-1-
بين اليابسة واليابسة بحر ميت تفوح منه رائحة الملوحة ولا تحركه الريح .
ضابطان وطبيب يحملون أوراقهم المزورة ويتقدمون نحو الخط الفاصل ، وكان الجندي الإسرائيلي الذي يدقق في الأوراق قد أنهكته المراوغة والأوامر التي تطلب تسهيل مهمة المهاجرين.
انظر ، انظر ، ها نحن قد وصلنا الجانب الأردني . قال عبد الله ذلك ، ثم تقدمهم خطوة إضافية ..خلع الخوف من داخله وأسقط عن كتفيه هموم السفر ، كان الضابط الأردني بلباسه الداخلي يجلس على حافة إحدى برك البيارات في الشونة ينتظرهم بالسؤال الوقح : لماذا تركتم البلد ؟ لماذا أنتم مهاجرون ؟ - أنا طبيب ، أما الآخران فواحد منهم ضابط مصري ، والثاني فلسطينيّ.
تفحصهم من أعلى إلى أسفل بنظرة شزرة حركت البغضاء في النفوس.
انقلهم أيها الجندي إلى مخيم العبدلي حيث بقايا الجيوش العربية المهزومة .
لم يلتفت عبد الله خلفه ، تقدمهم بخطا ثابتة ، فيما تبعه الضابطان بساقين أشعلتا الفراغ فتوهج الخط الفاصل .. سلمهم الجندي إلى سائق التاكسي ومعهما الأمر الصارم : تحرز عليهم في مخيم العبدلي حيث بقايا الجنود الفارين . طوت السيارة الإسفلت الممدود فوق التلال ، فاختفى البحر فجأة .. تلاشى من تلقاء نفسه أمام اتساع المدى ، وكان عبد الله قد دثر نفسه بأفكار الخطوة المقبلة ، فصار طفلاً وديعاً. فَلَك ، فَلَك ، ناداها باسمها لأول مرة . تردد صدى الصوت بين صالون السيارة وتلافيف الذاكرة . ربما الظهور المباغت يفاجئها ، قال ذلك وانتظر هبوط التلة التي صعدوها .. لم يأت الرد ، أيقن أن المسافة بين اليابسة واليابسة بحر ميت وأوراق مزورة ، وكان كلا الضابطين يرقب الآخر كشخص محايد يتابع الشمس وهي تنتزع شعاعها من خيوط النهار.
الْتمعتْ أفكاره فترك رأسه يتراجع إلى الخلف فوق مقعد السيارة.
كان وجهه ينم عن حالة استرخاء مؤقت ، العضلات لم تعد مشدودة ، فأصابه عجز إخفاء الأسرار . وفي غفلة من عيون الوقت تسللت الأجسام الغريبة إلى القصبة الهوائية ، حاولت إحداث خلل في عملها المنتظم ، غير أن الأهداب كانت يقظة ، فتصدت لها بشراسة ومنعت تقدمها ! أخذه السعال كمصدور فتلمس بيده المنديل في جيب البنطال ، فيما كان الضابطان يتهامسان ، الأول مصري يحمل اسم نابغ سليم ويعمل ضابطاً لركن الصحة في قطاع غزة ، بينما الثاني فلسطيني شردته هزيمة حزيران ، فلم يتعرف على اسمه الحقيقي إلا عندما جلدته الشمس بسياطها .
فلك ، الجمال الوحشي الذي قامر بحياته من أجلها ، يحشر حضوره في صحن دماغ عبد الله ، فيستحضر الكلمات التي دارت بينهما في مختلف اللقاءات.. تنفرج شفتاه عن ابتسامة فجائية كما لو أنه يجالسها .
– ما الخطوة المقبلة ؟
يقترب منه الضابط سليم ، ويسأل هامساً حتى لا يسمعهما السائق.
يرد عليه عبد الله باقتضاب :
-عندما نصل تقاطع الطرق مع السفارة المصرية سنجبره على التوقف .
يواصل رحلته مع فلك فيرى صورتها أكثر وضوحاً عندما يغلق عينيه ، يسترجع الكلمات التي ينوي قولها :
- إذا لم تعودي معي سأعود وحدي معتبراً كل ما كان بيننا قد انتهى ، هناك الكثيرات بانتظار التقرب إليهن .
يعود إلى الواقع عند كل منعطف ، فتهرب الصورة من خياله، وجبال عمّان كلها منعطفات خطرة تبدو للوهلة الأولى عصية على الاستمرار بالسير حتى النهاية .
يعود السؤال ملحاً : ما الخطوة المقبلة ؟
يقترب تقاطع الطرق مع السفارة المصرية وينسحب بسرعة مذهلة.
- إلى اليمين أيها السائق توقف .
يصدر عبد الله أوامره إلى السائق ..يكبح السائق جماح سيارته .. تتوقف السيارة .. يسأل :
ماذا هناك ؟
لا بد لنا من النزول هنا !!!
الأوامر واضحة ، لا بد من اصطحابكم إلى مخيم الفارين .
لا أحد يقدر على منعنا من النزول ، ولا داعي للمشاجرة ومحاولات المنع .
ينقده عبد الله ضعف أجرة التاكسي ويهرول ثلاثتهم باتجاه السفارة المصرية .
يصعد الضابط سليم بعد أن يتحدث مع حرا س السفارة ، بينما ينتظر عبد الله والضابط الفلسطيني في صالة الانتظار..
وجه عبد الله يعلوه نمو الاحتمالات ، ووجه الضابط يكسوه الذل وغبار الهزيمة وأحاسيس نبض يرسم انفعالات الجسد في تيه مترامٍ بين المدى والزمن المطلق ، وكلاهما معاً ينتظر هبوط الضابط سليم من الطابق الثاني للسفارة المصرية وعلى كتفه أعباء مواصلة السفر وفي يده أوراق مزورة تجيز لهم التحرك داخل مربع العاصمة الأردنية دون أن يتربص الخوف على خطواتهم أو يسكنهم هاجس الإقامة في مخيم الفارين .
* * * *
عمّان مدينة جميلة نظيفة ، تسكنها الأحلام والأحزان ، وتحاصرها الهزيمة ، هكذا بدت في ذلك المساء من أوائل شهر أيلول ، كأنها خارجة للتوّ من ضلع الماضي كي تتألق بالحضور والنشوة ، لكنها ، رغم ذلك ، موحشة تستمد بقاءها من الخوف المزروع في شوارعها .
وهكذا قال عنها القدامى .
أما عبد الله عندما غادر غزة فلم يكن يتصور البقاء في عمان أكثر من عدة أيام هي العمر المفترض للقائه فَلَك وحسم الأمر معها، لذلك كان الانقباض يجتاحه فجأة كلما داعبه طيف الجرحى والمرضى على أسرة مستشفى دار الشفاء .
إنها المرة الأولى التي ينفصل فيها عن مرضاه .
ذلك هو عبد الله الطبيب المغامر الوسيم الوديع الذي ترك مدينة البحر ، وذهب مع الخوف والحب إلى المكان الذي يدفعه إليه القلب دفعاً ، يحمل في وجهه عينين خضراوين وعلى زنده عضلات قوية سهر على تربيتها عقوداً ثلاثة ، ويمسح بأصابعه عليها في حركة لا إرادية بين الفينة والأخرى كأنه يداعب بقايا حلم لم يتبخر بعد .
وعندما قابله القائم بأعمال السفارة المصرية في أعقاب الحديث الذي دار مع ضابط ركن الصحة نابغ سليم ، كان غاية في الامتنان جراء المساعدة الجليلة التي قدمها عبد الله إليه مما سهل عليه مهمة السفر والوصول سالماً دون تعرضه للأسر أسوة بالضباط والجنود بعد اجتياح الاحتلال الإسرائيلي للأراضي الفلسطينية والعربية في أعقاب الهزيمة .الأمر الذي دفعه لعرض مختلف المساعدات بما فيها السفر إلى مصر والإقامة فيها ، غير أن الرفض القاطع قلص مساحة التحرك ، واختزل الخدمة بحجز غرفتين لمدة أسبوع في فندق ، فيما آثر الضابط الفلسطيني الذهاب إلى قواعد جيش التحرير التي عملت لها على طول الحدود مراكز ثابتة ومتحركة بغية إعادة البناء وعدم الركون إلى الهزيمة .
وفي الفندق حدث أول اشتباك مع الجدران التي ينخرها البق، بقايا من جيوش مهزومة تحاول بناء أعشاشها في الشعر والذقن الطويلة والملابس البالية ، وعلى امتداد الأفق ، كان يلوح طيف فلك حيث كانت تدرس في جامعة عين شمس عن سقراط وأرسطو معنى الديمقراطية ومساواة المرأة والرجل ، وهناك تلقت الرسالة الموجزة في صباح اليوم الأول من الإقامة في الفندق : عليك الحضور إلى عمان فأنا بانتظارك .
وعند المساء ردت على الهاتف من مكان إقامتها بالمدينة الجامعية القريب من مفترق تحاصره التقاطعات ، وكان على الخط الآخر عبد الله يزيل لزوجة العرق وبقايا الأتربة عن جبهته بمنديل بهتت ملامحه بهوت الأيام الأخيرة من شهر أيلول .
صدقيني أعماقي مهشمة ! بصعوبة أحاول إضفاء شرعية على تماسكي الخارجي حتى أتمكن من تضليل الناس وإبعاد عيونهم عن هشاشتي !
عندما نلتقي ستكتشفين ذلك .
* * * *
في المساء أصاب السهد فلك فلم تعرف للنوم طعماً ، طرحت على نفسها السؤال المغترب فازدادت حيرتها : هل بإمكان الحب خلق المعجزات ؟
وكانت الحالة تستنزف تجاوزها العصية على الامتلاك، قطرة قطرة ، فاتكأت على حافة السرير تجلو ذاكرتها بصور موجودة في الألبوم وعيناها تستقبلان لمعان ابتسامات مبعثرة بين الصفحات تذكرها بانفصال الزمن عن مداره السديمي .
إنها الحيرة والطالبات والمناخ الجامعي والاستماع للأخبار والتوهان بين كلمات الحب التي كانت تسمعها من عبد الله عندما يجلسان ، أو عبر الهاتف في أعقاب إعلان حالة الطوارئ ، فتتسرب إلى مسام الروح وتدغدغها لتشعل فيها التبختر والأنوثة والانتعاش .
فلك ، فلك ، تسمعه يناديها باسمها فتدور النشوة في أعماقها دورتها الجنونية وتترك للأحاسيس والمشاعر ، مثل كل الصبايا ، حرية الطيران فوق غيوم لا تقف في مداراتها الحواجز ، ولا تمنعها من استمرار التحليق في السماوات العلا حيث تساقط الشهب والنيازك في ليال تمتد فيها النسائم حتى بزوغ الفجر ، واستحضار الصورة والمعنى اللذين يصيبان شغاف القلب .
هذه المباغتة من التهويمات والمشاعر التي سيطرت على فلك صهرتها بنيران الحب التي لا تنطفئ ، وأعادت صياغتها بتراكيب جديدة فجرت في أعماقها انتظار لحظة اللقاء وجموح الروح نحو الحبيب الذي مضى على عدم رؤياه زمن سال في مجراه دماء كثيرة من بتر أطراف وفقدان حياة جراء حرب استمرت ستة أيام تمخضت عن هزيمة قتلت أمل الحرية والاستقلال لسنوات طويلة.
ولكن ها هو يطل ببشرته النضرة من نافذة الليل ومسام الوحدة ولزوجة العرق ، يفجر في داخلها ينابيع الحب والعطاء وانتظار لحظة اللقاء ، وتأكيداً إضافياً على استمرار الحياة مهما ابتعد الأحبة، وتفرقوا في لحظة سكون ضارعت تكسر مرايا الروح وإعادة ترميمها بغية مواصلة السير حتى حواف الجسور التي لم تطلها قذائف الهزيمة .
وهكذا ، رفرفت طيور الحنين إلى أرض الوطن والأهل والأحبة ، فوق صخرة فلك الشامخة دوماً والمعتزة بنفسها أبداً ، فانصاعت لمشيئة عبد الله بعدم الانتظار يوماً واحداً إضافياً .
لقد مرت فصول الحرب من بوابة الحنين ووجع الجسد والأيام المهدورة والصرخة المكتومة وخوف الوحشة وتلاشي الفرح ، فخلفت وراءها قلوباً ظامئة مجروحة تستمد البقاء من أمل الوهج وهدوء البحر بعد تكسر الموج وسكون الزبد .
الألم يمتزج بالفرح ويقلص المسافات عند أعتاب الفجر، الألم الذي جاء فجأة هادراً من أعماق الغربة والحرمان من أسرار الطفولة والصبا وبث الحيوية فيها ، فأعاد للزمن فضوله وكثف سنوات عمرها في ساعات الليل وتهاويم ما قبل الفجر ، والفرح الذي الْتمعت ابتسامته بعد وصول أول رسالة وانشغال خط الهاتف بالكلمات العذبة التي تفيض مياهها على جنبات أرض مزروعة باللوعة والأسى جراء غياب طال انتظاره ، تحث على القدوم بسرعة حتى ينطفئ لهب الشوق وأنين الوحدة.