-4-

10 0 00

-4-

يخفّض السائق سرعة الحافلة ، ثم يوقفها بعد أن يعبر بوابة المصنع الكبيرة .. العمال يسرعون بالنزول .. يتوجهون في هرولة واضحة نحو حجرة واسعة في ركن من أركان ساحة المصنع الأمامية ، بجوار بوابة المصنع الخارجية .. على الجدار داخل الحجرة علقت لوحة معدنية ذات جيوب ، رصت فيها بطاقات العمل الزرقاء .. يتسجّل على كل بطاقة اسم العامل .. ساعة وصوله ، ساعة مغادرته .. يندس إسماعيل العجماوي بين العمال .. يسحب بطاقته من الجيب المعدني بصعوبة ، ثم يتجه نحو الساعة التلقائية المعلقة على الجدار ، والتي تحوي آلة طابعة . يُدخل إسماعيل العجماوي بطاقته الزرقاء في الثقب العلوي للساعة الطابعة .. يضغط ، يسمع أصوات تكتكة .. حركات عقارب .. ضرب .. خبط .. ينزع البطاقة مطبوع عليها البيانات ، ثم يعيدها بعد رقمها إلى جيب اللوحة المعدنية ، ويخرج من الحجرة متجهاً نحو العنبر الذي يعمل فيه ..

صوت الآلات يرتفع في صخب عارم .. البخار يتصاعد من فوهات في أعلى سقف المصنع .. لا يسمع إسماعيل صوت الآخرين إلا بصعوبة .. وما إن يدلف داخل المصنع حتى يرفع يديه فوق عينيه من شدة الأضواء .. أنوار النيونات الساطعة تكشف كل شيء حتى أسنان العمال .. يتقدم إسماعيل إلى مكانه المعتاد خلف الآلة التي يعمل عليها .. يلاحظ صديقه صبري أبو شحادة ـ العامل الذي سيتسلم العمل منه بعد أن تنتهي ورديته بعد عشر دقائق ، في تمام الساعة الثالثة والنصف مساء ـ صبري أبو شحادة منهك القوى ، يقوم بتعبئة العلب المعبأة بالخضروات المحفوظة في صناديق كرتونية ، وكأن جرار الآلة يسحب العلب من بئر .. تتراكم العلب في الحوض ، وفوق الجرار الذي يواصل دفعها أمام صبري أبو شحادة ، حتى لم يعد بمقدوره أن يخفف من تراكمها رغم أصابعه التي تتسارع في التقاط العلب ، ورصها في الصناديق بآلية وسرعة ..

يتندّى وجهه بالعرق من الجهد .. البخار المتصاعد من حوض الماء الساخن ينضغط في رئتيه .. كل شيء يبدو بغيضاً لإسماعيل العجماوي .. فلم ينتظر مرور الدقائق الباقية لينتظم في ورديته ، إنما اندفع إلى الأمام ووقف بجوار صبري أبو شحادة ليساعده .. تتنطط أصابعه .. تتلقف العلب المعبأة .. يرصها في الصندوق الكرتوني ..

ـ الله يعطيك العافية يا أبو شحادة .

ـ ويعطيك . أنت وصلت .

ـ وصلنا للتعب .

ـ هالجرار من ساعتين قول بيسحب من بئر ..

ـ الله لا يعطي أصحابه عافية ..

ـ لو أحكم عليهم لأوقفهم وراه طول عمرهم ..

ـ ولا واحد ساعدك ؟!

رد بتهكم :

ـ يساعدني !!

ـ وعزرا .. وين انصرف ؟!

ـ عزرا !! عزرا معلم .. عليه يتفرج ويأمر .

ـ الله لا يجبره ..

ـ قول كفاية يخفف سرعة الجرار ..

ـ الأصول يساعدك .. لكن أنا عارفه ما بيساعد إلا نفسه .

ـ بيتفرج علينا بنشتغل مثل الحمير وهو يأمر وينهى .. وآخر الشهر بيقبض مثلنا مرتين وأكثر .

ـ لازم أدبره ..

ـ والله بيدبر خمسين مثل شكلي وشكلك .. احترس منه .

ـ ولا يهمك يا أبو شحادة ..

يدوي زامور طويل عميق يؤذن بنهاية الورديّة . يشعر براحة ويتنفس الصعداء كل من انتهت ورديته .. في حين من بدأت ورديته يتقدم كأنه ذاهب إلى المجزرة .. تبدأ ورديّة إسماعيل العجماوي ، وتنتهي ورديّة صبري أبو شحادة ، لكنه لا يتحرك من مكانه ، ويواصل التعبئة .. يهتف به إسماعيل العجماوي :

ـ روح غيّر ملابسك .. روح ..

ـ بدري ..

ـ لا بدري ولا حاجة .. حتى تلحق تركب .. الله يعطيك العافية .

ـ ويعطيك .

ـ لا تنس موعدنا ..

يهز رأسه موافقاً .

ـ تصبح على خير .

ـ وأنت من أهله .

يلحق أبو شحادة الحافلة التي تقل العمال من ساحة المصنع إلى ساحة " الشجاعية " بصعوبة .. يتشبث بسلم الحافلة .. يكبح السائق سرعتها وهو يسمع ضجة العمال طالبين منه التمهل .. ينحشر بين العمال ويختفي داخل الحافلة ، التي بدأت تخرج من الساحة المضاءة إلى الطريق ، فتصبح جزءاً من الظلام شيئاً فشيئاً ، في حين يبذل إسماعيل العجماوي جهداً في محاولته السيطرة على الجرار ، منذ وصوله وهو يجرف أكوام العلب ، يدعو في سره أن يحدث عطب في الآلة ، أو يتعرقل عمل الجرار ، فلا يستجاب لدعائه . ويدعو أن يحدث خلل في الكهرباء .. لكنها تشتد إنارة وقوة .. يتراكض جسده .. تتدافع أصابعه .. يداه .. تنسحب علب الكرتون الممتلئة ويحل محلها الفارغة ، يبتل جلده بالعرق .. ينفخ في تأفف وسخط إذ يجد من العسير عليه أن يواصل .. ينفض يديه .. يزيح علب الكرتون المعبأة لتأخذ مكانها فوق الجرار الذي يأخذها بعيداً ، يتجه إسماعيل العجماوي ناحية عداد خاص على بعد أمتار منه ويدير القرص الحديدي خلسة ، مخفضاً من سرعة الجرار دون أن ينتبه إليه أحد ، حتى يُبطئ سرعة الجرار .. يعود إلى مكانه ، يحاول التغلب على فائض العلب المعبأة الذي يتجمع في الحوض المعدني ، بإزاحته إلى داخل العلب الكرتونية .. يعمل لأكثر من نصف ساعة أخرى حتى يستطيع السيطرة على الجرار ، ويبدأ في انتظار ما يقذفه من جديد ..

" أمامي عشر دقائق . بعدها يمتلئ الحوض مرة ثانية .. أدخن سيجارة .. أحافظ على أن يظل الحوض مشغولاً بالعلب ، سأفرّغ منه داخل العلب الكرتونية بالقدر الذي يظل فيه الحوض ممتلئاً .. الجرار الآن بطيء .. آخذ نفساً وارتاح قليلاً .. " ..

يسحب نفساً عميقاً من سيجارته .. يعبئ رئتيه بالدخان ..

" من أول يوم لي في هذا المصنع وصبري أبو شحادة يحاول أن يشعر كل عامل فيه بكرامته وإنسانيته ، وأنا أساعده في ذلك .. نحاول أن ننشر الوعي بين العمال لحقوقهم .. لكن بهدوء ودون أن يشعر أحد .. نحاول في عنبر العمل .. في مطعم المصنع .. في الذهاب والإياب .. إذ ليس من المعقول أن نظل هكذا .. بلا كرامة ، ولا إنسانية ، ولا حقوق ، ينظر إلينا معظم العمال اليهود كأننا خلقنا لخدمتهم ، كأنه لا يحق لنا التمتع بالحقوق التي يتمتعون بها في هذا المصنع ، يتلقون أجوراً أضعاف أجورنا .. يرتاحون ونتعب .. حتى إذا عملوا معنا يتركون لنا الأعمال القذرة والمتعبة ، ولا يقول لهم أحد اعملوا .. أو لماذا لا تعملون ؟ .. يعتمدون علينا في الإنتاج ، وفي الأعمال المجهدة الشاقة ، وتلك التي يتأففون منها ، وكأنها خلقت على مقاسنا نحن .. أعمال التنظيف لا يقوم بها غيرنا .. الحمل والعتل لنا وحدنا .. التأنيب والتعنيف من نصيبنا .. هم دائماً يفهمون في الأوامر .. يقبضون من أجل توجيه الأوامر .. عدد مسئولي العمل عندهم تضاعف مرات كثيرة منذ قدوم العمال العرب .. فأصبح العمال اليهود مسئولي عمل .. كل واحد منهم مسئول عن مجموعة منا .. يتنبه لهم .. يوزّعهم على العمل .. يوزّع العمل عليهم .. يأمرهم بالعمل .. والذي لا يعجبه لماذا ينتظر هنا ؟! هكذا يرددون دائماً .. تماماً كما يردد مسئول العمل في دائرتي الحكومية ؛ الذي لا يعجبه يتفضل .. يذكرونني بزمن العبيد والإقطاع ، يوم أن كانت الأرض وسكانها ملكاً للإقطاعي يتصرف بهما كما يريد . يبدو أن المشكلة ليست الحصول على الخبز فقط ، فقبل الخبز ، ومع الخبز ، وبعد الخبز ، لا بد من أشياء كثيرة .. هذه اللقمة التي تجبر الكثيرين على الصمت ، والخوف ، والانحناء في معظم الأحوال ، ويا ليتها لقمة تستحق هذه المذلة .. إن أيّ بائع فلافل على الرصيف يربح أكثر مني .. أبو محمود خميس الحداد الذي يعمل في مقهى أبو درويش القرمان يتقاضى أجرة مثلي ، وأنا حامل الشهادات ، ومضيع السنوات في الدراسة .. المعاناة مختلفة .. هذا صحيح . لكنّ النتيجة واحدة .. الفقر .. فإذا كان الغِنى مع الخوف يرفضه العاقل فما بالك بالفقر مع الخوف .. لا بدّ أن يتغير هذا الواقع ولكن كيف يتـ .. " ..

ـ أنت يا زفت .

يخرج من ذاته .. يرفع إسماعيل العجماوي رأسه عالياً جهة الصوت .. ينتصب عزرا أمامه طويلاً .. عريضاً .. منفوخ الأوداج .. متأففاً .. ساخطاً .. يقف في مواجهة إسماعيل متحدياً .. يهتف إسماعيل وقد عبأته أفكاره بشحنة انفعالية :

ـ ممنوع أدخن سيجارة ؟!

ـ تدخن !! شوف تحت رجليك .. على حساب مين هذه العلب المرمية على الأرض ؟!

ينحني إسماعيل .. ينظر أسفل رجليه .. يفيق أكثر .. " يبدو أن جلستي لم تكن مجرد تدخين سيجارة .. لم أنتبه للوقت ولا للعلب التي تملأ الحوض ، وبدأت تتدحرج على الأرض " .

يلتفت إسماعيل أسفل الحوض ، يتفحص الأرض حواليه .. لم يكن على الأرض سوى ثلاث أو أربع علب .. خفف من لهجته ..

ـ كل هذا الزعيق يا عزرا علشان ثلاث علب !!

العلب تتساقط . ينحني عزرا يلملم العلب قائلاً بعصبية :

ـ لو كل واحد في المصنع خرب ثلاث علب لخرب المصنع .. أربعمائة عامل عربي في المصنع .. اجمع .. اجمع العلب .

تمتد أصابع إسماعيل في غضب وتوتر .. يجمع العلب عن الأرض .. يرصها في الصندوق الكرتوني .. يغمغم بكلام غير مفهوم وعزرا يهتف به محتداً :

ـ بلا كلام .. بلا كلام .

ـ والله ما تقول إلا هوه مصنع أبوك .

ـ أنا المسئول .

ـ إذا أنت المسئول هذا المكان يحتاج اثنين .

ينتهي إسماعيل من جمع العلب عن الأرض .

ـ أنا باعرف كم عامل يحتاج هذا المكان .. أنا المسئول .

ـ أنت المسئول .. لكنك بتشتغل بالأجرة مثلي .

ـ مثلك !! أنا مثلك !!

ـ صحيح أنت بتقبض أكثر .. وفي الشغل بترتاح أكثر .. لكن في المصنع ولا شيء ملكك .. وأنا وأنت عمال .

ـ أنا المسئول وأنت العامل .. وما عندي وقت أحكي معك .

يعبئ عزرا العلب في الصندوق الكرتوني مع إسماعيل دون أن ينظر إليه .. يفرغ الحوض من العلب .. يأخذ الجرار العلب الكرتونية .. يبتعد بها .. يتواصل تدحرج العلب في الحوض ببطء .. صوت نسائي ناعم يتردد من السماعة الداخلية :

ـ عزرا كوهين .. عزرا كوهين .. تليفون .

ينقطع الصوت .. يستدير عزرا من مكانه متجهاً إلى الحجرة الخارجية ليرد على الهاتف .. أنظار إسماعيل العجماوي تشيعه حتى يخرج من باب العنبر ، ويعود إسماعيل إلى عمله حتى تدق الساعة تمام الثانية عشرة منتصف الليل .

يدوي الزامور دوّياً عميقاً يتردد في أقسام المصنع معلناً انتهاء الورديّة الثانية ، وبدء الورديّة الثالثة ، يلملم إسماعيل أعضاءه المتعبة المكدودة .. ينسحب بخطوات بطيئة متثاقلة .. يقتله التعب ، الغيظ ، عزرا ، الآلات ، الضجيج ، القهر ، ونباح الكلاب ..

" عزرا كوهين لم يعد منذ ذهابه ليرد على الهاتف ، ماذا جرى له ؟! لم يعتد على ترك العمال دون إشراف وأوامر كل هذا الوقت .. لعنة الله عليك يا عزرا .. لماذا تتعمد هذه العجرفة والمكابرة ؟! ترى ما الذي جرى له هذا المساء ؟! ليس من عادته أن يصرخ هكذا .. نتحدث معه كثيراً .. نتشاجر معه .. وفي الأوقات التي يتعطل فيها العمل في العنبر لخلل في الآلات يحاول أن يخلق لنا عملاً نقوم به .. يعز عليه أن نستريح رغم أن عنابر مجاورة لنا إذا تعطلت الآلات فيها يجلسون للراحة ، بل أحياناً يشربون الشاي .. في كل المناسبات يحرص على أن يذكرنا وبطرق كثيرة مباشرة ، وغير مباشرة بأنه المسئول عنا .. وأنه يتمتع بميزات لا نحلم بها ، وإدارة المصنع لا تطرده بسهولة كما تطردنا .. بل إنها لا تستطيع طرده ، وحتى لو طردوه فإنه يتقاضى بدل بطالة حتى يجد عملاً آخر ، ويأخذ كل حقوقه ، علينا دائماً تنفيذ أوامره ، أما الاحترام الذي يصر أن ينتزعه منا فشيء بعيد المنال عليه .. عمال كثيرون مثل أبو شحادة يواجهون تعسف عزرا .. بل لا أكاد أرى من ينجو من سلاطة لسانه .. حتى الذين لا يعملون تحت إمرته في مناسبات كثيرة لا ينجون منه.. لا زال صراخه يتردد صداه في أذنيّ منذ حادث المساء عندما تناثرت العلب .

ترى ما الذي يدور في رأسه حتى يهتاج عليّ بهذا الشكل ؟؟ المسألة ليست مسألة علب تساقطت من الحوض .. كل يوم تتساقط العلب .. كل يوم ينفعل لكن ليس بهذه الحدة .. إنه يتهمنا دائماً بأننا نبحث عن الأعمال السهلة المريحة في المصنع ، ويرى أن العمل الذي نقوم به وراء هذه الجرارات اللعينة عمل سهل .. ترى ما الذي يثيره هذا المساء ؟ تلفحني نسمات باردة وأنا أخرج من باب المصنع جهة الساحة الواسعة ، حيث تقف الحافلة في انتظار العمال بعد انتهاء الورديّة الثانية .. أتجه مع العمال نحو الحافلة .. أصعد بتثاقل .. تمر اللحظات زحفاً حتى يصعد الجميع .. يغلق السائق بابي الحافلة وتنطلق بنا صوب الجنوب .. يكاد يخلو الشارع إلا من عربات قليلة تفرش الأرض بأنوارها بين الحين والآخر وهي تتجاوز الحافلة بسرعة " .

تقترب الحافلة من تقاطع الطرق المؤدي إلى مدينة المجدل ، يخفّض السائق سرعتها بضغطات متتابعة على الكابح .. الإشارة الضوئية خضراء .. يواصل السائق اندفاعه جهة الجنوب إلى غزة .. تتأرجح رءوس العمال نعاساً وتعباً .. يطبق الصمت على كل شيء لا يقطعه إلا صوت اندفاع محرك الحافلة في تواصل ورتابة ..

" أفتح عينيّ بعد خمس عشرة دقيقة ، يفاجئني الهدوء ، وانقطاع صوت المحرك .. أنظر من النافذة .. الأنوار الصفراء تغطي الساحة .. أين نحن ؟ أفرك عينيّ .. آه . حاجز التفتيش عند " إيرز " .. يشعل الجنود النار على جانبي الحاجز .. يتحدث جندي مع السائق ثم لا يكتفي بتوجيه الأسئلة ، يأمره بإشعال الأنوار الداخلية للحافلة .. ثم يعود فيأمره بأن يفتح الباب الأمامي .. يستجيب السائق صاغراً .. يصعد الجندي حاملاً مدفعه الرشاش متأهباً .. ينظر إلى العمال الذين بدأوا يفيقون من نومهم .. لم يكتف الجندي بهذا الفحص كالمعتاد ، وإنما طلب من كل واحد أن يبرز بطاقته .. ينقهر العمال .. يمتلئون غيظاً وكمداً .. لا مفر . يعثر كل منا على بطاقته الشخصية بعد أن يبحث ويتذكر .. يرى الجندي عدة بطاقات .. ينظر إليها بغير اكتراث ، يبدو لنا أنّ الجندي يريد أن يتسلى ، ولأنّ حالتنا لا تسمح بذلك فقد كان هذا الأمر ثقيلاً علينا .. رأينا في التصرف تسلية سمجة في مثل هذا الوقت المتأخر . تمر الثواني دهراً .. الجندي يتبختر في ممر الحافلة يستطلع الوجوه .. وحين ينزل .. تمطره أنظارنا بالسخط وباللعنات .. ويغلق السائق الباب الخلفي بعد أن أشار له الجندي بعبور الحاجز .. وتنطلق بنا الحافلة جنوباً إلى غزة ..

طرق مظلمة .. حركة ميتة .. سكون مفرط .. أشجار البرتقال تقف على جانبي الطريق أشباحاً سوداء متشابكة .. عند دوار مخيم جباليا تتوقف الحافلة .. ينزل أكثر العمال ويختفون في الظلام .. تتابع الحافلة اندفاعها حتى مدخل المدينة . لم ألحظ أدنى حركة .. توقفت الحافلة تحت الأنوار المنبعثة من أركان ساحة " الشجاعية " .. ينزل العمال وأنا معهم .. وتتابع الحافلة الانطلاق غرباً ، إلى مخيم الشاطئ عبر شارع عمر المختار .. يتفرّق العمال في كل الشوارع والأزقة صوب الشجاعية .. أسير وحدي ماراً أمام مقهى الحرية .. مقهى أبو درويش القرمان .. الشارع يغط في صمت ورهبة .. نباح الكلاب يتعالى عند سكة الحديد المهجورة ، أستدير داخلاً الزقاق .. أدير المفتاح في القفل .. ينفتح الباب ثم أغلقه بهدوء ، لكن الصّرير يرتفع . تنام النخلة في الظلام . يدور الكلب حولي عدة مرات ، يتمسح بي ثم ينصرف إلى مكانه ، أستطلع حجرة الأولاد فتطالعني وجوههم البريئة الحالمة وهم يغطون في نوم عميق .. خطوت نحو الحجرة المجاورة حيث يتسرّب ضوء قوي ، وقبل أن أصل خرجت سعدة من الحجرة .. " ..

ـ يعطيك العافية .

ـ حتى في الليل الشغل ؟!

ـ جهزت القماش .

ـ ما بيكفي شغل النهار ؟!

ـ أحضر الأكل ؟!

ـ لأ .

ـ شاي ؟

ـ ولا شيء .. ولا شيء ..

ألقى نظرة على الحجرة المضاءة .. أرضية الحجرة مملوءة بالقماش المقصوص .. تطلع إلى سعدة بنظرات حانية ، مشفقة ، وذهب لينام واضعاً خده على الحافلة ، والآلات ، والهدير ، وبوز رشاش جندي التفتيش يلاحقه ..

***