8
معتقلان في سيارتين عسكريتين. كان كل منهما يحاور نفسه. ما الذي
يحدث؟ هل سأموت؟ لا أمانع أن أكون من رجال العهد الجديد. ربما
يخافون مني. مصير عائلتي. ما دخلي بكل ما يحدث؟ ليسقط الملوك
أو يسقط المغامرون الجدد..
تشرق الشمس ويهرب العجوز من بيته لأن الثورة نجحت، ولكن
إلى أين؟ لقد انتهت فاصلة من التاريخ، وعليك الرحيل يا باشا. وبينما
العاصمة توشك على ابتلاع رجالها القدامى كان يُذاع البيان الأول.
نسمع الصراخ في القصر ونسمع الضحك في الإذاعة، مقاهي بغداد
والمدن الأخرى تذيع خبر التحول الجديد...
ما زال المطر ينهمر، ومدينتنا «السيدية » تتمرَّغ في الوحل،
والكهرباء مقطوعة. خرجت من الحجرة إلى الباحة الخارجية لأجلس
على كرسي من البلاستيك. أتلذذ باستنشاق الهواء الماطر ورائحة
الطين. بيدي سيجارة وفي رأسي تشتعل سجائر الكون. أفكر بذلك
القذر الذي سيُزال من الوجود غداً، ربما يكون نائماً، أو مستيقظاً يرسم
مكيدة لأحد. إنها ليلته الأخيرة!
* * *
مات أبو حمدان. استدرجته بعد الظهر من متجره في الكرادة.
تقصّدت زيارته حين كان يخلي متجره ليعود إلى بيته. عانقته عناق من
يشاهد بالصدفة واحداً من محلته على نحو غير متوقّع. سألني مبتسماً
إن كنت أريد الذهاب إلى البيت. ذهبنا معاً. كان يثرثر عن الزحام وقلة
الأمن والخدمات والعائلة الجاحدة، ويتذكر أيام السبعينات الفريدة
بصفائها، ويقول:
- كانت الناس تحمل براءة وطيبة.
توقفت السيارة فجأة أمام مسنّ يود عبور الشارع، فتوقف طابور من