٤

7 0 00

٤

وبدأ روكامبول حديثه، فقال: «إنك تذكر، يا ميلون، كيف كانت بداية صداقتنا.»

– إنها بدأت، يا سيدي، في سجن طولون، حين كُنَّا مقيدين بقيد واحد.

– هو ذاك، وقد حدثتني يومًا بحديث تينك الأختين اليتيمتين اللتين سجنت في سبيل إخلاصك لهما.

– نعم يا سيدي، فإنك بعد أن أنقذتهما أصبحت لك من أوفى المخلصين وبت لك أوفى من الكلب الأمين.

– ولقد حدث لي حادثة تشبه تلك الحادثة، ولم تكن في سجن طولون بل في سجن نوايت، ولم يبقَ الرجل الذي رواها في قيد الحياة؛ بل هو من الأموات.

– ألعلَّه مات شنقًا؟

فتأوَّه روكامبول، وقال: نعم، واأسفاه! فأَصْغِ إلى الحكاية، فسأقصها عليك؛ فكما توقعت أني لم أقاوم رجال الشرطة حين قبضوا عليَّ في منزل مس ألن، فإني كنت أستطيع النجاة قبل أن يدخلوا بي سجن نوايت؛ لأنهم لم يذهبوا بي إلى هذا السجن توًّا، بل أوقفوني في البدء في سجن البوليس، فتولى قاضي التحقيق استنطاقي، وسجنني مؤقتًا في سجن القسم، فأقمت في ذلك السجن ست ساعات.

وقد لقيت في ذلك السجن امرأة رثة الثياب تجاوزت عهد الشباب، ولكن آثار الجمال لم تزل تدل عليها، فلما رأتني دخلت نظرت إليَّ في البدء بحذر، ثم جعلت تطيل النظر إليَّ حتى التقى نظرها بنظري، فأحدقت بي.

وكأنما نظري قد أثر فيها، فقالت لي: «أظن أنك الرجل الذي أبحث عنه.»

فنظرت إليها منذهلًا، وقالت: «ألعلَّك جنيت جناية كبرى؟»

– كلا، ولكني من الإرلنديين، وهي عندهم جناية لا تغتفر.

فاختلجت قليلًا، وبرقت عيناها بأشعة الفرح، ثم قالت: «إذًا، سيذهبون بك إلى سجن نوايت؟»

– دون شك.

– لقد أصبت حين قلت لك إنك الرجل الذي أبحث عنه منذ عهد طويل، فاعلم يا سيدي أني أُدعى بيتزي، وأني إيكوسية، وحكايتي أني في كل ليلة أتظاهر بالسُّكْر والعربدة كي يقبضوا عليَّ وما أنا بِسَكْرَى كما ترى.

فدُهشت لأمرها، وقلت: «وبعد ذلك؟»

– إني أتكلف السُّكْر تكلفًا، فيقبضون عليَّ، ويودعونني السجن إلى صباح اليوم التالي، وفي الصباح يحكمون عليَّ بغرامة شلنين ويطلقون سراحي.

– وأي غرض لك من المظاهرة بالسُّكْر؟

– كي يقبضوا عليَّ — كما قلت — وأنا ناهجة هذا المنهج منذ شهر، وفي كل ليلة يقبضون عليَّ في الشارع.

– ولكن لماذا؟!

– لأني أبحث عن رجل محكوم عليه بالسجن في نوايت ويكون لي ثقة به.

– وماذا تتوقعين من هذا الرجل؟

فنظرت إليَّ أيضًا نظر الفاحص، وقالت: «إني متوسمة فيك مخائل النبل والشرف، فقل لي ماذا تُدعى!»

– الرجل العبوس.

فدُهشت لقولي، وقالت: أنت هو الرجل العبوس، وقد أذنت أن يُقبض عليك؟!

– نعم.

– ولكنك تخرج من السجن متى شئت؟

– ربما.

– بل، ذلك أكيد؛ فقد سمعت الناس يتحدثون بك، ويقولون عنك إنك تصنع ما تشاء، وما دمت الرجل العبوس، فأنا أخبرك بكل شيء.

– تكلمي يا سيدتي.

– إن زوجي في السجن.

– في سجن نوايت؟

– نعم، وقد صدر الحكم عليه بالإعدام؛ فهو سيشنق في اليوم السابع عشر من الشهر القادم.

– أي ذنب جناه؟

– قتل لوردًا.

– لماذا؟

– إن الحكاية طويلة لا أستطيع أن أقصها عليك الآن لضيق المقام، ولكنك ذاهب إلى نوايت وسيقصها عليك زوجي.

– ليكن ما تشائين، فهل تريدين أن تبلغيه أمرًا؟

– نعم.

– هاتي (وأنا أحسب أنها تريد أن ترسل إليه رسالة)، فقالت: «إني لا أريد أن أرسل إليه كتابًا بل أكلفك أن تحمل إليه كلامي.»

– ماذا تريدين أن أقول له؟

– قل له إني رأيت امرأتك بيتزي والأوراق عندها، فمت مطمئن البال.

– هذا كل ما تريدين؟!

فمسحت دمعها، وقالت: «نعم، هذا كل ما أريد.»

وقد بذلتُ جهدي أن أقف منها على سر هذه الأوراق، فأبت أن تجيبني بشيء.

وفي صباح اليوم التالي أدخلوني إلى سجن نوايت، فبت ثلاث ليال في غرفة ضيقة مغلقة بحيث تعذر عليَّ مقابلة زوج المرأة المحكوم عليه بالإعدام.

ثم قرروا في السجن أن يحسنوا معاملتي لطمعهم بحملي على الاعتراف بأسرار الإرلنديين؛ لأني بالغت في الحيلة حتى أوهمتهم أن حسن معاملتي تدعوني إلى الإقرار.

فأخذوا يجاملونني منذ ذلك الحين فأفرجوا عني بعض الإفراج، وأذنوا لي بالخروج إلى ساحة السجن مع بقية المسجونين مرتين في اليوم.

ولم أحدث الرجل بشيء في اليوم الأول، لكني كنت أراقبه فأجده منقبض الصدر مستسلمًا إلى القضاء وهو قصير القامة، عريض المنكبين، قوي البنية يناهز الستين من العمر وقد وخط الشيب من رأسه.

فمررت به، وهو جالس في إحدى الزوايا، ونظرت إليه ونظر إليَّ، فاستدللت من نظراته الإخلاص وحسن الوفاء.

فقلت في نفسي إن هذا الرجل قد قتل، ولكنه لم يرتكب هذه الجريمة إلا لغرض نبيل.

•••

وفي اليوم الثاني خرجت إلى تلك الساحة في الساعة نفسها، ووجدت الرجل في موضعه، فذهبت إليه توًّا، وقلت له: أأنت هو الذي قتل اللورد؟

– نعم …

وقد لفظ هذه اللفظة بسَكِينة وارتياح دلالة على أنه غير نادم على ما فعل، وأنه لم يرتكب هذه الجريمة إلا قيامًا بواجب شريف.

فقلت له: «ألست زوج المرأة التي تُدعى بيتزي؟»

فاختلج، وقال: «ألعلَّك رأيتها.»

– يظهر أنك لم تعرفني …

– كلا، فمن أنت؟

– الرجل العبوس.

فرجع خطوة إلى الوراء، وحملق بعينه، وقال: أنت هو الرجل العبوس!

– نعم، أنا هو وقد لقيت زوجتك، فعهدتْ إليَّ أن أخبرك بأنها عثرت بالأوراق وهي عندها.

فصاح الرجل صيحة فرح كأنما قد أخبرته بصدور العفو عنه، ثم قال: «واطرباه! إني أموت الآن مطمئن النفس ناعم البال.»

وعاد فنظر إليَّ، وقال: «إنك دخلت السجن بملء إرادتك.»

– ربما …

– ستخرج منه دون شك عندما تريد.

– إني أرجح ذلك …

فتردد هُنَيْهَة، ثم قال: «يجب أن أقول لك كل شيء يا سيدي، وأنا واثق من فوزك في المهمة التي أعهد بها إليك؛ فإن من كان مثلك لا يعجزه أمر، وسأمنحك مقابل ذلك الحبل الذي سأشنق به فإنه يجلب لك السعادة.»

ولما وصل روكامبول بحكايته إلى هنا توقف، فقال له ميلون: بالله أتم حكايتك؛ فقد أنسيتني أننا سجينان بين صخرين، وأنه مقضيٌّ علينا بالموت جوعًا.