-3-

10 0 00

-3-

تتداخل خيوط النور والظلمة .. تُضاء ساحة " الشجاعية " بأنوار شاحبة .. تسطع فيها بين الفينة والأخرى أنوار العربات والحافلات .. تنكشف الساحة .. تتعرّى تحت غزارة الأنوار .. يتراءى دود الأرض .. تصعد روائح الزيت .. البهارات .. الطماطم .. الأبخرة .. من عربات الفلافل والطحال والكبد . لكل شيء في الساحة رائحة خاصة .. مذاق مميز .. السحلب .. الترمس .. السجائر .. نفير العربات .. صرر العمال المملوءة بالطعام .. الدنيا قيامة .. العمال ينحشرون في بعضهم البعض خلف العربات والحافلات ، والطبليات ، وكارات الباعة ، يغطي ملامحهم دخان سجائرهم ، ألوان مضيئة مرة ، وداكنة مرات . الكل في هِمة .. وجوه مسحوبة .. ذاوية .. صفراء .. ووجوه ليس فيها إلا العيون .. سراويل ملتصقة وأخرى مترهلة ، مقهى الحرية يفتح أبوابه قبل الفجر ، ليس لزبائن المقهى إنما ليبيع للعمال ، يقف خميس الحداد ، وأبو درويش القرمان منذ الفجر يبيعان أنواع السجائر ، وأكواب الشاي الساخن ، وعلب الكوكاكولا المثلجة ، للعمال الذين ينتظرون وسائل النقل التي ستنقلهم إلى مناطق عملهم ..

الكل يجري .. النقود .. الأقدام .. العجلات .. الشّاي .. صرر الطعام .. الحافلات .. العربات .. الأسفلت .. الشتائم .. الأحذية .. الأبواق .. ونسمات باردة تسري في المكان.

تتسع خيوط النور الأبيض .. تتكشف جراح المجروحين .. يخف الازدحام .. يحشر السائق بصعوبة عربته ذات الصندوق الخلفي بين العربات التي تصطف قبالة مقهى أبو درويش القرمان . ترجل سائق العربة . يتفحص أبو درويش السائق بنظرة خاطفة .. تنطبع العربة في ذهنه .. يستدير بوجهه إلى خميس الحداد الذي يعطي علبة سجائر لأحد الزبائن ، يمضي الزبون .. يغمز أبو درويش بعينيه مشيراً إلى السائق القادم وهو يتمتم:

" ألهاكم التكاثر .. حتى زرتم المقابر " يتشرّب خميس العربة حتى إطاراتها .. يمسحها بنظراته .. فقد تبدّد الظلام ، وفرش الأرض نور دافئ . تلوح الأشياء وهي تفيق من سكرة الصخب ، بعد أن خف الازدحام في ساحة البحث عن الخبز ، تخف الحركة . لم يعد ذاك الصخب والصرير والسرعة . تنتشر في الساحة وعلى جانبي الطريق وفي وسطه الأوراق المهملة .. علب السجائر الفارغة .. الأعقاب الممصوصة .. علب الكوكاكولا .. أوراق الصحف القديمة التي لفت فيها الأرغفة المحشوة ..

" ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ، كلا سوف تعلمون ، ثم كلا سوف تعلمون " يتمتم أبو درويش القرمان متابعاً سائق العربة بأنظار خفية وهو يقترب ويعتلي درجتي المقهى . يبتسم السائق نصف ابتسامة .. يتفوه بنصف تحية ، يجلس نصف جلسة على المقعد الذي لم يتسع إلا لنصف مؤخرته .. يطلب كوباً من الشاي فيأتيه خميس الحداد بكوب الشاي .. يبدأ الارتشاف بتلذذ .. يمج دخان سيجارته " الروثمنز " الفاخرة .. يلحّ على أبو درويش أن يدخن سيجارة من علبته .. يشعلها له .. يجاذبه أطراف حديث تقطعه بين الحين والآخر طلبات بعض العمال المتأخرين ، وأولاد الحارة الذين يأتون لشراء الفلافل :

ـ كيف الشغل معك يا أبو درويش ؟

ـ ربك ساترها والحمد لله .. كيف عامل مع هالأولاد ؟

ـ هم أولاد !! عفاريت ..

ـ ما أنت عارف حال الناس .. غلابا ومظلومين ..

ـ لولا إني عارف حال أهاليهم ما شغلتهم ..

يتظلم أحد الزبائن :

ـ يا الله يا أبو درويش .. تأخرت .

ـ تفضل .

يناوله علبة سجائر .. ينصرف الزبون .

يتابع أبو درويش :

ـ أجرة الأولاد أرخص لك يا أبو علي .

ـ الكبار لا يحبون العمل في جمع الخضار .

ـ لأن الأجر رخيص والدنيا غلا .

ـ أنا لو بادفع لهم أجر غالي يا أبو درويش يا صاحبي كيف أعيش ؟ ما باربح .

ـ لا يموت الذئب ولا تفنى الغنم يا أبو علي .

ـ زمان كان في ذئب وغنم .. اليوم الكل ذئب يا أبو درويش يا بركة .

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله .. دنيا آخر وقت .

ـ يا أبو درويش معلمي شلومو ظل يحرث عليّ خمس سنين من طلعتها إلى غيبتها وطردني .. كان ذئب لكني تعلمت كل الشغل ، ولما اشتغلت مع شريكي السابق في المقاولات ، ارتاح على ظهري كل الوقت وأنا مدبر الشغل ، وفي الآخر فك الشراكة ونصب عليّ . كان ذئب ، الكل ذئب ما في غنم .. الظاهر هي طريقة الشغل الموجودة في هالبلد .

ـ لا حول ولا قوة إلا بالله ..

ينتبه أبو درويش لبعض الزبائن .. يرتشف أبو علي جاد الله الشاي وهو يتابع الأولاد الذين يُشغلهم معه وقد بدأوا في التوافد .. كل منهم يلقي تحية الصباح ، يشتري الفلافل الساخنة ، ثم يقف للتمازح مع أقرانه .. يكاد ينشب عراك بين اثنين منهم .. يصرخ فيهم أبو علي جاد الله مؤنباً :

ـ اسكت يا ولد .. يا الله اركبوا .. يا فتاح يا عليم ..

يتكئ كل منهم بيده على باب الصندوق الخلفي للعربة .. يطوح قدمه في الهواء ثم داخل الصندوق .. يغيب ، ثم تغيب صرته وراءه .. يفرغ أبو علي جاد الله من احتساء الشاي .. يتناهض بتثاقل وفي صوت غليظ :

ـ بخاطرك يا أبو درويش .. بخاطرك يا خميس .

يهتف أحد الزبائن :

ـ علبة سجائر .

يخطو أبو علي جهة العربة .. لم ينتبه إلى أنّ أحداً لم يرد على تحيته . يحشو أبو علي جاد الله نفسه وراء المقود .. يفتح فرجة من الزجاج تطل على صندوق العربة الخلفي .. يعلو صوته في تساؤل :

ـ الكل موجود يا خالد ؟

يرد فتى أسمر البشرة ، نحيف الجسم ، تبرز وجنتاه ، ويقضم الخبز المحشو بالفلافل والطماطم :

ـ توكل على الله يا أبو علي .. الكل موجود .

تتحرك العربة . يطلق أبو علي جاد الله البوق منبهاً المارة ..

تعتدل العربة جهة الشارع ثم تنطلق شمالاً .. طابور طويل من العربات .. الكل يحاول الوصول قبل الآخر إلى نقطة العبور في " إيرز " .. يبدأ الأولاد بالضجة والغناء والهدوء والصمت .

في حين يقول أبو درويش محدثاً خميس :

ـ شايف يا خميس هالملعون !!

ـ الله لا يبارك له .. شوف هالكرش ..

ـ وإلا هالراس ..

ـ قول منفوخ نفخ .

ـ منفوخ من دم العمال وعرقهم .

ـ الله حلل الشغل وحرم الاستغلال .

ـ وبيستغل مين !! أولاد حارته ، وجيرانه ، وأهله .

ـ شكله لو قدر يستغل أبوه ما وفر .

ـ المال الحرام رايح " ويل لكل همزة لمزة الذي جمع مالاً وعدده " البركة منزوعة يا لطيف .

ـ عنده أموال ما بتاكلها النيران .

ـ قبل يومين صرخ في وجه شحاذ صرخة .. أعوذ بالله .. وقال له بصوت فاجر .. اليوم السبت ما اشتغلناش ، لو شفته يا أبو درويش قول الشحاذ يريد أن ياخذ روحه .

ـ سمعت يا خميس إنه اشترى قطعة أرض وبدا يبني فيها ..

ـ وداره ؟!

ـ الأموال كثيرة .

يُخفّض أبو درويش القرمان صوته وهو يتابع :

- ويمكن يتزوج واحدة ثانية .

ـ يتزوج !!

ـ ها .. يحارب .

ـ لكنه مريض بالضغط ؟!

ـ بالضغط !! كل الناس عندها ضغط .. أنت ما عندك ضغط ؟!

ـ عندي ضغط العيال .. وضغط هالحال .

يقترب بعض الزبائن .. ينشغل أبو محمود خميس الحداد وأبو درويش القرمان بالبيع ، وتقليب أقراص الفلافل في الزيت الحار ، الذي يحترق فتملأ رائحته المكان .

***