الفصل الرابع
كان أبو ميخائيل يفتح المنشرة في العاشرة صباحاً ومن ثم ينضم إليه أبو أمجد ليشرب القهوة ووالد سهيل الذي لم يكن متعلماً إلاّ أنه كان قادراً على المناقشة بفعالية وذكاء
في السياسة والعمل ..
وتمتلئ الحارة مع حلول منتصف النهّار بأزيز المنشرة وأبواق السيارات عند المغسل والشاحنات المتجهة إلى المنطقة الصناعية وعلى الطريق العام ويهبط الحرّ .
كان سهيل قد رأى في الليلة الفائتة مناماً كانت فاتن فيه تقف على شباك غرفته مرتديةً ملابس الزفاف البيضاء و تطل في نفس الوقت من نافذة غرفتها بملابسها العاديّة ..
استيقظ مفعماً بأمل وقد فسّر الحلم في اتجاه خطوته القادمة وهو علامة خير عما ينتظره , وجاء صهره لاصطحابه إلى مكان العمل .
كان موقع البيوت البلاستيكيّة رائعاً في منطقة زراعيّة خارج المدينة عند التقاء السهل الساحلي بالجبل و يجري نبع صغير فيها مخترقاً أشجار السرو والليمون والكينا حيث يمكن دائماً استنشاق الهواء النقي والتّمتّع بالجو المعتدل, وإلى الجوار توجد مزرعة أبقار صغيرة يتناهى منها صوت خوار دائم يبعث على الطمأنينة ولا يمكن لمن يقدر جمال الطبيعة حق قدره سوى أن يقع في أسر الهدوء والنقاء الموجود هناك . وكان صاحب العمل شبيهاً بصهره إلى حدٍّ بعيد , فهو صارم الملامح ويتكلم مثله ببطء يهابه المرء دون أن يتعرّف عليه ..جلسوا تحت فيء شجرة كينا ..وأخذ الرجل يشرح بالتفصيل عن العمل وقد أعجبه سهيل الذي كان الحماس يطل من عينيه ..وفي النهاية وجّه ملاحظة مختصرة قائلاً :
ـ أرجو ألاّ يصبح هذا المكان مضافة لاجتماع الأصدقاء ..
وهزّ سهيل رأسه بالموافقة دون أن يسأل أي شيء فقد آلمه رأسه من كثرة الكلام ..نظر صهره إلى الساعة و أومأ بالنهوض ..وقال :
ـ بالنسبة للراتب ؟
ـ بالنسبة للراتب مبدئياً خمسة آلاف وإذا أثبت جدارة ممكن أن يزداد ..قال بجدّية ثم أضاف :
ـ أرجو أن تأتي من الغد صباحاً..فعلينا نقل بعض الأشياء إلى هنا ..
وقال له صهره وهما في طريق العودة :
ـ والله عمل ممتاز وغير متعب عدا المنظر و ( القعدة ) الرائعة هنا إنها تطيل العمر ..هذا الرجل صديقي و أعرفه إنّه يأتي في الأسبوع مرّة واحدة أو مرتين ...
وتمتم سهيل وفؤاده يحفل بنشوة ضاعف منها صورة حبيبته التي تحلّق حوله أبداً : نعم ..إنه عمل ممتاز..
أوصله صهره إلى منتصف المدينة حيث ركب حافلة إلى أسعد الذي كان جالساً يشرب البيرة على باب حجرته الصغيرة و الموسيقا اليونانية تنبعث من حجرته لتملئ المكان . قال بعد أن انضم إليه في شرب البيرة :
ـ غداً اليوم الأول في العمل .
عقّب أسعد بهدوء وبصيغة مختصرة ألفت ترديد سهيل للقصص الوهمية .
ـ مبروك . وتابع سهيل متحدّثاً وعيناه تراقبان المجال البحري الأزرق أمام عينيه حيث تبعثرت أولى مجموعات الحاجيّن إلى الاستجمام والتمس من المنظر لقاءه الأوّل معها الذي تمّ على شاطئ البحر فازدادت سعادته وغرّد الأمل في صدره حتى ضاق هذا عن استيعابه فتجلّى في إرهاصاته وقلقه كطفل أضنته الرغبة في الدخول إلى المرحاض غير أن الخجل
منعه من الكلام . ثم اندفع على غير قصد منه لسانه قائلاً :
ـ اشتركت مع صهري في شراء بيت بلاستيكي . وبدت كذبة هائلة لم تندّ عن اسعد أية ردّة فعل عليها ... وغض بصره ممعناً في الاستنكار , إن هذا غير مقبول بالجملة ! لقد بات هو نفسه يستنكر هذا الكلام ..
وبعد قليل كانت ثمّة ردّة فعل على وجه أسعد الذي قال : جيد ..جيد .
لم يكن البحر الأزرق بانعكاس بريق الشمس على صفحته ليدعه بمنئً عن استنزاف ذكريات اللقاء الأوّل فاسترسل على غير قصد منه في اجترار تلك اللحظات السعيدة وتعدّى ذلك إلى وجودها معه في الغرفة في منزل كبير لهما وقد مرّت كل تلك الإجراءات الممضّة التي تكاد تجهّز عليه ببرودها المتناقض مع أجيج الشوق الحار المستعر في داخله . وتحرّكت أطراف أصابعه مدفوعةً باضطراب الروح العاشقة في داخله بحركة خفيفة كأنه يداعب صفحة ماء عذب بارد وقد أعياه قيظ الظهيرة متخيّلاً أنه يمرر أصابعه على بشرتها الملساء وتابع مستنداً إلى الكرسي الخيزراني ومتجاهلاً أسعد الذي إلى جواره في تخيلاته و أحلام يقظته إلى عنقها الأملس ومن ثم يتشمم شعرها وخلف أذنيها الصغيرتين ..بعد أن تجاوز كل المشاكل والعقبات ليختلي بحبه الأوحد . وسرى خدرٌ تام في أوصاله حتى استغرق في النوم .
أيقظه اسعد وقد حلّ المساء وغابت الشمس مصطحبةً معها اللون الفيروزي للبحر , ليتناول وجبة العشاء معه حيث استلقت في صحن زجاجي بضع سمكات سردين مع الفليفلة الحمراء الحارّة وعلبة من الجبنة المطبوخة ..وقال : سهيل انهض لتتعشّى .
عندما نهض كان شوق شديد يحدوه إلى الغرفة وجوّها وكان شعور الامتنان نحو اسعد يجعله عاجزاً عن تقدير إحسانه فقال وهما منهمكان في الأكل :
ـ ( أخي أسعد ) ألا تحضر إلى خطبتي إذا دعوتك ؟
وجاء كالعادة تعليق أسعد متأخراً: أكيد .
ـ لقد نويت أن أخطب وهذا قريبا ..
وعندما نهض مغادراً قال له أسعد بلهجة لا تخلو من سخرية :
ـ لا تنسى أن تخبرني متى بالضبط ..لأشتري ملابس خاصّة .
ومن جديد بعد أن غادر أسعداً طفق يطوف في المدينة يتمشّى صافراً , يحرك حنجرته الحادة بأغنية شعبية وأصابعه التي أخذت بذلك الخاطر الندي عن مداعبته لبشرتها ما زالت تتحرك بحثاً والتماساً لها و الأضواء المختلفة للمحلات تنير وجهه وهو يعبر ناظراً إلى
غرف النوم المعروضة والكنبات الفخمة وأجهزة الفيديو والتلفزيون ..توقف عند واجهة إحدى الواجهات وأخذ يراقب( طقم كنبيات فاخر ) حالماً حتى لفت انتباه أحد العاملين
هناك فسأله :
ـ خير أستاذ بماذا نستطيع مساعدتك ؟
ـ شكراً .. و غادر ملاحقاً بنظرات الشاب الاستفهامية .
في الحارة كانت رائحة الشواء منبعثة من محل أبو حامد الذي سقف بغطاء مصنوعة من القصب محوّلاً محلّه إلى مقصف صغير , وقد جلست عنده مجموعة صاخبة تبدر عنها بلا انقطاع قهقهات فظّة وسباب فاحش ..ومن خلال حومة من الضباب وتماما كجنّي خرج من غمامة من الدخان ناداه أبو حامد المتلهف لمتعة رواياته :
ـ ( حوّل معلم سهيل ) ...
ولاحظ سهيل لدى اقترابه وجود وجوه نسائية ذات مستوى فاحش من استخدام مساحيق التجميل و ( الحمرة ) والبودرة و الكحلة.. ما أعاد إلى ذهنه افتراض رياض . وكان أحد الرجال الذي أتضح أنه سائق حافلة يتحدث بصوت مبحوح عن حادثة فريدة استطاع تخليص فيها تخليص سيارته من الحجز بمساعدة رجل صاحب نفوذ ..ولدى اقترابه أكثر بدا له أن اتهام رياض ينطوي عن كثير من الجدية ومقاربة المعقول ..وبعد دقائق من الصخب والدخّان ..ألم به ملل مفاجئ واجتذبته الغرفة بجوها الثري بالعواطف فاتجه بدون تردد نحوها متجاهلاً استجداءات أبا حامدٍ وما تنطوي عليه من خبث له بالجلوس وقد شعر أنه سيفارق بمفارقته الكثير من المتعة ..وفي أثناء سيره مرّ بأبي أمجد الذي يدخن النرجيلة ويبتسم للمارين أمام بيته فحياه واعتذر عن الجلوس والمشاركة .يجب أن يكون وقته مسخّر للأمور المهمّة فثرثرته الحركية التي كان يقوم بها سابقاً باتت مزعجة ومخجلة .
عندما شاهد والدته وزوجة شقيقه تجلسان أمام البيت على الكرسي البلاستيكي ذو اللون الأبيض وهي تنحني على ( طبق ) كبير من الكوسا والباذنجان تقوم بحفرها لإعداد وجبة (المحشي) برق في ذهنه خاطر أنه لابد من تحسن العلاقات مع أهله فالخطبة اقتربت سترافقه إلى منزل فاتن حيث سيطلب يدها وهذا حظي به أن يحسن علاقته بها فقال في نفسه أنت ماذا يجب أن تنسى كل شيء فالأيام القادمة تقتضي أن تحسن علاقتك بهم فهم سيصحبونك للخطبة سأسلم عليهن وبالفعل حياهن قائلاً بصوت ثابت خلقه الأمل القادم _ مساء الخير ..فأتاه الجواب حارّة كلّ الحرارة :
ـ يسعد مساك ..وتابعت والدته قائلةً الطعام في المطبخ يا عيني .
فأجاب وقد غدا على أعتاب باب غرفته :
ـ ( يسلمو ) .
في الغرفة ألقى كل شيء وراءه ليتفرّغ للحب ! لم يكن يرغب بأي حالة أخرى خارج هذا الإفراز للعواطف الذي يملئه شعوراً بالثقة والثبات لذا حاول أن يبقى في منجىً عن نجواه الثقيلة اليوميّة مع القلق من المسؤوليات بأن جلس على الطاولة تماماً مقابل النافذة.منبع هيامه . ووضع يده على خدّه بعد أن أشعل سيجارة وجلس يترقّب حبّه في إذاعة علنيّة له والدفتر في حضنه يستذكّر منه بعض ما كتب في ساعات هيامه كمتعبد يتلو من كتاب ديانته سطوراً في خشوع و إيمان مطلق . وبعد قليل وكما يبدر الأمل من رحم القدر برزت محبوبته من خلال نافذة غرفتها ولوحت له بيدها لكن كان وجهها يفتقر للبسمة المرافقة لها عادة, وسلّم نفسه للنشوة الناجمة عن النظرات المتبادلة التي لم يستشعر الخبو الغريب في بريقها . ثم كتب لها على ورقة :
ـ تريد شقيقتي أن تتعرّف عليك , متى نستطيع أن نلتقي . ورمى لها بها .
تأخّرت في ردّ الجواب وكان هذا مسبباً للقلق ثم جاء جوابها :
ـ انتظرني حتّى منتصف الليل سأخبرك ..وغابت. ابتسم بعمق على أثر ذلك وترك عينيه ترتاحان على الدفتر أمامه محقوناً بالسعادة وتحرّكت رغبة في رؤوس أصابعه ليكتب شيئاً ما توثيقا لحبّه في هذه اللحظة فكتب :
ـ أحبك والورود تشهد أنني لا أعرف الليل في هواك ..
وفي هذه الأثناء قرع الباب وظهرت والدته بثوبها المورّد الطويل الفضفاض ذو الطابع القروي وقالت له :
ـ هل أكلت ؟ والتفت إليها بحزم مغلقاً الدفتر ..
ـ لست جائعاً ..وكانت أثناء ذلك قد دخلت الغرفة وأخذت توضب سريره المبعثر منذ شهور .
ـ يا لطيف ! لديك كومة من الأوساخ هنا( إنّك تحتاج لعروس والله ).. وانصرفت لتحضر المكنسة .
ـ لا داعي ..ونفخ بتأفف .وتابعت والدته كلماتها السريعة وهي تكنس الأرض وترفع حذاءه لتضعه في خارج الغرفة :
ـ لماذا يا عيني لا تكلّم شقيقك ؟ انظر إنّكم تعيشون تحت سقف واحد والله أنا ووالدكم نموت من رؤيتكم على هذا الحال ...
لم يعلق بشيء بل بقي ينظر إليها وتلقى عبارتها التالية .._ من لكم غير بعضكم ؟ ثم قال غاضباً :
ـ قولي له أن يتعلّم الاحترام ثم ( يكون أخّاً ) . ونهض واقفاً ليغادر الغرفة .
ـ والله إنّه يحبك ..إلى أين برضائي عليك اجلس .. وتذكّر بشكل غريب مفاجئ أنه لم يشتري ورقة يا نصيب هذا الأسبوع .. وخرج تاركاً صوتها يطير في أثره :
ـ سأضع لك الطعام في الغرفة ..
قرر أولاً أن يتمشّى حتى حلول الساعة الثانية عشرة ليلاً مستبعداً فكرة الجلوس عند أبو حامد . وبعد دقائق من مسيره إلى جانب الطريق حيث تعبر السيارات ..حدّث نفسه :
ـ لماذا لا تستمع لها ؟ ألا تريد أن تخطب عمّا قريب !! تريد أن تذهب بدون اهلك ..ستكون عندك زوجة و أسرة ويجب أن تحسن علاقاتك ..هل فاتن تعرف أنّك لا تكلّم أحداً من أهلك ..قد لا يعجبها هذا ..! العمل جاهز والأمور ( تمام ) , و( الصلحة )معهم ستأتي لوحدها لا أريد أن يطمعوا بي .
دس سيجارة في فمه و أشعلها..
_ (ولك أنسى .. خليك أكبر منهم إنه جبان ولا يستطيع مخالفة زوجته خذه على قد عقله). وزوجته ستصبح جارتك ..وتوقف عند هذه الكلمة ونظر إلى المنظر الممتد أمامه التلال الداكنة حيث ترقد المدينة الغابرة التي أسبغ عليه الليل المزيد من الغموض وهي ترتفع وتنخفض في كتل غير متناظرة حتى تبدو في البحر أنوار مراكب الصيادين التي أنيرت لإغواء الأسماك . وقال : يجب أن أشتري لها هديّة !! وهنا كان لديه وقت أيضاً ليفكّر بذلك .
قبل حلول الثانية عشرة بعشر دقائق من تجواله , كان المذياع ما يزال يبث أغانيه فجلس يصفر مع أنغام إحدى الأغاني ..وبعد دقائق جاءه الجواب :
ـ بعد غدٍ سأنزل إلى البحر مع شقيقتي في الخامسة هل تستطيع الذهاب إلى هناك .. ؟
وكتب بكل جوارحه الجواب :
ـ نعم (كرمالك) أفعل كل شيء , ثم رمى بها.. تلقتها وودعته ملوّحةً بيدها .. ابتعد قليلا عن النافذة وأخذ يرقص ثم أكل بشهوة عارمة من الطعام الذي تركته والدته..أدار التلفزيون وارتمى على السرير متقلباً كنمر صغير يتمرّغ فرِحاً على رمل حار . فكّر بالهديّة وهو يتدشئ باستمرار حتى اهتدى لقرار بشراء زجاجة عطر , كان سعيداً متفرّداً بسعادته لم يؤرقه شيء حتى الأصوات العادية المنبعثة من محيطه لم تكن لتجرؤ على تلويث سعادته وأحلام يقظته التي استدعت فاتن تتمدد إلى جواره على السرير ليشاهدا التلفاز سويّة وأخذ يلامس عنقها الناعم وخصرها ..وتشاورا بالهمس :
ـ هل أنت مرتاحة هنا ؟
فتجيبه ملتفتةً إليه بوجه مضيء كوردة متفتّحة :
ـ جدّاً !!أنا اشعر بالأمان هنا إلى جوارك ..لكم أكره هذه الجدران التي تحجبنا عن بعضنا وتعيق لقاءنا , أريد أن أبقى هنا إلى الأبد .
وطبع قبلة نديّة على كتفها الصغير ذو البشرة السمراء واشتمه بعمق وقال :
ـ أنا أتعذّب أكثر منك من هذه الجدران ...
وتابعا للحظات مجريات الفيلم مأخوذ كل منهما بهيام الآخر ..وهكذا حتى ذابا في نوم هانئ .!
وفي الصباح حين استيقظ على صوت البث التلفزيوني ـ وهو ما اعتمد عليه كمنبّه ـ كان قد رأى مناماً مزعجاً كان فيه أبا حامد يهمس في أذن أحد السائقين شيئاً ما عنه ويضحكان بشكل استفزازي .