-4-
اتصلت جورجيت باكراً قائلة :
- الحقيني، الدكتور زياد اتصل بي وأخبرني أنه سيفتح المستشفى اليوم، أنا ذاهبة اليه ليفحصني وربما سيولدني ان كان بالامكان.
استفقت على ذهول .... هل أفرح .. أم أحزن .. هل أضطرب أم أخاف .... كل ما أعرفه أنني يجب أن أسرع لألحق بها .. ريمون سيخاطر ويأخذها حتى لا تنتظرنا ...
وصلنا الى منزلها فأخبرتني جارتها أم جوني أن ريمون لم يعد بعد .. ولم يتصل .. وركض الأولاد نحوي فرحين بوصولنا وهم متحمسون ... ماما ذهبت لتحضر لنا أختنا
...
وما هي الاّ دقائق حتى وصل ريمون وأخبرنا أن جورجيت بخير وقد طمأنها الدكتور أنه سيتمكن من مساعدتها على الولادة والطفل بحالة جيدة ولا خطر عليه فقد أكملت
من شهرها التاسع معظمه وهي مستعدة.
اذن هي في المستشفى الآن بانتظار تحريض المخاض ... وحيدة.
استلم ريمون الأولاد كلهم وأسرع بي زوجي الى المستشفى لأكون بقربها.
لهفتي عليها أنستني أية مغامرة أنا بصددها .. في الطريق الى المستشفى أدركت أنني أترك أولادي وأذهب بعيداً عنهم الى مكان آخر ... ماذا لو حدث شيء ...
انفجار ؟؟ سرقة ... حريق ؟؟؟ هجوم ؟؟؟
كانت هي المرة الأولى التي أتركهم منذ يوم الغزو ... كنت أحياناً قبل الغزو أتركهم مع أم سمير أو مع سمر أو عند جورجيت أو ليلى اذا كان لدي مشوار مهم
الى المجلة ولحضور محاضرة أو مؤتمر أو حتى شراء شيء هام ولا يناسبه وجود الأطفال .. أما اليوم ؟؟؟
استعذت بالله وتذكرت أية مهمة أنا ذاهبة اليها .. فهي أختي .. وهل يعقل أن أتركها وحيدة في ساعة كهذه ؟؟ ساعة المخاض أو قل ساعات المخاض .. من يعلم كم
سيطول ذلك وهو لم يبدأ طبيعياً...
ودعت زوجي سريعاً فلم أرغب أن أظهر له تأثري لابتعادي عنه وكذلك حتى لا يشعر أنني أحسست بانفعاله وخوفه .. لو كان الأمر بيده لقال لي .. لا تذهبي ...
لكن الأخّوة التي تربطنا
أبعدت تلك الكلمات عن شفتيه ...
قلت سأطمئنكم ان وجدت هاتفاً .. وأسرعت بالدخول الى المستشفى ... بحثت عن غرفة الاستعداد للولادة ...
وجدتها ....
وبدأت رحلة الآلام ..
ما ان رأتني تمسكت جورجيت بيدي ، لتستمد قوة لم أكن متأكدة أنني أمتلكها .. لكني ما ان نظرت الى وجهها أحسستني قوية .. قوية بقدر كاف لاساعدها على تحمل
الألم ,, أطمئنها أنني هنا بقربها وأن الله سيعينها وتنجب الطفلة المنتظرة ...
قالت : مريم سأسميها مريم ... فقد طلبت من مريم العذراء أن تساعدني وسأسمي ابنتي مريم ..
كانت تنوح وتبكي صامتة ,,, بدأت الآلام تداهمها بفترات متباعدة .. وكلتانا صامتان .. وما ان تداهمها هجمة الألم تصلي بصوت مرتفع وتقول : ساعدني يا رب،
ساعدني ..
ثم تقول لي: سأموت .. سأموت قبل أن أرى ابنتي .. لاتنسي أن تسميها مريم .. أتركها بين يديك اعتني بها وبابني الآخرين ... أوجاعي رهيبة سأموت ...
وتعود فتهدأ بعد هدوء الألم ..
ما عسى أي انسان في مكاني أن يفعل ؟؟ في ساعات كهذه .. ساعات طوال مليئة بالألم والانفعال والثورة والخوف ... ما عساني أفعل وليس عندي سوى الكلمات والصلاة
.. أشد على يدها وأصلي معها وأطمئنها وأبلع بكائي .. أدفن قلقي وغضبي وخوفي في جوفي بعيداً ... فأقترب من الاختناق ... ثم أعود وأتذكر .. لا يحق لي الاختناق
فأنا هنا للمؤازرة والتعاضد .. مهمتي أن أقويها وأشدد صبرها على الألم ..
هدأت برهة .. فرحت أنظر حولي ... الغرفة كبيرة فيها ثماني أسرة ..
على خمسة منها سيدات داهمهن المخاض مستعدات للوضع يتألمن .. ويصرخن، كل منهن بلهجتها وانفعالها ..
احداهن كانت وحيدة .. تئن بصمت تارة وتصرخ تارة ..
الاخريات كل منهن تحيط بها قريباتها للتشجيع خاصة تلك الصغيرة السن ويبدو أنه طفلها الأول وليست لها خبرة بالمخاض .. كانت تصرخ بشكل مستمر غير محتملة
آلامها ..
ما كان مشتركاً في الغرفة عدا الألم والمعاناة والصراخ والصلاة والدعاء تلك السيدة الكويتية المتقدمة بالسن التي كانت تقول بشكل مستمر بعلو صوتها : ادعين
على صدام .. انتن مطلقات والله يستجيب دعاء المطلقات ... ادعين الله أن يعذبه كما يعذبنا ويعذب شعبنا وأولادنا ..
وتصرخ كل منهن عندما يداهمها الألم .. وتمر لحظات صمت مريع ,,لتعود الصرخات لتملأ المكان ..
تأتي الممرضة الوحيدة في المستشفى للاطمئنان على السيدات كل فترة وتسأل احتياجاتهن ان كان بالامكان تلبيتها ... ومن ثم تذهب لاعداد غرفة الولادة أو أسرة
الأطفال المتوقع ولادتها وهي تتمتم ان مهمتها صعبة ... وهي وحيدة ... ربما ستأتي ممرضة أخرى لمساعدتها في مستشفى كان يعج بالممرضات والمساعدات وعاملات
التنظيف ..
وتشد جورجيت على يدي وتقول آلامي كبيرة جداً لم أحس بها في الولادات السابقة ... ويبدو أن هذا الدواء محرض سريع .. لكن لا بأس .. لا بأس .. فأنا التي
طلبت من الدكتور زياد أن يحاول وسعه لألد اليوم .. وأنا أشد أزرها وأطمئنها وأدعو لها بالسلامة ...
أتى الدكتور زياد لمعاينتهن وقال لجورجيت يبدو أن الرحم متجاوب وستلدين قريباً ... تحمّلي الألم .. هي ساعة وتكون ابنتك بين يديك .. أعرف أن آلامك كبيرة
... تشجعي ...
عندما يكون الطبيب طبيباً وانساناً فهو كالبلسم الشافي ... لقد أراحهن جميعاً بهدوء أعصابه وقوة شخصيته .. وطلب منهن جميعاً التحمل وتفهم الوضع .. وطلب
من السيدات المرافقات أن يساعدنه ويخبرنه في حال أحسسن بقرب وضع احداهن فخبرتهن تساعد وهو وحيد مع الممرضة الوحيدة ولن يتمكن من متابعة الجميع .. ففي
الغرفة الأخرى أخريات ..
شددت على يد جورجيت .. وقلت مجدداً صلّي .. فالصلاة أنجع الأدوية ..
وبدأت آلامها تزيد وتزيد .. وتقترب أزمنة المخاض وهذا يدل على اقتراب الولادة ..
وزاد خوفها وقلقها .. وزاد صراخها وخوفها من الموت ... كانت لا تتوقف عن ذكر الموت .. وأنا أهدئها وأقول لها انه شعور طبيعي في هذه اللحظات ..
ولكن ... قلبي ينفطر ولا حيلة لدي ..
يا مريم شددي ضعفنا .. يا مريم قوينا .. لنصبر على آلامنا ..
وأسمع صوت السيدة مجدداً : ادعين على صدام .. يا متألمات الله يستجيب دعاء المتألم ..
ونحن نردد يا رب قوينا وساعدنا...
وتأتي الممرضة مجدداً وتبشر أن الممرضة الأخرى وصلت للمساعدة في غرفة الولادة .. وبعد فحصهن جميعاً وجدت أن جورجيت هي الأكثر استعداداً فقررت نقلها الى
غرفة مجاورة .. لاعدادها للولادة .. ومن ثم أدخلتها الى غرفة الولادة وبصعوبة فلتت جورجيت يدي وهي تكرر لا تتركيني .. لا تتركيني ... انتبهي لمريم ..
وأغلقت الممرضة دوني الباب وقالت بحزم ابقي هنا... وتركتني في الممر الطويل أسمع صراخ المخاض يأتي من جميع الغرف والدكتور زياد ينتقل من غرفة الى أخرى
وكذلك الممرضتين .. كل بدوره وأنا أقف هنا مذهولة ..
لم أذق قبلاً طعم المخاض فقد حرمني الله نعمة الانجاب الطبيعي وكان علي أن أنجب أطفالي الثلاثة بعملية قيصرية .. لذا لم أتخيل يوماً حقيقة آلام المخاض
... وقد خبرتها اليوم بكميات وحالات فاقت تصوري وتحملي وتركتني مذهولة .
ورأيتني كما في الأفلام أروح وأجيء في هذا الممر الطويل ويداي مكبلتان وكذلك تفكيري ..
هل أذهب لأجد هاتفاً في المستشفى أخبرهم أنها دخلت غرفة الولادة ؟؟ لكن الممرضة قالت لي بحزم انتظري هنا .. بالرغم من أنني لم أفهم قصدها ولمَ قالت لي
ذلك الا أنني فضلت البقاء فربما احتاجت الي ...
أروح وأجيء .. والدقائق تبدو ساعات طوال .. أسمع خلالها بعض أصوات انفجارات بعيدة تتسلل الى السمع من خلال أصوات مخاض السيدات ... فأتردد في استيعابها
وأقول لنفسي هي بعيدة .. لا بد أن تكون بعيدة .. وأنا رعبي كله محصور في الغرفة المجاورة ..
وأردد: انتشلها يا رب .. ساعدها ... ساعديها يا مريم ...
وانطلقت صرخة مدوية وعلا صراخ طفل .. فجمدت في مكاني ... أنتظر.
وأخيراً فتح الباب وطلت الممرضة تدفع سرير الأطفال وفيه كومة لحم مغطاة باحكام بقطعة قماش أزرق وقالت لي: أرادت بنتاً فأنجبتها .. قفي هنا، استلميها وقفي
بجانبها فأنا يجب أن أعود سريعاً الى الداخل، السيدة الأخرى تلد الآن أيضاً .. ابقي الى جانبها حتى لا نخلط بين الأطفال هذه طفلتكم .. لن أتأخر ..
وأغلقت دوني الباب مجدداً ...
بنت انها بنت ... ولكن كيف حال الأم .. لم أسألها .. لم تترك لي مجالاً لأفتح فمي .. بالتأكيد هي بخير والا لأخبرتني ... بنت ... بنت .. وسقطت دمعة من
عيني أخيراً ...
بنت ... أتت البنت ...
أبعدت الغطاء قليلاً عن وجهها المغطى بالدماء والأقذار كوجه كل طفل حديث الولادة قبل أن يأخذ حمامه الأول ..
يا الله ، يا سبحانك يا الله ... البنت المشتهاة المنتظرة ... هي بين يدي الآن .. مريم هنا .. هل تدري جورجيت أم أنها منهكة ؟؟؟ وريمون والجميع ... جميع
من هم بالانتظار ... مريم التي كان الجميع يعد بالحفلات والهدايا حين تلد .. هي هنا وأنا أنظر الى جمالها ... وحيدة كاليتيمة ..
مريم حبيبتي أنا هنا وأمك في الداخل ووالدك وأخواك مع جميع الأحباء هناك بانتظارك .. لا تخافي .. لسنا وحيدتين هنا .. ربما الآن نعم .. لكن لا تخافي ..
الجميع يفكر بنا وسيعوض لنا كل هذه الساعات الأليمات .. تشجعي، كوني قوية مثل أمك .. تبدين بصحة جيدة ... حبيبتي ليتني أتمكن من ضمك الى صدري .. لكني
أخاف لو فعلت قد تؤنبني الممرضة ..
كنت أكلمها وكأنها تفهني .. أكلمها لأبعد عنها الخوف والرعب .. كي لا تحس بالوحدة واليتم .. أكلمها لأقويها .. حقاً ؟؟؟ أم أكلمها لأقوي نفسي وأنسى رعبي
وأعلن عن فرحتي .. مريم هنا ... هيا استفيقي يا جورجيت .. مريم هنا بانتظارك ...
وعلت صرخة أخرى قوية من الداخل .. خرجت بعدها الممرضة بسرير آخر قائلة اتبعيني ..هي بنت ثانية للسيدة الأخرى ... اتبعيني بالسرير وابقي معي حتى لا نخلط
بينهما ونضع الأسماء الصحيحة ... فتمالكت استيعابي وذاكرتي وبعض قوتي وسألتها وصديقتي ؟؟ كيف حالها ؟؟ فقالت هي صديقتك ؟؟ حسبتها أختك .. هي بخير ستستفيق
بعد قليل وريثما ننهي مهمتنا ستكون في غرفتها .. لأنها تعبت كثيراً وقد أعطاها الدكتور مهدىء لتنام قليلاً .
وتبعتها بكل همة .. الحمدلله جورجيت بخير ومريم بين يدي ... لا يهم متى يفرح الجميع ... المهم أن الخاتمة ستكون مفرحة ... وسقطت الدموع أخيراً من عيني
... أعتقد أنها دموع الفرح ..
أخذت الممرضة مريم بين يديها وغسّلتها ونظفتها ... ثم ألبستها ثياباً من المستشفى ... سألتها هل أذهب لاحضار ملابسها ؟؟ قالت ابقي هنا الآن ولاحقاً غيري
لها ملابسها كما تشائين .. وكادت تفرغ عصبيتها وتعبها بي فصمتت لا بل قلت لها ... ليعطيك الله العافية ويقويك .. ما تفعلينه الآن ترينه أمامك في الآخرة
... صمتت، ليتني وجدت دعاء آخر أفضل ...
شكرت الله أنها لم تنزعج من دعائي ...
رتبت مريم ووضعت في يدها اسوارة مطاطية تحمل اسم أمها،
رحت أنظر الى تقاطيع وجهها الجميل ...
عندما يصفون الرضع بالملائكة لم يخطئوا أبداً.
هي كالملاك غير مدركة ما يحدث حولها ... أغمضت عينيها ونامت .. قالت الممرضة لي : اتركيها هنا ولا تخافي سأبقى هنا حوالي نصف ساعة ارتب المكان وأحضّر
وجبات الأطفال .. اذهبي واطمئني عن الأم وتعالي لأخذها لتراها .. كما أعتقد أنك يجب أن تتركيها معكم لأنني بعد ذلك سأستلم أطفالاً جدد.. أليس باستطاعتك
الاعتناء بها ؟؟ أليس لديك أطفال ؟؟ اذهبي وعودي سريعاً ... كما أعرف أنك تريدين اخبار الأهل ، الهاتف العامل الوحيد موجود في المكتب في الطابق الثاني
في الغرفة الرابعة .. هيا اذهبي ولا تتأخري ...
لم تترك لي مجالاً لأجيب أو أسأل أو أعلق .. أملت عليّ أوامرها وارشاداتها وأنا المذهولة دون تعليق .. استدرت وخرجت ...
ركضت باتجاه الغرف ورحت أبحث عن جورجيت .. وجدتها على سرير نائمة ... اقتربت منها آملة أن أستطيع التكلم معها ... واذا بها بانتظاري ...
قالت : أين أنت ؟؟ أنتظرك أغالب النوم طمئنيني عن مريم قالوا لي أنها معك ...
قلت : علمت اذن ... الحمدلله على سلامتك وسلامة مريم ... انها رائعة ..
ابتسمت وقالت: نشكر الله ... قلت لنفسي لن أصدق حتى تأتي أنت وتخبريني.. هل هي جميلة ؟ هل أخبرت ريمون ؟
قلت : هي أجمل ملاك في العالم .. الله يخليلك اياها ... نامي الآن وارتاحي ... أمامك تعب كثير .. سأذهب الآن لأبحث عن الهاتف وأخبرهم .. نامي ومن ثم سأحضر
مريم ونكون بانتظارك هنا ...
وقبل أن أنهي كلامي استغرقت في نوم عميق .. كانت تصارع التعب والنعاس وما ان اطمأنت استسلمت ...
وخرجت من الغرفة أبحث عن الهاتف ... وانفجرت بالبكاء .. أحسست بالظلم .. أحسست بالغربة .. أحسست باليتم .. هذه الطفلة المنتظرة المشتهاة الموعودة بالحفلات
والهدايا تأتي بكل صمت .. وها قد مضى على ولادتها أكثر من نصف ساعة ووالدها واخوتها وأقرباؤها الذين ينتظرونها بفارغ الصبر لا يعرفون بعد .. وأنا أروح
وأجيء وحدي في المستشفى أبحث عن الهاتف وكل مشغول بأمور أهم .. ايصال الخبر المفرح ليس بتلك الأهمية ... عجيبة هي هذه الأيام ... لو كان لدي خبر سيء لهب
الجميع لنجدتي لكن للخبر السعيد علي أن أنتظر ..
ربما هم محقون ولم أعترض الا أن قلبي كان يعتصر حزناً ولم يسمح لدموعي بالتوقف ..
- ريمون .. أتسمعني .. جورجيت ولدت وقد أنجبت لك طفلة جميلة وتؤكد أنها تريد تسميتها مريم ... ريمون هل تسمعني؟؟ جورجيت بخير وهي نائمة الآن لأنها تعبة
لكنها بألف خير ..
ريمون لم يصدق ما أقول وقد أخذته الصدمة ..
تكلمت مع زوجي وأخبرته بعض التفاصيل وطلبت منه تحضير طعام بالامكان احضاره الى هنا لأن جورجيت ستستفيق بعد حوالي ساعتين أو ثلاثة ولا شيء للشرب والأكل
هنا .. هي بحاجة الى شوربة على الأقل ..
فاقترح أن يأتي لاحضاري الى البيت لتحضير الشوربة ورؤية الأولاد .. وعندما أخبرته عن عدم امكاني ترك الطفلة وحيدة قال سيتدبر الأمر ...
لم أعرف ماذا يعني ... سيتدبر الأمر .. أغلقت السماعة وعدت الى غرفة الأطفال مسرعة فوجدت الممرضة بانتظاري وقالت : جئت في الوقت المناسب .. هل تريدين
البقاء معها هنا أو تأخذينها معك الى هناك ؟؟
فضلت أخذها حيث والدتها وحيث باستطاعتي رعاية الاثنتين معاً ...
وأردفت سآتيك بالرضعة اللازمة في الوقت المناسب ..
جررت سريرها ذاهبة الى غرفة والدتها وأنا أفكر .. أية أوضاع هذه تلك التي تجبر الممرضة في مستشفى محترم كهذا أن تتصرف على هذا النحو ؟؟ تترك الرضع لأمهاتهم
... حيث الأمهات أصلاً بغير عناية .. كنت أتطلع بأسى الى أرض المستشفى التي اعتدت أن أراها تبرق كالمرايا ...
ضجة وأصوات وكل يجري على هواه ..
تذكرت ذلك المثل القائل الطاسة ضائعة ... فعندما تضيع الطاسة في الحمام تعلو الأصوات الصاخبة باحثة عنها .. وهنا أية طاسة ضاعت ؟؟؟
كل هذه الحالات للولادة اليوم ؟؟؟ ربما كثيرات حالتهن مثل حالة صديقتي تحريض مخاض وولادة قسرية ... قبل أن تسوء الأحوال أكثر وأكثر ... والدكتور زياد
وحيد تساعده ممرضتان لا حول لهن ولا قوة ... كم باستطاعتهما أن تقدما ؟؟؟ مستشفى طويل عريض وحالات كثيرة والخدمات النسائية كثيرة تلك التي تسبق الولادة
وتلك التي تليها ..
وتلك السيدة لا زالت تصرخ بأعلى صوتها .. ادعين على صدام ... الله يستجيب دعاءكن ..
مريم، تتقلب بين حين وآخر أمرر يدي بحنان على كفيها الصغيرتين .. أعدل غطاءها فتعود الى النوم ...
مرت ساعة وأنا جالسة بقرب جورجيت ومريم بجانبنا أراقبهما معاً ..
تململت مريم في سريرها وفتحت عينيها ....
حملتها بكل الحب ووضعتها بقرب قلبي وجعلت رأسها الصغير يلامس خدي لأحس بضربات قلبها وتحس بقلبي يخفق حباً وحناناً ... ضممتها الى صدري ... يا حبيبتي يا
مريم ... من أجلك تهون كل المصاعب ... من أجلك يتحمل الجميع كل المخاطر... وأنت يا حلوة ليعطيك الله الصحة والسعادة والحياة لتنيري حياة أهلك ...
أطعمتها رضعتها التي أحضرتها الممرضة .. ثم تجشأت ...
أخرجت الثياب الجديدة التي حضرتها جورجيت وبدلت ملابسها فبدت رائعة الجمال ... ضممتها ثانية متذكرة الغطاء الجميل الذي كانت تود شراءه لها .. ضممتها ناسية
كل ما حولي من ضجة وصراخ وألم ... وكأني في شرنقة من الحب والفرح تمنع عني كل ما يحيطني من معكرات ... ونامت مريم مجدداً... فوضعتها في سريرها ..
واذا بي أرى أم جوني جارة جورجيت أمامي ..
قالت أسرعي زوجك بانتظارك في الخارج ... سأبقى هنا حوالي ساعتين تذهبين خلالها لرؤية الأولاد وقد وضعت دجاجة على النار لسلقها وتحضير الشوربة .. أحضريها
معك عندما تعودين ..
وعندما رأت مريم قالت : ليحميك الرب وتحفظك مريم .. وسألتني لمذا هي هنا وليست في غرفة الأطفال ؟؟ شرحت لها باختصار الوضع القائم في المستشفى وطلبت منها
أن تراقبهما معاً فقد أطعمت مريم للتو وجورجيت لن تستيقظ الآن .
قالت: مريم ؟؟ قلت: نعم مريم ..
وذهبت ،،
عندما جلست في السيارة مع زوجي ... وسألت عن الجميع انفجرت بالبكاء مجدداً...
كم هي قاسية هذه الأيام ..؟؟؟...
أمسك زوجي بيدي وقال : ابكي هنا لا بأس ، فما عانيته ليس سهلاً وأنا أتفهم ذلك ولكن يجب أن تعلمي أن الجميع بانتظارك في البيت ولا يحتملون رؤيتك بهذه
الحال ... الأولاد مضطربون جداً ويريدونك، وريمون بانتظارك ليطمئن على زوجته وكذلك أولاده يريدون أمهم ..
نظرت اليه وقرأت حنانه وشكرت الله على الهدوء الذي منحه اياه في هذه اللحظات ... عادة عندما أثور وأفقد أعصابي يثور أكثر مني ويغضب من ثورتي ولكن يبدو
أن هذه المحنة أظهرت طرفاً آخر من شخصية زوجي فرحت للمسها ومعرفتها ..
فرح الأولاد بحضوري وراحوا يسألوني عن التفاصيل .. وعن مريم ومن تشبه ؟؟؟
أما الكبار فبكل القلق كانوا ينتظرون الأخبار الحقيقية ... حدثتهم بكل التفاصيل ... الايجابية منها فقط .. أهملت السلبية كي لا أثير قلقهم أكثر ..
حضرت الشوربة وأطعمت الأولاد ما حضره لهم الرجال من معكرونة وسلطة ...
طلبت ابنتي ديما مرافقتي الى المستشفى لرؤية مريم ... فوافقنا على أن تراها سريعاً وتعود مع أبيها ..
في طريق العودة حضنت ديما بكل القوة .. وطلبت الى الله أن تمر كل هذه الأيام على خير ... هل أخطأت باحضار طفلتي ذات السبع سنوات لترى ما سترى في المستشفى
... لكن شوقها لرؤية مريم كان أكبر من أن أمنعها وربما تعلقها بي كان أكبر حجماً لذا لم أمنعها ..
لهفتنا للوصول حجبت عنا كل ما يحدث في المستشفى وتوجهنا مباشرة الى حيث جورجيت ومريم .
جورجيت ما زالت نائمة .. أما مريم فهي تتحرك بهدوء ..
اقتربت ديما من مريم وأمسكت بيدها وداعبتها .. هل كانت تقول لها: أنا هنا يا مريم لا تخافي .. أنا من ستعتني بك وتعلمك كل الألعاب والألاعيب .. حركتها
ألهبت مشاعري وكدت أنفجر بالبكاء مجدداً ولكن أم جوني أنقذت الموقف بحيث قالت أن عليهم المغدرة .. وفي طريق خروجها أضافت لا أعتقد أن الطبيب سيسمح لها
بالخروج اليوم ..
ماذا ستفعلين هل ستبقين معها ؟؟؟
فاجأتني ...
وكأن ما قالت ليس أمراً طبيعياً جداً فالولادة طبيعية الا أنها قسرية وتحتاج الى مراقبة على الأقل لمدة أربع وعشرين ساعة ..
فاجأتني ولم أعرف ما أجيب ..
قلت لها اتفقت مع زوجي أن يعود في السابعة مساء ..
في كل مستشفيات العالم تلد المرأة وتبقى أياماً ثلاثة في حالة الولادة الطبيعية وخمسة الى ستة أيام في حال الولادة القيصرية .. أما أن نتوقع أن تخرج في
اليوم ذاته وفي ولادة قسرية كهذه فهو نوع من الهذيان ..
ولكن الوضع العام كله مغلف بالهذيان والجنون ..
طلبت منها أن تنتظر حتى أذهب وأحاول ايجاد الدكتور زياد وأسأله ..
وأسرعت أتنقل بين الغرف بحثاً عنه .. حتى لمحته يسرع من غرفة الى أخرى .. فأكد لي أنها يجب أن تبقى وسألني أن أبقى معها أو ان قررت الذهاب فالأفضل أخذ
الطفلة معي ..
ماذا ؟؟؟؟
آخذ الطفلة معي ؟؟؟ لم أستوعب ما قاله فسألته مجدداً ... قال : ما بك ألا ترين الوضع ؟؟ ساعدونا .. ألا ترين أنه ليس هناك أحد للاعتناء بالأطفال .. الأفضل
أن تبقي هنا للاعتناء بهما .. لن أستطيع ارسالها حتى لو استفاقت وهي بخير ..
نعم ستبقى وأنا سأبقى معها .. كيف يمكنني أن أتركها وحيدة لا حول لها ولا قوة .. وهذا الملاك بجانبها بحاجة الى رعاية أيضاً ..
وفيما أنا أخبر أم جوني بقراري وأطلب منها أن تخبر زوجي بذلك .. وجدته أمامي .. وقد قلق لتأخرهم ..
نظرت اليه بتوسل وأخبرته بقراري ... كان قلقاً ... لم يدر ما يقول .. أمسك بيد ديما وقال : انتبهي الى نفسك واليهما، واستدار مغادراً ولحقت به أم جوني
...
مرة أخرى أجبر على الموافقة .. أو أنه وجد الموافقة أمراً أو شراً لا بد منه ... فعدم الموافقة أمر مستحيل ..
استفاقت مريم .. نظرت الي .. أو خيل الي أنها نظرت الي وشكرتني على بقائي بجانبها .. حملتها بين ذراعي .. ضممتها الى قلبي ورحت أتحسس الرأس واليدين والخدود
,, وما ان اقتربت أصابعي من فمها حتى راحت تبحث عما يمدها بالطعام ..
وضعتها في حضني ورحت أطعمها الرضعة التي أحضرتها الممرضة .. وأنا أنظر الى وجهها الملائكي تارة والى أمها النائمة التي هدّها الألم والخوف والتعب ..
ماذا ينتظرك أيتها الحبيبة ؟؟؟ ما هو شكل الأيام التي تنتظرك ؟؟؟ وأنت بعد وليدة .. أعرف أنك محظوظة لأن لك أباً وأماً يخافان عليك جداً ولن يبخلا بأي
شيء لحمايتك وراحتك وصحتك وفرحك .. ولكن هل سيستطيعان ؟ أم أن المصاب أكبر منا جميعاً ..
بكل الهدوء رضعت ... وبكل الهدوء تجشأت .. وبكل الهدوء قبعت في سريرها تنتظر استيقاظ أمها .. صامتة .. وكأنها تفهم ما يدور حولها وأن عليها ألا تدع الأمور
تسوء ببكائها .
كانت الساعة تقارب السادسة حين استفاقت جورجيت ... فتحت عينيها ونظرت الي وابتسمت وقالت: أين مريم ؟؟
قلت لها : هي هنا بانتظارك .. هيا افتحي عينيك واملئي نظرك بها .. فقد أكرمك الله ووهبك البنت التي طالما حلمت بانجابها..
بكل أوجاعها وكل أمومتها أرادت أن تجلس لتتمكن من احتضان مريم ..
لمستها .. حضنتها .. غمرتها .. وغرقنا جميعاً مجدداً في شرنقة الحب ونسينا كل ما يحيط بنا .
وأين نحن ولماذا ؟؟
لحظات أمومة تفوق التصور .. لحظات حب أبعد من الكلمات .. تنفر الدموع من العيون وتبهج القلب من الصميم .
وتغفو مريم وأضعها في سريرها ..
يأتي الدكتور زياد لعيادة النساء ويطمئن عن جورجيت وعن ابنتها ويؤكد لها أن قراره لبقائها الليلة حكيم وستشكره يوماً على ذلك .. قال لها: خطر كبير عليك
ان تحركت سريعاً وأنا أعرف ما ينتظرك كما ينتظر الأخريات لذا فأقل الايمان أن ترتاحي كلياً الليلة ..يجب أن أراقبك وقد يفاجأك نزيف في أية لحظة لو تحركت
ولو ذهبت لما استطعت القدوم اليك .. جيد أنك بقيت وها هي أختك بقربك تعتني بك وبابنتك .. ماذا أسميتها ؟؟
- مريم ، مريم يا دكتور ..
- خير الأسماء وأجملها .. سأحضر لك شهادة الميلاد وبامكانك الخروج غداً لأننا استكملنا الأوراق عند دخولك أليس كذلك ؟؟ سأعطيك الآن ابرة أخرى تريحك الليلة
وتنامي وغداً انشاءالله تبدأين مهماتك الشاقة .
بعض الوقت مر قبل أن تخلد الى النوم من جديد .. سألتني فيه عن الأولاد وعن ريمون وفرحته بمريم ..
هذه الفرحة المبتورة ..
جلست على الكرسي أتأملهما معاً نائمتين .. وفجأة بدأت أسمع من جديد كل الأصوات حولي وكأن نومهما فتح الأبواب مع أن الستائر لا زالت منسدلة .. وكأنني عدت
من عالم آخر ...
تلك التي تبكي وحيدة .. وتصرخ من حين لآخر متألمة ..
تلك التي تشجعها أمها على الصبر والدعاء والتماسك ..
وتلك التي تحيط بها العائلة، كل تشجعها من جهة ..
كل يشرح بلواه بصوت عالٍ..
ولا زالت السيدة تصرخ بأعلى صوتها بين حين وحين أدعين على صدام هو سبب كل البلا.
أتى المساء .. والساعات تنتظر الدقائق الستين حتى تمر والدقائق تنتظر الثواني الستين حتى تمر والثواني بانتظار اللحظات تمر بطيئة بطيئة وأنا أعدّها وحيدة
..
ما أطولها حين تنتظر انبلاج الصبح وما أطولها حين تريد أن تسبقها .. .. تركض وتركض وهي تتمشى ومع ذلك فليس باستطاعتك أن تسبقها .. تستحثها لكنها لا تسمع
..
انتبهت أنني أغفو على الكرسي ... وقد أخذني التعب والانفعال .. فتحت عيني بخوف ونظرت الى مريم .. هي بخير .. هي هنا .. هل يمكن لأحد أن يستغل اغفاءتي
ويأخذها ..؟؟..
ربما نعم من يدري ؟؟ في هذه الأيام الصعبة حيث الفلتان في كل مكان .. من يمنع سرقة طفلة .. وأعود فأطمئن نفسي .. ومن سيسرق طفلة ؟؟ أعود فأقول ربما أم
ثكلى أو رحم عاقر ..
الطفلة مسؤوليتي ... غيرت وضعية السرير وجررته مقابل سرير أمها ووضعت كرسيّ بشكل يمنع الوصول اليها دون أن أحس ..
هذا التفكير أيقظني من غفوتي وراحت أفكاري تسأل عن أحبائي .. أطفالي ترى ماذا يفعلون ؟؟ أطفال جورجيت ..؟ أزواجنا ؟ .. أصحابنا .. هل علموا ؟ أهلنا ..أمي
واخوتي ... عائلة زوجي .. والد جورجيت وأخواتها .. كل أقربائنا وأصدقائنا بماذا يفكرون وهم لا يدرون عنا شيئاً... حتى أخت ريمون التي تسكن في الفحاحيل
.. لم نسمع منها شيئاً ولم تسمع عنا شيئاً .
انه الاعصار .. انه الكارثة .. انه كل ما يمكن أن تصف وتختار من كلمات قاسية .. مرعبة .. مخيفة .
لأبتعد عن كل هذه الأفكار وأعود الى الصلاة ...
ساعدني يا رب.
مرت الممرضة للاطمئنان وقالت لي أنه بامكاني استعمال السرير الفارغ لأنام عليه ... فأختي لن تستيقظ قبل الصباح ..
كيف بامكاني أن أنام .. وأن أغفو ..؟؟؟ لكن الساعات طويلة ... طويلة .
رحت استكشف مكان السرير ...
يبعد مسافة مترين عن سرير جورجيت ... هذا يعني انني أستطيع سماع صوتها ان استفاقت ... أو حتى تحركت .. فقد هدأ الصراخ وأنجبت معظم الأمهات ... ويبدو أن
كل الأطفال الرضع هم مرهقون كأمهاتهم لذلك فالجميع نيام ...
لكنني لن أتمدد على السرير فقط سأجلس وأمدد قدمي وأسند رأسي على الحائط .. وهكذا بامكاني امساك يد مريم براحة أكبر ...
ثم أتساءل ماذا لو غفوت وتركت يدها ... لا ..
هل أضعها بجانبي لتنام قريباً من أنفاسي ؟؟ لا ربما آذيتها ونمت فوقها من شدة تعبي .. الأفضل أن تنام في سريرها ..
اذن ما العمل ؟؟ هاجس خطفها يتعبني ... ربما يجب أن أربط يدها بيدي فاذا حاول أحد أخذها سأحس ... وان غفوت وسقت يدي احس بذلك أيضاً لأنها ستبقى مرتبطة
بالسرير ..
أعجبتني الفكرة .. ولكن بماذا أربطها ؟؟ بحثت عن شيء ناعم لا يؤذي جلد يدها الناعم ...
فلم أجد الا الشريط اللاصق الذي تستعمله الممرضة لتثبيت المصل .. قلت لمريم سامحيني يا حبيبتي .. ربما سيؤلمك انتزاع الشريط غداً ولكن ما باليد حيلة ..
أطعمتها وجبتها الثانية ... وتجشأت ... وأعطيتها ووهبت نفسي جرعة كبيرة من الحنان ثم وضعتها في سريرها ... وكانت الساعة تقارب الواحدة ليلاً.
باشرت بوضع الشريط اللاصق واطمأننت أن المهمة ناجحة ...
غفت مريم ويبدو أنني غفوت أيضاً.
عندما استفقت على صوت المؤذن يؤذن لصلاة الفجر ... قلت يا رب ليكن هذا النهار أفضل من سابقه ...
فككت الشريط بكل تأن حتى لا أزعج مريم .. التي بدأت تتململ كما بدأ يفعل معظم الرضع ... وبدأ دبيب النهار يسمع في كل الأرجاء ...
أخذت سرير مريم وعدنا الى قواعدنا بجانب الأم المتعبة التي بدأت تستفيق ..
فتحت عينيها وقالت يا رب ... نظرت الي والى مريم وابتسمت ...
وقالت: صباح الخير ... لم أكن أحلم اذن .. ولادتي حقيقة ... الآن أستطيع التفكير بكل شيء آخر كنت قد أجلت كل شيء خوفاً عليها ..
قلت : يا صباح النور ، نعم انها الحقيقة الرائعة ومن أجل عينيها يجب أن تعتني بنفسك أكثر .. يجب أن تهتمي بحليبك وصحتك فهما سبيل خلاصها الوحيد ..
ابتسمت ثانية مؤكدة ما قلت ..واحتضنت مريم ... بحرارة ... حتى غفت .. ووضعتها في سريرها ..
الساعات العشر التي نامتها جورجيت أعادت اليها نشاطها واحساسها بالقوة ..
طلبت مني مساعدتها للذهاب الى الحمام ... ومريم ؟؟ هل نتركها وحيدة هنا ...؟
استغربت من قلقي هذا ولم أرد أن أزيد قلقها ففكرت سنفتح الستار والأمهات الأخريات موجودات ثم انها بضع دقائق فقط ...
ساعدتها حتى وصلنا باب الحمام الذي لم أجرؤ على استعماله وحيدة كي لا أترك مريم ...
دخلنا الحمام وليتنا لم نفعل ..
كيف يمكن أن تصف حماماً في مستشفى نسائي حيث تلد النساء، دون تنظيف مباشر مستمر ...
بسرعة كبيرة قضت حاجتها ... وعدنا بانتظار وضح النهار ووصول زوجي ليأخذنا الى البيت ..
تساءلنا هل يجب أن ننتظر الدكتور زياد ؟؟ هل هو هنا ؟؟ ألم يتعب ؟؟ بالطبع تعب وهل تمكن من الاستراحة ؟؟
طلت الممرضة وهي تحاول رسم ابتسامة على وجهها ... فتحت الستائر الفاصلة بين الأسرة وقالت بصوت مرتفع للجميع : من منكن تشعر بتحسن وأنها قادرة على الخروج
فلتجهز نفسها .. سيمر الدكتور زياد بعد ساعة لرؤية الجميع .. ثم تغادر من تود المغادرة .. بكل أسف أعتذر لا طعام متوفر للامهات وآمل أن تتدبرن الأمور
.. فقط حضرنا رضعات الأطفال .
أخرجت ما أحضرت البارحة لتأكل ...أخذت جورجيت قطعة خبز مع قطعة جبن وشربت بعض الماء فهي بحاجة للطعام لتستعيد بعض القوى ..
وبحسب تعليمات الممرضة تبعتها للحصول على رضعة طازجة للطفلة ومثلي فعلت كل المرافقات للامهات ..
وحضنت جورجيت طفلتها وأعطتها الرضعة لأول مرة، علّها تشعر بالحليب يتدفق في صدرها رغبة منها لارضاعها .. تجشأت مريم وباتت جاهزة للنوم ...
سألتني جورجيت هل نبدل ملابسها أم نبدلها في البيت بعد الحمام ...
نظرت اليها غير راغبة بالاجابة ... كانت جورجيت تعد العدة قبل الغزو ليكون استقبال مريم في البيت استقبال الأمراء وقد رغبت بشراء ذلك الغطاء الرائع ..
أما اليوم فها نحن نأمل فقط الوصول الأمين الى البيت ... ولا نشعر حتى بأهمية ما تلبس ... تلاقت نظراتنا وكأننا نفكر بالشيء ذاته ... اغرورقت عينانا ...
ورحت أشغل نفسي بتطبيق الأغراض استعداداً للخروج .. وقلت: هيا قومي وجهزي نفسك الدكتور زياد قادم قريباً وأعتقد أن زوجي لن يتأخر ..
تحركت .. وراحت تتمشى فى الغرفة الكبيرة تشاهد الأمهات والرضع ... كل في همها وبلواها وعادت تجلس على الكرسي شاكرة الرب على القوة التي شعرت بها واستعدادها
لكل ما ينتظرها ... جلسنا ننتظر ... ونحن نسمع الأنين والعنين .. البكاء والصراخ ... كلها أصوات معتادة في مستشفيات الولادة الا أنك في الأيام العادية
تسمع بعض الزغاريد من هنا وهناك فرحاً بالمولود أو تسمع الموسيقى والفرح بعد تعب المخاض ... أما هنا فالجميع في كرب ...
أكثر ما لفتنا هو سيدة في مقتبل العمر ... تضم ابنها بحنان غريب وفرحة عامرة لكنها ما تلبث أن تنفجر بالبكاء ... وأمها بجانبها تهدئها ... قائلة :
- كفى يا بنيتي ، كفى طالعي ولدك ..
- لكنهم أخذوا كل شيء يا أمي، كل الذهب وكل الحلال ، ولو لم أكن في الشهر التاسع لفعلوا بي ما فعلوا بالأخريات ... أو لأخذوني معهم ..
- اشكري ربك يا بنيتي .. أشكري ربك هي أيام صعبة ... افرحي لقد أنجبت الولد بعد بناتك الثلاث .. افرحي الحمدلله ... كل شيء يعوض ... وزوجك قد هرب بالبنات
سيعود بخير ويفرح معك بولده الذي طالما تمناه ... لن يدر الحليب لو بقيت مقهورة هكذا.. حرام يا بنيتي حرام ..
ذهلنا .. وزاد صمتنا ... وضمت جورجيت مجدداً ابنتها الى صدرها ,, وكانت مثلي تنظر الى الساعة ... والوقت لا يمضي .
images/clip_image
وبعدما ولدت مريم