- 2 -

9 0 00

- 2 -

من طالبة في الجامعة تمضي أوقاتها بين سقراط وأرسطو، إلى عاشقة وَلْهى تتلوى على نغمات الحبيب وإيقاع كلماته ، خط فاصل بين الحب والزواج موشى بالعادات والتقاليد والطلب من وجهاء البلد التدخل لدى أهل العروس وخطوبة وقساوسة وحفل زفاف .

وخارج ذلك كله أعدت حقيبة السفر .

في الصباح خضعت لمشيئة العاطفة الطاغية المنزلقة نحو الجنون والمغامرة ، وكانت على متن أول طائرة متوجهة إلى مطار عمان حيث كان عبد الله ينتظر قدومها . سبحت في السماء مع السحب البيضاء وحكايات الطفولة ، طوت ذكرياتها عند الحد الفاصل بين الحلم واليقظة ، وأدركت أنها على وشك الوصول ، فابتهجت وهي تتنهد تحت أمواج من الغيوم المتفرقة .

كيف سيكون شكل اللقاء ؟

وفي الصالة التابعة للمطار كانت الخالة أم رائد تجلس في أحد الأركان قلقة بسبب تأخر الطائرة نصف ساعة عن موعدها ، فيما كان الطبيب الشاب ذو العينين الخضراوين يزرعها ذهاباً وإياباً وحالة من الهياج والتوتر تحرك مختلف أعضاء جسده بشكل لا إرادي ، وعندما أعلن عن قدوم الطائرة ، وبدأ الركاب يتدفقون انتابته مشاعر عززت سطوة الحب على النفوس البشرية .

وفجأة ، صرخ بأعلى صوته : فلك !

ركض نحوها وركضت نحوه ، وفي منتصف المسافة تقابلا، ألقت نفسها بين أحضانه في لحظة عناق أسطورية.

ضربت أم رائد كفاً بكف ، هذا الجيل لا يعرف شيئاً من الحياء ! يتصرف كأنه في كوكب معزول . لقد كان أبو رائد ، يخجل من النظر إليّ أمام الآخرين !

أقلتهم السيارة إلى بيت أم رائد التي جلست بجانب السائق ، بينما عبد الله وفلك في المقعد الخلفي ، مد ذراعه اليمنى على طول مسند الظهر فتوسدته ورويداً رويداً اشتبكت الأصابع في معركة متكافئة احتدمت فيها الأحاسيس والمشاعر . !

الأجساد تنضح بالعرق والاشتياق ، ومسام الأرض تختزن في أنسجتها مزيداً من وهج شمس أيلول فتفوح منها رائحة الحرارة والغبار ، والطريق على الضفتين مزروعة بالمباني الصخرية والجبال الصلدة ، وارتفاع منسوب الضغط عند الهبوط إلى وادٍ أو الصعود إلى قمة ، وغروب الشمس قبل موعدها كي يتنفس القلب بحرية مستحيل ، والاقتراب من فلك أكثر مما هو الآن محفوف بمخاطر نظرة مباغتة تسوط الروح بالتأنيب .

وكانت النشوة قد تسللت إليهما من مسارب غامضة فبعثرت الأسى والحرمان وطول الانتظار وغمرت رمال المشاعر بمياه الحب الذي لا ينضب ، فلم يشعرا بوهج الشمس وطول الطريق ، وعند وصول البيت وضعت الخالة أم رائد عبد الله تحت مجهرها ، فشعر بأنه ضيف غير مرغوب فيه ، سآتي في المساء لاصطحابك في نزهة عشاء ، قال ذلك ثم خرج .

ومع الخروج تعلقت نظرة فلك نحو الباب وانطلى وجهها بمساحيق العبوس ، لماذا يا خالة أم رائد ترشقينه بهذه النظرات ؟

قالت ذلك ولم تنتظر الرد ، نهضت وتوجهت للاغتسال فيما تسمرت أم رائد على مقعدها تضرب كفاً بكف . !

* * * *

أقدامهما تلامس الأرض ، منهمكان بالحديث حتى خواتمه، ومن حولهما ضوء القمر يزخر بالحيوية ويطوف حولهما فارضاً طقوسه ، ومضفياً على أجواء الحب معاني استثنائية تضارع شعلة الشمعة في مناخات غريبة .

تناولا طعام العشاء بتؤدة على أنغام ألحان محمد عبد الوهاب وصوت أم كلثوم وكلمات أحمد رامي ثم تحدثا بحرارة اشتياق اللقاء فأذابا ثلوج البعد والحرمان .

وفجأة توقف صوت أم كلثوم الصادح وأطل صوت المذيع الجهوري بخبر عاجل : مجموعة من الفدائيين الفلسطينيين تجتاز الحدود وتنصب كميناً لدورية عسكرية معادية وتعود إلى قواعدها سالمة .

مرت سحابة الحرب سريعاً فوق حقول جافة مزروعة بالقلوب الحائرة ، ولكن صوت أم كلثوم أعاد للكلمات مضامينها وللجلسة حيويتها ، فعلى امتداد الفرح طفا زورق عبد الله وفلك فوق ليالي عمان الحزينة ، وعلى مقربة من السؤال البارد وقفت الكلمات في منتصف المسافة : لن أسمح لخالتك أم رائد بسد أفق حياتنا ، نظراتها المغموسة بالتحريض وعد الخطوات عليّ تنغص علينا العيش وتدفعنا نحو الزاوية التي لا نرغب أن نكون فيها .

عليك التصرف معها دون إشراكي حتى لا تتفاقم الأمور ، لماذا تتدخل في حياتنا ؟

قال عبد الله ذلك ثم صمت .

وكان رشق السؤال على هذا النحو قد أقلق أوجاع فلك وأدخلها متاهات حيادية .

دارت شجاها وتساءلت :

ماذا بوسعي أن أفعل يا عبد الله ؟

وكان حريق الشمس قد لفح وجهها فأضفى عليه وميضا أخاذاً يشفي الروح من قروح الوحدة ويجدد في العروق حالة الانتعاش ، عندما أقلتها السيارة من المطار إلى بيت أم رائد . في المساء كان الجو رائقاً فصار سحرها مضاعفاً ، حرك الأنوثة البكر في الشرايين والأوردة فزادها فتنة وجمالاً .

جمع ما تبقى من قدرته العقلية وقال ، وهو ما يزال ينظر إليها:

- عندما ينهار الجدار نرى الأشياء التي تختفي خلفه !

افترّ ثغرها عن ابتسامة عذبة تدفق الكون فيها فأحالها زهرة متفتحة في غير أوانها .

وهل رأيت المختبئ خلف جداري ؟

العشاق وحدهم يعرفون معنى صراخ الحواس إلى الحنين المفتقد ، قال ذلك ثم أطرق رأسه ولكنه واصل الحديث :

- الشيء المفتقد ، الذي يمضي ولا يعود ، غالباً يعذبنا بما لا طاقة لنا به ، يزرع في تكويناتنا النفسية فراغاً من التلون والعذاب، ويصيب خطوط القلب والعاطفة بالجراح العميقة.

بسط الفرح جناحيه على المكان بعد سماع هذه الكلمات ، صافحت العيون انحسار الغضب وتناغم الوداعة مع لحظات العشق التي أخذت تحل مكانه ، وكان صوت أم كلثوم ما يزال يصدح منعشاً الفؤاد ، فتسللت يد عبد الله زحفاً على الطاولة تبحث عن يد فلك ، ولما عثرت عليها اشتبكت الأصابع في الوقت الذي هبت فيه موجة من النسائم الطائبة شكلت المشاعر تبعاً لخصوصية الحالة.