٣
ولْنَعُدْ الآن إلى روكامبول، فقد كان آخر عهد القُرَّاء به أنه وضع النار في الفتيل (راجع روكامبول في السجن)، وابتعد عنه أصحابه إلى القاعة ذات الثلاثة دهاليز، فبقي مع ميلون ينتظر بلوغ النار إلى برميل البارود.
فلما اتصلت به النار، وحدث ذلك الانفجار الهائل، اهتزَّت الأرض اهتزازًا عنيفًا ألقى روكامبول وميلون على الأرض!
ولكنهما نهضا على الأثر، ولم يكد روكامبول ينظر إلى نتيجة الانفجار حتى صاح صيحة المنتصر الفائز، ونادى أصحابه يقول: «اتبعوني؛ فقد فُتح السد.»
ذلك أن البارود دفع الصخر إلى النهر، وظهر ضوء النهار من السرداب، فجعل يعدو مع ميلون.
ولكنهما لم يعدوا عشرين خطوة، حتى تهدمت قبة الدهليز من ورائهما وتراكمت الصخور، فحالت بينهما وبين رجال العصابة الذين كانوا يركضون في أثرهما.
فذُعر روكامبول، وهمَّ بالرجوع إلى أصحابه، فوجد السد محكمًا بينه وبينهم، فتمعن هُنَيْهَة، ثم قال لميلون: «هَلُمَّ بنا نخرج الآن من هذا الدهليز، ولا نعدم وسيلة بعد ذلك لإنقاذ رفاقنا.»
ثم ركض روكامبول إلى جهة النهر، وركض ميلون في أثره، وهما يريان النور ينبعث من فم الدهليز.
وعند ذلك رأى روكامبول فجأة أن هذا النور قد احتجب، ثم سمع دويًّا هائلًا أشدَّ من الأول.
ثم اهتزت الأرض اهتزازًا شديدًا، فسقط روكامبول وميلون أيضًا، وجعلت الصخور تتساقط حولهما، وكاد أحد هذه الصخور يصيب رأس روكامبول فيسحقه.
وكانت الظلمات تكتنفهما من كل جانب؛ فلم يرَ روكامبول ما حوله ولكنه سمع ميلون بصوت مُتَهَدِّجٍ: «أين أنت أيها الرئيس؟»
– هنا بقربك.
– ألعلك جريح؟
– كلا، وأنت؟
– وأنا — أيضًا — لم أُصَبْ بشيء.
فقال له روكامبول: «إذًا لا تبرح مكانك، ولنصبر إلى أن ينتهي تساقط الصخور.»
وبعد حين سكت الدَوِيُّ، وانقطع تساقط الصخور، وبطل الاهتزاز؛ فنهض روكامبول، وكان مِشْعَلُه لا يزال معه، ولكنه انطفأ، فأناره.
وعند ذلك قال له ميلون: «أَأَنْهَضُ أنا؟»
– نعم، ولكن لا تبرح مكانك.
فقال له ميلون، وقد سُرَّ أنه هو والرئيس لم يُصَابا بأذًى: «لقد بلغنا خير مبلغ من التوفيق.»
– هو ذاك، فإن هذه الصخور لم تسحقنا، ولكن توفيقنا ليس على قدر ما ظننت.
ثم جعل يفحص على نور مِشْعَلِه ذلك الدهليز، وما صار إليه بعد تساقط القبة، فرأى مَنْفَذ الدهليز قد سُدَّ أيضًا بصخر عظيم.
فقال لميلون: «أرأيت هذا السد الجديد؟ فقد بات موقفنا كما كان منذ ساعة.»
– إذًا، لنعد إلى الرفاق.
– كيف تعود إليهم وقد حِيل بيننا وبينهم بمثل هذا السد؟!
فارتعد ميلون، وقال: «أنحن أسرى الآن؟»
– بل، قُضِيَ علينا أن نُدفن في قيد الحياة.
فأوشك ميلون أن يُجَنَّ من يأسه، وكان روكامبول أصفر الوجه، ولكنه لم يفقد شيئًا من سكينته العادية، فقال لميلون ببرود: «لا يجب، أيها الصديق، أن يضيع اليأس من رشدنا، بل يجب أن نفتكر ونتمعن؛ فإن مركزنا شديد الحرج، ولكنه لا يحمل على اليأس التام.»
فنظر إليه ميلون نظرةً مِلؤها الأمل، وقال له: «أي رجاء لك بخروجنا؟»
– هو أني أرجح سلامة مرميس ورفاقه من الصخور.
– ولكنهم إذا سلموا فهم أسرى مثلنا.
– ولكنَّ رجاءهم بالخلاص وطيد.
– من ينقذهم؟
– البوليس الذي يطاردهم؟!
– إنهم يذهبون بهم إلى السجن.
– ولكن، إقامتهم فيه لا تطول؛ فإني أعرف الشرائع الإنكليزية.
– وبعد ذلك؟
– إنك تعرف مرميس، فهو شديد الذكاء، وتعرف فاندا، فإنها تسفك دمها من أجلي، ولا بدَّ لمرميس وفاندا، بعد إطلاق سراحهما، أن يَجِدَا طريقة لإنقاذنا.
– لقد يصح جميع ما اقترحته، ولكن، لا بدَّ أن يمر عهد طويل لبلوغهم إلينا.
– لا أنكر ذلك فقد يطول يومين أو ثلاثة.
– ألا تجد هذا الوقت كافيًا لأن نموت جوعًا؟!
– إن الرجل يستطيع الصبر على الجوع أربعة أيام.
ثم جلس وهو بِأتمِّ السكينة على صخر.
أما ميلون فإنه كان هائجًا مضطربًا، فجعل يجول في سجنه الضيق كما يجول الأسد في قفصه.
فقال له روكامبول: «قلت لك لا تقنط من رحمة الله، يا ميلون؛ فإنك لم تَجُعْ كما أظن.»
– كلا، ولكني شديد العطش.
– إنك ستروي ظمأك بعد أربع أو خمس ساعات.
– كيف ذلك؟
– حين يجيء زمن المد فتنساب مياه النهر في هذا الدهليز حتى تبلغ قدميك، فتعالَ، واجلس بجانبي.
فجلس ميلون بجانبه، وقد خَفَّ بعض ما عنده من اليأس؛ لالتصاقه بالرئيس، فقال له روكامبول: «إن الكلام لا لون له، فلا حاجة لنا بنور هذا المِشْعل؛ فقد نحتاج إليه.»
ثم أطفأ مِشْعله، وقال له: «أتعلم، يا ميلون، لماذا لم يتمكن مني القنوط؟»
– لأنك خُلقت غير هَيَّاب من الموت؛ فلم أرَكَ اضطربت مرة في حياتي!
– ليس هذا هو السبب الذي يدعوني إلى الرجاء.
– ما هو؟
– هو اعتقادي أن الله يقيني الموت إلى أن أقضي ما عليَّ من المهام.
– إن مهامك لا تنقضي؛ فإنك لا تقضي مهمة حتى تُعرض لك أخرى، ألا تريد أن ترتاح؟!
– كلا، إن الراحة لا تُكَفِّر عن الذنوب.
– ولكنك قد جاهدت فوق الكفاية، وكل عمل من أعمالك يُكَفِّر عن أعظم ذنوبك التي ارتكبتها، وعندي أنه قد آن لك أن تعود إلى باريس وترتاح.
– كلا، لم يَحِن الوقت بعد؛ فلا يزال لديَّ مهمة في لندرا.
– أية مهمة تعني؟ ألعلَّها مهمة الإرلنديين؟
– كلا.
– ولكن الإقامة في لندرا لم تعد محمودة.
– ألم أقل لك إن لديَّ مهمة فيها يجب قضاؤها؟
– بشرط أن لا تكون خاصة بأولئك الإرلنديين.
– لا علاقة لها بهم في شيء.
فلم يُجِبْ ميلون، وجعل ينتظر أن يوضح له هذه المهمة.
أما روكامبول فإنه صمت هُنَيْهَة، ثم قال: «أتعتقد، يا ميلون، أن حبل المشنوق يجلب التوفيق؟»
– هذا ما يقوله الناس، أما أنا فإني لا أشاركهم بهذا الاعتقاد.
– سوف ترى إذا كانوا مصيبين أو مخطئين.
– كيف ذلك؟ ألديك حبل مشنوق؟
– نعم.
– أهو في جيبك؟
– بل معقود على وسطي.
– إذًا، سوف نرى.
– إن الوقت فسيح لدينا، وسأقصُّ عليك حكاية تشغلك عما أنت فيه من اليأس، وتقصر علينا هذا الوقت الطويل.
– أهي حكاية الحبل؟
– نعم، حبل مشنوق جعلني منفذ وصيته.
– تكلم، يا سيدي، فإني مُصْغٍ إليك كل الإصغاء.