ـ 1ـ

15 0 00

ـ 1ـ

يتفجر السكون في المكان العميق من المدينة ضجةً وصخباً ، قبل أذان الفجر في ساحة " الشجاعية " ؛ المحطة المؤقتة التي يندفع منها العمال فجراً إلى أعمالهم في الداخل ، يسافرون عشرات الكيلو مترات ليصل كل واحد منهم إلى ورشة بناء .. كيبوتس .. موشاف .

تجلبهم العربات من كل قرية ، ومدينة ومخيم . يترجلون في الساحة جماعات وأفراداً ، ويقفون في انتظار العربات والحافلات التي تنطلق بهم إلى الداخل ، يتثاءبون في محاولة لطرد بقايا النوم والنعاس عن أجفانهم ، وعقولهم ، تنتشر الأضواء من فوانيس أعمدة النور والعربات والحافلات ، فتبدد الأضواء من الظلام ما استطاعت في جوانب الساحة ، وتنير أجزاء من العشب الأخضر ، ويبقى جزء آخر مختفياً في العتمة ، تسطع الأنوار في فناء مركز شرطة المدينة المطل على الساحة .

يتعالى نفير الأبواق .. تعلو الضجة وأصوات احتكاك العجلات المطاطية بالأسفلت .. يتردد نداء الباعة وأصوات سائقي العربات ، كل منهم ينادي .. يافا .. أسدود .. (تل أبيب) . تختلط الضجة .. تمتزج الروائح ، رائحة الفلافل .. أكياس العمال .. دخان السجائر .. الأطعمة .. الزيت .. تتشابه ألوان الملابس في نصف العتمة .. تتسارع ظلال المارة على الجدران ، والأسفلت ، والعربات .. فتبدو أشباحاً طويلة عملاقة . العمال يتحلقون حول عربات الباعة ، وأكشاك السجائر ، وبسطات الأطعمة . الشفاه تمص السجائر .. الأسنان تقضم الخبز المحشو بالفلافل .. تملأ علب " الكوكاكولا " الفارغة أرضية الشارع .. ينتشر الزعيق .. الصراخ .. والنّسمات الفجريّة الرّطبة تهفهف في المكان ..

يمر الوقت .

يتبدد الظلام رويداً رويداً في تؤدة وتراخ ، تتعالى صيحات الصبّية باعة الصحف في الميدان " الفجر " ، " النهار " ، " القدس " ، " البيادر " .. يظهر قرص الشمس فينتشر النور .. وتخبو الأضواء الصناعية ، تخف حركة العربات والحافلات التي تنقل العمال .. يظهر تلاميذ المدارس وهم يملأون جانبي الطريق بملابسهم المميزة .. ذكوراً وإناثاً صغاراً وكباراً .. يشغلون أرصفة الشوارع والميادين ، يمر الموظفون إلى دوائرهم ..

بعد الثامنة صباحاً تهدأ الضجة ، وتخف حركة العربات والمارة حتى منتصف النهار .

عند العصر .. هدوء يلف الزقاق في الحارة المواجهة لساحة " الشجاعية " شرقاً ، تتناثر الحجارة .. الحصى .. الأتربة .. فوق أرضية الزقاق الطيني .. تبدو الجدران باهتة الطلاء .. حرارة الشمس تجلد الجدران .. الفقر يسكن مداخل الأزقة ، وجوانب البيوت ، يتراكم القلق في نفوس الآدميين في الزقاق ، يظهر أثر ذلك في نظراتهم ، وقسمات وجوههم .. يتطاير الغبار مع مرور كل عربة إلى داخل الحارة .. ينبعث حفيف سعف النخلة اليتيمة الشامخة من فناء دار إسماعيل العجماوي .. تحرث الشمس الزقاق بالطول والعرض ، فما من عمارة عالية تحجبها .. تسحل الألوان الداكنة عن وجوه الناس في الحارة ، فيتلون الحصى وتراب الأرض ..

يفلق الصمت تصارخ الأولاد .. يتمازحون .. يتعاركون .. يلعبون ألعاباً شتى ثم يتفرقون في أزقة الحارة .. تدخل الزقاق الصحيفة الوحيدة بين يدي إسماعيل العجماوي ؛ موظف الحسابات العائد من عمله متعباً .. تدور في ذهنه خواطر شتى .. " تعبت عيناي من مراجعة الكشوف .. الأرقام الضخمة .. الإحصاءات وتدقيق الفواتير ، ومع أول خطوة أخطوها في الزقاق يزداد شعوري بالتعب .. تضطرم في نفسي بواعث الغم والنقمة ، أستشعر ضياع نفسي ، وانقضاء أيام عمري متسارعة الخطا بين الدوسيهات ، والأرقام .. أُراوح في مكاني .. كلما زاد راتبي قليلاً تباعدت الأسعار كثيراً .. جنون متلاحق .. غصة متتابعة .. المطالب تزداد والراتب محدود .. حجرة المكتب التي أعمل فيها محدودة ، وتظل القدرة على القفز بدون رشوة محدودة ، وتغيير هذا الفقر بشرف ودون رشوة يحتاج مني إلى عزيمة غير محدودة .. فكيف ؟! ومتى ؟! وأين ؟! أسئلة كثيرة والإجابة غائبة .. " .

الكلب الوحيد في الحارة مربوط بجذع النخلة ، والحبل الطويل يتيح له أن يركض ويتلصص من فرجة الباب .. يُخرج رأسه .. ينبح مرتين .. ثلاث .. يرتد إلى الداخل هازاً ذيله ، فتعرف سعدة أن زوجها إسماعيل يقترب عائداً .. يرتفع صرير الباب الخارجي ثم يرتد حتى ينغلق من تلقائه ..

تسمع سعدة وقع خطواته الواثقة في صحن الدار ، فتزيح القماش جانباً من حول ماكنة الحياكة ، وتخرج من الحجرة لاستقباله باسمة :

ـ الله يعيطك العافية .

ـ ويعطيك .

تهرول إلى المطبخ تجهز له الغداء . تفوح رائحة الطعام الساخن .. يقذف إسماعيل العجماوي الصحيفة المطوية بدون عناية جانباً .. يخلع حذاءه الذي بدا مغبراً من تراب الزقاق ، والمشوار الطويل عبر شارع عمر المختار .. وها هو يجلس في انتظار الطعام.

تنثني سعدة أمامه واضعة صينية الطعام بين يديه ، وتذهب لتعد كوباً من الشاي .. يمضغ طعامه ساهماً شارد الفكر " ما هذه الحياة الرتيبة ؟ المملة ؟ كل يوم أخلع حذائي .. أنتظر الطعام .. أملأ معدتي .. أتمدد .. أنام ، وفي المساء .. أتوجه للعمل في ورديّة الليل بمصنع المعلبات .. تنتهي الورديّة عند منتصف الليل . تستغرق طريق العودة نصف ساعة .. أنام بقية الليل لأصحو في السادسة والنصف صباحاً .. أُعد نفسي للتوجه إلى ديوان المحاسبة في السابعة والنصف .. أدقق الفواتير .. كشوف الحسابات ، أرقام وإحصاءات لا تنتهي حتى نهاية الدوام الرسمي .. دائرة تدور من سنين .. الفقر لا يتغير .. وأنا أفقد لذة العمل .. ولذة النوم .. ولذة الطعام .. وتصاحبني متاعب العمل ، وكوابيس النوم ، وآلام المعدة .. فإلى متى ستظل الملفات والدوسيهات تسحق أيامي دون هوادة ؟ وإلى متى يظل العمل يستنزفني نهاراً في الدائرة ؟! وليلاً في مصنع المعلبات ؟! وماكنة الحياكة تأخذ من سعدة الوقت الطويل ، والأولاد الصغار أكثر حاجة لرعايتها .. أعباء الحياة تزداد .. مطالب الأولاد في الأسرة تزداد .. ليس أمامي سوى العمل ليل نهار لتوفير لقمة الخبز ".

يتثاءب .. يشاهد حذاءه ، وأطيافاً شتى .. ثم يتسلق بفكره النخلة في باحة الدار ، حتى أعلى سعفة فيها .

***