الفصل الثاني

3 0 00

الفصل الثاني

فتح الشباك عقب استيقاظه فوقع نظره مباشرة على النافذة المقابلة فاسترجع لحظة البارحة غير المتوقعة عندما التقت نظراتهما هو والفتاة ..

كان النهار صيفياً مشمساً وعبقت في الجو روائح الأرض نتيجة الرطوبة التي أخذت الشمس بتحويلها إلى بخار وظهر في الفناء حبلان متقاطعان . علّقت عليهما ملابس مختلفة الألوان نشَرت رائحة مسحوق تنظيف منعشة وأخذت تسيل منها نقاط من الماء على الأرض الترابية .

بعد أن شرب المتّة على معدة خاوية ودخن بضع سجائر خرج في مشواره اليومي إلى أسعد ومن ثم لشراء ورقة يا نصيب , أثناء مجاوزته الفناء لاحظ أن الفتاة نفسها تقف على سطح المنزل مع شقيقاتها , كانت تبدو ممتلئة الجسم بشعر أسود مسدل على كتفيها وحركاتها صاخبة عشوائية.. رمقته بنظرة سريعة قطعت خلالها ضحكها الطفولي مع شقيقاتها فشعر بخجل شديد ومرّ بسرعة, ومرّة أخرى حين رد نظره إليها كانت تنظر إليه .

كانت المنازل و الألوان متألقة بالصيف القادم حيث بدا الناس أكثر بريقاً وظهر لون البحر الأزرق الفيروزي بلونه الحقيقي بعد أن أنحلته السماء الشتوية الرمادية لوناً باهتاً ..

وفي طريقه كالعادة أخذ يرسم مشاريع هوائية لحياته : بعد أن تربح ورقة اليانصيب وإذا لم تربح .. أعمال ومشاريع تذيبها الدقائق وتمسحها أو تتلاشى عند رؤية منظر ملفت يأخذه لينسيه ما لمشروع الذي كان يفكّر به منذ قليل .

أسعد يصفر مع أحد الأغاني اليونانية المنبعثة من الراديو وهو يعد البيض والبندورة الذي ملئت رائحته غرفته الصغيرة كأن مزاجه متأثر بالطقس الرائع ..وقال لدى رؤيته :

ـ حماتك تحبّك ...وجلسا للأكل سويةً ..

وبدأ سهيل بالسرد :

ـ آخ ..يوميّاً (لا أنام حتى السابعة صباحاً ) البارحة بنينا على الشاطئ خيمة قصبية للسهر فالصيف جاء (وسكرنا هناك) حتى الصباح , كدنا نشرب كل ما في دكان أبو حامد من مشروب لقد رجع مرتين فتح المحل وأحضر عرقاً.. وهكذا ..

ـ نعم الصيف أتى ..لكن لا أعرف من أين تظهر هذه الأوساخ على الشاطئ ! انظر عليك أن ترى المنظر في الصباح .. كل أوساخ السفن تصب عندنا هنا ..( والحق تنظيفاً ) علّق اسعد بتراخٍ .. بعد الطعام استعدّ للمغادرة .

ـ أنا مضطرّ للذهاب إلى المدينة لإحضار ( حنفيات جديدة ) و سأغيب ساعة ربما ..أبق هنا وانتبه للكشك ..

ـ أكيد ..

وبقي وحيداً يشرب المتّة وقد تسلل إليه انتعاش وارتياح مفاجئ ..

ـ كم أنا مرتاح هكذا بعيداً عن ألم الرأس والهم , لا صوت تلك الكهينة وزوجها..ولا أبو ميخائيل و منشرته . و في مجمل خواطره , مرّت تلك الفتاة والاضطراب الذي ساوره من التقاء النظرات المفاجئ ثم انقلب إلى استهجان واستنكار , واستعاد نظرتها له وهو يتجاوز الفناء وهجس بكونها تستغرب شكله , فكان ذلك كدراً بدد القليل من سكينته و انتعاشه وهو جالس يشرب المتّة ناظراً إلى البحر الفيروزي والسفن ذات الألوان الصدئة ترسو بعيداً ..

لدى عودة أسعد رافقه في جولته لتفقّد (الحنفيّات) في الشاليهات ..ثم اشترى ورقة يا نصيب من بائع عجوز بنظارات سميكة كان شبه نائم في فيء شجرة عند كراج الحافلات , باحثاً بصبر ليبتعد عن الأوراق التي تحمل الأرقام المشابهة لتاريخ الحادث ..وقفل عائداً بمزاج سيء للغاية إلى الحارة مع جنوح الشمس نحو مغيبها حيث كل شيء يسير على ما عليه هناك أبو حامد مع أصحابه , وأبو ميخائيل يغلق المنشرة وكان الجميع بالإضافة إلى رجاء وزوجها يشربون القهوة في الفناء إلى جوار نبتات الجوري والحبق المزروع في ( الأصايص) و علب السمنة الفارغة , سلّم على شقيقته وزوجها فقط في مروره السريع وبحركة لا شعوريّة ألقى نظرة سريعة قبل دخوله الغرفة على نافذة المنزل الجديد .. تناول ورقة اليانصيب ووضعها أمامه على الطاولة وحدّق بأرقامها كأنه يلتمس خلاصه فيها ثم دون أرقامها في دفتره ذو الأوراق الصفراء على سبيل استجداء الحظ الجيد . قرعت رجاء الباب ودخلت حاملةً صحن (كبّة مشوية ) :

ـ كنت انتظرك لنتغدّى سويّة ..أين كنت ..ووضعت الصحن على الطاولة .

ـ كنت أساعد صديقي في ( عمل صغير ) ..أجاب من وضعيته تلك .

ـ هذه حصتنا ..احتفظت لك بها أمّي قالت أنها ألذ كبّة أكلتها في حياتها ..الحمد الله أنها (لحّقتك) بهذا الصحن لقد كدنا ( نخلص عليها ) وضحكت .. تناول سهيل واحدة ..بينما أخذت تصلح سريره المبعثر ..وانتبه إلى يديها الصغيرتين المتعبتين الخشنتين وهي تطوي اللحاف ..

ـ أريد أن أحدّثك بأمر لكن لا تغضب أرجوك ..

ونظر إليها وهو يلوك اللقمة مستفسراً ..

ـ سهيل (أمعقول أنّك لا تسلّم على والديك ) وقالت إذ لاحظت ردّة فعل في وجهه مستدركةً : لقد وعدتني ألاّ تغضب ..

فقال غاضباً وقد ابتلع محتويات فمه دفعة واحدة :

ـ ( الله يخليّكي لا تجلبي سيرتهم هنا ) ..

ـ ولماذا؟ ( أمّك ) افتقدتك على الغداء وبكت والله العظيم من معاملتك لها, قالت إنّك..

انتفض واقفاً وقال وفتات الطعام يتطاير من فمه :

ـ البارحة لو أنّك رأيت فقط كيف وضعت الطعام لي ..لو أنني دجاجة من دجاجاتها ربما ..لوضعته لي بشكل أفضل قال متعمداً رفع صوته كي يصل إلى والدته ..

ـ أمّك كبرت ..ولا ..

وقاطعها مهدداً :

ـ والله إذا استمر الحديث بهذا الموضوع سأخرج ..

انتهى الكلام . خرجت شقيقته بدون أمل في المصالحة ..بينما اسند رأسه على كفه ناظراً إلى صحن الكبّة ثم أشعل سيجارة و أصاخ السمع إلى شظايا كلماتهم في الخارج وتأفف بحنق شديد ثم تمشى في الغرفة مفكّراً وحنجرته تفور باللعنات: هل أكون أنا المذنب ؟ لماذا لا يعتذر هو وزوجته منّي ؟ لا يستطيع فهو جبان , لقد سبتّه وسّبت عائلته وعندما نَبهته اتهمني أنني أتجسس عليه ورفع يده المكسورة علي . ( مثل بعضه عني لا أريدهم كلهم ) . ارتفعت حرارة الجو في الغرفة وتعرّق جسده من الغضب وهو يتذكّر تفاصيل المشكلة ..

لماذا يرفع يده عليّ ؟ في حياته لم يفعلها من أجل أحد وتوجهت عيناه نحو التاريخ المشؤوم , لماذا تغير كل شيء بعد الحادث ؟ . وانتابته خواطر شتى متناقضة شفقة وحسرة على نفسه و رغبة عارمة بالانتقام..فخلع قميصه , وراح يقطع الغرفة ذهاباً وإيّاباً من عينيه يطل الغيظ كذئب وقع في الأسر , تناول القلم وكتب على الدفتر كرد على مبادرة أمّه : عندما كنت بحاجة إليك ضربتني برجليك و أراد أن يكتب شيئاً عن أخيه بيد أن أفكاره لم تسعفه .. ثم قرر الخروج متجاهلاً إياهم وكان منظره وهو يعبر من أمام أهله هكذا كأنه غريب عنهم ..

عندما وافى زاوية الشارع , انعطف بعكس اتجاه بقالية أبا حامد ومشى .. وبعد أمتار قابل سيارة شحن صغيرة تنقل صناديق من البندورة سأله صاحبها عن الطريق إلى مركز المدينة . فدلّه وساعده المشي والتدخين على تحسين مزاجه قليلاً فقد تعوّد على ابتلاع غيظه ويأسه بنفسه . وأخيرا قادته قدماه إلى أبي حامد ..

ـ أهلاً معلم سهيل صاح أبو حامد .. وطاقيّة الصيادين البيضاء تغطّي حاجبيه .

ـ كيف العمل ..

ـ جيّد ..أجاب سهيل هازّاً رأسه و أردف :

ـ كيف كانت السهرة البارحة ؟

نظر إليه أبو حامد مستغرباً :

ـ أيّة سهرة ؟

ـ لقد رأيتك ترجع إلى المحل البارحة ( في وجه الصبح ) .

واضطرب أبو حامد قليلاً ثم أجاب :

ـ نعم كنت بحاجة لبعض المواد فرجعت ...ماذا ستشرب ؟

ـ لا شيء ..أجاب وقد تغير مزاجه فجأة ..لقد (تغديت ) عند الرجل الذي أعمل عنده وشربت ويسكي ..( وبعد قليل ذاهب لأسكر ) ..

وانضم إلى الموجودين . ثمّة امرأة متزينة بشكل منفر و مبالغ فيه تنظر إليه بفضول..فتساءل لماذا يحظى هذه الفترة بكل هذه النظرات الغريبة ورمى بالحكم وهو يدخن بأسى إلى الحالة الرثة التي وصل إليها من جراء التدخين المستمر وعدم النوم في الليل حتى غدا ملفتاً للنظر هكذا وتأكدت مخاوفه ووساوسه.. انخرط الجمع بأحاديث مختلفة شارك فيها مبتدعاً أحداثاً وروايات أسكتت الجميع وسببت لهم الملل حتىّ أخذوا بالانسحاب التدريجي , ثم

غادر بدوره..ودعاه أبو أمجد من شرفة منزله ليشرب الشاي ويدخن النرجيلة معه وهناك تحدّثا طويلاً وهم( يقرطون )الفستق المحمص , خلال ذلك كانت أم أمجد لا تتوقف عن كيل الانتقادات لذوق زوجها في اختياره لهذا الحي حيث الضجيج والفوضى للسكن وأيّدها سهيل في كون الحي كذلك ..

قال سهيل :

ـ كيف أخطأت و أتيت إلى هذه الحارة ..العيش فيها مستحيل ..

وعلّقت أم أمجد :

ـ أي والله يسلم فمك يا سهيل لقد قلت له هذا ..لكنه لا يقتنع ( يقول أن عنده الجلوس على الشرفة ومراقبة البحر تساوي العالم كلّه ) ..

وهزّ أبو أمجد رأسه بالإيجاب ..

ـ وصوت المنشرة وأوساخ أبو صقر..سأل سهيل ..

ـ الآن كل شيء هادئ ..دعوا الناس تعمل ..

ـ كفى أكلاً للفستق بالله عليك ..إنه يأكل على الرغم من أن الأطباء منعوه . وفي الليل يضع يده على بطنه ويتلوّى من آلام ( الكولون ) .. ثم تفرد كعادته بالثرثرة حتى المساء

وخلال الحديث كان يلقي نظرات على المنزل الجديد الذي كان يظهر إضافة على منزله من على شرفة أبي أمجد..ثم وبضغط من القلق نهض وغادر ..

برزت النجوم في السماء السوداء وهذا إيذان ببدأ معركته الشعواء مع القلق .. دخل غرفته وأدار التلفزيون دون أن ينظر إلى ما تعرضه الشاشة ..سيجارة أخرى..وهبط الصداع كتفكير متواتر ليحيق برأسه ثم تمدد على السرير . لفتت انتباهه البعوضات الأولى التي استدعاها الصيف ومرّت من أمام عينيه تطير بخفّة حاول التقطها بيده فاختفت في مكان ما من فضاء الغرفة الذي عشش فيه الدخان ..وفكّر :

ـ هل ستربح ورقة اليانصيب هذا الأسبوع فتكون هذه آخر فترة فقر يعيشها ؟

ثم خطر له خاطر شاذ مفاده أن شيءً ما قد تغير فيه أو تبدّل وتقلّب على جمر هذا الخاطر المزعج فجلس واخذ يمرر يده على رأسه المحطّم وشعره الخشن وحاجبيه الكثيّن ثم وقف وراح يلتمس كل أعضاء جسده وانتابه رعب من وقت قد يأتي فينمو له عظم بطريقة عكسية أو تغور إحدى عينيه . مضت دقائق ..وساعات وهو على هذا المنوال تفكيره يستفرغ أموراً وهواجس شتّى , في هذه الأثناء تناهت إلى سمعه حركة أوقفت

تواتر خواطره واسترق نظرة إلى الشباك فلم ير شيئا . الفتاة ذاتها كانت مع إحدى شقيقاتها قد جلستا للتو على السطح هرباً من الحرّ في المنزل ..وإذ رآهن ارتاب في سبب جلوسهن هنا وسرعان ما تناهت إلى مسمعيه أصوات همسات وضحك استفزّته ووثّقت لديه فكرة أنه فعلاً محل سخريتها فتقدّم غاضباً من نافذته ليغلقها وشعر إذاك بنظرتها نحوه بالرغم من العتمة . فصفق الشباك بعنف وجلس على طرف السرير و في هذه الدقائق و لسبب غريب تسللت إلى أوصاله طاقة شحنتها بنشاط شديد . كان يصل إليه ضحك الفتاتين بشكل مستمر من خلال صوت التلفزيون ثم وافاه أيضاً وهو على حاله تلك صوت رياض ينادي عليه من الخارج ..

ـ مساء الخير , ماذا تفعل ؟

ـ لا شيء..

قال وهو ينظر إلى الفتاتين :

ـ اركب وراءي لندشن الخيمة (فالشباب ) مجتمعون هناك .. هات سيجارة أولاً ..

صعد وراء رياض وأحاط بذراعيه خصر الشاب النحيل ..واستمتع بالهواء الدافئ يلفح وجهه وموضوع الفتاة ذات النظرة الرهيبة يفرض نفسه بين فينة وأخرى على تفكيره

..وسأل رياضاً :

ـ رياض . (إذا رأيت فتاة تنظر إليك باستمرار .. ماذا تفعل ؟)

ـ من هي هذه الفتاة ؟ جارتك الجديدة ..

ـ لا ..أنا أسألك فقط ..

ـ انظر إليها لأعرف ماذا تريد .. أجاب رياض بصوت مرتفع والهواء يصفع وجهه ..

في الخيمة رحب به الجميع لأنهم عرفوا أن الكثير من القصص المتعة ستروى كانوا مجموعة من أعمار مختلفة يجمعهم الفراغ في هذه اللحظات حيث مشاكلهم مشتركة يوحدهم الليل والوقت بعد أن تمزّقهم بطالة النهار.. وخلال دقائق بدأ الشواء وفاحت رائحته في الجو وانتصبت كؤوس العرق ذات اللون الأبيض ورائحة اليانسون ..وغنى أحدهم على العود ..ثم اصطفّوا للدبكة ..

مع بزوغ الفجر رجع إلى البيت في حالة طرب وسكر .. وغالبه ألم الأسنان , فالتمس قرص دواء يهدأ من آلامه ثم استلقى على السرير وتسرب شعاع الشمس إذ أنار الصبح الغرفة لينعكس على الحائط وتسرّب معه أمل خفي بتلك النظرة من النافذة المقابلة . تقّلب قليلاً في سريره وغاب في نوم هادئ ولوهلة رأى في نومه أنها تنظر إليه من خلال النافذة فنهض مضطرباً ليعدّل نومه وقد داهمه عطش شديد.. كان قد نام ثلاث ساعات و مازالت الساعة الثامنة فعاد إلى وضعه السابق وهو كالعادة يفكر بالأمور الجديدة التي طرأت فالبارحة لم يسمع إعلان والده الصباحي اليومي عند نهوضه لصلاة الفجر وفكر بالزائر الجديد في أحلامه , لابد أن يكون هناك معنى لهذا ! وبينما هو على تقّلبه ذاك وقد مضت فترة وجيزة قُرع باب غرفته..كان يقف على الباب أحمد صديق شقيقه عباس وهو تاجر أدوات منزلية بالجملة يملك محلاً في وسط المدينة ..

ـ أما زالت نائماً حتى الآن ..حسناً سأدخل بكافة الأحوال لأشرب فنجاناً من القهوة عندك ... قال أحمد مبتدأً الكلام ..

غسل وجهه وسرّح شعره الكث وأدرك أنه بحاجة لحلاقة ..ووقف قليلا في الفناء معايناً هذا الوقت من الصباح الذي لم يراه ربما منذ أشهر ثم دلف إلى المطبخ مفرّقاً شمل الدجاجات اللواتي تجمعن أمام المطبخ لنقر حبات البرغل الرطب الذي رشّته الأم منذ الصباح الباكر.. ليعد فنجانين من القهوة فصادف زوجة شقيقه تقف أمام الغاز وهي تضيف السكر للقهوة التي فاحت رائحتها في جوّ المطبخ ..فتراجع وأخذ يلتمس شيئاً آخر يعد فيه القهوة ..وفاجأته زوجة عباس إذ قالت :

ـ تفضّل ..لقد صببت لك فنجانين . وأخذت الركوة معها ومضت خارجةً ..

توقف قليلاً ينظر إلى الفنجانين ثم تركهما ومضى ..جلس أحمد على الطاولة بينما جلس سهيل قبالته على السرير ..لا تؤاخذنا لا يوجد عندنا قهوة ..

ـ لابأس .كيف الأحوال ؟ قال أحمد وهو يعرض سيجارة ..

ـ بخير ..

ـ والعمل ..؟

ـ أفكّر في السفر إلى اليونان مع صديق ..

وبعد جملة من الأحاديث العادية قال أحمد :

ـ( أريد عاملاً في محلّي ..فالعامل الحالي سيذهب قريباً لأداء خدمة العلم ..ما رأيك أن تعمل مكانه ؟ ) ..وأضاف متلعثماً ريثما تسافر ..

أخفض سهيل رأسه وقد اشتم ّ رائحة والديه و أشقائه في الموضوع .. ـ لا أستطيع !

بعد أن غادر أحمد أزاح الستائر فاسحاً المجال للشمس بالدخول ..كانت الستائر قد أزيحت أيضاً عن النافذة المقابلة لكن دون أن يظهر أحد وبعد قليل باشر أبو ميخائيل عمله في المنشرة ..أدار الراديو ودوت الموسيقا في الغرفة , مر الوقت دون أن تطل من النافذة ..فغادر إلى مشواره اليومي ..

كان النهار صيفيّاً بديعاً تتراقص فيه نسائم بحرية رشيقة في المدينة و طرطوس مدينة مميزة لا يخفى فيها أبداً الإرث العريق ويختلط بشكل لا تكاد تلتمس حدوده بالشكل الحديث وإحداثياته فيها فينتج عنهما مزيج من لوحة لمدرستين فنيتين مختلفتين لكن بتدرجات لون واحد و يطوف النسيم البحري ليذوب في سحرها, والبحر والشمس يصبغان السكان بصبغتهما الخاصّة فكما تصعد شمس إلى صدر السماء يحفل السكان بروح خاصة ونشاط ينعكس على أجسادهم وأعمالهم فتبرز على واجهة المحلاّت الملابس الصيفية مكان الشتويّة والربيعيّة ..ويعرض أحد الصيادين سمكة كبيرة من نوع( الغزال) يبلغ طولها مترين ..وتتلألأ نبتات الياسمين والكاردينيا التي تتدلى من شرفات المنازل المبنية بالحجر الرملي أو الرخام الأصفر الإيطالي . تمشّى بمزاج معتدلٍ كان يشعر أن رفض اقتراح أبا أحمد فيه نوع من ردّ الاعتبار من أهله . وبشكل غير عادي أغرته بهجة المدينة لفتت اهتمامه سمكة كبيرة فراقبها بكرم وأنعشت صدره رائحة الفلافل المقلية والخبز الطازج , أما تفكيره فكان يتسرب نحو الفتاة دون قصد منه , فثمة أمور كانت تضطرّه إلى ذلك كمرور فتاة بشعر مشابه لشعرها الأسود . أو قوّة عينيها الواسعتين اللتين صدمتاه من النظرة الأولى, وعاين للمرة الأولى إغراء خفيف يلف قلبه ويسلّمه لفضول شديد لسبر تلك النظرة..

و توجه إلى اسعد حيث سيشاهد عنده سحب اليانصيب على التلفزيون ...

طوال ذلك السحب القاسي الذي مرّ به( مرور الكرام ) دون أن يربح ولو ثمن البطاقة كان يلعن حظّه ويهزّ رأسه..وبعد وجبة عشاء مكونة من معلبات الحمص والطحينة عند أسعد ركب عائداً إلى الحارة ..وابتاع علبة سجائر من عند أبا حامد ثم اتجه إلى غرفته ..

كانت نافذة غرفته ما تزال مغلقة ففتحها ليرى النافذة المقابلة وعاوده ذلك الشعور المحبب بالاضطراب عندما رآها أول مرّة ..وبقي على وضعه ذلك مسدداً نظره إلى تلك الجهة بضع ثوان ..ثم انصرف إلى روتينه..إنه جالس أمام التلفزيون يراقب دون تركيز ما تعرضه الشاشة مستنداً برأسه على كفّه يندب سوء حظه , وتناول الدفتر لشطب رقم ورقة اليانصيب.. أزيحت الستائر قليلاً كانت الفتاة نفسها تكلّم أحداً ما في الغرفة.. ربما شقيقتها ..ونظرت إليه وهو على وضعه ذاك فحاد بنظره إلى التلفاز متظاهراً بمتابعته وصوت حديثها يتناهى إلى أذنيه لعوباً تقطعه ضحكات خفيفة , وعزم على النظر إليها عملاً بوصية رياض بأن ينظر حتى يعرف ماذا تريد ؟ كان يرفع رأسه خلال ذلك ناظراً إلى وجهها المختفي الملامح من العتمة دون أن يرى شيئاً بوضوح ! إنها فعلاً تنظر إليه ومرّت دقائق على هذا الحال واستمر الأمر كمناوشات حربية القصد منها سبر نوايا الآخر لكن بدون قصد ودراسة من الطرفين .. وظن خلالها أنها ستغلق الشباك وتنصرف ..أو أنها ستتراجع وتغيب ..لكن الأمر استمر أطول مما توقّع و أخذ ينظر إليها بجرأة أكثر متأملاً شعرها الأسود السابل وهي تلف أطرافه بأصابعها .. أحسّ أن كل نظرة تشي بفضول و إعجاب ثم انسحبت بسرعة دون أن تلقي نظرة أخيرة ..وأغلقت النافذة .

لماذا ؟ تنظر إليه هكذا ؟ هناك خطب ما ..تناول مرآته الصغيرة . ولمس شعر رأسه المبعثر وقال كيف أجلس بهذا المنظر أمامها ؟ .لقد هزّه الوضع الجديد بعلاقة الأولى كانت من نوعها في حياته فقبل الحادث كان شخصاً ذو شخصية فريدة منعزلة ولولا شهادة القيادة التي حصل عليها أيام خدمته في الجيش لم يكن ليستطيع العمل في المرفأ.. وجاء الحادث ليرديه أكثر في العزلة , هذا لم يكن على البال أبداً في وقت فات أوانه كربيع متأخر .

انضم إلى المجموعة المتواجدة يومياً عند أبو حامد حيث الضحك والأحاديث البذيئة ..أمضى بعض الوقت وكيانه يحتفل بسعادة خلّفتها اللحظات الآنفة حتى أنه لم يذكر ورقة اليانصيب التي لم تربح حتّى ثمنها ..وشارك في الضحك وإلقاء النكات والأحاديث المبتكرة التي يعشقها أبو حامد وبقي هناك حتى ساعة متأخرة من الليل وقفل عائداً إلى الغرفة في الوقت الذي ينام فيه الجميع لكن دون أدنى رغبة في ذلك وكأن روحه تحتفل بشيء ما ..كان الراديو يبث أغانٍ عاطفية وهو مستلق يستحضر تفاصيل رآها في تلك الفتاة واستفزّت رغبته في كتابة شيء ما فنهض إلى الدفتر متذكرا شعرها الأسود ..

لا شيء ! أغلق الدفتر ورمى بالقلم جانباً وعاد إلى استلقاءه..وتلاطمت أمواج تفكيره فعقد ذراعيه وراء رأسه وسيجارته منتصبة في الهواء يفكّر في هذا القادم الجديد إلى حياته وانبثقت عنه أموراً شتّى .. الوحدة والعمل الذي عرضه عليه أحمد..ثم أنساق خياله الخصب يعوم في أحلام يقظة بديعة الفتاة طرف فيها ومع الفجر خضع بهدوء لسلطان النوم