(2)
وصل حامد إلى أطراف مدينة جده .
فأين يذهب.......... ؟
انه وحيد وغريب وخائف لاتعرفه الأرض ولا ساكنيها ....يمشي ولازال يحداه ذلك الطارق اللئيم الذي يقرع في أذنيه وفكره.... انت ابن حرام ....هذا ماهو ولدك يارمزية.... وأنت تعرفين انه ابن حرام .....انت أخذتيه من عند المدرسة........
هل يذهب إلى البحر يرمي بجسمه القذر كما كان يراه فيه..... حتى يغرق ويخرج من هذا الكابوس الذي يعيش فيه ..لكنه يعود إلى هاتف يردعه عن ذلك ...انه قول أمه رمزية ...اهلك ماتوا في حادث سيارة.. والدليل أنني عندما أخذتك كانت رجلك مكسورة .
أظلمت السماء ...وأعلن الليل قدومه ليلبس الأرض ومن عليها ثوبا اسودا....... كان هناك بالقرب منه عمارة لازالت في طور الإنشاء ...فآوى إليها ....لقد تعب من المشوار فالقرية التي اتى منها في وادي فاطمة بعيدة وقد قفز على ظهر سيارة وقود من هناك حتى وصل مدينه جدة .... وعند أول إشارة في البلد نزل منها دون أن يعلم السائق بركوبه ولا بنزوله.....
....انه يريد أن يبيت ليلته تلك ثم في الغد يفعل الله مايشاء ..... صعد درجها ... كان هناك في الدور الثاني كرتونا وفرشة قديمة.... كأن العمال كانوا يأكلون عليها.... فسحبها إلى طرف غرفة لم يكتمل بناؤها بعد..... وألقى بجثته عليها ونام ....
لم يفق في صباح اليوم التالي إلا من حركة العمال اللذين بدأوا... في التحضير لأعمال بناء الطوب في هذه العمارة ...
- فيه ولد نايم هنا ...(قال ذلك احد العمال )...
- لايكون ميت......
- لا....انه نايم ..
- ازهم عليه ...
- ياولد.....ياولد ..
- نعم....ثم استوى واقفا ..
- ايش تعمل هنا ؟...
- نمت .....
- أنت الحارس الجديد ..
- لا.....لكنني ممكن أقوم بالحراسة إذا رغبتم ...
- ايوه .....صاحب العمارة يدور على حارس ..
- خلاص أنا اجلس احرس له العمارة
- ترى الرجال طيب ...بس لازم تكون واعي وفي الليل ماتنام .....واحنا نقول له ..
- ايوه ......جزاك الله خير ...
- أنت من فين .......؟
- أنا سعودي ...
- عندك تابعية ؟
- عندي صوره من تابعية والدي ..
- ممكن توريناها........ ؟
- نعم....( وأخرج لهم صورة التابعية )..
- طيب ....هذا الأمر طيب ..
خليك قريب منا هنا وإذا جاء صاحب العمارة نقول له ..هو يمكن يجي بعد قليل ....
- خلاص أنا لن أروح بعيد ..
- يالله..... تعال أول شئ افطر معنا ....ثم خلك قريب منا ..
كأن حامد اعجبه هذا العرض ....وبدى له ضوء أمل في الحصول على شغل يبدأ منه ... ويحصل على ما يشتري به ما يأكله على الأقل.... كذلك وجد مكانا يأوي إليه فهو لايعرف أحدا........ ولا عنده فلوس.... وكل الدنيا يرى أنها تكرهه... أو إن الذنب الذي اتى به إلى الدنيا هو لعنة لايمكن أن يفك منها رباط عنقه.......ذلك الرباط الذي يحس انه يخنق أنفاسه..
بعد قليل أتى صاحب العمارة وقابله بعد أن خرج يمشي حول العمارة قليلا ...فعاد إليها ووجد العمال قد اخبروه ...
- أهلا وسهلا ..ايش اسمك....؟
- اسمي حامد ...
- حامد ...حياك الله ....انا اسمي ممدوح ...
- تسلم.....
- ايش رأيك قالوا لي الجماعة انك موافق تحرس العمارة....
- أحرس وأرش.... واعمل كل مايلزم .....
- قد اشتغلت قبل كذا ..
- لا...ابدا..... لكنني أعجبك..
- خلاص توكل على الله .....انا أعطيك1..ريال
- الله يستر عليك 1..ريال ماتكفي...انت تدري إنني احتاج اكل وشرب ولباس....
- طيب... بإمكانك تحرس بعض العمارات القريبة منا ..والناس اذا شافوك امين سوف يطلبون منك ان تحرس عندهم ...
- أقول لك أنا سوف أكون حارس في عمارتك .....رش وحراسة وأنا الآن في عمارتك أنت .....بعدين أنا ما ادري اجد عمارة غير عمارتك..أم لا..
- طيب15.ريال ؟
- 2.....اذا تبغاني أجلس وإلا ..
- خلاص أنا أعطيك 2.. بس.....يعني ما أوصيك ...
- توكل على الله....وأنت سوف تكون مبسوط..
- توكلنا على الله ..
- أعطني 1.. ريال تحت الحساب...
- طيب..... مابعد اشتغلت ..
- يابن الحلال توكل على الله ..أنا ماني حرامي ..أنا أدور شغل..
- خذ.... هذي 1.. ريال ..
استلم حامد العمل بعد ذلك وكان شعلة من النشاط .....وعندما شاهده بعض أصحاب المباني المجاورة طلبوا منه حراسة عمارتهم ...حتى أصبح يشرف ويحرس أكثر من خمس عمارات...
وذات يوم كانت حركة الشارع مختلفة... الجنود منتشرين في كل مكان والسيارات العسكرية تذهب وتعود وكانت في كل مرّة تنزل جنوداً في الشارع ثم تذهب ...... طلب عمال البناء من حامد ان ينزل الى الشارع يستوضح الخبر .... اقترب من أحد العسكريين ... سأله ..
- وش فيه .. ليش العسكر كذا ؟
- لم يرد...( كان يبكي )..
- اش فيه .. قل لي يا ابن الحلال....؟
- اتركني بحالي الله يوفقك...
- قل لي وش صار..... خوفتني ...
- روح في حالك ...ما دريت ..؟
- لا ما دريت.... ايش صار ...؟
- الملك فيصل انقتل ....
- ومن قتله ......؟
- المهم انقتل الملك فيصل ... ... ثم اندفع يبكي مثل الأطفال ..
اخذ حامد يبكي معه وجلس امام العمارة ولم تعد رجلاه تحملاه....
دخل الى مكان سكنه وفتح الراديو الصغير الذي كان بجانب فراشه فاذا الأخبار تنعي الملك الذي عاش في قلب كل مواطن سعودي وثكلته البلاد والعباد ..... واذا الملك خالد يتكلم في الإذاعة ..
(..بقلب مليء بالحزن والأسى، ومع تسليم كامل لإرادة الله وقضائه، أنعي إلى العالمين العربي والإسلامي.. وإلى شعبنا المخلص الوفي صاحب الجلالة المغفور له.. الملك فيصل بن عبدالعزيز.. والذي شاء الله أن ينقله إلى جواره في صباح يوم الثلاثاء 13-3-1395 هـ .. على أثر حادث اعتداء أثيم في وقت نحن أشد ما نكون فيه حاجة إلى قيادته وحكمته وسداد رأيه...
كانت هذه الكلمة التي تلاها الملك خالد وهو ينعى للشعب السعودي والأمة الإسلامية موت قائدها ورمزها الملك فيصل يرحمه الله ..
كان الملك فيصل للشعب السعودي الأب والأخ والصديق وميزان العدالة ... لقد استضل تحت هيبة الحق فخافه الباطل وأهله...
وأسس لدولة حديثة على أساس قوي قواعدها النزاهة والعدل .
...وغدى ذلك النشيد الوطني في حينه .( ربنا واحد ) على كل لسان ..كانت المصيبة عظيمة والجرح غائر في عقول الناس وقلوبهم لكن شاء الله أن يموت الملك الذي أحبه الناس وأحبهم شهيدا.. وهذا يكفي .....لقد أصبح الجميع يردد..
ربنا واحد .. ودربنا واحد .. كلنا فيصل .. وكلنا خالد ..
كلنا فيصل .. يا سيوف العز .. والمجد التليد
وكلنا خالد .. بالعمل والجد .. والرأي السديد
حنا الى مات البطل فينا شهيد .. أحفاد أبو بكر .. وعمر وابن الوليد ..
كان يردد في المدارس وفي الإذاعة ... والحقيقة أن لهذا النشيد الوطني دوراً في تضميد الجراح التي كانت تنزف.....بل انتشل منهم كثيراً من الحزن الذي ألحقه موت الملك بالوطن وأهله .
تعرف حامد على كثير من العسكر الذين كانوا يتناوبون على المرابطة في تلك المنطقة ....كان يحضر لهم الماء وبعض الأكل الذي يطلبون منه إحضاره من المطعم الموجود في الشارع الآخر وذات يوم اصيب احدهم بإغماء من جراء ضربة شمس فأخذه حامد الى المستشفى وبقي معه إلى أن أفاق وخرج في اليوم التالي ....
بعد الإنتهاء من أعمال البناء في عمارة السيد ممدوح طلب منه الاستمرار في العمارة فهو يريد أن يبدأ في أعمال التشطيب ويخاف على مواد السباكة والكهرباء من السرقة.......وقد أصبح يثق فيه تماما ويطلب منه ان يشتري الماء ...ويتابع العمال في التلييس وأعمال القيشاني والبلاط .......المهم لم يخرج من تلك العمارة إلا بعد ان أكتملت وتشطبت العمارة.. فانتقل إلى بعض العمارات المجاورة وأصبح لديه مبلغا من المال ...
استمر في حراسه المباني الجديدة وكان كل يوم افضل من الذي قبله فقد خدم اصحاب العمائر في كل شيء واصبح المسئول عن مراقبة العمال وكذلك شراء بعض المتطلبات التي تنقص على العمال مثل الأسمنت والبطحاء وغيرها.... واشتد عوده واستوى شاباً فتياً قوي البنية....
أحب المكان الذي يعمل فيه وكذلك أحب العمل الذي يزاوله.. لكن الأمر قد تغير فجأة.... حيث أتى إليه صاحب عمارة جديدة يطلب منه الإشراف وحراسة العمارة التي ستقام قريبا من العمارة التي يحرسها .
كان ذلك الرجل من جيران أهله في وادي فاطمة فعرفه ..
- مين .....حامد.... ؟
- أيوه حامد ....
- أين ذهبت ياطيب ....أمك تسأل عليك ....أين رحت.. ؟
- أنا اعمل هنا كما ترى..
- هل يعرفون الجماعة عن مكانك ..
- نعم ...خالد يزورني هنا ..
- خلاص ...إنت ماتحتاج توصية .. وزي مايعطونك الناس أنا أعطيك..
- اللي تشوفه ..
بعد أن غادر الرجل المكان ..لم يستطع حامد أن يبقى في ذلك المكان فأمسى في تلك العمارة ولم يصبح .....لقد ترك الحراسة ... واختفى من تلك المنطقة نهائياً..