-3-
هو عيد تجلي الرب .. تشاورنا وقررنا الذهاب الى الكنيسة للصلاة .. كانت الكنيسة في منطقة سلوى .. وكل من كان يسكن حولها من معارف شجعنا و أكدوا أن لا
خطر من الذهاب ... هذا القرار أسعفنا ببعض التغيير فحلق زوجي ذقنه وتحمس الأولاد وأسرعوا لتحضير أنفسهم أخيراً سيخرجون من البيت ويرون بعض أصدقائهم ..
وقد كنا جميعاً بحاجة للاطمئنان عن الجميع ..
الكنيسة ممتلئة بالمصلين .. كلهم يصلّون بحرارة .. الأزمات تذكر المؤمنين بضرورة اللجوء الى الله بكل التقوى والخشوع والدعاء ..
ارتفعت معنوياتنا قليلاً ونحن نرى الجميع ونطمئن عن الجميع ...
بعد الصلاة التقينا جميعاً سريعاً في صالون الكنيسة .. سريعاً لأن الجميع يريد العودة دون تأخير من حيث أتى ...
لكن تلك السرعة لم تمنع تبادل وجهات النظر السريعة ومعاناة كل فرد بحسب المنطقة التي يعيش فيها .. ومنهم من بدأ يتحدث عن أشياء فظيعة لم نكن نتوقع حدوثها
فهم يسكنون في مناطق كويتية أو في الشوارع الفرعية للأسواق .. جرّنا زوجي خارجاً حتى لا نستمع أكثر لما يفزع ويزيد القلق .. ودعنا بعضنا متمنين الأفضل
للجميع وقفلنا عائدين بسرعة كبيرة .. راجين أن يمر هذا الكابوس على الجميع بأسرع ما يمكن ..
أدركنا يومها أن سرقات كثيرة حدثت .. وتحدث كل يوم والجنود العراقيون يقفون في نقاط تفتيش معينة ويفتشون .. يتساهلون مع البعض ويتراذلون مع آخرين ...
في طريق عودتنا فكرنا بالسيارة ... يا رب السيارة ليست لنا .. كيف نثبت لمن يسأل أننا لم نسرقها وأن الكاراج أعطانا اياها...
اقتربنا من أحد الحوجز .. ارتعدت وارتبك زوجي ... الا أنه قال هم لا يستوقفون أحد ... قوي قلبك..
استوقفنا الحاجز ... قال أهلاً فأجاب زوجي أهلاً وأعطانا اشارة بالمرور ...
كانت تلك أطول دقيقة مرت في حياتنا .. وكانت تلك أفضل أهلاً سمعتها في حياتي فقد حررتنا من خوف كاد يقض أوصالنا.
الأيام تتعاقب قاسية .. قسوتها في غموضها وفي الاحساس بالانفلات .. نشعر وكأننا في غابة .. نشعر بعدم وجود قوة تحمينا .. مم ؟؟ لا نعلم .. لكن الاحساس
بالانفلات الأمني مرعب .. كان زوجي يقول في لحظات الخوف العديدة : لو حضر أحدهم في أي وقت وقرع الباب وبيده عصا وليس سلاح .. فقط عصا أو لو كانوا عصبة
من ثلاثة أو أربعة أشخاص ماذا بامكاننا أن نفعل ؟؟؟
لو اعتبرنا أن العراقيين لديهم أوامر صارمة بعدم أذية المقيمين وأنهم يقصدون الكويتيين فقط بحسب رواية الناس والاذاعات الأجنبية .. ماذا لو أتى أي مقيم
من أية جالية وفي نفسه نوايا سيئة وما أكثرهم اولئك الذين يتحينون أرخص الفرص .. من يمكنه أن يحمينا أو كيف نحمي أنفسنا ؟؟
هل نستعد بحيازة عصا كبيرة نضعها باستمرار خلف الباب ؟؟
القلق يقض مضاجعنا .. وعلينا أن نبدو هادئين أمام الأولاد .. تارة يلعب زوجي معهم بالطاولة خاصة أن ديمي ابني البكر كان يتحمس ليغلب والده .. أحياناً
كنت ألاعبهم بالمونوبولي ..
أحياناً يجبرون زوجي ليلعب معهم بالكرة .. فهي الوحيدة التي تستغرق الطاقة المكبوتة .. ويقضون وقتاً طويلاً يستمعون الى الموسيقى ويعزفون على الآلات المتوفرة
لديهم من أورغ وغيتار ..
أو يلعبون بالورقً أونوً. كانوا يذكرون كثيراً جداتهم وجدهم فهم الوحيدين الذين يلعبون معهم الورق دون ملل أو يحكون لهم القصص الحميلة ...
الأيام تتعاقب قاسية .. نحمد الله أن الهواتف لم تنقطع وكذلك الكهرباء ..
كل يوم يزيد قلقي كلما تكلمت مع جورجيت، اتصالات السفارة للاطمئنان عليهم وتحريضهم للخروج بدأ يقلقها وبدوره بدأ يقلقنا .. معنى هذا أن لا حل قريب
في الأفق .. كانت قلقة هل تلد قبل الهروب أم تهرب وهي حامل أفضل وأسهل ؟؟ لكن ماذا لو داهمها المخاض أثناء الهروب أو في الانتظار ... اذن الأفضل أن تلد
.. ولكن كيف تهرب وتتحرك وقد تضطر للركض وهي نفساء وطفلتها رضيعة صغيرة بحاجة للاستراحة والطعام المعقم .. وان كان بامكانها ارضاعها اذن هي بحاجة الى
الراحة والطعام الجيد .. هذا دون التفكير بالولدين الآخرين فهما ايضاً طفلان، نورمين لم يتجاوز الثامنة وآلن الخامسة ... وهما بحاجة الى رعاية كاملة من
الأب اذن ستكون مسؤولية الطفلة لها وحدها ..
الأيام تتعاقب قاسية ... كل يوم يدعوننا للذهاب الى منزلهم .. منطقة الشعب آهلة وستحسون بالأمان أكثر ... كانت هذه حجتهم للأقناع ..
بالرغم من كل الصعوبات التي كنا نفكر بها الا أن تعب الأعصاب والارهاق دفعنا للتحرك .. وأعطانا شجاعة كافية لقطع المسافة ... وكنا أكثر هدوءاً عندما اقتربنا
من الحاجز ومررنا بسلام ..
طلبنا من ليلى والياس أن يحذوا حذونا ويأتوا لنجتمع كلنا .. الا أنهما رفضا وطلبا منا أن نعطيهم مزيداً من الوقت قبل البدء بالتحرك ..
قضينا معهم اليوم بطوله والليل ..
وصولنا اليهم كان احتفالاً .. الأولاد افتقدوا بعضهم .. ونحن كمن عائد من سفر برلك ..
طعم القهوة كان مختلفاً..
تحادثنا .. وتحادثنا .. ولعب الأولاد والتقينا بالجيران ... ولعب الرجال بالورق وتسلوا وطبخنا معاً وكان الغداء وكأنه وليمة عامرة ..
الجيران كثر التقيناهم وقضينا وقتاً لطيفاً حتى أننا في المساء استطعنا التمشي قليلاً في الشارع .. وسهرنا معاً الى ساعة متأخرة من الليل...
صحيح أن تجمع الأصدقاء يخفف المصاعب الا أن الأخبار التي سمعناها هناك والقصص التي كانت جورجيت تمتنع عن اخبارنا اياها حتى لا يزيد قلقنا كانت مروعة ..
وبت لا ألومها أبداً على القلق المتزايد ...
جارهم الذي يمتلك محلاً للألبسة الجاهزة في السالمية .. كان يذهب كل يوم لتفقد محله حتى أنه اضطر أن يبقى هناك عدة أيام لحماية محله وبضائعه وحاول نقلها
كلها الى البيت ... وجوده هناك كان مخاطرة كبرى ولو كان أحد أولاده هنا لمنعه من فعل ذلك الا أن خوفه على رزقه ورزق أولاده دفعه لتلك المخاطرة الكبرى
..
كان كل يوم يعود اليهم بأخبار جديدة .. سرقوا السوق كله .. حدثهم واليوم حكى لنا ذلك مجدداًعن الباصات التي كانت تأتي من العراق محملة بعائلات من البصرة
.. يصطفون عند وصولهم ليمثلوا أمام الكاميرات مظاهرة تأييد للعراق وكأنهم كويتيون يؤيدون الحكومة العراقية الكويتية الجديدة وبعد انتهاء التصوير يسمحون
لهم بالهجوم على المحلات فيفتحون ما استطاعوا منها وينهبون ما وصلت اليه أيديهم ثم يعمدون الى الباصات محملين بأكياس كبيرة ويرحلوا ..
غير قصص الهجوم على البيوت الكويتية ونهبها وقتل رجالها أمام عيون عائلاتهم .. عدا قصص اغتصاب الفتيات أمام أمهاتهن ... غير قصص السرقة والنهب والتنكيل
... وووو ... وقصة الجندي الذي هجم مع رفاقه على أحد البيوت لسرقته بحسب الأوامر المعطاة له ففتحت له أخته الباب وقد كانت متزوجة من كويتي ...
قصص كثيرة تبدو خيالية ... فتجعلك تحس بالخوف والقلق أكثر وأكثر ...
وبموازاة القلق والخوف كانت ولادة جورجيت هي الهم المباشر المشترك .. لم نستطع جميعاً أن نستقر على رأي بشأن الولادة قبل أو بعد الهروب فلكل حسناته وسيئاته
..
ما أكدنا عليه أنها يجب ألا تدع القلق يستحوذ عليها ويسيء الى صحتها وصحة طفلها .. وأن تعتني بنفسها وغذائها جيداً لتكون قوية ومستعدة لأي طارىء.
استطعنا أن نقويها ونقنعها أن تترك الأمر لله ..
وغادرنا في اليوم التالي آسفين لكننا كنا متأكدين أننا لا نستطيع ترك منزلنا طويلاً وأننا لا بد سنعود قريباً.
في اليوم التالي اتصلت جورجيت باكراً باكية ... ما الأمر ؟؟؟؟
لقد اتصل الدكتور زياد ليخبرها أنه اضطر لاغلاق المستشفى البارحة وأنه توقف عن الخدمة وأنها ربما ستضطر للذهاب الى مستشفى الصباح أو مستشفى عدّان للولادة
...
لم أجد وسيلة لتهدئتها .. فللحقيقة كان مستشفى السلام من أنسب المستشفيات أولاً لأن الدكتور زياد هو طبيبها والمستشفى غير بعيد .. أما الأخرى فهي بعيدة
وبالتأكيد خطر الوصول اليها في هذه الأيام الخطرة.
هي مشكلة فعلاً .. ولكننا جميعاً حاولنا تهدئتها ووعدناها بمحاولة البحث عن أحد يعمل في احدى هذه المستشفيات لتحس ببعض الطمأنينة وحاولنا اقناعها بأننا
لن نتركها أبداً.
وساءت الأحوال أكثر في اليوم التالي عندما بدأت تبرز قضية الخطر على الأجانب وبخاصة الامريكان .. فقد سمعنا أنهم يقبضون عليهم ويحتفظون بهم للمقايضة ..
الأمور تعقدت أكثر ولم يعد باستطاعة ريمون التحرك ومغادرة البيت .. لا بأس ان كانت تقف عند هذا الحد .. ولكن ماذا لو فسد عنه أحد الجيران أو اضطر للاخبار
عنه أو حتى بالصدفة ..
ما العمل اذن ؟؟؟ كنا نقضي الساعات على التلفون نبكي نتحدث ونحاول تشجيع بعضنا البعض .. ولكن القلق كبير وما نتحدث عنه ولادة وليست أمراً بالامكان تأجيله
أو غض الطرف عنه ..
صارت كلما قرع الباب ترتجف خوفاً معتقدة ان أحدهم وشى بزوجها ويأتون لأخذه ..
مر ذلك اليوم طويلا طويلا جدا ...
وما تلاه كان أصعب .. صارت تعتقد أن الطفل لا يتحرك في بطنها ولم تعد تستطيع تناول الطعام .. وقلقنا أكثر بشأنها .. نسينا جميعاً كل ما يحيط بنا وصارت
صحتها وولادتها همنا جميعاً بالرغم من كل ما يدور حولنا..
حاولنا اقناعهم الانتقال الى بيتنا، بالرغم من أنه صغير .. فبيت الضيق يسع ألف صديق .. ولكن ليس الأمر بتلك السهولة .. لم يقتنع لا بل صار ينزعج من الاصرار.
الأيام تمضي .. يتعاقب الليل والنهار بطيئاً أو سريعاً لم نعد نحس ، ننام ونحن مستاؤون نريد أن ينتهي الليل عل تباشير الصباح تحمل أخباراً جديدة تريح
ما تلف من أعصابنا .. واذا بالأيام تتثاقل وتتثاقل ..
كل يحلل .. كل يتكلم من زاويته المختلفة .. كل يضع في الميزان أحواله وماضيه ومستقبله والمعطيات المحيطة به والفرص التي فقدها ..
كثرة اللغط تشوش الأفكار فلم نعد نعرف أيها نصدق وأيها لا نصدق .. أيها اشاعة وأيها حقيقة ..
ودخل الناس في دوامة السفر .. يجب أن نسافر .. الجميع يقول يجب أن نسافر .. لماذا نبقى ؟؟؟ لماذا نسافر ؟؟ قد نخرج ولا نعود .. لا لن نذهب ونترك كل ما
لدينا ...
- سنذهب فالأرواح أغلى من كل الممتلكات .
- لا الى أين نذهب دون أموال كافية وماذا نفعل هناك؟
- لا الى أين نذهب فلا أوطان لنا ولا بيوت .
- لماذا نبقى وبيوتنا هناك بانتظارنا.
- كيف نذهب وأموالنا وحقوقنا في السوق .. ربما يفتح السوق قريباً بالتأكيد لن يستمر الوضع هكذا..
- كيف نذهب وجوازات سفرنا في حوزة أصحاب المال .
كيف ونعم وكلا ولماذا وبالتأكيد .. كل كان لديه جواب وقناعة مختلفة ونحن قلقون على جورجيت ..
تريز كانت أول المغادرين حيث تحمس زوج أختها كثيراً خوفاً من الحرب وبسبب ذكرياته الأليمة السابقة أسرع بالهروب فهربت معه وبقي زوجها ليعتني بما تبقى
من الأموال.
رياض اتصل بنا وأكد أنه مسافر مع مجموعة من الأصدقاء وتمنى لنا السلامة .
كنا نسمع أن كثيرون غادروا عن طريق السعودية لكنهم عادوا لأن الحدود السعودية مغلقة .
كانت سيطرة الحكومة الجديدة التي تألفت بعد الاجتياح ممن يسمونهم كويتيين عراقيين على مباني التلفزة واذاعتهم لبياناتهم وانتصاراتهم الحقيقية منها والكاذبة
تفقدنا أعصابنا وتجعلنا نعيش في حيرة كبيرة ... هل نصدق أو لا نصدق ... بل في حزن عميق ...
وليس ما يسلينا ...
حتى اتصل الدكتور زياد ليطمئن عن حالة جورجيت وأخبرها أنه ربما يفتح المستشفى خلال أيام وسيخبرها بذلك وسيحاول توليدها ..
كان ذلك أول خبر جيد نسمعه من زمن بعيد ..
الهاتف أراحنا جميعاً وخاصة جورجيت ارتاحت قليلاً وتحمست لتستعيد قواها ..
يومها قالت ليلى .. تعالوا جميعاً الى بيت هدى لنحتفل ونلتقي فقد اشتقنا لكم حقاً .. تعالوا وسنتغدى معاً.
اقترحت المضحك المبكي .. قالت : ما رأيكم أن نأكل كل ما لدينا في الفريزر من ربيان .. من يعلم قد تنقطع الكهرباء في أية لحظة ونضطر لرميه .. أو قد نسافر
ونتركه .. هيا نحتفل ونأكل جميعاً كل ما لدينا ..
ليلى معها حق .. براداتنا مليئة بأنواع الربيان الفاخرة التي نشتريها في موسمها ونكدسها مؤونة للشتاء وقد نسيناها مع القلق .. الربيان الذي تشتريه وتأكله
في الكويت ليس له مثيل.
تشاورنا واتفقنا، المخاطرة ليست كبيرة وقرر ريمون الذهاب أيضاً.
في الغد اجتمعنا .. وكان لقاءً مؤثراً آخر .. لم نرض البدء بتحضير الطعام قبل أن يسردوا لنا ما جرى ..
وحدثونا ..
حدثتنا ليلى عن الهلع الذي واجهته في البدء وحيدة حيث ذهب الياس باكراً الى فيلكا كما يفعل كل خميس لزيارة الموقع كجزء من عمله كمهندس .
لم يسمعوا شيئاً ولم يحسوا في البدء بشيء حتى أتت هواتفنا وقلقنا خاصة اتصال هدى بعد أن اتصل أهل سليم وكانوا جد قلقين ومرتعبين وطلبوا اليهم أن يغادروا
فوراً.. حينها فتحت النوفذ ووجدت الدبابات تقترب من الشارع .. لكنها بعيدة .. فكرت هل يجب أن تذهب الى الجمعية فموعد تسوقها اليوم وهذا يعني أن البيت
فارغ .. أخذت بشار ابن السنوات التسع معها وأسرعت .. وكأن الاجتياح سينتظر عودتها .. هي حتى لم توقظ رنا ودانة النائمتين ولا حتى عمهم بسام.. اعتقدت أن
الأمر بسيط مجرد وجود مسلح ولن يزعجوها لأنها سيدة ..
اشترت ما استطاعت بسرعة .. وعادت الى البيت لترى الدبابات تقصد الشارع المقابل قبل أن تدخل شارعهم ...
تساءلت ما عسى أن يكون ؟؟؟
هي لا تعرف أحد الجيران الموجودين لتستشيرهم.. كل جيرانها الذين تعرفهم مسافرون ..
وجود مسلح .. لن يؤذوا نساءً وأولاداً وستطلب من بسام الاختفاء ان طرق أحد الباب ..
مدت رأسها من الطرف الآخر من المنزل لتستطلع ما يجري في الشارع المقابل فوجدت الجنود يترجلون ... ثم يدخلون أحد الأبنية ..
قرع جرس الباب ..
جفلت وخافت .. ارتعدت فرائصها وأبعدت بشار وطلبت منه بصوت منخفض أن يدخل ... وسألت من؟؟؟
وسمعت صوت الياس ... فتحت مسرعة وعانقته عناقاً كبيراً .. هي تحبه جداً وقد أحبته دوماً أما العناق اليوم فله معنى آخر .
وأخبرها بكل ما سمع على الطريق لحين عودته فزعاً مرتاعاً اليهم.. وراحوا معاً يراقبون الجنود.
ثيابهم ليست ثياب جنود كويتيين .. عادت الى المقدمة للتأكد من الدبابات فاذا عليها العلم العراقي
اذن هي الحقيقة ..
كان بيتهم في الطابق الأرضي لذا كانوا يشعرون بكل التحركات ..
أغلقوا جميع النوفذ الخارجية وتركوا اثنين للمراقبة ..
بعد قليل راح مكبر صوت من احدى الدبابات يهتف بأنهم يبحثون عن الكويتيين فقط .. وطلبوا ممن ليسوا كويتيين أن يعرفوا عن أنفسهم، لكنهم خافوا أكثر ولم يعرفوا
هل يصدقونهم ؟؟ هل يثقون بهم أن أنهم يرمون طعماً ...
حضروا حقيبة صغيرة فيها جميع الأوراق الثبوتية الهامة وبعض الماء والكعك ما يلزم الهروب المفاجيء وبعض الغيارات خاصة لدانة ابنة العامين .
كان بشار بالرغم من سنواته التسع يراقب مدخل البيت مع والده ورنا تساعد أمها بتسلية دانة حتى لا يعلو صوتها .. غير محدثين أية حركة تدل على وجودهم ..
فلم يكن باستطاعتهم معرفة ما قد يحدث ... حتى الهاتف أسكتوه حتى لا يرن .. وبدا لهم مؤخراً أن الجنود قطعوا كل كوابل الاتصال في المنطقة .
فكروا بالهروب منذ اللحظة الأولى لكن الفرصة لم تسنح حتى مساء اليوم التالي ..وتحت جناح الظلام ..
يومان قضياهما بخوف وصمت قتقلت أعصابهم وفنت قواهم ..
ولم تنته القصة بذلك فقد كان على الياس أن يذهب الى الشركة أو يحاول الاتصال بالمساعد التنفيذي ، لأن صاحب الشركة طلب منه حين كانوا في فيلكا وعلموا
بأمر الاجتياح، وقرر البقاء في فيلكا، طلب منه الذهاب الى الشركة ومحاولة اعادة جوازات سفر الموظفين فهم بالتأكيد سيحاولون السفر وسيحتاجون اليها.
بعد الوصول الى بيت هدى أحس الياس بمسؤوليته الكبيرة تجاه كل العمال والموظفين الذين قد يفكروا بالسفر وجوازاتهم بحوزة الشركة فاتصل بالمساعد التنفيذي
واتفقا على الذهاب الى الشركة وفتح الخزنة.
لم يتردد الياس بالذهاب الا أن ليلى كانت قلقة جداً ولم تقبل تركه بمفرده وأصرت على الذهاب معه لأن وجود النساء يسهل حالات كثيرة .. واضطر للموافقة .
وتركوا الأولاد مع هدى وسليم ومعهم بسام أيضاً، وذهبوا الى الشركة لأخذ الجوزات وحاولوا فتح الملفات للحصول على العناوين ربما أو أرقام الهواتف ... وعادوا
الى البيت ... وبدأوا اتصالاتهم للبحث عن الأشخاص ....
وفي اليوم التالي بدأت مشاوير البحث الخطرة منها قبل السهلة .. لم ترغب ليلى الاسهاب بالحديث عن المغامرات فقالت نحن الآن هنا هيا الى المطبخ لاعداد الطعام
...
فهمنا جميعاً الضغط الذي كان يبعدهم عن الحديث والتحرك أكثر ... لا بل هنأناهم على قوتهم واخلاصهم ..
كانت المائدة عامرة بشتى أنواع أطباق الربيان الشهية الا أننا كنا جميعاً بلا شهية ..
كنا فقط بحاجة الى مؤازرة بعضنا البعض .. وقضينا الوقت في الحديث عن الأوضاع وما يقول هذا وما يقول ذاك .. وما سمع هذا وما سمع ذاك ..وماذا يجب أن تفعل
جورجيت وماذا يجب أن يفعل ريمون .. وكلها أخبار مقلقة الا أن وجودنا معاً خفف وطأة كل الأخبار وقلل شدة التأثر ... الجميع شجع جورجيت ووعدها بالمساعدة
... وأكد انتظارنا الطفلة الموعودة للاحتفال هنا أو في أي مكان من العالم سنلتقي ونحتفل ... وبرغم كل الظروف .. أما بالنسبة لوضع ريمون، حاولنا مرة أخرى
اقناعهم الانتقال الى بيتنا ... بالرغم من صغره كما فعلت ليلى عندما ذهبت الى اختها هدى ... لكن دون فائدة ..
لم يلعبوا بالورق، أما الأولاد فقد لعبوا مليئاً بهدوء وكأنهم يحسون أننا في محنة وأعصابنا لا تتحمل مشاحناتهم ومشاجراتهم ...
بعد الظهر وقبل أن تبدأ الشمس بالمغيب بدأنا بالتحرك ، كان يجب أن يعود كل منا الى منزله سريعاً قبل أن تغرب الشمس .
وفيما كنا نودع بعضنا شعرنا جميعاً بقسوة الأوضاع .. لحظة الوداع كانت جد قاسية وكأنها وداع لغير لقاء .. كلنا شعرنا بهذا ووعدنا أحدنا الآخر بأننا سنبقى
على اتصال وأن أول اهتماماتنا الآن الاطمئنان على الولادة ..
حاولنا التماسك أمام الأولاد لكن الحالة عامة ولا شيء يخفى على أحد ... تعانقنا ... وأسرعنا بالغادرة كل الى بيته أو قل الى مكان اقامته الجبرية.
تلك الليلة لم ننم .. لقاؤنا بالرغم من فوائده الكثيرة الا أنه أثر كثيراً علينا وكشف لنا جدية الوضع الذي نعيشه ..
هذا الاجتياح السافر لهذا البلد الأمين الذي كنا ننعم تحت سمائه بالراحة والطمأنينة والآن ..؟؟؟؟
ماذا ؟؟؟
لا أحد لديه الجواب ؟؟ هل نرحل حقاً ..؟؟
هل يمكننا أن نفعل شيئاً ؟؟ كيف نعلم ان كان بامكاننا أن نفعل أي شيء ونحن في بيوتنا مغلق علينا .. لا اذاعات كويتية أو تلفزيون ..
الكويتيون بالتأكيد بدأوا المقاومة ولكن نحن بعيدون جداً .. لا نعرف أحداً ولا يمكننا الاقتراب ..
انه الرحيل اذن ... لا بد منه ولا مفر ّ .. البقاء مستحيل في هذه الأحوال ... لا ندري متى تقطع الكهرباء ... متى تقطع أسلاك الهاتف ..
الى متى نبقى أسرى في بيوتنا ؟؟ الى متى يبقى أولادنا بين الجدران الأربعة ... ينامون ويستيقظون، يلعبون ويتخاصمون ؟؟؟
تارة نهدأ جميعاً ونقضي أوقاتناً نلعب ونتسلى وتارةً يفقد أحدنا أعصابه فلا يستطيع التحمل فيضطر الآخرون للتحمل ومعظم الأحيان يفقد الجميع أعصابهم وتثور
ثائرة الجميع حتى نكتشف أن لا فائدة مما نفعل فنهدأ ونمتع أنفسنا بما توفر من الأطعمة المسلية ...
كنا نستهلك المؤن بكل الحذر .. خاصة وأنه لا مال لدينا وأثمان الأشياء بدأت تشتد غلاءً.
كيف يمكنني أن أنسى ذلك اليوم الذي رحنا فيه جميعاً نفتش في حقائبنا وجيوبنا علنا نجد ديناراً قابعاً في احداها ..
وراح الأولاد يجمعون ما لديهم من قطع نقدية للمشاركة وجلسنا جميعاً نفكر ما عسانا أن نفعل .. هي مئتان وخمسون ديناراً أحضرناها من البنك .. صرفنا منها
حوالي ثلاثين دينار ... وماذا بعد ؟؟؟ ان طالت الاحوال المماثلة ...
ولا أنسى يوم قررنا كسر الحصالة التي نجمع فيها جميعاً القطع النقدية واستعمال نقودها لشراء المؤن وترك القطع الورقية لسهولة حملها ...
كسرناها وجلسنا نعد النقود .. كلٌ يعد فئة نقدية وحاولنا جعل الأمر ترفيهاً وتسلية .. كان المشهد مؤثراً جداً ... صحيح أن المحن تجمع العائلات الكبار
والصغار ..
المحن تقوي الروابط وتربي النفوس ... في المحن تتعلم أكثر معاني الأخوة والصداقة والوفاء والتضحية ... ومع أن أكبر أولادي كان في العاشرة وأصغرهم في الرابعة
فهموا جميعاً معنى تعاوننا هذا وتجمعنا ...
كانوا يتفهمون عدم شراء والدهم للشوكولاته والمأكولات المفضلة ... وكأن المحن توسع الأفق وتعمق التفكير ...
ويبدو أن هذا ما حصل مع معظم أصدقائنا .. فعلوا ما فعلنا وأحسوا ما أحسسنا ..
أولاد جورجيت كسروا الحصالة بحثاً عن المال الكافي للولادة ... انه هم اضافي عليهم التفكير به ... محتوى حصالتهم كان أكثر قليلاً من مئة وخمسين دينار
كلفة الولادة الطبيعية في الظروف الطبيعية ..
يومها أضفى ذلك على أيامهم بعض الفرح ..
images/clip_image
هكذا ولدت مريم
14 آب 1990