٢
ولقد يتبادر إلى الأذهان أن فاندا ومرميس وشوكنج قد رأوا جثتي روكامبول وميلون فذُعروا هذا الذعر.
على أنهم لم يروا شيئًا من ذلك، بل الذي دعاهم إلى هذا الرعب أنهم رأوا صخرًا هائلًا قد سد مدخل الدهليز فحسبوا أن التهدم الذي رأوه وراء روكامبول وميلون قد اتصل أيضًا أمامهما فسحقهما.
وقد كان البرهان جليًّا؛ فإن مرميس قد وثق بعد أن فحص الأدغال أنهما لم يخرجا من الدهليز، ولكن خَطَر له أن يمتحن امتحانًا آخر، وهو أن مياه التيمس تدخل حين المد إلى هذا الدهليز، فتبل أرضه بحيث تنطبع عليها آثار الأقدام.
فأخذ مرميس المصباح من يد شوكنج، وجعل يفحص التراب، فلم يجد أثرًا للأقدام، وقد رأى فوق ذلك أن الصخر غير مبتل فاستدل من هذا أن سقوطه كان بعد زمن المد، أي بعد انحسار المياه، فجعل كلٌّ من الثلاثة ينظر إلى الآخر نظرات تَشفُّ عما داخل قلوبهم من اليأس؛ إذ لم يبقَ مجال للشك لديهم بأن الصخور قد سحقت روكامبول ورفيقه حين فرارهم، ولكن بقي لهم رجاء واحد، وهو أن صخور القبة قد تكون سقطت من خلفهما ومن ورائهما، فباتا سجينين بين صخرين.
وجعلت فاندا تنظر إلى مرميس، ثم تعض كفها من اليأس، وتقول: «رباه! ماذا نفعل؟»
أما مرميس، فكان تائهًا في تفكيره، ثم خَطَر له خاطر، فأعاد المصباح إلى شوكنج، ودنا من تلك الصخور المتراكمة التي سدَّت مدخل الدهليز، فاضطجع قريبًا، وأصغى.
فكانت فاندا تنظر إليه دون أن تعلم ما يريد، أما مرميس فإنه جعل يصغي وعلائم اليأس مرتسمة فوق وجهه، ولكنه لم يُطِل الإصغاء حتى أشرق وجهه بنور الأمل، وقال: «إني أسمع صوتًا.»
فأسرعت فاندا، وقالت له بصوت خنقته العبرات: «ماذا تسمع؟»
– إني أسمع صوتًا بعيدًا منقطعًا يشبه صوت البشر، ويصل إلى أذني كصوت نقط المياه المتساقطة.
فأصغت فاندا مثله، وقالت: «وأنا أسمع — أيضًا — ما تسمع، ولكن الذي أسمعه صوت إنساني … أَصْغِ … أَصْغِ، إنه صوت اثنين لا واحد، وهما يقتربان.»
وبعد هُنَيْهَة صاحت فاندا صيحة فرح، فقال لها: «ماذا سمعتِ؟»
– صوتهما، يا مرميس، صوت روكامبول وميلون.
ثم جعلت تصيح منادية روكامبول، فقال لها مرميس: «اسكتي، وأصغي؛ فإن النداء لا يفيد.»
وقد أوشكت فاندا أن تُجَنَّ من فرحها، فانقطعت عن الصياح كي يتسنَّى له أن يسمع ما سمعته.
وبعد هُنَيْهَة قال لها: «لقد أصبتِ؛ فهذا صوت الرئيس.»
– لماذا لا تريد أن أناديه؟
– لأنه لا يسمعك.
– كيف نحن نسمعه وهو لا يسمعنا؟!
– ذلك لأنه في دهليز بين صخرين، فيخرج لصوته رنين فيصل إلينا، أما نحن فإننا في الهواء الطلق، فيضيع صوتنا في الهواء قبل أن يصل إليه.
فاقتنعت فاندا بهذا البرهان الجلي، وتابع قائلًا: «يظهر من لهجة حديثهما أنهما لم يُصابا بجراح.»
– هو ذاك فإني لا أسمع توجُّعًا، ولكنهما أسيران بين السدَّين فإذا لم يتيسر لهما الخروج ماتا من الجوع.
– ولكننا ننقذهما.
– كيف؟
– إننا لا نستعمل البارود دون شك، ولا حيلة لنا باستعمال الآلات وفتح منفذ في هذا السد، ولكن هَلُمِّي بنا نعود إلى القارب، فمتى صرنا في عرض النهر أخبرك.
أما شوكنج فإنه لم يفهم كل الحديث؛ لأنهما كانا يتكلمان باللغة الفرنسية، ولكنه علم أن الصوت كان صوت روكامبول وميلون.
ثم ذهب الثلاثة إلى الباب، ودفع شوكنج القارب، بأمر مرميس، إلى عُرض المياه.
وجعل مرميس يراقب البيوت الكائنة فوق الصخور التي سمعوا من ورائها صوت روكامبول.
حتى إذا عرف ما أراد أن يعرفه عاد إلى البر، فنزلوا جميعهم من القارب، وذهبوا إلى الخمارة حيث كان ينتظرهم الرفاق.
فأمر مرميس أن ينتظروهم — أيضًا — فيها، وخرج من تلك الخمارة مع فاندا وشوكنج إلى تلك المنازل التي كان يفحصها من عرض النهر، وجعل يبحث فيها عن منزل حتى عثر عليه، فقال لفاندا: «إني إذا لم أكن مخطئًا في حسابي فلا بد أن يكون هذا البيت فوق الصخر الذي سمعنا من ورائه صوت روكامبول.»
ثم دنا من البيت، ففحص بابه، وعاد، فقال: «لقد بِتُّ الآن واثقًا؛ فإن هذا البيت لزعيم إرلندي يُدعى فرلان، وسيكون خير معين لنا على إنقاذ الرئيس.»