ثمن . وهزّته كلمات صديقه العجوز في المرفأ من جديد كإنذار , لقد باتت حاله لا تحتمل ..عند المنزل لم تقل والدته شيئاً بل نظرت إليه بأسى وأمل أن تنتهي عمّا قريب كل فوضى حياته ..

في ذلك المساء وبينما كان يحاول كتابة شيء ما بسبب فيض الأحاسيس التي لا يمكن التعبير عنها بالكلمات أتاه مرسال منها أعاد له بعض السكينة . كانت تسأله عن سبب ضربه للشاب ..وتعرض عليه اللقاء غداً صباحاً في الساعة التاسعة في السوق حيث ستمضي مع شقيقتها لشراء بعض الأغراض ..

كان الأمر مفاجئً بصورة مطلقة كاد يقفز من الفرح كتب الردّ : ضربته لأنه لم يعد لي نقودي التي استدانها مني ..وإجابة عن عرضها كتب : أكيد يا ملاكي نلتقي في الكراج ..

وبعد أن غابت ابتعد قليلاً عن النافذة كي لا تراه و أخذ بالرقص على أنغام أحدى الأغاني التي تبث من الراديو ثم تناول المرآة وبدأ يحرك وجهه بتقلصات وابتسامات !يفتح فمه ويغلقه ويمدّ لسانه :

ـ أرأيت هي من دعاك ..هي من يحترق من الشوق ..آه يا ملك زمانك يا معلّم سهيل..

وأخيراً ناله بعض الطمأنينة . وساهمت هذه الدعوة من قبلها بتفنيد جزء من شكوكه

ثم توجّه إلى أبا أحمد مرّة أخرى من أجل موضوع العمل حيث أخبره العامل أنه لن يأتي حتى مساء الغد ..وتمشّى قليلاً لأول مرّة منذ أسبوع في المدينة النابضة بالأشكال المختلفة وراح تفكيره الذي غلب عليه موضوع الخطبة يتهادى في أحلام يقظة نديّة . ولفتت انتباهه محلات الموبيليا والأدوات الكهربائية باتت تحمل معنىً خاصّاً يرتبط بموضوع الزواج والمنزل بقي القليل من الوقت حتى الغدّ لكنه بحاجة لبعض المال فطار إلى أسعد واقترض منه بعض المال . ثم تمدد في غرفته على السرير يحلم بالغد ونتيجة لكثرة في ذلك اليوم غفا بعمق إلى

ما بعد شروق الشمس بقليل ..حيث استيقظ وقد هزّه احتلام آخر بعد أن رآها في منامه تعانقه عند موقف الحافلة ليلاً والطريق خال حتى من السيارات العابرة وفي ذراعها حقيبة صغيرة كأنها مسافرة إلى مكان ما..نهض بمزاج سيء وقد ابتل سرواله , منذ زمن لم ينم في الليل , إنها المرّة الأولى التي تغيب عنه الحارة في الليل ..ومضى ليستحم فقد بقي عدّة ساعات للقاء وقلبه يلهج بالشوق والحنين العاصف حتى كادت عيناه تدمعان وهو يتذكر صورتها في المنام كم كانت جميلة ووديعة .

وحان الموعد .. كان قد استعد قبل ساعة كاملة وانتظر ريثما تخرج من المنزل لتصعد في الحافلة كان النهار مشمساً صيفياً والنّاس يقفون في الشوارع مستمتعين بأشعّة الشمس التي لم تشتدّ بعد ..تناولا فنجاناً من القهوة في مقهى صغبر ثم توجها إلى الكورنيش دون أن يتوقفا عن الثرثرة كان حديثها طفولياً روت له بلا انقطاع عن مدرستها وصديقاتها والمدرسين , و أصغى مظهراً جديةً وسرد لها بعض مغامراته ( المبهّرة بأحداث أضافية ) عن أيام عمله , بيد انّه لم يذكر لها موضوع الحادث ولم يؤثر وجود شقيقتها على جرأته في التغزّل بها , كان هائماً في سعادته يريد ضبط الوقت بيديه ليبقى الوجود مزهراً جميلاً .. بعد أن تعبوا من الحديث المتواصل وتناول الفستق المالح الحار حتى تجعّدت شفاههم . قال :

ـ( أريد أن أزوركم في البيت . )

سألته بدهشة :

ـ ولماذا ؟

ـ سأتقدّم لخطبتك ..

وسرت دهشة واضحة انعكست على وجهها ووجه شقيقتها . وصمتت خافضةً رأسها إذ لم تتوقع عرضاً كهذا إطلاقاً وتابع حديثه دون أي اعتبار لردّة فعلها كأنه طرفي العلاقة .. ثم تبدل مزاحها قليلاً ومنعته ثرثرته المتواصلة من ملاحظة ذلك

وكرر سؤاله عندما كان يوصلها إلى الحافلة ..

ـ .. متى تشائين أنا جاهز ..وخطر له هنا ذلك التاريخ ...

قالت بسرعة واختصار كأنها تريد إنهاء الموضوع :

ـ أنا أخبرك متى ..

انتهى اللقاء . ذهبت اللحظات الرائعة مخلّفةً وراءها انطباعاً بالفوضى والشوق , و في أعماق فؤاده كان ثمّة خوف من أن يفلت كل شيء ويتلاشى كالدّخان ,فقرر أن يسخّر

كل قوّته للمرحلة القادمة ..الزواج !

وعند أسعد الذي كان يستقبل أولى مجموعات الوافدين إلى الشاليهات . أمضى قليلا من الوقت..ولدى عودته إلى المنزل رأى سيارة صهره العسكرية تقف أمام الفناء كانت العائلة مجتمعة لمناقشة الحالة المضطربة له ..سلم على صهره وشقيقته متجاهلاً الباقين

ولحقت به شقيقته إلى الغرفة ..

ـ ما هذه الأناقة كلها كدت لا أعرفك ..أين كنت ما هذه الغيبة ؟

أجاب بسعادة كطفل :

ـ ( كنت في مشوار خاص ) .

ـ مع الحبيب ؟

ـ نعم ..

دخل صهره بعد قليل فانقطع حديثهما وجلس على طرف السرير وقد فاحت من ثيابه رائحة مسحوق تنظيف لطيفة وتكلم ببطء :

ـ أسس زميلي و اسمه أبو وائل منذ فترة بيتين بلاستيكيين في الوادي . من المؤكد أنك تعرف المنطقة جيّداً ..إنها غير بعيدة (من هنا عشر دقائق في الحافلة ) و أبلغني أنّه يريد شابّاً للعمل معه . ما رأيك أن نذهب إليه غداً لترى إن كان يناسبك العمل , إنه رجل جيّد وكريم من معارفي . (في هذه الأيام من لا يملك شهادة جامعية لا يستطيع أن يعمل شيئاً فالأسعار ترتفع ورواتب الجامعيين تزداد بينما يبقى أصحاب المهن الحرّة على حالهم ) ..وأنت لديك راتب من المرفأ وإن شاء الله سيعجبك العمل عنده وبذلك ستكوّن راتباً جيداً .. سآتي غداً في الثامنة .. وقبل أن تغادر رجاء قالت له :

ـ أريد أن أتعرف عليها أتمانع ؟

ـ بالعكس ..

لقد تغير إحساسه بأهله كأنه خضع لرقيّة أو لسحر فقد لمس بقوّة رغبتهم في مساعدته وعليه أن يجد معهم لغة أخرى فقريباً سيخطب و لابد أن يكونوا معه حسب العادات والخطبة الوحيدة القادرة على تصحيح علاقته بهم و ستلم بدون شك شمل هذا الشتات , وهذا في الحقيقة ما رأته رجاء لذا عملت على مساعدته بكافة الوسائل ..

مضى للسهر عند أبو حامد الذي لم يعد يستسيغه كالسابق بسبب صمته الدائم فقد تعوّد منه على سماع الحكايات الخارقة والممتعة , ثم تمشّى في الحي قليلاً ..

وعند عودته قال له شقيقه عبّاس :

ـ( يسلم عليك أبو أحمد ويقول ) أنك تستطيع أن تذهب منذ الغد كي تتعرّف على العمل ..وكالعادة لم يجب بشيء .

يوم آخر سيمضي بلا نوم لكن لابأس فثمة معنىً الآن للفراغ فعندما يدير التلفزيون يتصورها إلى جواره تشاهد معه..وعندما خرج إلى المطبخ ليلتمس شيئاً للأكل تصوّر أنه يشربون القهوة في الفناء

وانتشى بهجة بالأيام القادمة . عند منتصف الليل وبينما هو متمدد على السرير سمع صوت دراجة رياض وقد جاء يحوم حول المنزل وينادي مخمورا :

ـ أخرج إن كنت رجلاً ( سأدهسك ) بالدرّاجة هنا أمام بيتك ..أخرج .

وخرجت والدة سهيل تقول :

ـ يا رياض الله يرضى عليك لا داعي للمشاكل اذهب ..الله يوفقك . وقفز سهيل غاضباً وركض نحوه , حاولت والدته أن تعترض طريقه دون فائدة ..حين رآه رياض فرّ بالدرّاجة وهو يضحك دون انقطاع فناداه سهيل :

ـ تعال إلى هنا (يا حقير )..توقّف ..ورياض يقول : أنا أمزح ..أمزح ..