الجزء الخامس

7 0 00

الجزء الخامس

أُعدَّ برنامج حافل بالنشاطات العامة بمناسبة الاحتفالا بمطلع القرن الجديد ، وأجدر هذه النشاطات بالذكر هي الرحلة الأولى بالمنطاد ، ثمرة مبادرة من مبادرات الدكتور خوفينال أُورْبينو التي لا تَنضُب .

اجتمع معظم أهل المدينة عند شاطئ الأرسنال لإبداء دهشتهم من ارتفاع بالون الحَرير الهائل المُلَوَّن بألوان العلَم الوطني في الجو ليحمل أول بريد الى سان خوان ديلاثيناغا على بُعد حوالي ثلاثين فَرْسخاً بخط مستقيم الى الشمال الشرقي .

كان الدكتور خوفينال أُورْبينو وزوجته اللذان عرفا متعة الطيران من قبل في معرض باريس الكوني هما أول من صعدا الى حُجَيْرات المِنطاد المصنوعة من الخيزران ، ثم صعد معهما مهندس رحلة الطائرة وستة مدعوين آخرين كانوا يحملون رسالة من الحكومة المحليَة الى السلطات البلديَة في سان خوان ديلاثيناغا يسجلون فيها للتاريخ أن تلك الرسالة هي أول بريد ينتقل عبر الأجواء .

أحد صحفيي الدياريوديكوميرثيو سأل الدكتور خوفينال أُورْبينو ما هي آخِر كلماته إذا ما قضى نحْبه في المُغامرة ؟

فلم يتَرَوَى هذا في التفكير بالجواب الذي سبب له شتائم كثيرة إذ قال : أظن أن العالم بأَسره سيشهد تغير القرن التاسع عشر باستثنائنا نحن .

وفيما المِنطاد يرتفع أحس فلورنْتينوأَريثَا الضائع بين الحشود الساذجة التي تُنشد النشيد الوطني بأنه يشترك بالرأي مع تعليق سَمِعه من أحدِهم وسط الضجَة بأن تلك المُغامرة ليست مناسِبة لامرأة وخصوصاً امرأة في سن فرْمينا داثَا ، ولكنها لم تكن بالمُغامرة الخطيرة على أي حال أو أنها لم تكن على الأقل خطِرة بقدر ما هي مؤثرة .

لقد وصل المِنطاد دون أي تيارات هوائية معاكسة الى مستَقَرِه بعد رحلة هادئة في سماء زرقاء الى حد غير معقول ، طاروا طيراناً طيبا على ارتفاع قليل تدفعهم ريح هادئة ومواتية فوق ذُرَى الجبال المُكلَّلة بالثلج أولا ثم فوق مستنقع ثيناغاغاراندي الفسيح ، ومن السماء رأوا أطلال مدينة كارتاخيناديآندياس القديمة والبطولية كما يراها الله مهجورة من ساكنيها الذين هربوا منها خوفا من الكوليرا بعد أن قاوموا جميع صنوف الحصار من جانب الإنجليز وكل عَسْف القراصنة خلال ثلاثة قرون ، رأوا الأسوار الكاملة وأشجار الشوارع الملتفَة والتحصينات التي قَوَّضَتها رهبانيات الثالوث وقصور المرمر والمذابح الذهبةية مع حكّامها الاستعماريين المتعفنين بالوباء في دروعهم السابغة ، طاروا فوق بيوت ترُوخَاس ديكاتاكَا الأثرية القائمة وسط الماء والمطلية بألوان مجنونة والمُرفَقة بِحَظَائر لِتربية عظائيات الأَكل حيث تتدلى نباتات بالسامينا وإستار وميليا في الجنائن المائية .

كانت مئات الأطفال يلقون بأنفسهم من النوافذ ومن سطوح البيوت ومن الأزوارق التي كانوا يقودونها بمهارة مذهلة ويغوصون كأسماك الشابْل لاستخراج حُزَم الملابس وقناني دواء السُعال وطعام الصَدقات الذي تُلقي به المرأة الجميلة ذات قُبعة الريش من حُجَيْرات المِنطاد ، طاروا فوق أوقيانوسيا ظلال مزارع الموز التي كان صمتها يرتفع إليهم كبُخار مميت ، فتذكرت فرْمينا داثَا نفسها وهي في الثالثة من العمر أو ربما في الرابعة تتمشى في الأَجَمَة الكئيبة مُمسِكة بيَدأمها التي كانت ما تزال حينئذٍ مجرد طفلة أيضا وسط نساء أخريات يرتدين المُسلين مثلها ويحملن مِظلات بيضاء ويضعن قُبعَات شفافة .

قال مهندس المِنطاد الذي كان يراقب العالم بمنظار مُكَبِّر : يبدو أنهم موتى .

وأعطى المنظار للدكتور أُورْبينو فرأى هذا الأخير العربات التي ج=تجُرُّها الجواميس بين الشُجيرات ، وخطوط السكة الحديد ، وأقنية الري المتجمدة ، وحيث ما توجَّه ببصره كان يرى أجساداً بشرية مُبعثرة .

وقال أحدهم بأنه علِم أن الكوليرا كانت تفتك بقرى منطقة ثيناغاغاراندي .

فقال الدكتور أُورْبينو الذي لم يتوقف عن النظر بالمنظار أثناء كلامه : لا بد أنه صِنْف خاص جدا من الكوليرا إذن ، لأن هناك رصاصة رحمة في عنق كل واحد من الموتى ، ثم طاروا بعد ذلك بقليل فوق بحر من الزَبَد وحطّوا دون أي حادث يُذكر على شاطئ مُتَقِد ، كانت أرضه المُتشققة والمُغطاة بِمِلح البارود مُحَرَّقة وكأنها نار مُتأجِجة ، وكانت السلطات تقف هناك دون أي حماية من الشمس سوى المِظلات العادية ، وكان هناك تلامذة المدارس الابتدائية يُلوِّحون بأعلام صغيرة على إقاع النشيد الوطني ، ومَلِكات الجمال يحملن زهوراً أَحرقها القَيْظ ويضعن تيجاناً من الورق المُذَهَّب ، وسُذُجَ بلدة غايرَا المزدهرة التي كانت في ذلك الحين أحسن قرى الشاطئ الكاريبي حالاً .

الشيء الوحيد الذي كانت تريده فرْمينا داثَا هو رؤية مسقط رأسها ثانيةً لِتُقارِن ما تراه مع أقدم ذكرياتها ، لكنهم لم يسمحوا لأحد بالتجول خوفاً فتْك الوباء .

سلَّم الدكتور خوفينال أُورْبينو الرسالة التارخية التي فُقِدت فيما بعد ولم يعُد يُعرف شيء عنها ، وقد شارَف جميع أعضاء البعثة على الاختناق في قَيظ الخطابات الحماسية الى أن حملوهم أخيرا على صهوات البغال حتى مَرْسَى بويبلو بيخو حيث تلتقي المستنقعات بالبحر ، لأن المهندس لم يتمكن من جعل المِنطاد يطير ثانيةً .

كانت فرْمينا داثَا متأكدةً أنها قد مرت من هناك مع أمها وهي طفلة في عربة يجُرُّها زوج من الجاموس ، وقد رَوَت ذلك لأبيها عدة مرات عندما كَبِرت .

لكنه مات وهو يصر على أنه يستحيل عليها أن تتذكر ذلك وكان يقول لها : إنني أذكر هذه الرحلة جيدا وقد كانت هكذا فعلا ، لكنها حدثت قبل مولدك بخمس سنوات على الأقل .

عاد أعضاء بعثة المِنطاد بعد ثلاثة أيام الى ميناء المَنْشأ وقد ~أنهكتهم ليلة عاصفة واستُقبِلوا استقبال الأبطال ، وتعرَّف فلورنْتينوأَريثَا الضائع بين الحشود طبعا على آثار البُخار فوق مُحيَا فرْمينا داثَا ، ومع ذلك عاد لرؤيتها مَساء ذلك اليوم في استعراض الدراجات الذي أقيم تحت رعاية زوجها أيضا ، ولم يكن يبدو عليها أي أثر للتعب ، كانت تقود دراجة فريدة تبدو أشبه بجهاز من أجهزة السيرك بعجلتها الأمامية العالية والتي جلست فوقها بينما كانت العجلة الخلفية صغيرة جدا ولا تكاد تكفي لِإسنادها ، وكانت ترتدي سِروالاً فضفاضاً ذا حواشي ملونة أثار استنكار السيدات المُسِنّات وأفقد الرجال الوقورين صوابهم ، لكن أحدا لم يستطع إبداء لا مبالاته بمهارتها .

هذه الصور وغيرها كثير كانت صور سريعة الزوال لِسنوات طويلة ، تظهر بغتةً لِفلورنْتينوأَريثَا حين يحلو ذلك للمُصادفة ثم ما تلبث أن تختفي بالطريقة نفسها تاركةً في قلبه لَوْعة ، لكنها كانت تُخلِّف أثرا في حياته إذ أنه لم يتعرف على قسوة الزمن من مظهره هو بالذات بقدر ما تعرَّف عليه من التبدُلات التي يلاحظها على فرْمينا داثَا كُلما رأها .

دخل في أحد الأيام الى مطعم دون سانشو وهو مطعم فاخر من العهد الاستعماري ، واحتل ركناً مُنزوياً كما هي عادته كُلما مضى لِتناول وجبة عصر خفيفة كَوجبة عصفور وفجأة رأى فرْمينا داثَا في المرآة الضخمة جالسة الى الطاولة مع زوجها ورجلَين آخرَين مع زوجتَيهما بِزَاوية تُتيح له رؤية صورتها المعكوسة في المرآة بكل رونقِها ، كانت عزلاء تقود الحديث بظرافة وضحكة تنفجران كانفجار الألعاب النارية ، وكان جمالها أشد أَلَقاً تحت الثريا الضخمة ذات القطع الكِرستالية .

لقد عادت أَلِس لاختراق المرآة ، تأملها فلورنْتينوأَريثَا ما شاء له التَأَمُل بأنفاس مبهورة ، رآها تأكُل ورآها تتذوق قليلا من النبيذ ورآها تُمازح دون سانشو الرابع في سُلالته ، وعاش معها لحظة من حياتها وهو على طاولته المُنعزلة ، وتمشى لأكثر من ساعة في أرضها الحرام دون أن يكون مرئياً ، ثم تناول أربعة فناجين أخرى من القهوة ليبقى وقتاً أطول الى أن رآها تخرج مُختلطة بالجموع التي معها ، لقد مروا قريبا جدا منه لدرجة أنه تمكن من تمييز رائحتها وسط وابل العطور الأخرى المُنبعثة ممن هم معها .

ومنذ تلك الليلة وعلى امتداد سنة تقريباً قام بمحاصرة صاحب المحل حِصارا عنيداً عارضاً عليه كل ما يشاء من مال أو خدمات أو تلبية أكثر ما اشتهاه في حياته مقابل أن يبيعه المرآة ، ولم يكن الأمر سهلاً ، فالشيخ دون سانشو كان يؤمن بالخرافة القائلة أن ذلك الإطار الثمين الذي نجّار أبنوس من فينا هو توأم إطار آخر كانت تملكه ماري أنطوانيت ، وقد اختفى دون أن يبقى له أثر ، ، تُحْفتان فري\دتان ، وحين وافق أخيرا علق فلورنْتينوأَريثَا المرآة في صالة بيته ، ليس لجمال الإطار ودقة صنْعته وإنما لأجل القِسْم الداخلي الذي احتلته الصورة المحبوبة لساعتين .

وكثيرا ما كان يرى فرْمينا داثَا مُمْسِكة بِذراع زوجها في انسجام تام مُتحركَين كِليهما في جو خاص بهما ، بانسياب مُذْهل لا يتشوشإلا حين يُصافِحاه .

وفعلا كان الدكتور خوفينال أُورْبينو يشد على يده بحرارة ، بل وكان يسمح لنفسه بأن يُربِّت على كتفه في بعض المناسبات ، أما هي فكانت تعامله بمُقتضى نظام الشكليات الغامض ، ولم تُبدي يوما أدنى حركة تتيح له أن يَشُك بأنها تتذكره مُذ كانت

كانا يعيشان في عالمَين متباعدَين ، وفيما كان يقوم بكل جهد متاح لِتقريب المسافة فإنها لم تكن تقوم بأية خطوة إلا في الاتجاه المُعاكشرس .

لقد مضى زمن طويل قبل أن يجرؤ على التفكير بأن تلك اللامبالاة ليست سوى دِرْع لإخفاء الخوف ، لقد خطر ذلك له فجأة عند تعميد السفينة النهرية الأولى التي جرى بناؤها في أحواض بناء السفن المحليَة ، وكانت تلك هي أيضا المناسبة الأولى التي مَثَّل فيها فلورنْتينوأَريثَا العم ليون الثاني عشر باعتباره نائباً أول لرئيس شركة ش ك م ، ، وقد أَضْفَت هذه المناسبة على الحفل مهابة خاصة ، فلم يتخلف عن الحضور أحد ممن لهم أية قيمة في حياة المدينة .

كان فلورنْتينوأَريثَا مشغولا بمَدْعُوِيه في الصالة الرئيسية في السفينة التي ما زالت تنبعث منها روائح الدِهان الحديث والقار المُذاب ، عندما انفجرت موجة من التصفيق على الرصيف وعزفت الفرقة الموسيقية لحناً حماسياً وكان عليه أن يقهر الارتعاشة القديمة كَقِدَمِه تقريبا حين رأى امرأة أحلامه الفاتِنة مُمْسِكة بِذراع زوجها بِنضوجِهَا الرائع وهي تمُر كمَلِكة من عصر آخر وسط حرس الشرف المُتَزيِّين بِزي المَراسم تحت وابل من الشرائط الورقية الملونة وأوراق الأزهار الطبيعية التي تُقْذَف من النوافذ ، وكانا يَرُدّان على التصفيق بتحية من يديهِما ، لكنها كانت فاتِنَة حتى لَتَبْدو وكأنها وحيدة وسط الحشد ، كان كل ما ترتديه له لون ذهبي ملَكي ابتداءً من الحذاء ذي الكعب العالي وأذيال الثعالب على عنقها وحتى القُبعة التي لها شكل الجرس .

انتظرهما فلورنْتينوأَريثَا على الجسر الى جانب السلطات الإقليمية ، وسط قصف الموسيقى والألعاب النارية وجُؤرات السفينة القوية الثلاثة التي بللت رصيف الميناء بِالبُخار .

صافح خوفينال أُورْبينو صف المُستقبِلين بتلك الابتسامة الطبيعية التي هي من خصائصه والتي تجعل كل واحد يظنه يصافحه بحرارة خاصة ، صافح أولاً قُبطان السفينة ببدلة المَراسِم ثم الأسقف وبعد الحاكم وزوجته والعُمدة وزوجته ، ثمقائد المنطقة العسكري وهو إنديزي حديث القدوم الى المدينة ، وبعد السلطات كان يقف فلورنْتينوأَريثَا مُرتدِياً بدْلة قاتمة ولا يكاد يظهر بين كل هؤلاء الأعيان ، وبعد أن صافحت فرْمينا داثَا قائد المنطقة العسكري بدا أنها ترددت أمام يد فلورنْتينوأَريثَا الممدودة .

فسألها العسكري المُتأهِب لتقديمه لها إن كانت لا تعرفه ؟

فلم تقُل لا ولم تقُل نعم ، بل مدت يدها الى فلورنْتينوأَريثَا بابتسامة صالون ، كان ذلك قد حدث في مناسبتَين سابقتينوسيحدث في مناسبات أخرى ، وقد تمثَّله فلورنْتينوأَريثَا دوما كتصرف نابع من طبيعة فرْمينا داثَا ، ولكنه تساءل في مَساء ذلك اليوم بمقدرته اللامحدودة على الحِلْم ، إن لم تكن هذه اللامبالاة القاسية إلا حيلة لإخفاء عذاب الحب .

وقد اضطَرَمَت أشواقه بمجرد ورود هذه الفكرة بباله ، فعاد للطواف حول بيت فرْمينا داثَا بنفس القلق الذي كان يشعر به قبل سنوات طويلة أثناء طوافه في حديقة البشارة ، لكنه لم يكن ينوي أن يجعلها تراه وإنما كانت نيته الوحيدة أن يراها لِيعلم أنها ما زالت حية في الدنيا ، ولم يعُد ممكنا للزمن أن يمضي حينئذٍ دون اكتراث .

كان حي لامانغا يقوم في جزيرة شبه مُقفرة تفصلها عن المدينة التاريخية قناة ماء خضراء مغطاة بأحراج من أشجار الأكاكو التي كانت ملاذاً للعشاق في أيام الآحاد إبان العهد الاستعماري ، ومنذ سنوات قليلة هدموا الجسر الحجري الذي بناه الإسبان وأقاموا جسراً جديدا مع مَصابيح الإنارة لِتتمكن الحافلات التي تجرها البغال من المرور .

لقد كان على ساكني لامانغا أول الأمر احتمال عذابما كان في الحسبان ، ألا وهو النوم قريبا من أول محطة لتوليد الكهرباء في المدينة والتي كان هديرها أشبه بهزة أرضية متواصلة ، ولم يستط حتى الدكتور خوفينال أُورْبينو بكل نفوذه جعلهم ينقُلون المحطة الى حيث لا تُزعِج أحداً الى أن توسطت لصالحه العناية الإلهية التي تحالفه دوما ، ففي إحدى الليالي انفجر مِرْجَل محطة التوليد في دوي بخاري هائل وطار فوق البيوت الجديدة مُجتازاً جزءاً كبيرا من المدينة في الجو وهوى ليحطم الرواق الرئيسي في دَير سان خُوْلايان آل هوسبيلاتاريو القديم .

كان المبنى القديم قد هُجِرَ في أوائل ذلك العام ، لكن المِرْجَل تسبب في مقتل أربعة سجناء كانوا قد فروا في أول الليل من السجن المحلي واختبأوا في الدَير المَهْجور .

تلك الضاحية الهادئة ذات التقاليد الغرامية الجميلة لم تعُد مع ذلك بالمكان المناسِب للغراميات الغير مواتية مُذ أصبحت حياً راقياً ، كانت مُتْرَبة في الصيف وموحلة في الشتاء ومُقفرة طوال العام ، فيما البيوت القليلة المختفية وسط حدائق وارفة ذات مصاطب الموازيك بدل من الشُرُفات القديمة تبدو وكأنها شُيِّدت لإخماد حماس العُشاق المُتَخَفين ، وكان أن شاعت في ذلك الحين لحسن الحظ عادة التنزه مَساءً بالعربات القديمة المُستأجرة والتي تم تعديلها لِيجرها حِصان واحد فقط ، وكانت الجولة بالعربة تنتهي عادةً في ربوة مشرفة يظهر منها شفق تشرين المفتت أفضل مما يظهر عليه من برج الفَنَار ، وتظهر كذكل للعين أسماك القرش الرشيقة وهي تترصد شاطئ المُجمع الإكليريكي وعابرة المحيطات التي تمر كل خميس ، ضخمة وبيضاء يكاد المرء يلمسها بيده وهي تجتاز قنال الميناء .

وقد اعتاد فلورنْتينوأَريثَا استئجار عربة للنزهة بعد يوم العمل الشاق في المكتب ، لكنه لم يكن يطْوي غطاء العربة كما هي العادة في شهور الحَر وإنما كان يبقى مُختَبِئا في الصمت غير مرئي في الظل ووحيدا دائما ، وكان يوجِّه الحوذي في اتجاهات غير متوقعة حتى لا يثير أفكاره السيئة .

الحقيقة أن الشيء الوحيد الذي كان يهمه من النزهة هو البيت ذو المرمر الوردي شبه المختفي بين شجيرات الموز وأشجار المانغا الملتفَة ، والذي كان تقليدا تعيسا لبيوت مُزارعي القطن الحالمة في لويزيانَا .

كان ابنا فرْمينا داثَا يرجعان الى البيت قبل الساعة الخامسة بقليل ، وكان فلورنْتينوأَريثَا يراهما عائدَين في عربة العائلة ، ثم يرى خروج الدكتور أُورْبينو بعد ذلك لزياراته الطبيَة المعتادَة ، ولكنه لم يحظَ خلال ما يقارب السنة من الطواف برؤية أية علامة تدل على وجود من كان يتشوق لرؤيتها .

وفي مَساء يوم أصر على النزهة المتوحدة رغم هطول أول أمطار حُزَيران المُدمرة انزلَق الح؟ِصان في الوحل وسقط على وجهه ، وانتبه فلورنْتينوأَريثَا مُرتعباً الى أنه كان مقابل بيت فرْمينا داثَا تماما .

فتوسل الى الحوذي صائحا دون أن يفكر بأن تَفَجُّعه قد يَشي به : ليس هنا أرجوك ، في أي مكان إلا هنا .

حاول الحوذي الذي أعماه التسرُّع أن يجبر الجواد على النهوض دون أن يَفُكَه فانكسر محور العربة ، خرج فلورنْتينوأَريثَا كيف ما استطاع واحتمل مَشاعر الخجل تحت وابل المطر الى أن عرض عليه متنزهون آخرون حمله معهم الى بيته ، وأثناء انتظاره رأته خادمة من خَدَم آل أُورْبينو بملابسه المبللة والمغطاة بالوحل حتى الركبتَين ، فحملت إليه مِظلة ليأتي ويحتمي على مصطبة البيت .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَا قد حَلُمَ بمُصادفة كهذه في أقصى هذياناته شططا ، ولكنه كان يفضل الموت في ذلك المَساء على السماح لِفرْمينا داثَا برؤيته وهو على تلك الحالة .

أثناء سُكْناه في المدينة القديمة كان الدكتور خوفينال أُورْبينو يذهب مع عائلته مَشْيا على الأقدام من بيته الى الكاتدرائية لحضور قُدّاس الساعة الثامنة ، وكان ذلك عملا دنيوياً أكثر منه دينياً ، وفيما بعد حين انتقلوا الى البيت الجديد تابَعوا الذهاب الى الكاتدرائية في العربة عدة سنوات وكانوا يتأخرون أحيانا لِتبادل الحديث مع بعض الأصدقاء تحت أشجار النخيل في الحديقة ، أما حين شُيِّد معبد المجمع الإكليريكي في لامانغا مع شاطئ خصوصي ومقبرة خاصة ما عادوا يذهبون الى الكاتدرائية إلا في بعض المناسبات القليلة ، وانتظر فلورنْتينوأَريثَا الذي كان يجهل هذه التبدُلات لعدة آحاد على رصيف مقهى الباروكية مراقباً خروج الناس من القُدّاسات الثلاثة ، ثم إنه أدرك خطأه وذهب الى الكنيسة الجديدة التي كان الذهاب إليها شائعا حتى سنوات قليلة ، وهناك وجد الدكتور خوفينال أُورْبينو مع ابنَيه في الثامنة بالضبط خلال أيام الآحاد الأربعة من شهر آب لكن فرْمينا داثَا لم تكن معهم ، وفي أحد أيام الآحاد هذه زار المقبرة المجاورة حيث كانوا ساكنو حي لامانغا يبنون أضرحتهم الفخمة وقفز قلبه حين رأى في ظلأشجار الثِيبَا الضخمة أفخم ضريح بين كل تلك الأضرحة ، كان ناجزاً ومُزَيناً بِزَخارف زجاجية قوطية وملائكة من المرمر وله شواهد مُذَهَبة تحمل أسماء جميع أفراد العائلة مكتوبة بحروف مُذَهَبة وبينهم بالطبع اسم دونيا فرْمينا داثَا دي أُورْبينو دي لاكايي ويليها ضريح الزوج ، وعلى كِلا القبرَين كتابة مشتركة ، معً كذلك في سلام الرب .

لم تحضر فرْمينا داثَا خلال بقية العام أياً من الناشاطات التمدنية أو الاجتماعية حتى ولا احتفالات عيد الميلاد حيث كانتا وزوجها عادةً من ظيوف الشرف ، لكن الإحساس بغيابها بلغ ذروته في حفل موسم افتتاح الأُوبيرا وفي الاستراحة بين الفصلَين .

فوجئ فلورنْتينوأَريثَا بجماعة لا بد أنها كانت تتحدث عنها دون ذِكْر اسمها ، كانوا يقولون أن هناك من رآها تصعد عند منتصف إحدى ليالي حُزَيران الفائت الى عابرة المحيط كونارْت المتجهة الى بَنَما ، وأنها كانت تغطي وجهها بخمار أسود كي لا تظهر آثار المرض المُخْجِل الذي كان يستنفدها .

وسأل أحدهم : أي مرض رهيب هذا الذي يجرؤ على امرأة مُتَجَبِّرَة مِثلها ؟

والإجابة التي تلَقّاها كانت مُشَبعة بمرارة سوداء .

- إن امرأة بارزة كهذه لا يمكن لها أن تُصاب إلا بالتدرن .

كان فلورنْتينوأَريثَا يعلم أن أثْرياء موطنه لا يصابون بأمراض قصيرة فإما أنهم يموتون فجأة ويكون ذلك في الغالب عشية حفلة كبرى يُفسدها الحداد وإما أنهم يأخذون بالإنطفاء في أمراض بطيئة وفضيعة تشيع أثناءها أسرار مرضهم بين الجميع ، وكاد الاعتكاف في بَنَما يكون تكفيراً إجبارياً في حياة جميع الأثْرياء حيث كانوا يخضعون هناك لمشيئة الله في مشفى المؤمنين ببعث المسيح ، والذي كان عبارة عن بناء فسيح أبيض ضائعة تحت أمطار داريين الخرافية يفقد فيه المرضى حساب القليل المُتبقي لهم في حياتهم ، ولم يكن أياً منهم يحرف حق المعرفة في الحجرات المتوحدة النوافذ المغطاة بِستائر سميكة إذا ما كان مَبعث رائحة الفينيك هو الصحة أو الموت ، وكان الذي يشفون منهم يعودون محملين بهدايا رائعة يوزعونها بسخاء وهم يبدون الكآبة لِيسامحهم المجتمع على طيشهم في البقاء أحياءً ، وكان بعضهم يعودون وفي بطونهم آثا خياطة بربرية تبدو وكأنها أُجريت بخيوط قِنَّب كالتي يستخدمها الإسكافيون ، فيرفعون قمصانهم ليعرضوها على زائريهم ويقارنوها بآثار جراح آخرين ممن ماتوا مختنقين لفرط السعادة ، ويعيشون بقية حياتهم وهم يروون ويعيدون رواية الرؤى الملائكية التي رأوها وهم تحت تأثير الكلوروفورم ، ولم يكن هناك بالمقابل من يعرف كيف كانترؤى الذين لم يرجعوا وخصوصاً أشدهم حزناً ، أولئك الذين ماتوا منفيون في جناح المَسْلُولين بتأثير كآبة المرض أكثر مما هو بتأثير فتْك الداء .

وحين فكَّر بالاختيار لم يعرف فلورنْتينوأَريثَا ما الذي كان يفضله لِفرْمينا داثَا لكنه كان يفضل الى الوصول للحقيقة قبل أي شيء حتى ولو كانت لا تطاق ، ورغم بحثه الدؤوب عنها لم يتوصل إليها ، وبدا له غير معقول ألا يجد أحداً قادرا على إعطائه دليلاً يُثبت صحة رواية المرض ، ففي عالم السفن النهرية الذي هو عالمه لم يكن هناك من سر يمكن إخفاؤه ولا ائتمان يمكن صَونه ، ومع ذلك فإن أحدا لم يسمع بأمر المرأة ذات الخمار الأسود ولم يكن هناك من يعرف شيئا عنها في مدينة كل ما فيها معروف للجميع حيث تشيع الأخبار عن أشياء كثيرة قبل حدوثها وخصوصاً إذا كانت من شؤون الأغنياء ، كما لم يكن لأحد تفسير معين لاختفاء فرْمينا داثَا .

تابَع فلورنْتينوأَريثَا الطواف في لامانغا مُسْتَمِعاً دون تقوى الى المواعظ في كنيسة المدرسة الإكليريكية ومشاركاً في احتفلات تمدنية ما كانت لِتهمه وهو في حالة معنوية أخرى ، لكن مرور الوقت لم يكن إلا ليزيد من صحة رواية المرض ، كل شيء كان طبيعياً في بيت آل أُورْبينو باستثناء غياب الأم .

وفي خضم استقصاءاته الكثيرة وجد أخباراً أخرى لم يكن يعرفها أو لم يكن يبحث عنها منها موت لورينثو داثَا القرية الكانتبرية التي وُلِد فيها ، تذكَّر أنه كان يراه لسنوات طويلة في حروب الشطرنج الصاخبة في مقهى الباروكية بصوته الأبح لكثرة ما يتكلم ، وكان يصبح أكثر بدانة وفظاظة كُلما هوى في الرمال المتحرِكة لشيخوخة مَقيتة ، لكنه ما عاد يبادله الحديث منذ فطور خمر اليانسون المشؤوم في القرن الماضي مع أن فلورنْتينوأَريثَا كان متأكداً من أن لورينثو داثَا ما زال يذكره بِحِقْد شديد كحقده هو عليه حتى بعد أن حقق لابنته الزواج المحظوظ الذي كان مُبرر حياته الوحيد ، لكنه كان مصمماً على الوصول الى معلومات صحيحة عن صحة فرْمينا داثَا فعاد الى مقهى الباروكية ليحصل عليها من أبيها في الفترة التي جرت فيها هناك المباراة التاريخية حين واجه جيرميَا ديسَانْت آمور وحده اثنين وأربعين خصماً ، وكان أن عَلِم هناك بموت لورينثو داثَا وقد ابتهج لذلك من كل قلبه رغم معرفته أن ثمن تلك البهجة قد يكون استمراره في الحياة دون معرفة الحقيقة ، وأخيرا اعتبر رواية مستشفى اليائسين من الشفاء صحيحة دون عزاء آخر سوى مثَل شعبي سائر ، (امرأة مريضة ، امرأة خالدة).

وفي أيام يأسه كان يقتنع بفكرة أن خبر موت فرْمينا داثَا في حالة وقوعه سيصله على أية حال دون أن يبحث عنه ، لكن الخبر لم يصله أبدا ، ففرْمينا داثَا كانت حية ومعافاة في المزرعة التي تعيش فيها منسية ابنة خالها هيلْدا براندا سانجيت على بُعد نصف فَرْسَخ من قرية فلوريس دي ماريا .

لقد ذهبت بلا فضيحة وباتفاق مع زوجها بعد أن توَرَط كِلاهما كمراهقَين في الأزمة الجديَة الوحيدة التي عرفاها خلال خمس وعشرين سنة من زواجهما المستقر .لقد فاجأتهما الأزمة وهما في راحة النضوج حين بَدأا يشعران أنهما بمنأى عن أي مكيدة يحيكها الخصوم مع ابنَيهما الكبيرَين وحسنَي التربية والمستقبل المفتوح أمامهما ليتعلما كيف يشيخان دون مَرارات ، لقد كانت أزمة غير منتظرة لكِليهما ولم يشاءا فضها بالصُراخ والدموع والوسطاء كما هي العادة الطبيعية في الكاريبي ، ,إنما بحِكمة الأمم الأوربية وبما أنهما لم يتمكنَاممن عمل هذا ولا ذاك فقد انتهيا الى التخبط في حالة صبيانية لا تنتمي الى أي مكان ، وأخيرا قررت الذهاب حتى دون أن تعرف لماذا هي ذاهبة ، يقودها الى ذلك الغضب وحده ولم يكن هو بقادر على اقناعها بالعدول عن رأيها ، يمنعه منذلك شعوره بالذنب .

لقد صعدت فعلا الى سفينة في منتصف الليل وسط تكتم شديد وبوجه مغطى بطرحة الحداد ، لكنها لم تصعد الى عابرة المحيطات كونارْد الذاهبة الى بَنَما وإنما في سفينة عادية ماضةي الى خوان ديلاثيناغا المدينة التي وُلِدَت وعاشت الى أن بلغت سن الرشد ، وكان حنينها إليها يصبح أشد وطأة مع تقدم السنين ، ورغم مشيئة الزوج وعادات العصر فإنها لم تأخذ معها من يرافقها سوى ابنة في العماد عمرها خمس عشرة سنة كانت تعيش بين خدم البيت ، لكنهم أعلموا بسَفرها قَباطنة السفن وسلطات الموانئ التي ستمُر فيها .

وحين اتخذت قرارها الذي لا عودة فيه أخبرت ابنَيها أنها ذاهبة لتخفف عن نفسها لمدة ثلاثة شهور حيث تعيش الخالة هيلْدا براندا ، لكنها كانت قد قررت البقاء هناك .

كان الدكتور خوفينال أُورْبينو يعرف جيدا صلابة طبعها ، وكان مغموماً لدرجة أنه تقَبَّل سَفرَها بذُل وكأنه عقاب من الرب لخطورة آثامه ، لكنه لم يُضِع من نظره أنوار السفينة حين كان كِلاهما نادماً لضعفه ، ورغم احتفاظهما بِمُراسلات رسمية حول وضع الابنَين وبعض شؤون البيت الأخرى فقد انقضت سنَتان تقريبا دون أن يجد أياً منهما طريقاً للعودة ليست ملغومة بالكِبرياء .

ذهب الابنان الى فلوريس دي ماريا لقضاء عطلتهما المدرسية في السنة الثانية ، وفَعَلَت فرْمينا داثَا المستحيل لتبدو راضيةً عن حياتها الجديدة ، وكان هذا على الأقل هو ما استنتجه خوفينال أُورْبينو من رسائل ابنه ، ثم أن أسقف ريوهاجَا الذي كان يقوم حينئذٍ بِجَولة رعوية في تلك الأنحاء مُمْتَطياً تحت مظلة تقيه الشمس مَتْن بغلته الشهيرة البيضضاء ذات السرج الموشى بالذهب ، وجاء في إثْرِه حُجاج من أقاليم نائية وعازفو الأوكورديون وبائعو أطعمة وتمائم متجولون ، وامتلأت المزرعة لثلاثة أيام بِمَشْلولين ومرضى يائسين من الشفاء ، لم يأتوا في الحقيقة من أجل مواعظ الأسقف المُتضلعة ولا مغفرته الكُليَة وإنما سعياً وراء مِنَّة البغلة التي كان يُشاع أنها تُحقِق معجزات دون علم سيدها .

كان الأسقف على علاقة وطيدة بآل أُورْبينو دي لَاكايي مذ كان خورياً ، وفي ظهيرة أحد الأيام هرب من مهرجانه لِيتناول الغداء في عزبة هيلْدا براندا ، وبعد الغداء الذي لم يتكلم خلاله إلا بأمور دنيوية قاد فرْمينا داثَا جانباً وأراد أن يسمع اعترافها ، ولكنها رفضت بلطف إنما بحسم مُتَذَرِعَة بأنه ليس لديها ما تندم عليه ، ومع أن غرضها لم يكن كذلك في وعيها على الأقل إلا إنها فَكرت سيصل الى حيث يجب وصوله .

لقد اعتاد الدكتور خوفينال أُورْبينو القول ليس بلا شيء من المباهاة بأن تلك السنتَين المريرتين من حياته لم تكونا نتيجة ذنبه وإنما بسبب عادة زوجته المرذولة بِشَم الملابس التي يخلعها أفراد العائلة والتي تخلعها هي نفسها لتعرف من الرائحة إذا ما كان يجب إرسالها للغسيل حتى وإن بدت نظيفة للوهلة الأولى ، كانت تفعل ذلك منذ طفولتها ، ولم تكن ترى فيه ما يلفت الانتباه الى أن انتبه زوجها للأمر في ليلة الزفاف بالذات كما انتبه الى أنها تُدخن ثلاث مرات على الأقل يومياً وهي حابسة نفسها في الحمام ، لكن هذا لم يُقلقه لأن نساء طبقتها اعْتَدْنَ حبس أنفسهن في مجموعات للتدخين والحديث عن الرجال بل ولِشُرب الخمر القوية الرخيصة أيضا الى أن يطرحن أرضاً في سكرة كسكرات البَنّائين .

لكن عادتها في شَم كل ما تجده أمامها من ملابس لم تكن تبدو له غير لائقة فحسب وإنما ذات خطر على الصحة أيضا ، فكانت تأخذ الأمر بالمزاح كما تتناول كل ما لا تريد مناقشته ، وتقول إن الله لم يضع في وجهِها ذلك الأنف المُُدَقِّق لمجرد الزينة ، وفي صباح أحد الأيام أثناء خروجها الى السوق قلبت الخادمات الحي بحثاً عن الابن ذي السنوات الثلاث الذي لم يجدن له أثراً في أي مكان في البيت ، وجاءت هي وسط الذعر فقامت بجَولتَين أو ثلاث جَولات كتلك التي كلاب الأثر البوليسية ووجدت الابن نائم في إحدى خزائن الملابس حيث لم يخطر ببال أحد أن يكون قد اختَبَأ ، وعندما سألها زوجها المندهش كيف وجَدَتْه ؟

ردت قائلة : من رئحة بُرازه .

والحقيقة أن حاسة الشم لم تكن تفيدها في غسل الملابس أو في العثور على أطفال ضائعين فقط ، لقد كانت حاسة التوجه لديها في جميع مستويات الحياة وخصوصاً في الحياة الاجتماعية ، وقد لاحظ الدكتور خوفينال أُورْبينو ذلك خلال حياته الزوجية كلها وخصوصاً في بدايتها حين كانت دائمة العبوس في جو مهيأ ضدها منذ 300 سنة ، ومع ذلك فإنها كانت تسبح بين شِعاب مرجانية حادة دون أن تصطدم بأحد وبسيطرة على العالم لا يمكن لها إلا أن تكون غريزة خارقة للطبيعة ، هذه القدرة الرهيبة التي قد يكون منشؤها حِكْمة ترجع لملايين السنين أو قلب صُواني جاءتها بسعاة محنتها في يوم أحد مشؤوم قبل الذهاب للقُدّاس حين كانت فرْمينا داثَا تَشُمُّ الملابس التي استخدمها زوجها مَساء اليوم السابق بشكل روتيني محض فأحست بقلق أن رجلا آخر هو الذي أمضى الليل في فراشها ، شمَّت السُترة أولا ثم الصدرية فيما هي تَنْزِع الساعة ذات السلسلة الذهبية من العروة وتُخرِج قلم الرصاص ومحفظة الأوراق النقدية وقطع النقود المعدنية القليلة من الجيوب وكانت تضع كل ذلك على خوان الزينة ، ثم شمَّت القميص المُجَعد وهي تَحِل ياقة ربطة العنق وَزِرِي المِعصَم الياقوتيَين وزر الياقة الذهبي ، ثم شمَّت البنطال وهي تُخرج من جيوبه حمّالة المَفاتيح ذات الأحد عشر مِفتاحاً وقِلامة ريشة الكتابة ذات المِقبض الصدفي ، وشمَّت أخيرا السروال الداخلي والجوربَين والمنديل المُطرزة عليه الحروف الأولى من اسمه ، ولم يكن هناك من ظل أدنى شك ففي كل قطعة من ثيابه كانت تجد رائحة لم تكن فيها خلال سنوات حياتهما المشتركة الطويلة ، رائحة يستحيل تحديدها لأنها ليست رائحة زهور ولا رائحة مستحضرات اصطناعية وإنما رائحة خاصة بالطبيعة البشرية .

لم تقُل شيئا ، كما لم تعُد تجد تلك الرائحة كل يوم ، لكنها ما عادت تشُم ملابس زوجها بفضول لِتعرف إذا ما كانت بحاجة لِغسيل وإنما بجزع لا يُطاق كان يكوي أحشاءها .

لم تعرف فرْمينا داثَا أين تُحدد موقع رائحة الملابس في روتين زوجها ، لا يمكن أن يكون ذلك ما بين الدرس الصباحي والغداء لأنها افترضت أنه لا يمكن لامرأة سليمة العقل ممارسة حب مُتعجل في مثل تلك الساعة ، حين يكون على المرأة كَنْس البيت وترتيب الأَسِرة والتسوق وإعداد الغداء وربما تكون قلقة من أن يأتيها أحد الأطفال وقد أعادوه من المدرسة قبل الموعد لإصابته بضربة حجر فيجدها عاريةً في الساعة الحادية عشرة صباحا وي حجرة غير مرتَّبة ، كما يجد وتلك قاصمة الظهر أن طبيباً فوقها .

وكانت تعلم من تجربتها أن الدكتور خوفينال أُورْبينو لا يمارس الحب إلا لَيلا بل إنه يفضل أن يكون الظلام دامساً ، وربما قُبَيل الفطور أحيانا على زَقزَقة أول العصافير ، أما بعد هذه الساعة فنزع الملابس كما كان يقول ولِبْسها من جديد أشق على النفس من متعة حب كحُب الديك ، أي أنتلوث الثياب لا يمكن له أن يحدث إلا في إحدى زيراته الطبيَة أو في وقت مُختَلَس من من لياليه في لَعِب الشطرنج أو في السينما ، وقد كان التَحقُق من هذا الاحتمال الأخير صعباً ، لأن فرْمينا داثَا على العكس من معظم صديقاتها كانت تعتز بِكِبريائها بحيث لا تسمح لنفسها بالتجسس على زوجها أو بان تطلب الى احد عمل ذلك بدلا منها .

إن توقيت زيارة المرضى الذي يبدو الأكثر ملاأَمَة لاقتراف الخِيانة هو في الوقت ذاته أسهل فترة يمكن رصدها لأن الدكتور خوفينال أُورْبينو يسجل بالتَفصيل وضع كل مريض من زبائنه بما في ذلك حالة حسابات الأتعاب منذ أن يزوره أول مرة وإلى أن يودعه من هذا العالم بصليب أخير وعبارة من أجل راحة روحه .

بعد ثلاثة أسابيع لم تجد فرْمينا داثَا للرائحة أثراً في الملابس لعدة أيام ثم عادت تجدها فجأة ودون سابق إنذار ، ثم إنها وجدتها فيما بعد أوضح مما كانت عليه سابقاً ولِأيام متتالية رغم أن أحد تلك الأيام كان يوم أحد احتفالي لم تُفارقه خلاله لحظة واحدة ، وفي إحدى الأُمسيات وجدت نفسها في مكتب زوجها على خلاف عادتها بل وعلى خلاف رغبتها وكأنها ليست هي التي تقوم بشيء لم تُقْدِم عليه أبدا ، وإنما امرأة أخرى سواها مُحَلِلةً بِعدسة مُكَبِرة ملاحظات زوجها المتَشابِكة عن زياراته لمرضاه خلال الشهور الأخيرة .

كانت المرة الأولى التي تدْخل فيها هذا المكتب المُشبع بِرطوبة الكِريوزوت والمُفْعمة بالكتب المُجَلَّدة بجلود حيوانات مجهولة وصور مدرسية مضطربة وشهادات شرف واصطارلابات وخناجر زائفة جمعها خلال سنوات ، إنه الهيكل السري الذي كان دوما جزءاً من حياة زوجها الخاصة ، وهي لا تَدْخُله لأنه لا علاقة له بالحب ، أما المرات القليلة التي دخلت هناك فكانت وهي معه ومن أجل قضايا مستعجلة دوما ، لم تكن تشعر بأن لها الحق في الدخول وحدها وخصوصاً إذا كانت تريد إجراء تحريات لا تبدو لها محترمة ، إنما هاهي هناك ، إنها تريد العثور على الحقيقة وتبحث عنها بقلق لا يمكن مقارنته بِخوفها الرهيب من العثور عليها مدفوعة بعاصفة متسلطة أكثر عتوا من كِبريائها الخَلْقي ، أكثر عتوا من كرامتها ، أنه تعذيب ساحر للنفس .

لم تستطع الوصول الى شيء واضح لأن مرضى زوجها باستثناء الأصدقاء المشتركين بينهما كانوا كذلك جزءاً من احتكارات زوجها الخاصة ، إنهم أُناس بلا هوية ، لا يُعرَفون بوجوهِهم وإنما بآلامهم ، لا يُعرَفون بلون أعينهم أو مراوغة قلوبهم وإنما بحجم كبدهم وقَلْح لسانهم وكثافة بَولِهم وهذيانِهم في ليالي الحُمّا ، أُناس يؤمنون بزوجها ، يؤمنون بأنهم يعيشون به بينما هم في الحقيقة يعيشون له وينتهون الى اختزالِهم في عبارة يكتبها بخطِه ويده على طرف التقرير الطبي : اهدأ فالرب ينتظرك عند الباب .

تركت فرْمينا داثَا المكتب بعد ساعتين ، لم تصل خلالهما الى شيء شاعرة أنها خضعت لغواية فاحشة ، وبدأت تكتشف مدفوعة بأوهامها التبدلات التي طرأت على زوجها ، أصبحت تراه مراوِغاً قليل الشهية على المائدة وفي الفراش ، ميالا الى السخط والردود المتهكمة ولم يعُد الرجل الهادئ الذي كانه من قبل أثناء وجوده في البيت وإنما صار أشبه بأسد محبوس ، ولأول مرة منذ زواجهما أخذت راقب تأخره وترصد أوقاته بالدقيقة وتكذب عليه لتحصل عى الحقائق ، ولكنها كانت تشعر بعد ذلك بجرح قاتل لتناقضِها ، وفي إحدى الليالي استيقظت مذعورة لإحساسها أن زوجها يتأملها في العتمة بعينَين مشحونتَين بالحقد ، لقد عانت قشعريرة مُماثلة وهي في زهرة شبابها حين كانت ترى فلورنْتينوأَريثَا يتأملها عند طرف السرير ، والفارق الوحيد هو ا ، مظهره لم يكن حينئذٍ مظهر حقد وإنما حب ثم إنها لم تكن واهمة هذه المرة ، كان زوجها مستيقظاً في الثانية بعد منتصف الليل وقد اعتدل في السرير ليتأملها وهي نائمة ، ولكنها حين سألَته لماذا يفعل ذلك ؟

أنكر الأمر وأعاد وضع رأسه على الوسادة قائلا : لابد أنك كنت تحلمين .

بعد هذه الليلة وبفعل أحداث مشابهة وقعت في تلك الفترة التي لم تعُد فرْمينا داثَا تعلم فيها علم اليقين أين ينتهي الواقع وأين تبدأ الأحلام ، توصلت الى اكتشاف باهر بأنها آخذة بِالجِنون ، ثم انتبهت أخيرا الى أن زوجها لم يتناول القربان الرباني يوم خميس التجسيد ولا في أي أحد من آحاد الأسابيع الأخيرة ، كما أنه لم يجد وقتاً للخلوة الروحية في ذلك العام ، وعندما سألَته عن سبب هذه التبدُلات الغريبة في صحته الروحية تلقت رداً مُبْهَماً .

وكان هذا هو المِفتاح الحاسم للحل لأنه لم يكن يتخلف عن تناول القربان المقدس في يوم بهذه الأهميَة منذ مناولته الأولى وهو في الثمنة من العمر ، وهكذا أدركت أن زوجها لم يسقط في الخطيئة المهلكة وحسب وإنما هو مُصِرّ على الولوغ فيها لأنه يرفض اللجوء الى مساعدة كاهن الاعتراف .

لم تتصور أنها قد تُعاني يوما الى هذا الحد من شيء يبدو مناقِضا للحُب تماما ، ولكنها كانت في خضم هذه المعاناة ورأت أن الوسيلة الوحيدة لِتَخليص نفسها هي دَسُّ النار الى جحر الحيات التي سممت دخيلتها .

وهكذا فعلَت ، فقد جلست في مَساء أحد الأيام لِتَروف أعقاب الجوارب على الشُرْفة فيما كان زوجها يُنهي قراءته اليومية بعد القيلولة ، وفجأة قطعت عملها ورفعت نظارتها الى جبهتها واستجوبته دون أي قسوة .

- دكتور .

كان غارقاً في قراءة إلِديس بِنجونس الرواية التي قرأها الجميع في تلك الأيام .

وأجابها دون أن يخرج من جو الرواية : أُويو .

فألحت : انظر الى وجهي .

فعل ذلك ناظراً إليها دون أن يراها من خلال غِلالة نظارة القراءة ، لكنه لم ينزع النظارة كي لا يحترق بجمرة نظرتها وسألَها ما الأمر ؟

فقالت : أنت تعرفه خيراً مني.

ولم تقُل شيئا آخر بل أنزلت نظارتها من جديد وتابعت رَفوَ الجوارب .

حينئذٍ علِم الدكتور خوفينال أُورْبينو أن ساعات الجزع الطويلة قد انتهت وعلى العكس من تصوره لتلك اللحظة فإنها لم تكن هزة تزلزل القلب وإنما مجرد ضربة سلام ، إنها الطمأنينة العاجلة لما كان سيحدث عاجلا أَم آجلا ، لقد دخل شبح الآنسة باربرَا لينج الى البيت أخيرا .

كان الدكتور خوفينال أُورْبينو قد تعرَّف عليها قبل أربعة أشهر بينما كانت تنتظر دورها في العيادات الخارجية بمشفى الرحمة ، وانتبه على الفور بأن شيئا لا سبيل لإصلاحه قد حاق بقدَرِه ر .

كانت خلاسية طويلة القامة ذات عظام طويلة لِبشرتها لون العسل الأسود وقوامه اللَدِن ذاته ، وكانت ترتدي في ذلك الصباح فُستانا أحمر مُزَيَناً بدوائر بيضاء وتضع قُبعة من نفس النوع ذات حافة عريضة تُفرِد ظلَها حتى حتى رموش عينيها وكانت تبدو وكأنها من جنس أكثر تحديدا من سائر أبناء البشر .

لم يكن الدكتور خوفينال أُورْبينو يعالج المرضى في العيادات الخارجية ، ولكنه اعتاد كُلما مر من هناك وكان لديه متسع من الوقت الدخول لِيُذَكِّر تلاميذه الكبار بأنه لا دواء أفضل من التشخيص الجيد ، وهكذا تدبر أمره ليكون حاضراً عند فحص الخلاسية العابرة مُحاذراً ألا يلحظ تلامذته أية حركة لا تبدو عرَضية ، ودون أن ينظر إليها تقريباً ، ولكنه دَوَّن في ذاكرته جيداً المعلومات التي قدمتها عن نفسها ، وفي هذا المَساء بالذات بعد زيارة آخِر مرْضاه جعل العربة تمُر من العنوان الذي أفْضت به في العيادة ، وكانت هناك فعلا تستمتع على الشُرْفة برطوبة آذار .

كان البيت واحدا من بيوت الأنتيل التقليدية ، مطلياً كُله باللون الأصفر بما في ذلك سقف التوتياء ، وله نوافذ مُخَرَمة وفيه أُصص قُرُنْفُل وسَرْخَس معلَّقة على البوابة الخارجية ، وكان البيت يقوم فوق ركائز خشبية في مستنقع لامالاكِريَانْثَا ، وفي قفص مُعلَّق بأفريز السطح كان يغرد عصفور توريبال ، وعلى الرصيف المقابل للبيت كانت توجد مدرسة ابتدائية وكان الأطفال يخرجون منها بفوضى أجبرت الحوذي على شد الأُعِِنِّةالأَعِنَّة بقوة لِيحول دون إجفالهم رللحصان ، لقد كانت تلك ضربة حظ إذ تمكنت الآنسة باربرَا لينج من التعرف على الدكتور ، فحيته بحركة مَعارف قُدماء ودعته ليتناول فنجان قهوة ريثما تنتهي الفوضى ، فتناوله بكُل سرور على خلاف عادته مُستَمِعاً إليها تتحدث عن نفسها ، وهو الشيء الوحيد الذي أصبح يهمه منذ ذلك المَساء ، والشيء الوحيد الذي سيستحوذ على اهتمامه دون لحظة سلام خلال الأشهر التالية .

لقد قال له أحد أصدقائه بحضور زوجته في إحدى المناسبات وهو حديث العهد بالزواج بأنه سيواجه عاجلاً أو آجلاً عاطفة تبعث على الجنون ، يمكنها أن تُعرِّض استقرار حياته الزوجية للخطر ، لكنه هو الذي كان يظن بأنه يعرف نفسه جيدا ويَعرف متانة جذوره الأخلاقية ضحك من هذه النبوءة .

حسناً إذن ، هذه هي الآن الآنسة باربرَا لينج دكتوراه في علم اللاهوت ، هي الابنة الوحيدة للمحترم جون ثين لينج الراعي البروستانتي الزنجي النحيف الذي ينطلق على بغلته على قرى المستنقع الهنديية مبشراً بتعاليم أحد الألهة الكثيرين الذي يكتبهم الدكتور خوفينال أُورْبينو بادئاً أسماءهم بحرف صغير ليميزهم عن إلهه .

كانت تتحدث بِقِشْتالية جيدة مع عثرات ضئيلة في النحو يضاعف تكرارها من ظرافتها ، كانت ستتم الثامنة والعشرين من العمر في كانون الثاني وقد طُلِّقَت قبل ذلك بقليل من راعٍ آخر أ=هو أحد أتباع أبيها ، وكانت قد تزوجت منه زواجاً سيئا دام سنتين ولم تعُد لديها رغبة في الزواج مجددا .

قالت : لا أحب أحداً سوى عصفورَي التوربيال .ط

لكن الدكتور خوفينال أُورْبينو كان جدياً بما يكفيه ليفكر بإنها إنما تقول ذلك مُتعمِدةً ، بل إنه سأل نفسه وهو مضطرب الأفكار ما إذا كانت كل هذه التسهيلات مُجتمعة ليست سوى فخ من الرب لجعله يدفع الثمن باهضاً فيما بعد ، ولكنه أبعد هذا السؤال في الحال من ذهنه على أنه حالة لاهوتية سببها وضعه المضطرب .

وعندما ودعها تطرَق بشكل عرَضي الى استشارتها الطبية صباحا ، مُدرِكاً أنه ليس أَحب للمريض من الحديث عن آلامه ، وقد كانت هي في منتهى الروعة بحديثها عن آلامها ، حتى أنه وعدها بالعودة في اليوم التالي الساعة الرابعة تماما لفحصها فحصاً دقيقاً .

أحست بالفزع ، كانت تعلم أن طبيبا

ً من هذا النوع بعيد جدا عن إمكانياتها .

لكنه طمأنها : إننا نحاول في هذه المِهنة جعل الأغنياء يدفعون عن الفقراء .

ثم سجل الملاحظة في دفتر جيبه ، الآنسة باربرَا لينج مستنقع لامالاكِريَانْثَا السبت الرابعة مَساءً .

بعد ذلك بشهور قرأت فرْمينا داثَا تلك الملاحظة التي أُضيفت إليها تفاصيل التشخيص والعلاج وتطور المرض ، وقد لفت الاسم اهتمامها وخطر لها فجأة بأنها واحدة من هؤلاء الفنانات المُضلِلات في سفن نيو أُورلِنيانز للفواكه ، لكن العنوان جعلها تُفكر بأن الاحتمال الأقرب الى الصواب هو أنها جامايكية وزنجية بالطبع ، فصرفت النظر عنها دون معاناة لعدم انسجامها مع ذوق زوجها .

ذهب الدكتور خوفينال أُورْبينو الى موعده يوم السبت متقدماً عشر دقائق حين لم تكن الآنسة لينج قد انتهت من ارتداء ملابسها لاستقباله ، ولم يشعر بتوتر كالذي شَعَر به أمامها منذ أيام باريس حين كان عليه التقدم لامتحان شفوي .

كانت الآنسة لينج تمتلك جمالا لا محدوداً وهي مستلقية على السرير بقميص نوم حَريري رقيق ، كل ما فيها كان عظيماً وَزَخماً ، فخْذاها اللذان كفخذَي عروس البحر وبشرتها المحروقة على نار خفيفة ونهداها الذاهلان ولثتها الشفافة ذات الأسنان الدقيقة ، وجسدها كله الذي ينضح ببخار العافية ، وهي الرائحة البشرية التي وَجَدَتها فرْمينا داثَا في ملابس زوجها .

كانت قد ذهبت الى العيادة الخارجية لمعاناتها من شيء تدعوه بِظرَافة شديدة مغصاً ملتوياً ، وظن الدكتور أُورْبينو أنها أعراض قلة شرب السوائل ، وقد لامس على أي حال أعضاءها بغرض أبعد ما يكون عن الاهتمام الطبي ، وراح ينسى أثناء ذلك معارفه العلمية ويكتشف مذهولا أن تلك المخلوقة العجيبة كانت جميلة من الداخل كجمالها من الخارج

وعندئذٍ ترك متعة اللمس تقوده ليس على أنه الطبيب الأكثر شُهرة في ساحل الكاريبي وإنما كرجل بائس على باب الله يعذبه هيجان الغرائز .

كان قد حدث له شيء مُشابه كهذا مرة واحدة في حياته المِهَنية الطويلة ، وقد كان ذاك هو يوم عاره الكبير لأن المريضة الحانقة أزاحت يده واعتدلت على السرير قائلة له : إنما تريده يمكن أن يحدث ولكن ليس هكذا .

أما الآنسة لينج فقد سلمت نفسها ليَدَيه ، وحين لم يعُد لديها أدنى شك في أن الطبيب ما عاد ليفكر بعلمه قالت : كنت أظن أن هاذا غير مسموح في الأخلاق الطبية .

كان مبللا بالعرَق وكأنه خارج بملابسه من بِرْكة ماء ، فمسح يدَيه ووجهه بمنشفة وقال : الأأخلاق الطبيَة تصَوِّرُنا معشر الأطباء من خشب .

مدت له يداً شاكرة وقالت : كوني كنت أظن لا يعني أنه لا يمكنك فعل ذلك ، تصور ما الذي سيحدث لِزِنجية مسكينة مثْلي حين يهتم بي رجل بالغ الأهميَة .

فقال : لم أتوقف عن التفكير بكِ لحظة واحدة .

كان اعترافاً مُرتعشاً الى حد جعله جديراً بالشفقة ، ولكنها وضعته بمَنجَى من كل شر بِقَهْقَهَة أضاءت حجرة النوم وقالت : أعرف ذلك مُذ رأيتك في المستشفى يا دكتور ، صحيح أنني زنجية ولكنني لست غبية .

لم يكن الأمر سهلاً ، فالآنسة لينج تريد شرفها نظيفاً وتريد الأمان والحب ، وترى أنها جديرة بذلك ، لقد أتاحت للدكتور أُورْبينو فرصة إغوائها إنما دون السماح له بدخول الحجرة أثناء وجودها وحيدة في البيت ، وأبعد ما وصلت إليه هو السماح له بتكرار طقوس اللمْس والفحص بالتنصت مع كل ما يرافق ذلك من خروقات أخلاقية يشاؤها ، ولكن دون أن تنزع ثيابها ، أما هو فلم يستطع إفلات الطعم بعد أن ابتلعه وثابر على حصاره اليومي .

كان استمرار علاقته بالآنسة لينج شبه مستحيل لأسباب مرتبطة بنظامه العملي ، ولكنه كان أضعف من أن يكبح نفسه في الوقت المناسِب كضعفه في المضي قُدُماً فيما بعد ، لقد كانت له حدوده .

لم تكن حياة المحترم لينج بالحياة المنتظِمة فهو ينطلق في أي وقت على متْن بغلته المُحمَّلة في أحد جانبَيها بكتب مقدسة ونشرات دعائية إنجيلية ، وفي الجانب الآخر بالزاد ومواد التموين ، ويرجع حين لا تخطر عودته ببال أحد ، كما كان هناك عائق آخر يتمثل بالمدرسة المقابلة ، فالأطفال فيها يوغنون دروسهم وهم ينظرون الى الشارع من النافذة وأفضل ما يرونه هو البيت القائم على الرصيف المقابل بأبوابه ونوافذه المُشْرَعة على مصراعَيها منذ الساعة السادسة صباحا ، ويرون الآنسة لينج وهي تُعلِّق القفص بأفريز السطح ليتعلم طائر التوريبال موسيقى الدروس المُغْناة ، ويرونها بعمامتها الملونة وهي تغني أيضا بصوتها الكاريبي النقي أثناء قيامها بأعمال البيت ، ويرونها بعد ذلك جالسة على الشُرْفة لتغني وحدها بالإنجليزية مزامير المَساء .

كان عليه أن يختار وقتاً لا يكون الأطفال موجودين فيه ، ولم يكن أمامه سوى احتمالَين ، إما أثناء استراحة الغداء ما بين الثانية عشرة والثانية ، وهو الوقت الذي يذهب فيه الدكتور لتناول الغداء أيضا ، وإما في المَساء حين ينصرف الأطفال الى بيوتهم ، وقد كان هذا الاحتمال الأخير هو الأفضل دائما ، ولكن الدكتور يكون حينئذٍ قد أنهى زياراته ولا يبقى أمامه سوى دقائق قليلة للوصول الى البيت وتناول الطعام مع أسرته .

أما المشكلة الثالثة وهي الأخطر بالنسبة له ، فكانت تتمثل في وضعه بالذات ، إذ لم يكن بإمكانه الذهاب دون العربة ، وهي عربة معروفة جيدا ويجب أن تنتظره دوماً أمام ب\الباب ، كان بإمكانه الاتفاق مع الحوذي كما يفعل جميع أصدقائه في النادي الاجتماعي تقريبا ، ولكن هذا الأمر كان غريباً عن عاداته حتى أن حوذي العائلة نفسه وبعد أن أصبحت زياراته للآنسة لينج مكشوفة بما فيه الكفاية تجرأ على سؤاله إذا لم يكن امن الأفضل أن يرجع بحثاً عنه فيما بعد كي لا تبقى العربة متوقِفة أمام الباب لوقت طويل .

لكن الدكتور أُورْبينو قاطعه بِرَدة فعل غريبة على طبيعته قائلا : هذه هي المرة الأولى التي أسمعك فيها تقول شيئا يجب عليك ألا تقوله مُذ عرفتك ، ولكن لا بأس سأَعتبِر أنك لم تقُل شيئا .

لم يكن ثمة مفر ففي مدينة كهذه لا يمكن إخفاء مرض ما دامت عربة الطبيب عند الباب ، لقد كان الطبيب يبادر أحيانا بالذهاب الى بيت المريض مَشْياً على الأقدام حين تسمح المسافة بذلك ، أو الذهاب في عربة أجرة ليحول دون تخمينات خبيثة أو مُبكرة ، ومع ذلك فإن هذه الحِيَل لم تكن ذات نفع كثير ، فالأدوية التي يصفها الطبيب لِتُشتَرى من الصيدليات تُتيح كشف الحقيقة مما كان يدفع الدكتور أُورْبينو الى وصف أدوية مُزيَفة الى جانب الأدوية الصحيحة ليحفظ حقوق المرضى في الموت بسلام مع أمراض أسرارهم ، ورغم قدرته كذلك على أن يُبرر بوسائل شريفة مختلفة وقوف عربته أمام دار الآنسة لينج إلا أنه لم يتمكن فعل ذلك لِزَمن طويل بل لوقت أقصر بكثير من الزمن الذي كان يرغب فيه ، مدى الحياة .

صارت دنياه جحيماً ، فما أن ارتوَى الجنون الأول حتى أدرك كِلاهما المَخاطر المُحيقة بهما ، ولم يكن الدكتور خوفينال أُورْبينو قد حسم أمره يوما وأعد نفسه لمواجهة الفضيحة .

لقد كان يَعِدُها بكل شيء أثناء هذيانه المحموم ، ولكنه بعد الانتهاء يؤجل كل شيء الى ما بعد ، وفي المقابل كُلما ازداد شوقه للقائها يزداد كذلك خوفه من فقدانها .وهكذا أصبحت لقاءاتهما سريعة وصعبة ، لم يكن يفكر بشيء آخر ، كان ينتظر المَساء بجزع لا يطاق وينسى مواعيده الأخرى ، ينسى كل شيء سِواها ، ولكن ما أن تبدأ العربة بالاقتراب من مستنقع لامالاكِريَانْثَا حتى يأخذ بالابتهال الى الله ليبعث له عائقا في اللحظة الأخيرة يجعله يواصل طريقه دون الدخول إليها .

كان يعاني حالة من الكآبة تجعله يبتهج حين يرى أحيانا وهو على الناصية رأس المحترم لينج الملفوف بالقطْن جالساً يقرأ على الشُرْفة والابنة في الصالة تُلَقِّن أصول الدين لأطفال الحي من خلال الأناجيل المُغنّاة ، فَيمضي حينئذٍ سعيدا الى بيته كي لا يستمر في تحدي القدَر ، ولكنه لا يلبث أن يشعر بقلق مجنون يتمنى خلاله أن يتحول اليوم كله وجميع الأيام لتصبح جميعها الخامسة مَساءً فقط .

أصبحت تلك الغراميات مستحيلة حين أخذ ظهور العربة يكثر أمام الباب ، ولم يعُد ذلك بعد مرور ثلاثة شهور سوى عمل مضحك ، فقد كانت الآنسة لينج تَدْخُل حجرة النوم دون أن يُتاح لها الوقت لقول أي شيء بمجرد رؤيتها العاشق الولهان يدخل ، وكانت تتخذ الاحتياطات المسبقة في الأيام التي تنتظر قدومه فيها بارتدائها فُستاناً جامايكياً بديعاً مُزَيَن بزهور ملونة ، ولكن دون أية ملابس داخلية ودون أي شيء مُعتقدة أن السهولة ستُساعده على التغلب على الخوف .

لكنه كان يُهدِر كُلما تفعله لِإسعاده ، فيلحقها الى حجرة النوم لاهثاً ومبلللاً بالعرَق ، ثم يبدأ بالتخلص مما يحمله مُلقياً بكل شيء على الأرض ، العُكّاز وحقيبة الطبيب والقُبعة البَنَمِية ليمارس حُباً مرتبكاً بسروال مُجَعَّد عند كاحِلَيه وسُترة مُزرَّرة ليكون إزعاجها أقل وسلسلة ذهبية مُثَبَتة في صدريته وهو مُنْتَعِل حذاءه وكل شيء ، مهتماً بالذهاب بأسرع ما يمكن أكثر من اهتمامه باستكمال المتعة .

وتبقى هي صائمة ما أن تَهُمَّ بدخول نفق عزلته حتى يبدأ بإحكام أزرار سرواله من جديد وهو مُنهَك كما لو أنه مارس الحب المطلق على الخط الفاصل بين الحياة والموت ، بينما هو لم يفعل في الحقيقة أكثر مما يتطلبه فعل الحب من جهد جسدي ولكنه يبقى ضمن حدود قانونه ، إنه الوقت اللازم لإعطاء حُقْنة في العضل لحالة علاج روتينية ، ويعود بعدئذٍ الى البيت خجلاً من ضعفه راغباً في الموت ولاعناً فقدانه الشجاعة اللازمة للطلب من فرْمينا داثَا أن تنزع له سرواله وتُجلسه على الجمر لِتُحْرِق قفاه .

لم يكن يتعشى ويُصَلّي دون إيمان ويتصنع مواصلة قراءة ما بعد القيلولة وهو في الفراش فيما زوجته تَلُفُّ في البيت وتدور مُرَتِّبَةً الدنيا قبل أن تنام ، وما أن يداعبه النعاس فوق الكتاب حتى يأخذ بالغرق شيئا فشيئا في غابة الآنسة لينج التي لا مفر منها ، يغرق في رائحتها التي كرائحة غابة راقدة فوق فراشها الذي كفراش الموت ، ولا يستطيع التفكير عندئذٍ بشيء سوى الساعة الخامسة إلاى خمسة دقائق من مَساء اليوم التالي ، وبها تنتظره في السرير دون أي شيء سوى جبلها للَدِن القاتم تحت الفُستان الجامايكي المجنون ، إنها الدائرة الجهنمية .

كان قد بدأ يعي ثقل جسده منذ بضع سنوات ، وكان يعرف الأعراض لقد قرأها في كتُب الطب ولمَسها في الحياة الواقعية بمعاينتها في مرضى هَرِمين بلا سوابق مرضية خطيرة ، يبدؤون فجأة بوصف أعراض دقيقة يبدو وكأنهم أنهم يستخرجونها من كتُب الطب رغم أنها لا تعدو أن تكون أوهاماً ، لقد نصَحه أستاذ طب الأطفال في جامعة سالبتريير يوما بدراسة طب الأطفال لأنه أنبل اختصاص ، فالأطفال لا يمرضون إلا حين يكونون مرضى حقاً ، ولا يستطيعون التواصل مع الطبيب بالكلمات الاصطلاحية وإنما بالأعراض المحددة للأمراض الحقيقية ، أما البالغين اعتباراً من سن معينة فإم أن لديهم أعراضاً بلا أمراض وإما أن لديهم ما هو أسوأ من ذلك ، أمراضاً خطيرة وأعراض أمراض أخرى ليست ذات شأن ، وكان هو يشغلهم بالمُسكنات مُتيحاً الوقت للزمن كي يتعلموا عدم الشعور بتوعكات الكِبَر بعد مُعايشتهم لها في مزبلة الشيخوخة .

وما لم يفكر به الدكتور خوفينال أُورْبينو أبدا هو أن طبيباً في مثل سِنِّه يظن بأنه رأى كل شيء وخَبَره لن يستطيع تَجاوِز قلق شعوره بأنه مريض حين لا يكون كذلك أو يقع له ما هو أسوأ بأن يظن أنه ليس مريضا مُتعَلِلاً بأوهام طبية محضة ، في حين ربما يكون مريضا فعلا ، لقد قال في أحد دروسه يوما وهو في الأربعين نصف مازح ونصف جاد : الشيء الوحيد الذي أحتاجه في الحياة هو أحد يفهمني .

ولكنه حين وجد نفسه ضائعا في مَتاهة الآنسة لينج لم يفكر بالأمر مازحا ، جميع الأعراض الحقيقية والوهمية لمرضاه المسنين اجتمعت في جسده ، فكان يحس شكل كبده بوضوح ويستطيع تحديد حجمه دون أن يلمسه ، كان يشعر بزمجرة القط النائم في كِلْيته ، ويشعر ببريق مَرارته الساطع ، ويحس خرير الدم في شرايينه ، وكان يستيقظ صباحا في بعض الأحيان كسمكة لا تجد الهواء للتنَفس ، ويشعر بوجود ماء في قلبه ويحس به يفقد إقاعه للَحظة أو يشعر به بين حين وآخر يتأخر في نبضة من نبضاته كما في المشية العسكرية أيم المدرسة ، ثم يشعر بأنه يستعيد قواه لأنه الله كبير .

ولكنه بدلا من أن يلجأ الى علاج السلوى الذي كان يطبقه على المرضى فأنه سمح للخوف أن يُغْميه ، حقا إن الشيء الوحيد الذي يحتاجه في الحياة وهو في الثامنة والخمسين من العمر أيضا هو أحد يفهمه .

وهكذا لجأ الى فرْمينا داثَا أكثر مَن تحبه ويحبها في هذا العالم ، ومن سَيُريح ضميرَه أمامها ، حدث هذا بعد أن قاطعته في قراءته المَسائية لِتَطْلُب منه أن ينظر الى وجهِها .

فاجأته الإشارة الأولى بأن حلقته الجهنمية قد كُشِفت ، لم يفهم كيف حدث ذلك ، إذ كان مستحيلا عليه أن يتصور بأن فرْمينا داثَا اكتشفت الحقيقة بمجرد الشَم ، لكن هذه المدينة لم تكن على أية حال ومنذ زمن بعيد بالمدينة المناسِبة لكتمان الأسرار .

فبعد وقت قصير من وصول أجهزة الهاتف الأولى انهارت عدة زيجات كانت تبدو راسخة تحت نمائم الاتصلات الهاتفية المجهولة ، ودفع الرعب عائلات كثيرة الى إلغاء اشتراكها أو رفض الاشتراك بالهاتف لِسنوات طويلة .

كان الدكتور خوفينال أُورْبينو يعرف أن زوجته تعتز بنفسها كثيرا بحيث لا تسمح حتى بمحاولة وشاية مجهولة بالهاتف ، ولم يكن قادرا على تصور أن أحداً يتجرأ على إخبارها مُعلِناً عن اسمه لكنه بالمقابل كان يخشى الوسيلة القديمة ، ورقة تَدُسُّهَا يد مجهولة من تحت الباب يمكنها أن تكون فعالة ليس لأنها تضمن ازدواجية المجهولةي للمُرسِل والمرسل إليه وإنما لأن أصْلَها العريق يُتيح ربطها بعلاقة ميتَافيزيقية ما مع تدابير العناية الإلهية .

لم تكن الغيرة تعرف الى البيت سبيلا ، فخلال أكثر من ثلاثين سنة من السلام الزوجي كان الدكتور أُورْبينو يفاخر في الأماكن العامة وكان صادقاً حتى ذلك الحين بأنه مثل الثِقاب السويدي لا يشتعل إلا بعُلْبته ، لكنه كان يجهل كيف يكون رد فعل بكِبريائها واعتزازها الشديد بنفسها وبطبعها الحاد أمام خيانة ثابتة .

وهكذا فإنه حين تَطَلَّع في وجهِها كما طلبت منه لم يَخطُر له شيء سوى أن يخفض بصره من جديد ليغرق في القلق ، وظل يتظاهر في الانغماس في تعرجات نهر جزيرة أَلَكَا العذب ريثما يَخطُر له ما يفعله .

ولم تقُل فرْمينا داثَا من جهتها شيء آخر ، وعندما انتهت من رَفْوِ الجوارب ألقت بالأدوات دون انتظام في علبة الخياطة ، وأعطت التعليمات في المطبخ لإعداد العشاء ومضت الى حجرة النوم .

حينئذٍ اتخذ قراره الحاسم ولم يذهب في الساعة الخامسة الى منزل الآنسة لينج ، أما وعود الحب الأبَدي والحلم ببيت سري لها وحدها حيث يستطيع زيارتها دون مفاجآت والسعادة على مهل حتى الموت ، وكل ما وعدها به أثناء ومضات الحب أُلْغِيَ الى الأبد ، وآخِر ما تلقته منه الآنسة لينج كان أكليلا من الزُمُرُد سلَّمها إياه الحوذي دون أي تعليق ، دون أي رسالة ، دون أية ملاحظة مكتوبة في علبة ملفوفة بورق صيدلية حتى ظنه الحوذي نفسه دواءً مستعجلاً ، ولم يعُد لرؤيتها ولو مصادفةً خلال ما تبقى من حياته ، والله وحده يعلم كم من الآلام كلَّفه هذا القرار البطولي وكم من الدموع المريرة سَكَب وهو محبوس في المرحاض ليتجاوز كارثته الحميمة ، فبدلا من أن يذهب إليها في الساعة الخامسة قام بتقديم توبته النصوح أمام كاهن الاعتراف ، وشارك يوم الأحد التالي في تناول القربان الرباني بقلب مُفتَت وإنما بروح مطمئنة .

يوم قطع علاقته بها وفيما هو ينزع ملابسه لينام كرر على مسامع فرْمينا داثَا تراتيل أَرَقِه الصباحي المَريرة والوخزات المباغتة والرغبة بالبكاء عند الظهيرة والاعراض المقتضبة للحب الخفي التي كان يرويها لها حينئذٍكما لو كانت أعراض الشيخوخة البائسة .

كان عليه أن يحكي ذلك لأحد كي لا يموت ، كي لا يروي الحقيقة ، ثم أن تلك المُفاتَحات بمكنون قلبه كانت أولا وأخيرا أحد طقوس الحب البيتي .

استمعت إليه باهتمام إنما دون النظر إليه ودون أن تقول شيئا ، بينما هي تتناول منه الملابس التي يخلعها ، كانت تشُم كل قطعة منها دون أية إماءة تَشي بغضبها ثم تطويها كيفام اتُّفِق وتُلقي بها الى سلة الثياب المُتَسخة الخيزرانية ، لم تجد الرائحة ولكن الأمر سيان ، غدا سيكون يوم آخر ، وقبل أن تجثو أمام المَذبَح الصغير في حجرة النوم اختتم هو روايته المكرورة عن بؤسِه بتنهدة حزينة وصريحة أيضاً .

- أظن أنني سأموت .

ولم ترمِش رَمشة واحدة حين ردت عليه قائلة : سيكون هذا أفضل ، لأننا سنستريح كِلانَا .

قبل سنوات وخلال أزمة مرض خطير كان قد تحدث عن احتمال موته ، وكانت هي قد ردت بالجواب القاسي نفسه ، ÷ وقد عزا الدكتور أُورْبينو ذلك يومها الى قسوة النساء هذه التي تُتابع الأرض بفضلها الدوَران حول الشمس ، لأنه كان يجهل حينئذٍبأنها تُقيم دوما حاجزاً من الغضب لِتُخفي خوفها ولِتُخفي يومئذٍ أكثر مخاوفها رهبةً ألا وهو الخوف من البقاء بدونه ، لكنه تمنَّت له الموت في تلك الليلة بكُل حدة قلبها وقد أفزعه هذا اليقين ، بعد ذلك سَمِعها تبكي في الظلام بوَهَن شديد عاضةً الوسادة كي لا يَسمعَها ، فَبَهَرَه ذلك لأنه كان يعلم أنها لا تبكي بسهولة من أي ألم جسدي أو روحي ، وأنها تبكي لِحَنَق عظيم فقط ، ويكون بكاؤه أشد إذا ما كان هذا الحنق ناشئاً بطريقة ما عن خوفها من الشعور بالذنب .

لم يتجرأ على مواساتها مُدركاً أن ذلك سيكون أشبه بمُواساة نَمِرَة مطعونة بحربَة ، ولم يمتلك الجُرأة ليقول لها أن أسباب بُكائها قد زالت هذا المَساء ، وأنها انتُزِعت من جذورها الى الأبد حتى من ذاكرته .

هزمه الإرهاق لِدَقائق وعندما استيقظ وجدها قد أضاءت النور الخفيف الذي الى جانبها وأنها ما زالت مفتوحة العينَين ، إنما دون بكاء ، لقد حدث لها شيء حاسم فيما هو نائم ، فالرواسب التي تراكمت في قاع عمرها خلال سنوات طويلة قد هاجت بعذاب الغيرة وخرجت طافية الى السطح وأَهْرمتها في لحظة واحدة ، فتجرأ على القول لها : إنها تحاول النوم وهو مذهول لِتَجاعيدها ولِشفتيها الذاويتَين ولرماد شعرها .

كانت الساعة قد تجاوزت الثانية فكلمته دون أن تنظر إليه ، ولكن دون أي أثر للسخط في صوتها بل بصوت أقرب الى الوداعة قائلة له : لي الحق بأن أعرف من هي .

عندئذٍ روى لها كل شيء شاعراً بأنه يرفع عن كاهله ثقل العالم ، لأنه كان مقتنعاً بأنها تعرف كل شيء ولا ينقصها سوى التأكد من التفاصيل ، لكن الأمر لم يكن كذلك طبعا ، وفيما هو يتكلم عادت هي تبكي ليس بإجهاشات خجولة كما هي في البدء وإنما بدموع مُنطلقة ومالحة تجري على وجهِها وتلتهب على قميص نومها وتحْرق حياتها ، لأنه لم يفعل ما كانت تنتظره منه وروحها معلَّقة بخيط إذ كانت تنتظر منه أن يُنكِر كل شيء حتى الموت ، وأن يغضب من الافتراء وأن يلعن ناس هذا المجتمع ابن العاهرة الذين لا يتورعون عن دوس شرف الآخرين ، وأن يقف ثابتالجأش حتى أمام الأدلة الدامغة على خيانته كرجل .

بعد ذلك وحين روى لها أنه كان عند كاهن الاعتراف هذا المَساء خَشِي أن يُعميَها الغضب ، فمنذ أيام المدرسة وهي مُقتنعة أن أهل الكنيسة لا يتمتعون بأية فضيلة مُلْهَمَة من الرب ، وكان هذا خلافاً جوهرياً في الانسجام البيتي تمكَنَا من حله دون صِدامات ، إنما كَون زوجها قد سمح لِكاهن الاعتراف بالتدخل الى هذا الحد في شأن خاص ليس ملكه وحده فقط بل وملكها أيضا ، كان شيئا يتجاوز كل الحدود .

قالت : إن هذا كاستشارة حاوي ثعابين من حُواة الأزقة .

كان ذلك هو النهاية بالنسبة لها ، كانت متأكدة من أن شرفها أصبح على كل لسان قبل أن ينتهي زوجها من الاعتراف ، وشعور المَهانة الذي أثاره ذلك كان أثقل وطْأة من من عار وغضب وظلم الخيانة ، والأسوأ من كل ذلك .

- يا للَّعنة مع زنجية !. ؟

فصحح قائلا : خلاسية .

ولكن أي تحديد كان فائضاً عن اللزوم عندئذٍ ، لقد انتهى الأمر .

قالت : إنها اللعنة نفسها ، والآن فقط بدأت أفهم ، لقد كانت رائحة زنجية .

حدث هذا يوم الاثنين ، وفي الساعة السابعة من مَساء يوم الجمعة أبحرت فرْمينا داثَا في السفينة الصغيرة النظامية الذاهبة الى سان خوان ديلاثيناغا دون أن تأخذ معها سوى صندوق واحد وبرفقة ابنة بالعماد ، وكانت تُغطي وجهَها بطرحة لِتَحُول دون الأسئلة لها ولِزوجها كذلك .

لم يذهب الدكتور خوفينال أُورْبينو الى الميناء باتفاقهما معاً بعد مناقشة مضنية دامت ثلاثة أيام ، قررَا على إثْرها أن تذهب الى مزرعة ابنة الخال هيلْدا براندا سانجيتفي بلدة فوريس دي ماريا لِتُفكر جيدا قبل إقدامها على اتخاذ قرار نهائي ، وقد فَهِم الابنان الأمر دون أن يعرفا الأسباب على أنه رحلة جرى تأجيلها مرات ومرات ، وكانا هما نفسَيهما يرغبان فيها منذ زمن بعيد ، وقد رتَّب الدكتور خوفينال أُورْبينو الأمور بحيث لا يُتاح لأحد من أبناء عالمه الغادر الوصول الى تخمينات خبيثة ، وفعل ذلك بِاتْقان حتى أن إخفاق فلورنْتينوأَريثَا بالعثور على أي أثر لاختفاء فرْمينا داثَا لم يكن لضعف وسائله في التَقصِّي وإنما لعدم وجود أية آثار فعلا .

ولم يكن يُراوِد الزوج أي شك في أنها ستعود بعد أن يفارقها الغضب ، فذهبت واثقة أن الغضب لن يفارقها أبد الدهر ، لكنها سرعان ما ستُدرك أن هذا القرار الحاسم لم يكن ثمرة الحقد بقدر ما هو وليد الحنين ، فبعد رحلة شهر العسل عادت عدة مرات الى أوربا رغم قسوة الأيام العشرة التي تمضيها في البحر ، ولقد كانت رحلاتها تستغرق دوما وقتاً كافياً للإحساس بالسعادة ، كانت تعرف العالم وتعلمت العيش والتفكير بطريقة أخرى ، لكنها لم ترجع أبدا الى سان خوان ديلاثيناغا بعد رحلة المِنطاد الفاشلة .

كان في العودة الى مقاطعة ابنة الخال هيلْدا براندا شيئا من استعادة الماضي بالنسبة لها حتى ولو حدثت هذه الاستعادة متأخرةً ، ولم تُفكر بذلك تحت تأثير نكْبتها الزوجية بل قبل ذلك بكثير ، وهكذا فإن مجرد فكرة تنقيبها عن ذِكرَيات صِباها كان يعزيها في تعاستها .

عندما نزلت الى البر مع ابنتها في العماد في سان خوان ديلاثيناغا لجأت الى ما في طبعها من احتياطات هائلة ، وتعرفت على المدينة رغم كل التحذيرات ، وقد دعاها القائد المدني والعسكري للموقع الذي ذهبت إليه بتوصية للاهتمام بها ، دعاها الى جَولة في العربة الرسمية ريثما يخرج القطار الذاهب الى سان بيدرو إليخاندرينو حيث أراد الذهاب للتأكد مما قيل لها من أن السرير الذي مات عليه بطل التحرير كان صغيراً جدا كسرير طفل ، وكان أن عادت فرْمينا داثَا حينئذٍ لِرؤية قريتها الكبيرة في سكون الثانية مَساءً ، عادت لرؤية الشوارع التي تبدو أشبه بِشُطآن صغيرة للبِرَك المغطاة بالطحالب ، وعادت لرؤية بيوت البرتغاليين بشعارات النبلاء المحفورة على الرواق المُقَنْطر وعلى مَشْربيات النوافذ البُرونزية حيث تتردد دون رحمة في صالاتها الظليلة تمارين البيانو المكرورة والحزينة التي كانت تُعَلِّمها أمها حديثة الزواج لبنات البيوت الثَرِية الصغيرات ، رأت الساحة الخاوية من أية شجرة في جمر الحجارة المُتقدة وصف العربات ذات الأغطية الجنائزيَة وخيولها النائمة وقوفاً ، وقطار سان بيدرو إليخاندرينو الأصفر ،

ورأت عند زاوية الكنيسة الكبرى أكبر بيت بين جميع البيوت وأكثرها جمالا بِرِواقه الحجري المُقَنْطَر الذي تغطيه ناباتات خضراء وبوابته الضخمة كَبوابة دَير ونافذة غرفة النوم التي ستولد ألفارو فيها بعد سنوات طويلة .

حين لن تعود لها ذاكرة تتذكر ذلك فكَّرت بالعمَّة أسْكولا أَسْتيكا التي ما زالت تبحث عنها دون أمل في السماء ولأرض ، وفيما هي تُفكر بها وجدت نفسها تُفكر بفلورنْتينوأَريثَا بثيابه كأديب وبِكتاب أشعاره تحت أشجار اللوز في الحديقة ، كما يحدث لها أحيانا حين تتذكر سنوات المدرسة الكريهة .

وبعد تِجوال طويل لم تُفلِح في التعرف على بيتها العائلي القديم ، فحيث كانت تفترض وجوده لم يكن يوجد سوى حظيرة خنازير ، وعند المُنعطف كانت يمتدشارع بيوت الدعارة حيث مُمِسات من أرجاء الدنيا يَنَمْنَ قيلولتهن أمام الأبواب فلربما مر البريد حامل لهن شيئا .

لم تكن البلدة هي بَلْدتها ، منذ بداية الجَولة في المدينة غطت فرْمينا داثَا نصف وجهِها بالطرحة ليس خوفا من التعرف إليها حيث لا أحد يستطيع التعرف عليها وإنما لمَرأى الموتى الذين ينتفخون تحت الشمس في كل مكان بدءاً من محطة القطار وحتى المقبرة ، وقال لها القئد المدني والعسكري للموقع : إنها الكوليرا .

كانت تعلم ذلك لأنها رأت الخِثارات البيضاء على فمِ الجثث المُكتَوية لكنها لاحظت لا أثر لرصاصة الرحمة في عنق أية جثة من الجثث كما كان الأمر في زمن المِنطاد ، فقال لها الضابط : وهو كذلك فالرب يحَسِّن من أساليبه أيضا .

كانت المسافة التي تفصل سان خوان ديلاثيناغا عن بلدة القديمة هي تسع فَراسِخ فقط لكن القطار الأصفر كان يستغرق في اجتيازها يوما كاملا ، لأن صداقات كانت تربط سائق القطار بالمُسافرين الدائمين الذين يرجونه التوقف لبعض الوقت كي يحركوا أرجلهم في المَشي في مَرَابع سان بيدرو إليخاندرينو الغلف التابعة لشركة المَوز ، أو لِيستحم بعض الرجال منهم وهم عُراة في الأنهار الصافية والمُثَلَّجة التي تنحدر من الجبال أو أنهم ينزلون من القطار حين يشعرون بالجوع ليحلبوا الأبقار الطليقة في المَراعي .

وعندما وصلت فرْمينا داثَا مُرَوَّعَةً لم يُتَح لها الوقت للتمعُن بأشجار التمر الهندي الهوميرية حيث كان بطل التحرير يُعلِّق شبكة نومه التي احتضر عليها ، وللتأكد من أن السرير الذي مات عليه لم يكن صغيرا بالنسبة لِرجل كما قالوا لها بل إنه صغير حتى على فقط مولود خديج ، ولكن زائراً آخر يبدو أنه يعرف كل شيء قال إ: ، السرير ليس إلا أَثَراً زائفاً والحقيقة أن أبا الوطن قد تُرِك يموت وهو مُلقى على الأرض .

كانت فرْمينا داثَا مغمومة لما رأته وسمعته مُذ خرجت من بيتها لدرجة أنها لم تعُد تشعر بالسعادة التي حنَّت إليها دوما ، وإنما أخذت تتجنب المرور من القرى التي كانت تحن إليها ، وهكذا حمت تلك القرى وحمت نفسها من خيبة الأمل .

كانت تسمع العزف على الأوكورديونات من الطريق حيث كانت تهرب من خيبة الأمل ، وتسمع الصرخات المُنبعِثة من حلبة صراع الديكة وطلقات الرصاص التي قد تكون رصاصات حرب أو احتفال ، وحين لا تجد مَفَرّاً من المرور بإحدى القرى كانت تغطي وجهَها بالطرحة لتستمتع بتذكُّرِها كما كانت من قبل .

في إحدى الليالي وبعد تَجنب طويل للماضي وصلت الى مزرعة ابنة الخال هيلْدا براندا ، وحين رأتها تنتظر أمام الباب كادت تسقط مغمياً عليها ، كانت وكأنها ترى نفسها في مرآة الحقيقة ، لقد رأتها بدينة وهَرِمة ، مُحاطة بأبناء غير مُرَوَّضين لم تنجبهم من الرجل الذي ما زالت تحبه دون أمل ، وإنما من ضابط ينعم بتقاعد جيد تزوجت منه غيظاً لفشلها ، وأحبها بجنون ، ولكنها في أعماق جسدها المُدَمَّر كانت ما تزال على حالها .

قد تخلصت فرْمينا داثَا من هذا الانطباع بعد بعد أيام قليلة في الريف وبتأثير الذِكريات الطيبة ، لكنها لم تغادر المزرعة إلا للذهاب الى القُدّاس في أيام الآحاد برفقة أحفاد صديقاتها القديمات الجَموحات الحاذقين في ركوب الخيول الكريمة ، وبرِفقة بناتهن الجميلات الأنيقات اللواتي يشبهن أمهاتهن حين كُنَّ في سنِّهن واللواتي يمضين وقوفا في العربات التي تجرها الجواميس ويغنِّين معاً حتى وصولهن الى كنيسة البعثة التبشيرية في قاع الوادي ، ولم تمُر لا بقرية فلوريس دي ماريا التي لم تَزُرْها في رحلتها السابقة لأنها لم تظن بأنها ستعجبها ، ولكنها فُتِنَت بها حين عرفتها ، وكانت مصيبتها أو مصيبة البلدة أنها لم تستطع أن تتذكرها فيما بعد كما رأتها في الواقع وإنما كما كانت تتخيلها قبل أن تعرفها .

قرر الدكتور خوفينال أُورْبينو الذهاب لإحضارها بعد تلقيه تقرير أسقف ريوهاجَا فالنتيجة التي استخلصها هي أن زوجته لم تتأخر لأنها لا تريد الرجوع وإنما لأنها لا تجد وسيلة لِتجاوِز كِبريائها ، وهكذا مضى الى هناك دون إعلامها بعد تبادل عدة رسائل مع هيلْدا براندااستخلص منها بوضوح أن حنين زوجته قد انقلب ، فهي لا تُفكر الآن إلا في بيتها .

كانت فرْمينا داثَا في المطبخ تُعِدُّ باذنجانا محشواً في الساعة الحادية عشرة صباحا حين سَمِعت صرخات عمال المزرعة وصهيل الخيول ولعلعة الرصاص في الهواء ، ثم الخطوات الواثقة في مَدْخل البيت وصوت الرجل .

أن يصل المرء في الوقت المناسِب خير من توجيه الدعوة إليه ، ظنَّت أنها ستموت من السعادة ودون أن يُتاح لها التفكير في الأمر غسلت يديها كيفما اتُّفِق وهي تُهَمْهِم : حمداً لك يا رب ، حمداً لك لَكَم أنت طيب .

مُفكِّرة أنها قد تستحم بعد الباذنجان اللعين الذي طلبت منها هيلْدا براندا إعداده دون أن تخبرها من القادم للغداء ، ومُفكِّرة أنها قد أصبحت عجوزاً قبيحة ، وأن وجهَها قد سلخته الشمس مما سيجعله يندم لمجيئه حين يجدها بهذا الحال .

- اللعنة .

لكنها نشفت يديها بالمريلة كيفما اتُّفِق ، واستعانت بكل الكِبرياء الذي أَخرجتها به أمها الى الدنيا لِتضبط قلبها المُتراقص طرَباً ، ومضت للقاء الرجل بِمِشيتها الغزلانية العذبة وبرأسها المرفوع ونظرتها البراقة وأنفها الحربي ، شاكرة للقدر الطمأنينة العظيمة بالعودة الى البيت ، رغم أن الأمر لن يكون بالسهولة التي تَصَوَّرَها هو حتماً ، إذ عادت معه وهي سعيدة حقا ولكنَّها مصمِمة كذلك على جعله يدفع بِصمْت ثمن الآلام المريرة التي حطمت حياتها .

بعد حوالي سنتين من إختفاء فرْمينا داثَا حدثت واحدة من تلك المُصادفات المستحيلة التي كانت ستعتبرها ترانسيتو أَريثَا سخرية من سخريات الرب ، لم يكن فلورنْتينوأَريثَا قد سمح لنفسه بالانبهار باختراع السينما لكن ليونَا كاسياني حملته دون مقاومة الى حفل الافتتاح الضخم لفيلم كابيريا الذي كانت شعبيته ترتكز على الحوار الذي كتبه الشاعر غابرييل دانُنزثيو .

كان فِناء سينما دون غاليليو داكُونْتي حيث المتعة تتجاوز في بعض الليالي روعة النجوم الى روعة الغراميات الصامتة على الشاشة ، قد غَص بالحضور البارزين ، ليونَا كاسياني تُتابع أحداث القصة بروح معلقى بخيط ، أما فلورنْتينوأَريثَا فكان رأسه يتمايل من النعاس بتأثير زخم الدرامَا ، ومن خلفه خرج صوت امرأة بدت وكأنها تحزر ما يفكر به .

- رباه إن هذا أطول من ألم .

كان هذا هو الشيء الوحيد الذي قالته ، وكظمت نفسها ربما بسبب رنين صوتها في الظلام ، إذ لم تكن قد شاعت هنا بعد عادة مرافقة الأفلام الصامتة بموسيقة البيانو ، ولم يكن يُسْمَع في عتمة الصالة سوى أزيز آلة العرض الذي يشبه صوت المطر .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَا يَذكُر الرب إلا في أصعب المواقف ، لكنه شَكَرَه من أعماق روحه هذه المرة لأنه كان سيتعرف فورا على ذلك الصوت المعدني الرخيم حتى ولو كان على عمق عشرين ذراعاً تحت التراب مُذ حَفِظَه في روحه مَساء سمعه يقول له وسط نِثارة من الأوراق الصفراء في حديقة متوحدة ك انصرِف الآن ولا ترجع الى أن أطلُب إليك .

كان يعلم إنها تجلس في المِقعد الذي وراء مِقْعَدِه الى جانب زوجها دون رَيب ، وكان يُحس بتنَفُسها الدسم والمحسوب جيدا ، وكان يستنشق بِحُب الهواء المُنَقَّى بعافية نفَسِها الطيب ، لم يشعر بأنها مَنْحورة بعث الموت كما كان يتصورها في ساعات يأسه خلال الشهور الأخيرة ، وإنما تذكَّرها مُجددا بعمرها المُشِع والسعيد ، ببطنها المُكوَّرة ، بِبذرة ابنها الأول تحت عباءة مينيرْفَا ، تصورها كما لو كان يراها دون أن يلتفت الى الوراء غير عابئ بالكوارث التاريخية التي كانت تفيض بها الشاشة ، كان يتلذذ بأريج عطر اللوز الذي يصله من جسدها ويتشوق لمعرفة أفكارها عن كيف تحب نساء السينما لتكون آلام حبهن أقل من آلام الحب في الحياة ، وقُبَيل نهاية الفيلم بقليل أدرك فجأة بومضة بهجة أنه لم يكن أبدا قريباً بهذا القدر وطوال مثل هذا الوقت ممن أَحبَّها حُبّاً جَمّاً .

انتَظرَ أن ينهضَ الآخرون عند إشعال الأنوار ، ثم وقف على مهل ، والتفت مُتشاغلا بتثبثبيت أزرار الصدرية التي تُفلت دائما خلال عروض السينما ، فتقابل الأربعة وجهاً لوجه بحيث وجب عليهم تبادُل التحية رغم أن أحداً منهم ما كان يرغب بذلك ، صافح الدكتور خوليونَا كاسياني أولاً وكان يعرفها جيدا ثم شد على يد فلورنْتينوأَريثَا بِتَهَذُبه المعتاد ، وابتسمت لهما فرْمينا داثَا ابتسامة مُهذبة ولا شيء سوى أنها مُهذبة ، ولكنها كانت على كل حال ابتسامة شخص رآهما كثيرا ويَعرف مَن هما وبالتالي لا حاجة لِتقديمهما ، وردت عليها ليونَا كاسياني بِلطْفِها كخلاسية ، أما فلورنْتينوأَريثَا فلم يَدْرِ ما يفعل لأن رؤيتها أذهلته ، لقد كانت امرأة أخرى ، لم تكن في وجهِها أية علامة من علامات المرض الفظيع الشائع ولا من أي مرض آخر ، وكان جسدها ما يزال يحتفظ بِوزنه ورقته التي كان عليها في أفضل أزْمانه ، ولكن لا شك بأن السنتين الأخيرتين قد مَرَّتَا عليها بثقل عشر سنوات عجاف ، كان الشعر القصير مناسِباً لها بتلك القصة المائلة على خدََّيها ولكنه فقدَ ذلك اللون العسلي السابق وصار بلون الأَلَمُنيوم ،

وفقدت العينان الرمحِيَتان الجميلتان نصف حياتهما من الضياء وراء نَظّارة الجدة ضياء النظارة ، رآها فلورنْتينوأَريثَا وهي تبتعد مُمْسِكة بِذراع زوجها وسط الحشد الذي يغادر السينما ، وفوجئ أنها آتية الى مكان عام بِطرحة يائسة وخُف من النوع بيتي ، ولكن أكثر ما هيَّج مشاعره هو أن زوجها اضطر لأن يشدها من ذراعَيها ليشير لها الى طريق الخروج ، وقد أخطأت رغم ذلك في تقدير الارتفاعات وكادت تسقط عند درج البوابة .

كان فلورنْتينوأَريثَا شديد الحساسية لعثرات الشيخوخة هذه ، ففي شبابه كان يقطع قراءاته للأشعار في الحدائق ليُراقب أزواج المسنين الذين يساعد أحدهم الآخر على عبور الشارع ، وكانت تلك دروس في الحياة قد تُضيء أمامه قوانين شيخوخته بالذات ، لقد كان الرجال وهم في مثل سن الدكتور خوفينال أُورْبينو في ليلة السينما تلك يتفتحون بنوع من الشباب الخريفي ، فيبدون أكثر وقاراً مع أول الشعرات الشائبة ، ويصبحون فاتِنين وجذابين خصوصاً في عيون النساء الشابات ، بينما تضطر زوجاتهم الذاويات الى التشبُث بأذرِعَتهم كي لا يتعثرن بظلالهن ذاتها ، ولكن هؤلاء الأزواج ما يلبثون أن ينزلقوا فجأة بعد بضع سنوات الى هُوَة شيخوخة مرذولة جسداً وروحاً ، وحينئذٍيصبح على زوجاتهم المستقرات أسنادهم من أذرُعِهِم كالعميان باحثين عن صدقة والهَمْس في آذانهم كي لا يجرحن كِبرياءهم بأن ينتبهو جيدا للأن عدد الدرجات التي سينزلون ثلاث وليس اثنتين وأن هناك بِرْكة ماء وسط الشارع وأن تلك الصورة المُلقاة على قارعة الطريق هي جثة شحاذ ميت ، ويساعدونهم بشقة على عبور الشارع ، وكأنه المخاضة الوحيدة في نهر الحياة الأخير .

لقد رأى فلورنْتينوأَريثَا نفسه مرات ومرات في هذه المرآة حتى أنه لم يشعر يوما بالخوف من الموت كخوفه من أرذل العمر حين سيحتاج لامرأة تقوده من ذراعه K ، إذ كان يعلم أنه في ذلك اليوم ، وفي ذلك اليوم فقط عليه أن يتخلى عن الأمل بِفرْمينا داثَا .

لقد أطار ذلك اللقاء النوم من عينيه وبدلا من أن يحمل ليونَا كاسيانيبالعربة فقد رافقها مَشياً على الأقدام عبر المدينة القديمة حيث كانت خطواته تقرع بلاط الرصيف كَحَوافر حِصان ، وكانت تنطلق بين حين وآخر بقايا أصوات هاربة من الشُرُفات المَفتوحة أو مُناجِيات من مَخادع النوم أو نَحيب حب تضخمه المَسامِع الخيالية وأريج الياسمين الدافئ في الأزقة الهاجعة ، وكان على فلورنْتينوأَريثَا أن يستَجْمِع ثانيةً كل قواه ليمنع نفسه من أن يكشف لليونَا كاسياني عن حبه المقهور لِفرْمينا داثَا .

كانا يسيران معاً بخطواتهما المحسوبة غارقَين في الحب بلا تَسرُّع كخَطيبين قديمَين ، هي تُفكر بِروعة كابيريا وهو يُفكر بمحنته الشخصية ، وفي ساحة الجمارك كان هناك رجل يُغني ، وكان صوته يتردد في الجو بأصداء مُتسلسلة "حين كنت أَعبُر أمواج البحر العظيمة".

وفي شارع لوس سانتوس ديبيدْرَا حين كان عليه أن يودعها أمام بيتها ، طلب فلورنْتينوأَريثَا من ليونَا كاسياني أن تدعوه لتناول كأس من البراندي .

كانت تلك هي المرة الثانية التي يطلب منها ذلك في ظروف مُتشابهة ، في المرة الأولى قبل عشر سنوات قالت له : إذا ما صعدت الى بيتي في مثل هذه الساعة فعليك البقاء فيه الى الأبد .

ولم يصعد يومها ، أما الآن فكان مستعداً للصعود في جميع الأحوال حتى لو اضطر الى نقض عهده فيما بعد ، لكن ليونَا كاسياني دعته للصعود دون أي التزام ، وهكذا وجد نفسه في محراب حب مات قبل أن يولد .

كان أبواها قد توفيا وجمع أخوها الوحيد ثروة طائلة في كوروثاو وبقيت هي وحدها لتعيش في بيت العائلة ، قبل سنوات وحين لم يكن فقدَ الأمل بجعلها عشيقة له اعتاد فلورنْتينوأَريثَا زيارتها أيام الآحاد برضا أبويها ، وكان يزورها في الليل أحيانا ويبقى حتى ساعة متأخرة ، وقد قدَّم مساهمات كثيرة في عمليات إصلاح البيت حتى صار يَعتبره كبَيته ، ولكنه شَعَر في تلك الليلة بعد السينما بأن صالة الاستقبال كانت غير ما عرفها من قبل إذ إن أماكن الأثاث قد تبدلت وعُلِّقَت على الجدران صور بأن كل هذه التغيرات القاسية إنما أجريت عَمْداً لتأكيد يقينه بأنه لم يكن له من وجود أبدا ، كما أن القط لم يتعرف عليه ، فقال وقد أفزعه نذير النسيان ك ما عاد يَذْكُرُني .

ولكنها ردت عليه وهي تُولِيه ظهرها فيما كانت تملأ كأسَين البراندي بأنه إذا كان قلقاً لهذا فبإمكانه النوم مطمئناً لأن القطط لا تتذكر أحداً وبينهما مُتَكَآن على الأريكة متلاصقان .

تحدثَا عن نفسَيهما ، عما كاناه قبل أن يتعارفَا في مَساء يوم مَن يَذكُر كم مضى عليه في حافلة تقودها البغال ، وكانت حياتيهما تمضي في مكتبَين متجاورَين ولم يتحدثَا أبدا من قبل في شيء خلاف العمل اليومي ، وفيما هما يتحدثان وضع فلورنْتينوأَريثَا يده على فخذها وأخذ يداعبها برقة مجربة بالغواية ، وتركته يفعل ذلك ، ولكن دون أن ترد عليه ولو بمجرد ارتعاشة مُجاملة ، وحين حاول المضي أبعد من ذلك أمسكت يده المُستكشِفة وقبَّلت راحته قائلة : كن مُهذَباً ، فقد أدركْت منذ زمن بعيد بأنك لستَ الرجل الذي أبحث عنه .

ففي صِباها بطحها على حين غِرة فوق مَلْطَم الأمواج رجل قوي وبارع ، لم ترَ وجهه أبدا وعرّاها مُمزِقاً ثيابها ومارس معها حُباً عابراً ومجنونا ، وفيما هي مُلقاة فوق الأحجار وجسدها كله مليء بالجروح تمنَّت لو يبقى ذلك الرجل فوقها الى الأبد ليموت حُبّاً بين ذراعَيها ، لم ترَ وجهه ولم تسمع صوته لكنها كانت متأكدة من التعرف عليه بين آلاف الرجال لشكله وحجمه وطريقته في ممارسة الحب ، واعتادت منذ ذلك الحين القول لكل من يريد سماعها : إذا ما عرفت شيئا في أحد الأيام عن رجل ضخم وقوي اغتصب زنجية بائسة من الشارع فوق صخور سد الغرقى في يوم كان الخامس والعشرين من تشرين الأول حوالي الحادية عشرة والنصف لَيلاً فقل له أين يستطيع أن يَجِدنَي .

كانت تقول ذلك بمحض العادة ، وقد كررته كثيراً لدرجة أنها فقدت كل أمل ، وكان فلورنْتينوأَريثَا قد استمع منها مرات ومرات لهذه القصة كما لو أنه يسمع صُفارة وداع تُطلِقها سفينة في الليل ، وحين أُعلِنَت الساعة الثالثة صباحا كان كل منهما قد شَرِب ثلاثة كؤوس من البراندي ، وكان هو يعلم بأنه ليس الرجل الذي تبحث عنه حقاً وسُرَّ لمعرفته ذلك وقال لها وهو يستعد للانصراف : برافو يا ليونَا لقد أجهَزْنَا على هذا النمر .

ولم يكن هذا هو الأمر الوحيد الذي قُضِيَ تلك الليلة ، فأكذوبة سُرادق المسلولين الخبيثة عكَّرت أحلامه لأنها أوحت له بأن فرْمينا داثَا هي من البشر ويمكن أن تفنى ويمكن بالتالي أن تموت قبل زوجها ، ولكنه حين رآها تتعثر عند الخروج من االسينما تقدم خطوة أخرى نحو الهاوية عندما انكشف له بأنه قد يكون هو وليس هي من يموت أولا ، وكانت تلك من أكثر النبوءات هَولا لأنها تستند الى الواقع .

لقد انقضت سنوات الانتظار الصابر والآمال السعيدة ولم يَلُح في الأفق سوى خضم الأمراض المتخيلة الذي لا يُسْبَر له قرار والتبَوُّل قطرة قطرة في صباحات الأرق والموت اليومي في الظهيرة ، وفكَّر أن كل لحظة من لحظات اليوم تلك التي كانت حليفة له في الماضي وشريكة بدأت تتآمر ضده .

لقد ذهب منذ سنوات قليلة الى موعد غرامي جريء وقلبه مُثقل بالخوف من المُصادفة ، فوجد الباب غير مُقفل والمفَصلات مُزيتة لتَوِها كي يستطيع الدخول دون إثارة أية ضجة ، لكنه أحجم في اللحظة الأخيرة مخافة أن يُسبب لامرأة غريبة وخدومة الضرر الذي لا سبيل لإصلاحه بموته في سريرها ، وهكذا كان التفكير معقولا بأن المرأة التي أَحبَّها أكثر من كل ما أَحبه على وجه الأرض والتي انتظرها من قرن الى آخر لن يُتاح لها الوقت لإسناده من ذِراعه وعبور شارع مليء بِحَثَوات التراب القَمْرية وجنائن البرقوق التي بعثرتها الريح لمساعدته للوصول سيلماً معافى الى الرصيف الآخر للموت .

الحقيقة أن فلورنْتينوأَريثَا قد دخل وفق معايير عصره حدود الشيخوخة ، كان عمره ستاً وخمسين سنة بالتمام والكمال ، وكان يظن أنه عاش أفضل حياة لأن سنوات حياته كانت سنوات حب ، ولكن لم يواجه أي رجل من رجال عصره سخرية الظهور بِمظهر الشباب وهو في سنِّه ، بينما كان هو كذلك أو كان يعتقد أنه كذلك ، كما لم يكن أيٌّ من أولئك الرجال لِيتجرأ على الاعتراف دون خجل بأنه ما زال يبكي خِفية من أجل صد لَقِيَه في القرن الماضي .

لقد كان عصرا سيئا للظهور بمظهر الشباب ، فهناك طريقة مُعينة في الباس لكل سن ، لكن طريقة اللبس في سن الشيخوخة تبدأ بعد المراهقة بقليل وتستمر حتى القبر ، ولقد كانت هذه المرحلة عبارة عن مرحلة وقار اجتماعي أكثر منها مرحلة حياتية ، فالشباب فيها يلبسون مثل أجدادهم ويصبحون أكثر وقاراً بالنظارات المُبكرة ، كما كان حمل العُكّاز أمراً مقبولاً منذ سن الثلاثين .

أما بالنسبة للنساء فلم تكن في حياتهن سوى مرحلتين ، سن الزواج وهو لا يتعدى الثانية والعشرين من العمر ، وسن العزوبية الأبدية الذي يضم الكاسِدات ، أما ما سوى ذلك من متزوجات وأمهات وأرامل وجدات فكُنَّ صِنفاً مختلفاً من البشر ، لا تُحْسَب حياتهن بما يَعِشْنَه من سنوات وإنما بالزمن المتبقي أمامهن للموت .

لقد واجه فلورنْتينوأَريثَا غدر الشيخوخة بجسارة شرسة حتى وهو يعرف قدَرَه الغريب بالظهور بمظهر الشيخوخة منذ طفولته ، وقد كان ذلك المظهر وليد الحاجة في أول الأمر إذ كانت ترانسيتو أَريثَا تُفَتِّق له وتُعيد خياطة ملابس أبيه التي يقرر التخلص منها وإلقاءها الى القُمامة ، وهكذا كان يذهب الى المدرسة الابتدائية بِسُترة تصل الى الأرض عند جلوسه وقُبعة وزارية تَغْطِس في رأسه حتى أذنيه رغم تَضييق إطارها بحشوات من القطن ، وبما أنه كان يستخدم نظرات لِقِصَر البصر منذ الخامسة من عمره ، له شعر هندي كشعر أمه مُزْبَئر وقاسٍ كَشَعْر جواد وكان ، فلم تكن لمظهره أية سمات واضحة ولحسن الحظ أن المعايير المدرسية كانت أقل انتقائية مما كانت عليه من قبل ، وذلك بعد فوضى الحكومات الكثيرة بسبب الحروب الأهلية المفروضة والمتلاحقة ، فكانت المَدارس العامة تزخر بخليط من الأصول والظروف الاجتماعية المُتباينة ، كان يأتي الى الدروس صِبية تفوح منهم روائح بارود المَتاريس بملابس وشارات ضباط متمردين نالوها بالرصاص في مَعارك مَشكوك فيها وبأسلحتهم النظامية البادية تماما على خُصورِهِم ، وكانوا يصطدمون بينهم بالرصاص لأي خلاف في الاستراحة ، ويهددون المعلمين إن هم أساءوا تقديرهم في الامتحانات ، بل إن أحدهم وهو تلميذ في الصف الثالث بمدرسة لاسيليه وكولونيل ميليشية متقاعد قتل الأخاخوان إيريمِيتا رئيس الطائفة بالرصاص لأنه قال في درس أصول الدين : أن الرب هو عضو عامل في الحزب المحافظ .

من جهة أخرى كان أبناء العائلات الكبيرة المنكوبة يأتون الى المدرسة بملابس أُمَراء قُدماء ، بينما يسير بعض الفُقراء المُُتْقعين حفاةً ، وبين كل هذه المُفارَقات الغريبة التي طالت جميع المستويات كان فلورنْتينوأَريثَا من أشد الحالات غرابة ولكن ليس الى الحد الذي يلفت إليه الانتباه كثيرا ، وكان أقسى ما سَمِعه هو أن أحدَهم صَرَخ به في الشارع يوماً : الفقير القبيح تنقضي حياته بالتمنيات .

وعلى أي حال فإن ذلك الزِي الذي فرضته الحاجة كان منذ ذلك الحين وسيبقى طوال حياته الأكثر مُلاءمة لطبيعته الغامضة ومزاجه الكئيب ، وحين وصل الى أول منصب مهم في ش ك م ، بعث يطلب تفصيل ملابس جديدة على مقاسه من طراز ملابس أبيه الذي ما زال يَذكُره كشيخ توفي عن عُمْر موَقَّر كعمر المسيح ثلاث وثلاثون سنة ، لقد كان فلورنْتينوأَريثَا يبدو إذن أكبر من سنِّه الحقيقي بكثير لدرجة أن بريجيدَا زولينَا إحدى عشيقاته العابرات والتي كانت تُقدم له الحقائق دون أن تمُر بها في المَساء قالت له منذ ايوم الأول بأنه يُعجبها أكثر حين يخلع ملابسه لأنه يصغُر عشرين سنة وهو عارٍ ، ولم يستطع رغم ذلك التوصل الى التوافق ابداً أولا لأن ذوقه الشخصي لا يُمَكِّنُه من أن يتزَّيى بطريقة أخرى ، وثانياً لأن أحداً من أهل ذلك العصر ما كان له يعرف كيف يتَزيى بِزِي شاب في العشرين دون أن يُخرِج مُجَدداً من خزانته سراويله القصيرة وقُبعة الأولاد ، ومن جهة أخرى لم يكن ممكنا له هو بالذات الهروب من معرفة شيخوخة عصره ، وهكذا فقد كاد يكون طبيعياً حين رأى فرْمينا داثَا تتعثر لدى خروجها من السينما ، وأُمْكِنَ لبارقة الذعر أن تبعث القشعريرةفيه لإحساسه أن الموت العاهر سينتصر عليه بالتأكيد في حرب حبه الضروس .

كانت المَعركة التي خاضَها عاجزاً حتى ذلك الحين وخسرها دون أمجاد هي معركته ضد الصلع ، فمنذ أن رأى الشعرات الأولى تعْلق بالمشط أدرك أنه محكوم بِجَحيم لا يمكن لمن لم يعِشْه تصور عذاباته ، قاوم خلال سنوات ، لم يدع وصْفاً أو علاجاً للصلع إلا وجربه ولا خرافة إلا آمن بها ولا تضحية إلا واحتملها ليُدافع عن كل بوصة من شَعْر رأسه في مواجهة الداء النَهِم ، حَفِظ عن ظهر قلب تعليمات روزْنامة برِيستول الزراعية لأنه سَمع أحدهم يقول : إن نمو الشَعْر مُرتبط ارتباطاً مباشراً بدورات المَواسِم الزراعية ، وهجَر حلّاقه الخاص الذي كان يَقُصّ شَعْره عنده منذ الأزَل لأنه كان ذا صلعة مهيبة واستبدله بحلّاق غريب جاء المدينة حديثاً وكان لا يقُصّ الشَعْر إلا حين يبدأ القمر بِالاكتمال ، وأخذ الحلّاق الجديد يُثبِت أن يده مخَضَّبةً حقاً حين كُشِف أمره كمغتصِب تلميذات غِرّيرات تُلاحقه شرطة عدة بُلْدان أنتيلية وقُيِّد مُكَبَلاً بالسلاسل .

كان فلورنْتينوأَريثَا قد قص حتى ذلك الحين جميع الإعلانات الموجهة للصُلْعان ففي صحف بُلْدان حوض الكاريبي حيث كانوا ينشرون في تلك الإعلانات صورتَين متجاورتين للرجل نفسه ، الأولى وهو منتوف والثانية بشَعْر أعزَر من لُبْدَة أسد قبل وبعد استخدام الدواء المضمون ، وبعد مرور ست سنوات كان قد جرب 172 دواءً إضافة الى وسائل أخرى مُكمِلة كانت ترِد في الوصفة المُكمِلة بِقناني الدواء ، لكن الشيء الوحيد الذي حصل عليه هو نوع من الإكزيما في رأسه ، قُرحة حارقة ومُنتِنة يُطلِق عليها أولياء المارتينيك الصالحين اسم القَرْع الشمالي لأن إشعاعاً فسفورياً يَنْبَعِث منها في الظلام ، وبعد ذلك لجأ الى جميع أنصناف الأعشاب التي يروِّجُها الهنود في السوق العام وجميع الأدوية السحرية والأكاسير الشرقية التي تُباع في زقاق الكَتَبة العُموميين ، وحين أدرك أنه ليس سوى ضحية عمليات غِش ، كانت قرعة كقرع ةالقدّيسِين قد غزت منتصف رأسه .

وفي السنَة صفر عندما كانت حرب الألف يوم الأهلية تستنزف البلاد مر في المدينة إيطالي يصنع بِيروكات من من الشَعْر الطبيعي على المَقاس ، كانت الواحدة منها تُكَلِّف ثروة ولا يتحمل الصانع أية مسؤولية بعد ثلاثة شهور من الاستعمال ، ولكن عددا ضيئلاً فقط من الصُلْعان الموسرين لم يرضخوا للإغراء ، وكان فلورنْتينوأَريثَا أحد الأوائل جرب بِيروكة مُشابهة تماما لِشَعْره الأصلي حتى أنه خشي من وقوف الشَعْر مع تبدُلات مزاجه .

لم يستطع استيعاب فكرة حمل شَعْر إنسان ميت على رأسه وكان عزاؤه الوحيد أن شراهة الصلْع لم تُتِح له التعرُّف على لون شَعْراته الشائبات .

وفي يوم من الأيام عانقه أحد سُكارى الميناء النهري السُعَداء بعاطفة مُتَدفقة أكثر من المعتاد وهو خارج من المكتب فأفلتت الباروكة أمام سخرية عمال الشحْن ، وطبع السَكران قُبْلة مدوية على رأسه وهو يَصْرُخ : صَلْعَة ربانية .

في تلك الليلة بالذات وكان قد بلغ الثامنة والأربعين من العمر حلَق الشُعيْرات القليلة المُتبقية على الصدغَين والرقبة واستسلم تماما لمصيره كأصلع مُطلق ، بل إنه لم يعُد يَطْلي صباح كل يوم ذقنه وحدها بالرغوة وإنما كذلك أجزاءً من رأسه حيث يجد أن بعض الشَعْر آخذ بالظهور ، فيجعلها بموس الحلاقة مثل إلْيَة طفل رضيع ، لم يكن ينزِع القُبعة حينئذٍ حتى ولو في المكتب ، إذ كانت الصلعة تثيرفيه شعوراً بالعُري يبود له غير وقور ، ولكنه حين اعتاد عليها تماما نسب إليها فضائل ذكورية كان قد سَمع بها ، وكان يزدريها من قبل على أنها مجرد أوهام من الصُلْعان .

ثم انتقل فيما بعد الى العادة الجديدة باستخدام شَعْر المَفْرَق الأيمن الطويل لتغطية الصلعة ولم يتخلَ عنها أبدا ، ولكنه استمر في استخدام القُبعة وهو على هذا الحال بالطريقة الجنائزية ذاتها حتى بعد أن شاعت قُبعة تارْتاريتا وهو الاسم المحلي لقُبعة كانوتيه .

أما فقدانه أسنانه فلم يكن نتيجة بلوى طبيعية وإنما نتيجة عمل غير مُتقَن قام به طبيب أسنان متجول رأى أنه لا بد من نزع الأسنان إثر التهاب عادي ، كان الرعب من آلة ثَقب الأسنان قد مَنَع فلورنْتينوأَريثَا من زيارة طبيب الأسنان رغم آلام أضراسه المستمرة الى أن فقدَ القدرة على الاحتمال ، وقد فزعت أمه حين سَمعت أنينه في الغرفة المجاورة طوال الليل إذ بدت لها كتأوهاته في زمن آخر شبه مَطموس في ضَباب ذاكرتها ، ولكنها حين طلبت منه أن يفتح فمَه لترى أين هو ألم الحب اكتشفت أن ما يُضنيه هو الخُرّاجات والدَمامِل الصغيرة .

أرسله العم ليون الثاني عشر الى الدكتور فرانسيس أَدوناي وهو مارد زنجي يلبس سروالاً خاصاً بركوب الخيل ويتنقل في السفن النهرية حاملاً عيادته السِنِّيَة كلها في أكياس فيبدو أشبه بمندوب متجول للرعب في قرى النهر ، وبعد نظرة واحدة لفم فلورنْتينوأَريثَا قرر لا بد من نزع أسنانه كلها بما في ذلك الأسنان والأضراس السليمة إنقاذه الى الأبد من محن أخرى .

وعلى العكس من الصلعة لم يُسبب له هذا العلاج الحماري أي نوع من القلق باستثناء خوفه الطبيعي من المَجزرة دون مُخدِّر ، كما لم تُزعجه فكرة الأسنان الإصطناعية أولا لأن إحدى ذكريات طفولته التي يحن إليها هي ذكرى ساحر رآه في مهرجان وكان ينزع فَكيْه ويضعهما على طاولة لِيتكلم بدونهما ، وثانياً لأنه سيضع حداً لآلام الأضراس التي عَذَّبَتْهُ منذ طفولته ، وهي آلام تكاد تشبه في قسوتها آلام الحب ر.

لم يرَ في الأمر ضربة غادرة من ضربات الشيخوخة كما رأى في الصلعة إذ كان مقتنعاً رغم طعم المطاط بأن مَنْظَرَه سيكون أجمل بابتسامة قويمة ، وهكذا سلَّم نفسه دون مقاومة لِكَمّاشَة الدكتور أَدوناي المُضَمَخَة بالدم ، واحتمل العلاج بِصَبْر كصبْر حمير العتالة .

اهتَم العم ليون الثاني عشر بتفاصيل العملية كما لو كانت تُجرى له بالذات ، فقد كان يولي الأسنان الاصطناعية اهتماماً خاصة إثْر إحدى رحلاته في نهر مجدلينا , وبسبب هَوَسِه بالغناء الجميل ففي إحدى الليالي المُقْمِرة وقريبا من ميناء غامارا راهَن مسّاح أراضي ألماني بأنه قادر على إقاظ مخلوقات الغابة بِغنائهِرومانس نابولي من فوق شُرْفة القُبْطان ، وكاد أن يكسب الرِهان إذ انطلقت في عتمة النهر خفقات أجنحة طيور مالك الحزين في المستنقعات وضرب ذيول التماسيح وأنفاسم أسماك الشابْل وهي تحاول القفز اليابسة ، ولكنه حين وصل القفلة الختامية وحين خشي المستمعون من تمزق شرايين المُغني لقوة صوته أفلت طقْم الأسنان الاصطناعية من فمه مع النفَس الأخير وغرق في الماء ، وقد اضطرت السفينة ثلاثة أيام في ميناء تينيريفي ريثما صنعوا له مجموعة أسنان طورئ جديدة ، وقد كانت هذه الأسنان الجديدة مُتقنة ولكنه في رحلة العودة وأثناء محاولته أن يشرح للقُبْطان كيف أضاع طَقْم أسنانه السابق استَنشَق العم ليون الثاني عشر مِلْ رئتيه هواء الغابة المُلتهِب وصدح بأعلى يستطيعه واحتفظ به حتى النفَس الأخير محاوِلا إفزاع التماسيح الجاثمة تحت الشمس مُتأملة مرور السفينة دون أن يطرف لها رِمْش فغرق طَقْم الأسنان الجديد في مَجرى النهر أيضا ، ومنذ ذلك الحين وضع نُسَخاً من الأسنان الاصطناعية في كل مكان وفي عدة أماكن في البيت وفي دُرْج مكتبه كما وضع طَقم في كل سفينة من سفن الشركة الثلاث ، وإضافة الى ذلك صار يحمل معه كلما ذهب لِتناول الطعام خارج المنزل طَقماً إضافياً يضعه في علبة لأقراص السُعال في جيبه ، وذلك لأن أسنانه الاصطناعية كُسِرت يوما وهو يحاول أَكْل قطعة من شحم الخنزير المُقدَد في غداء ريفي .

وخشية أن يقع ابن أخيه ضحية مفاجآت من هذا النوعأمر العم ليون الثاني عشر الدكتور أَدوناي أن يصنع له مجموعتين من الأسنان إحداهما من مواد عادية للاستخدام اليومي في المكتب وأخرى لأيام الآحاد والأعياد مُزودة بلمعة ذهبية في ضرس الابتسامة مما منحها لمسة إضافية حقا .

وأخيرا رجع فلورنْتينوأَريثَا في يوم أحد يَضُجّ بنواقيس الى شارعه بهوية جديدة وجعلته ابتسامته الصائبة يشعر بأن شخصاً آخر يحتل مكانه في الدنيا ، حدث هذا في الحقبة التي ماتت فيها أمه ، وبقي فلورنْتينوأَريثَا وحده في البيت الذي كان ركناً مناسِباً لغرامياته ، إذ أن شارعه يكتم الأسرار رغم أن النوافذالكثيرة التي تمنحه الاسم توحي بوجود عيون تتلصص من وراء الستائر ، ولكن كل ما في هذا البيت صُنِع لإسعاد فرْمينا داثَا وسيكون لها وحدها .

وهكذا فضَّل فلورنْتينوأَريثَا تبديد فرص كثيرة خلال أكثر سنواته إثماراً على أن يُدَنِّس بيته في غراميات أخرى ، ولحسن الحظ أن كل درجة كان ي

رتقيها في مناصِب ش ك م ، كانت تعني امتيازات جديدة ومَكاسِب سرية على وجه الخصوص ، وأكثر هذه الامتيازات فائدة بالنسبة إليه كانت إمكانية استخدامه المَكاتب في خلال الليل وفي أيام الآحاد والعُطَل بالاتفاق مع البوّابين .

وفي إحدى المرات حين كان نائبا للرئيس فُتِح باب مكتبه بغتة بينما كان يمارس حُبّاً مستعجلاً مع إحدى الفتيات اللواتي يعملن أيام الآحاد ، وكان جالساً على الكرسي فيما هي رابضة في حضنه ، وبعد فتح الباب أطَّل العم ليون الثاني عشر برأسه كما لو أنه أخطأ بالمكتب ووقف يتأمل من فوق نظارته ابن أخيه المُرْتبك ، ثم قال العم دون أي قدْر من الدهشة : كراخو ، إنها لعنة أبيك نفسها .

وقبل أن يُغلق الباب ثانيةً قال ونظره تائه في الفراغ : وأنتِ أيتها الآنسة تابعي بلا خوف ، أُقسِم لكِ بشرفي أنني لم أرَ وجهكِ .

لم يعُد للحديث في الأمر ، ولكن العمل كان مستحيلاً في مكتب فلورنْتينوأَريثَا خلال الأسبوع التالي ، فقد دخل الكهربائيون يوم الاثنين بجلَبة لِتركيب مروحة ذات رياش في السقف الأَمْلَس ، وأتى صانعو الأقفال دون إنذار مسبق وأثاروا ضجة حرب وهم يثَبِّتون مِزلاجاً في الباب لإغلاقه من الداخل ، وأخذ النجّارون مقاسات دون أن يقولوا لماذا ، وجاء المُنَجِّدون بنماذج من قُماش الكِريتون لِيروا إن كانت تتناسَب مع لون الجدران ، وكان عليهم في الأسبوع التالي أن يستخدموا النافذة لأن الأبواب لم تتسع لإدخال أريكة مُزدوجة مُزَيَنة برسوم أزهار ، اشتغلوا في ساعات لا تخطر على بال ، بوقاحة لا تبدو أنها مُصادَفة ، وكانوا يرددون على كل من يعترض بالقول : إنها أوامر الإدارة العامة .

لم يعلم فلورنْتينوأَريثَا أبدا إن كان هذا التدخل لُطْفاً من العم الساهر على غرامياته الضالة أَم أنه أسلوب خاص به لِِلَفْت انتباهه الى سوء سلوكه في استخدام صلاحياته ، ولم يتبيَّن حقيقة أن العم ليون الثاني عشر كان يشجعه فقد وصلت الى مَسامِعه كذلك أنباء تقول أن لابن أخيه عادات مختلفة عن معظم عادات الرجال ، وقد أقلقه ذلك لأنه رأى فيه عائقاً أمام تعيينه خليفة له .

لقد عاش ليون الثاني عشر لُوايثَا على عكس أخيه حياة زوجية مستقرة استمرت ستين سنة وكان يُفاخر دوما أنه لا يشتغل أيام الآحاد ، وقد انجب أربعة أبناء وابنة واحدة وكان يريد إعدادهم جميعاً لِيرثوا عنه امبراطوريته ، ولكن الحياة أعَدَّت له واحدة من هذه المُصادفات التي كانت شائعة في روايات عصره والتي لم يكن هناك من يؤمن بوجودها في الحياة الواقعية ، لقد مات الأبناء الأربعة واحدا بع الآخر ، وبعد وصولهم الى مَناصِب المسؤولية ، أما الابنة التي لا تتمتع بأية ميول نهرية ففضلت الموت وهي تتأمل مَراكِب هِيتُسون من نافذة على ارتفاع خمسين متراً ، فوُجِد هناك بعد كل هذه المِيتات من يؤمن بأسطورة بأن فلورنْتينوأَريثَا بمظهره المشؤوم ومِظلته التي كمظلة مصاصي الدِماء قد فعل شيئا لِتحدث كل هذه المُصادفات معاً .

وعندما تَقاعَد العم عن العمل مُكرهاً بأمر طبي ضَحَّى فلورنْتينوأَريثَا راضياً ببعض غرامياته أيام الآحاد ليُرافق العم الى ملجئه الريفي في سيارة من السيارات الأولى التي شوهِدت في المدينة ، والتي كانت ذراع إدارة مُحركِها قوية الارتداد لدرجة أنها انتزعت ذراع سائقها الأول ، كانا يتحدثان لساعات طويلة فيما العجوز مستلقٍ في أرجوحة نومه المطرز عليها اسمه بخيوط حَريرية بعيدا عن كل شيء في مزرعة عَبيد قديمة ، كانت تظهر من مصاطبها المُشرِفة مَساءً قمم سلسلة الجبال المُكللة بالثلج ، كان يصعب على فلورنْتينوأَريثَا وعمه الخوض في حديث آخر سوى الملاحة النهرية ، وبقي هذا هو موضوع تلك المُسامرات الطويلة حيث كان الموت دوما ضَيفاً لا مَرئياً .

لقد كانت إحدى مَشاغل العم ليون الثاني عشر هي الحيلولة دون انتقال الملاحة النهرية الى أيدي رجال أعمال من أقاليم الداخل الذين يرتبطون بالاحتكارات الأوربية ، وكان يقول : لقد كان هذا العمل دوماً هو عمل المتاغونغيين أما إذا تولّاه الداخليون فسيهدونه ثانية الى الألمان .

وكان قلقه ناجماً عن قناعة سياسية يحب تكرارها بمناسبة وبلا مناسبة : أكاد أُكمِل مائة سنة وقد رأيت كل شيء يتغير بما فيذلك مواقع الكواكب في الكون ولكنني لم أرَ حتى الآن شيئا يتغير في هذه البلاد ، فهنا توجد دساتير جديدة وقوانين جديدة وحروب جديدة كل ثلاثة شهور لكننا ما زلنا نعيش في العهد الاستعماري ، وكان يرُد دائما على أخويه الماسونيَين اللذَين يَعْزُوان كل الشرور الى فشل الاتحادية : لقد كان حرب الألف يوم خاسرة قبل اندلاعها بعشرينسنة مُذ حرب ستة وسبعين .

وكان فلورنْتينوأَريثَا الذي تتجاوز لا مبالاته السياسية حدود المُطلق يستمع الىهذا الكلام الطويل المكرور كمن يستمع الى صوت البحر ، ولكنه كان بالمقابل نقيضاً صارِماً فيما يتعلق بسياسة الشركة ، إذ كان يرى على العكس من عمه بأن تخلف الملاحة النهرية التي تبدو دائما على شفير الكارثة لا يمكن معالجته إلا بالتخلي التلقائي عن احتكار المِلاحة النهرية الذي منَحَه الكونغرس الوطين لشكرة الكاريبي لمدة تسعة وتسعين عاماً ويوم واحد .

وكان العم يعترض : هذه الأفكار تحشوها في رأسك سَمِيَّتي ليونا المولعَة بالفوضوية .

وكان هذا هو نصف الحقيقة فقط إذ كانت مُبررات فلورنْتينوأَريثَا تَستَنِد الى تجربة الرُبّان الألماني جون بي ألبرس الذي أفسد بطموحه الشخصي المُفرِط نبوغه النبيل .

أما العم ليون فقد كان يرى فشل ألبرس لم يكن بسبب امتيازاته وإنما نتيجة التعهدات الاواقعية التي التزم بها في حينه ، فكان كمن يُلقي على كاهله مسؤولية الجغرافية الوطنية بأَسرها فقد تحمَّتحَمَّل مسؤولية الحفاظ على المِلاحة النهرية وبناءً المُنشآت المرفأية والطرق البرية المؤدية الى الموانئ ووسائط النقل أضف الى ذلك كان يقول : إن معارضة رئيس مون بوليفار الشديدة لم تكن بالعائق الذي يبعَث على الضحك ، كان معظم المساهمين في الشركة يرون في ذلك الخلاف كواحد من الخلافات الزوجية حيث كِلا الجانبين على حق ، فعناد الشيخ يبدو لهم طبيعياً ، ليس لأن الشيخوخة جعلته أقل وَهْماً مما كان عليه دوما كما اعتاد القول عن نفسه بسهولة كبيرة وإنما لأن التخلي عن الاحتكار برأيه هو إلقاء الى القُمامة بمكاسب النصر الذي تحقق في معركة تاريخية خاضها وأخواه منفردين في الأزمنة البطولية ضد خصوم جبارين من العالم بأَسره ، ولهذا لم يعارضه أحد حين ربط حقوقه بطريقة لا تُتيح لأحد المس بها قبل غيابه القانوني ،

ولكن حين سَلَّم فلورنْتينوأَريثَا أسلحته في مُسامَرات التأمُل في المزرعة أبدَى العم ليون الثاني عشر موافقته في التخلي عن الامتياز بشرط وحيد هو ألّا يتم التنازُل قبل وفاته ، كان هذا هو عمله الأخير ولم يعُد بعده للحديث في شؤون العمل ، بل إنه لم يعُد يسمح لهم بأن يستشيروه فيه ، ولم يفقد تجعيدة واحدة من تجاعيد رأسه الامبراطوري ولا ذرة واحدة من وضوحه ، لكنه فعل كل ما أمكنه حتى لا يبدو عليه شيء يثير الشفقة ، كانت أيامه تمضي وهو تأمل الثلوج الدائمة من شُرْفته مُحرِكاً كرسيه الفيني الهزاز ببطء الى جانب طاولة صغيرة تحرص الخادمات على وجود إبريق قهوة مُرة ساخنة عليها دوما ومجموعتين من أسنانه الاصطناعية التي ما عاد يستخدمها إلا لاستقبال الزيارات ، كان يلتقي عددا محدودا من الأصدقاء ولا يتحدث معه إلا عن ماضٍ سحيق جدا وسابق للملاحة النهرية .

ولكن بقي له مع ذلك موضوع جديد ، رغبته بزواج فلورنْتينوأَريثَا ، وقد عبَّر عن ذلك عدة مرات وبالطريقة ذاتها دوما .

كان يقول له : لو أنني كنت أصغر بخمسين سنة لتزوجت من سَمِيَّتي ليونا ، فأنا لا أستطيع تصور زوجة أفضل منها .

كان فلورنْتينوأَريثَا يرتعش لخوفه من أنْ يضيِّع كل ما عمله خلال سنوات طويلة بهذا الشرط الطارئ في اللحظة الأخيرة ، لكنه كا نيفضل الاستقالة والتخلي عن كل شيء والموت قبل أن يُخْلِف وعده لِفرْمينا داثَا ، ولحسن الحظ أن العم ليون الثاني عشر لم يُصِر في طلبه ، وحين أتم الثانية والتسعين من العمر اعترف بابن أخيه وريثاً وحيدا وتَقاعَد من الشركة .

بعد ذلك بستة شهور وبإجماع المساهمين عُيِّن فلورنْتينوأَريثَا رئيساً لمجلس الإدارة ومديراً عامً للشركة ، ويوم تولي مهام منصِبه بعد تناول الشمبانيا طلب العجوز ليون المُتقاعد السماح له بالحديث وهو جالس على الكرسي الهزاز ، وارتجل خُطبة قصيرة بدت أشبه بِمرْثية ، قال إن حياته بدأت وانتهت بحَدَثَين صادرَين عن العناية الإلهية ، الحدث الأول هو أن بطل التحرير حمله بين ذراعَيه في بلدة تورْباكو أثناء رحلته المشؤومة التي قادته الى الموت ، والحدث الثاني كان عثوره رغم كل العوائق التي فرضها القدَر على خليفة جديد بالشركة ، وأخيراً في محاولة لنزع المأساوية من المأساة اختتم حديثه قائلا : المَرارة الوحيدة التي أحملها من هذه الحياة هي أنني غَنَّيْت في جنازات كثيرة باستثناء جنازتي ، والاختتام الاحتفال وكيف لا غَنَّى منفرداً أغنية وداعا للحياة من أوبريت توسْكا ، غنّاها بلحن كنائسي كما يحب أن يُغنّيها وبصوت ما يزال ثابتاً .

لقد تأثر فلورنْتينوأَريثَا لكنه لم يكد يُظهر ذلك في ارتعاشة صوته حين القى كلمة شُكْر مثلما فعَل وبكل ما فعَله وفَكَّر به في الحياة ، لقد وصل الى القمة دون هدف سوى قراره الشَرِس بالبقاء حياً وفي حالة صحية جيدة لحظة توليه مصيره في ظل فرْمينا داثَا .

ولكن لم تكن ذكراها وحدها هي التي رافقته في تلك الليلة في الحفلة التي دعت إليها ليونَا كاسياني ، بل رافقته ذكرى جميع من عَرَفَهُن سواءً من يَرقُدْن في المَقابر مُفكِّرات به من خلال الزهور التي زرعها فوقهن أو أولئك اللواتي ما زلن يُسْنِدْن رؤوسهن على الوسادة ذاتها التي نام عليها أزواجهن بِقُرون مُذَهَّبة تحت ضوء القمر وباستثناء واحدة منهن .

كان يرغب أن يكون معهن جميعا في وقت واحد ، وهو ما كان يخشاه دائما ، ففي أصعب سنوات حياته وأقسى لحظاته احتفظ بعلاقة ما وإن كانت واهية مع عشيقاته اللواتي لا حصر لهن ، لقد تابع دائما خيط حياتهن ، تذكَّر في تلك الليلة روسالْبَا أقدمهن جميعا ، التي فضَّت عذريته وما زالت ذكراها تُعذبه كما عذبَته في اليوم الأول ، كان يكتفي بإغماض عينَيه ليراها بِفُستان المُسلين والقُبعة ذات شرائط الحَرير الطويلة وهي تهُز قفص الطفل عند حافة السفينة ، وكان قد أعد عُدة كل شيء مرات عديدة في سنوات حياته الطويلة للانطلاق للبحث عنها دون أن يعرف أين ودون أن يعرف ما هو لقبها ودون أن يعرف إن كانت هي حقا من يبحث عنها ، ولكنه كان متأكدا من أنه سيجدها في أي مكان ما بين أزهار السحلبيات ، وفي كل مرة بفعل عائق حقيقي يطرأ في اللحظات الأخيرة أو بفعل خلل خارج إرادته كانت الرحلة تتأجل وهو على وشك أن يرفع جسر السفينة ، وقد كانت لأسباب دوما علاقة ما بِفرْمينا داثَا .

تذكَّر أرمَلة ناثاريت ، الوحيدة التي دنَّس معها بيت أمه في شارع لاس فِنْتاناس رغم أنه لم يكن هو وإنما ترانسيتو أَريثَا من سمح لها بالدخول ، ولقد كرَّسَ لها تَفَهُماً أكثر من أي واحدة سِواها ، لأنها الوحيدة التي كانت تَشُعُّ حَنَانا يكفي لإحلالها محل فرْمينا داثَا رغم بَلادتها في الفراش ، لكن ميولها كقطة متشردة وغير مُرَوَّضة تفوقت على قوة حنانها وحَكَمَت عليها بالخيانة ، ومع ذلك فقد أصبحا عاشقَين مُتقطعَين خلال ما يقرب من ثلاثين سنة بفضل شعاره الفروسي ، خائنان ولكن غير مُخادعَين ، وكانت هي الوحيدة كذلك التي كشف فلورنْتينوأَريثَا عن وجهه الحقيقي من أجلها ، فحين وصله خبر موتها وعلِم أنها ستُدفَن في مَدافِن الإحسان تكَفَّل بدفنها على نفقته ، وكان الوحيد الذي حضر جنازتها .

تذكَّر أرامل أخريات محبوبات ، برودنْتِرَا باترا أقدم اللواتي ما زلن على قيد الحياة والمعروفة للجميع باسم أرمَلة الرب لأنها ترملت مرتَين .

وتذكَّر بورْدينْثْيَا أُوريانو المُتَيَمة بحُبه ، والتي كانت تقطع أزرار ملابسه لِيضطر للبقاء في بيتها ريثما تُعيد إصلاحها .

وخوسيفَا أرمَلة زونيغَا المجنونة بحُبه والتي كادت تقُص عضوه بالمِقص وهو نائم كي لا يكون لأحد سِواها .

تذكَّر آنخِيِلْس ألفارو التي غابت سريعاً وكانت أحبهن إليه ، إذ جاءت لمدة ستة شهور لِتَعْليم موسيقى الآلات الوترية في مدرسة الموسيقى ، وكانت تقضي معه الليالي المُقْمِرة على سطح بيتها كما قذفت بها أمها الى الدنيا عازفةً أجمل المقطوعات الموسيقية على البيولوبتشيللو الذي يتحول صوته الى صوت إنسان بين فخذَيها الذهبيَين ، ومنذ الليلة المُقْمِرة الأولى تفتت قلباهما إرَباً بِحُب مُبتدئَين شرسَين لكن آنخِيِلْس ألفارو مضت مثلما جاءت بعضوها الغض وآلتها الموسيقية في سفينة ترفع راية النِسيان ، والشيء الوحيد الذي بقي منها في ليالي السطح المُقْمِرة هو تلويحَة وداعها بمنديل أبيض بدا وكأنه حمامة متوحدة وحزينة في الأفق كما في أشعار مهرجان الزهور ، لقد تعَلَّم فلورنْتينوأَريثَا ما كان قد عاناه كثيرا دون أن يُدرك كُنْهه وهو أن بوسع المرء أن يعشق عدة أشخاص في الوقت نفسه ، ويتألم الألم ذاته لهم جميعا دون خيانة أياً منهم .

وفيما هو يقف وحيدا وسط الجموع في الميناء قال غاضباً : إن في القلب حجرات أكثر مما في فندق للعاهرات .

كان مُبللا بدموع آلام الوداع ، ولكن ما أن اختفت السفينة عند خط الأفق حتى عادت ذِكْرة فرْمينا داثَا لتشغل الفراغ كله .

تذكَّر أنْدريه بارون التي مر من أمام بيتها الأسبوع الماضي ونبهه الضوء البرتُقالي المُنْبعِث من نافذة الحمام الى أنه لا يستطيع الدخول ، لقد سبقه أحدهم ، أحدهم رجل أو امرأة ، لأن أنْدريه بارون لم تكن لتتوقف عند تُرَّهات من هذا النوع في فوضى الحب ، وبين جميع من هن في قائمته كانت هي الوحيدة التي تعيش من جسدها ، ولكنها كانت تتحكم به حسب رغبتها دون وكيل أعمال ، في سنواتها الطيبة مارست المِهْنة القديمة كمُومِس سريَة مما جعلها جديرة باسم سيدتنا قدّيسة الجميع ، لقد فتَنَت حُكّاماً وأُمراء بَحر ورأت بعض نبلاء السلاح والأدب مما لم يكنوا مشهورين كما كانوا يظنون أنفسهم ، يبكون على كتفها ، وكذلك بعض من كانوا مشهورين حقا ، كما كان صحيحاً أن الرئيس رافائيل رييس وبعد نصف الساعة الُستعجلة التي أمضاها في زيارتَيه للمدينة خصص لها راتباً تَقاعُدياً مدى الحياة لقاء خدمات قدمتها في وزارة الخزينة حيث لم تكن يوماً موظفة ، لقد كانت توزع عطايا متعتها الى أقصى ما أتاحه لها الجسد ، ورغم أن سلوكها غير اللائق كان معروفاً للجميع فإنه لم يكن بإمكان أحد تقديم أدلة دامغة ضدها ، لأن زبائنها البارزين كانوا يحمونها كما يحمون أنفسهم ، مُدركين أنهم هم وليس هي من سيخسر أكثر بالفضيحة .

وقد خرَق فلورنْتينوأَريثَا من أجلها مبدأه المقدس بعدم الدفع وخَرَقَت هي قانونها بأن لا تُمارس الحب مجاناً حتى ولو مع الزوج ، إذ اتفقا على سعر رمزي هو بيزو واحد عن كل مرة ، لكنها لم تكن تأخذ البيزو كما لم يكن هو يعطيها إياه في يدها ، وإنما كان يُسقِطه في الحصالة الى أن يصل المبلغ الى ما يكفي لشراء أية بِدعة من زقاق الكَتَبة العُموميين ، وهي التي عزت الى الحُقَن الشرجية التي يستخدمها في إمساكه حسية مختلفة في الحب وأقنعته بصواب فكرتها لِيسْتخدِما الحُقَن الشرجية معاً في أُمسياتهما المجنونة محاوِلَين بذلك ابتداع مزيد من الحب في الحب .

كان يرى نفسه محظوظاً لأن الوحيدة التي أذاقته قطرة مَرارة وسط كل هذه اللقاءات الخطِرة هي سارة نوِيرغَا المتقلِّبة التي أنهت حياتها في مشفى الراعية الإلهية للمجاذيب مُلقية أشعاراً شيخوخية بذاأتها تتجاوز كل الحدود ، مما اضطرهم في المشفى الى عزلها حتى لا تُسبب الجنون للمجنونات الأخريات .

وحين تسَلَّم فلورنْتينوأَريثَا كامل مسؤوليات ش ك م ، لم يعُد لديه متسع كبير من الوقت لمحاولة إحلال أحد محل فرْمينا داثَا ، كان قد أيقن أنها عصية على الاستبدال ، وراح يهوي شيئا فشيئا في روتين زياراته لمن يعرفهن ليضاجعهن الى المدى الذي تستطعنه وإلى حيث يستطيع وإلى حيث تسمح لهم الحياة .

وفي يوم أحد العَنْصَرَة حين مات خوفينال أُورْبينو لم تكن قد بقيت له سوى واحدة ، واحدة فقط لها أربعة عشر من العمر أكملتها لتوها وتتمتع بكل ما لا تمتلكه الأخريات حتى ذلك الحين لجعله يُجَن حُبّاً ، اسمها أمريكا فيكونيا وكانت قد جاءت قبل سنتين من بلدة بوييرْتو بادْري البحرية مبعوثة من أهلها الى فلورنْتينوأَريثَا ولي أمرها الذي تربطهم به صلة قربى معروفة ، جاءت بِمِنحة حكومية لتتأهل كمُعَلِّمة وبدت كدُمْية حين وصولها بِصُرَّة سفرها وحقيبتها الصفيحية ، ومنذ نزولها من السفينة بحذائها الأبيض وضفيرتها الذهبية خطرت له الفكرة الفضيعة بأنهما سيقضيان معاً قيلولات آحاد كثيرة .

كانت لا تزال طفلة بكل ما في ذلك من معنى ، القَلَح في أسنانها وقروح المدرسة الابتدائية في ركبتها ، لكنه تخيل فورا المرأة التي ستصيرُها عما قريب ، فرعاها لنفسه خلال سنة بطيئة من سبوت في السيرك وآحاد في الحدائق ومحلات المُثلجات وأمسيات طفولية نال بها ثقتها وكسب ودها ، وراح يقودها من يدها برقة خبيثة كجد كريم الى مسلخه السري ، وكانت استجابتها فورية ، لقد فُتِحت لها أبواب السماء فانفجرت في تفتح وردي جعلها تفيض سعادة ، وكان ذلك دافعاً ناجحاً لِدراستها إذ احتفظت دوماً بالموقع الأول في الفصل كي لا تخسر الخروج من المدرسة في نهاية الأسبوع ، وكانت بالنسبة له الركن الأكثر خفاءً في خليج شيخوخته ، فبعد سنوات طويلة من الغراميات المحبوسة أحس لمذاق البراءة المُفسَدَة فتنة ضلال مستجد .

انسجمَا ، كانت تتصرف على سجيتها ، طفلة متأهبة لاستكشاف الحياة تحت إشراف رجل موَقَّر لا يُفاجأ بشيء ، وتصَرَف وهو واعٍبالشكل الذي كان يخشى أن يصير إليه في الحياة ، خطيب شائخ .

ولم يُطابق بينها وبين فرْمينا داثَا أبدا رغم التشابه الكبير بينهما ، وليس في السن والزِي المدرسي والضَفيرة والمشية البرية فقط بل وبالطبع المُتكبِر وغير المتوقع ، ثم إن فكرة الاستبدال التي كانت حافزاً جيدا له في استعطاء الحب من قبل قد تلاشت نهائياً من ذهنه ، إنها تعجبه كما هي ، ويحبها بما هي عليه بِحُمَا لذة غَسَقِيَة ، وكانت الوحيدة التي اتخذ معها احتياطات صارمة للحيلولة دون حَبَل عرَضي ، وبعد بضعة لقاءات لم يعُد لكِليهما من حلم سوى مَساء الآحاد ، بما ، ه الشخص الوحيد المُخَوَّل بإخراجها من المدرسة الداخلية فقد كان يذهب بحثاً عنها في سيارة الهيتسون ذات الست سلندرات التابعة لشركة الكاريبي للمِلاحة النهرية ، وكان ينزع غطاء السيارة القماشي في بعض الأُمسيات غير المشمسة لِيتنزها على الشاطئ ، هو بقُبعته الكئيبة وهي منفجرة بالضحك وممسكة بكلتا يديها قُبعتها البحرية التي تُشكل جزئاً من زيها المدرسي كي لا تطير مع الريح .

لقد قال لها أحدهم يوماً ألّا تُرافق ولي أمرها أكثر من اللازم وألّا لا تأكل شيئا كان قد تذوقه وألّا تقترب كثيرا من أنفاسه لأن الشيخوخة معدية ، لكنها لم تُولي ذلك اهتماما ، كلاهما كان يبدي لا مبالاته لما يمكن للناس أن يظنوه بهما ، لأن قرابتهما كانت معروفة جيدا ، ثم أن سِنَّيهما النقيضَين يضعانهما بِمنْأى عن كل الشُبهات .

كانا قد انتهيا من ممارسة الحب يوم أحد العَنْصَرة في الرابعة بعد الظُهر حين بدأ قرع النواقيس ، وقد فوجئ فلورنْتينوأَريثَا لِفزع قلبه ، فقرع النواقيس كان يدخل في شبابه ضمن تكاليف الجنازة ، وكان يُحضَر على الفُقراء فقط .

وبعد حربنا الأخيرة في الجسر الواصل بين القرنَين رسَّخ النظام المحافظ تَقاليده المَوروثة من العهد الاستعماري ، وأصبحت الأُبَّهة الجنائزيَة مُكَلِّفة بحيث لم يعُد هناك من هو قادر على دفعِها سوى أغنى الأغنياء ، وحين توفي الأسقف أرْكولي دي لونا قُرِعت نواقيس المقاطعة كلها لتسعة أيام بلياليها وبلغ الضيق العام حدا دفع خليفته الى إلغاء تقليد قرْع أجراس الكنائس في المآتم وحصره بالموتى البارزين ، ولذلك حين سَمع فلورنْتينوأَريثَا قرع النواقيس في الكاتدرائية في الربعة من مَساء يوم أحد العَنْصَرة أحس أن شبحاً من أيام شبابه المَنسية يزوره .

لم يتصور مُطلقاً أن قرع النواقيس هذا هو الذي تشوق إليه لِسنوات وسنوات منذ يوم الأحد الذي رأى فيه فرْمينا داثَا تخرج من القُدّاس الكبير وهي حُبلى في الشهر السادس .

قال في العتمة : اللعنة ، لا بد أنه حوت سمين كي تُقْرَع من أجله نَواقيس الكاتدرائية .

أما أمريكا فيكونيا التي استيقظت لتوها عارية تماما فقالت : لا شك أنها من أجل العَنصَرة .

لم يكن فلورنْتينوأَريثَا خبيرا أو ما شابه ذلك في شؤون الكنيسة ، كما إنه لم يذهب الى الصلاة مذ كان يِعزف الكمان في الكورس مع ألماني عَلَّمَه كذلك علم التلغراف ، ولم يتوصل الى خبر مؤكَد عن مصيره أبدا ، لكنه كان يعرف دون شك أن النواقيس ما كانت من أجل العَنصَرة ، صحيح أن في المدينة مأتماً وهو يعرف ذلك إذ زارت بيته لجنة من لاجئي الكاريبي لتخبره أن جيرميَا ديسَانْت آمور قد وُجِد ميتاً في معمل تصويره .

ومع أن فلورنْتينوأَريثَا لم يكن من أصدقائه المقربين إلا أنه كان صديقا لعدد كبير من اللاجئين الذين اعتادوا على دعوته الى مناسباتهم العامة وخصوصاً المآتم ، لكنه كان متأكداًمن أن الأجراس لا تُقْرَع لِجيرميَا ديسَانْت آمور الذي كان مُلحِداً مُصمماً وفوضوياً متمادياً ، إضافة الى أنه قتَل نفسه بيده .

قال : لا ، إن قرع أجراس كهذا لا يمكن أن يكون من أجل حاكم فما فوق .

لم تكن أمريكا فيكونيا بجسدها الشاحب المُرَقَّط بفعل انعكاس أشعة الضوء المُتسربة من أبَجور النافذة المغلقة قد بلغت سِنّاً يمَكِّنَها من التفكير بالموت.

كانا قد مارسا الحب بعد الغداء واضطجعا في سكون القيلولة ، عاريَين تحت مروحة السقف التي لم يطغَ أزيزها على نَقْر طيور الرخمة التي تدُبّ كحبات البَرَد فوق سطح الصفيح الساخن .

كان فلورنْتينوأَريثَا يحبها كما أَحب كثيرات من النساء الأخريات العابرات في حياته الطويلة ، لكنه كان يحب هذه بِكَرْب أشد لأنه كان موقناً من أنه سيكون قد مات من الشيخوخة حين تنتهي هي من المدرسة العليا .

ككانت الحجرة تبدو أشبه بقُمْرة سفينة بجدرانها المصنوعة من الألواح الخشبية ، طُلِيَت مرات ومرات فوق طلائها الأول كما هو الحال في السفن ، لكن الحر كان أشد من حَر قُمْرات سفن النهر في الرابعة مَساءً رغم المروحة المعلقة فوق السرير ، وذلك للحر الذي يعكسه السقف المعدني .

لم تكن حجرة نوم عادية وإنما قُمْرة على اليابسة أمَر فلورنْتينوأَريثَا بِبنائها خلف مكاتبه في ش ك م ، دون نية أو ذريعة أخرى سوى الحصول على ملجأ جيد لغرامياته كعجوز .

كان النوم هناك مستحيلا في الأيام العادية بسبب صراخ عُمال شحن السفن وقعقعة رافعات الميناء النهري وجُآر السفن الضخمة في الميناء ، ولكنها كانت بالنسبة لطفلة جنة أيام الآحاد .

فكَّرَا بالبقاء معاً في يوم العَنْصَرة حتى موعد عودتها الى المدرسة الداخلية قبل خمسة دقائق من صلاة التبشير ، لكن قرع النواقيس ذَكَّر فلورنْتينوأَريثَا بوعده في حضور جنازة جيرميَا ديسَانْت آمور فارتدى ملابسه بأسرع مما يفعل في العادة ، وكان قد جدَّل قبل ذلك كعادته ضفيرة الطفلة التي يحلها قبل ممارسة الحب ، ورفعها فوق الطاولة ليَعقِد لها شريط حذائها المدرسي الذي لم تُحْسِن ربطَه يوما .

كان يساعدها دون خبث ، وكانت تساعده لِيساعدها كما لو كان ذلك واجبا عليها ، لقد فقدَ كلاهما الإحساس بالسن منذ لقاءاتهما الأولى وتعاملَا بثقة زوجَين أخفيَا عن بعضهما أموراً كثيرة في هذه الحياة حتى لم يعُد لديهما ما يقولانه .

لم يكن في الميناء المُقفر سوى سفينة واحدة مَرَاجلُها مطفأة وكان الحَر المحتدم يُنذر بهطول المطر ، أول أمطار السنة لكن شفافية الهواء وصمْت الميناء الأحادي بَدَيَا وكأنهما من شهر لَطيف ، وكانت الدنيا من هناكا أكثر فَجاجة من ظلْمة القُمْرة ، وكان قرع النواقيس أكثر إيلاماً دون معرفة لمن تُقْرَع .

نزَل فلورنْتينوأَريثَا والطفلة الى فِناء مِلح البارود الذي استخدمه الإسبان فيما مضى كميناء للنَخاسة وحيث ما زالت بقايا المِثقال وحدائد أخرى من تجارة الرقيق كانت السيارة تنتظرهما في ظل الحانات ، ولم يوقِظَا السائق النائم فوق المِقْوَد الى أن استَقَرَا في مقعدَيهما .

دارت السيارة من وراء الحانات المُسَيَّجة بشبكة معدنية كشباك أقنان الدجاج واجتازت الفراغ الذي كان يشغله في السابق سوق لاس إِنْماس حيث كانت جماعة من اليافعين شبه العُراة يلعبون بالكرة ، وخرجت من الميناء النهري وسط زوبعة من الغبار الملتهب .

كان فلورنْتينوأَريثَا متأكداً أن التشريف الجنائزي لا يمكن أن يكون من أجل جيرميَا ديسَانْت آمور لكن إلحاح النواقيس جعله يرتاب ، وضع يده على كتف السائق وسألَه صارخاً : لماذا تُقْرَع الأجراس ؟

فقال السائق : إنها من أجل هذا الطبيب المعروف ، - ما اسمه ؟؟

لم يكن على فلورنْتينوأَريثَا أن يفكِّر بالأمر ليعرف من المقصود ، ولكن سرعان ما غار الوهم الفوري حين روى له السائق كيف مات ، لأنه لم يجد الأممر محتَمَلا ، فَلا شيء يشبه الإنسان كطريقة موته وليس من موت يبدو أقل شَبَهاً للرجل الذي تصوره من هذه المِيتة ، لكنه كان هو نفسه حتى ولو بدا الأمر غير مقبول ، فالطبيب الأكبر سِنّاً والأكثر تأهيلاً في المدينة وأحد رجالها المرموقين لمشاركته في نشاطات أخرى كثيرة قد مات إثْرة تَهَشُم نخاعه الشوكي عن إحدى وثمانين سنة لدى سقوطه من شجرة مانغا وهو يحاول إمساك ببغاء .

كل ما فعله فلورنْتينوأَريثَا منذ زواج فرْمينا داثَا كان يرتكز على أمل هذا الخبر ، ولكن حين أزفت الساعة لم يشعر برعشة الانتصار التي كثيرا ما تصورها في أوقات أَرَقَه وإنما أحس بضربة من مِخلب الرعب ، لقد رأى بوضوح عجيب أنه كان يمكن لهذه النواقيس أن تُقْرَع لموته هو ، وفَزِعت أمريكا فيكونيا الجالسة الى جواره في السيارة المتقافِزة على الشوارع الحجرية لِشحوبِه وسألَته عما أصابه .

فأمسك فلورنْتينوأَريثَا يدها بيده المتجمدة وتنهد قائلا : آه يا صغيرتي ، تَلزمُني خمسين سنة أخرى لأروي لك .

نسي جنازة جيرميَا ديسَانْت آمور ووترَك الصغيرة أمام باب المدرسة الداخلية واعداً إياها على عجل بالمجيء إليها يوم السبت القادم ، ثم أمر السائق بالتوجه الى بيت الدكتور خو ، وجد ازدحام سيارات وعربات أجرة في الشوارع المجاورة وحشداً من الفضوليين مقابل البيت ، فمدعوو الدكتور الدكتور لاثيديس أوليفيا الذين تلقوا النبأ المشؤوم وهم في أوج الحفلة جاءوا على عجل ، ولم يكن التحرك في البيت سهلا بسبب الازدحام ، لكن فلورنْتينوأَريثَا تمكَّن من شق طريقه حتى غرفة النوم الرئيسية ورفع نفسه أعلى من المجموعة المحتشدة أمام الباب ورأى خوفينال أُورْبينو على السرير الزوجي كما تمنى رؤيته مذ سَمع باسمه لأول مرة محاطاً بوقار الموت .

انتهى النجّار حينئذٍ من أخذ المقاسات لصنع التابوت ، وإلى جانبه بفُستان الجدة حديثة الزواج الذي ارتدته للحفلة كانت تقف فرْمينا داثَا منذهلة وكئيبة .

كان فلورنْتينوأَريثَا قد تخيل تفاصيل تلك اللحظة منذ أيام شبابه حين كرَّس نفسه كلياً لقضية هذا الحب المتهور ، ففلورنْتينوأَريثَا أحرز لقَباً وثروة وفلورنْتينوأَريثَا اعتنى بصحته ومظهره الشخصي عناية لم تكن تبدو جديرة بالرجولة لأبناء عصره ، وانتظر ذلك اليوم كما لم يستطع أحد انتظار أحد أو شيء في هذا العالم دون لحظة واحدة من التقاعس ويقينه بأن الموت قد تَدَخَل أخيرا لصالحه بث فيه الشجاعة التي كان يحتاجها لِيُكرر أمام فرْمينا داثَا في ليلتها الأولى كأرمَلة يمين الولاء الأبدي وحبه الدائم .

لم ينفِ أمام نفسه أن ما فعله كان عملا طائشاً لا معنى له في هذا الوقت وهذه الطريقة وأنه قد تسرع لخوفه من ألّا تَسْنَح له الفرصة ثانيةًض .

كان قد أعدَّ ما يريده بطريقة أقل فظاظة لكن الحظ لم يُسعفه بأحسن مما فعَل ، خرج من بيت العَزاء متألماً لأنه تركَها تعاني حالة الاضطراب التي كان يعانيها هو نفسه ، ولكنه لم يستطع عمل شيء لمنع ذلك عنها لأنه أحس بأن تلك الليلة الهمجية كانت مكتوبة منذ الأزَل في قَدَرِهما معاً .

لم يستطع النوم ليلةً واحدة في الأسابيع التالية ، كان يتساءل يائساً : أين يمكن أن تكون فرْمينا داثَا من دونه ، وبماذا تُفكر وماذا ستفعل خلال السنوات المتبقية في الحياة بثقل الرعب الذي خلَّفه بين يديها ؟

عانى من نوبة إمساك نفخت بطنه كطَبْل ، وكان عليه أن يلجأ للمسكنات الأكثر لُطفاً من الحُقَن الشرجية كما أن آلام الشيخوخة التي كان يحتملها خيراً من معاصريه لأنه عرفها منذ شبابه هاجمته كلها دُفعة واحدة ، وعندما حضر الى المكتب يوم الأربعاء بعد أسبوع من الغياب ، ارتَعَدَت ليونَا كاسياني لرؤيته على تلك الحالة من الشحوب والاسترخاء .

لكنه طمأنها : إنه الأرق ثانيةً كالعادة .

وعاد يعض لسانه كي لا تُفلت الحقيقة من ثقوب قلبه الكثيرة ، ولم يمنحه المطر هُدنة مُشمسة ليفكر فقضى أسبوعاً لا واقعياً آخر دون قدرة على التركيز في شيء .

وكان يأكل بشكل سيئ ، ويَنام بطريقة أسوأ ويحاوِل تحسس إشارات مُبهمة تُهديه الى سبيل الخلاص ، لكن طمأنينة داهمته منذ يوم الجمعة بلا أية مُبررات ، ففسرها على أنها نذير بأن شيئا جديدا لن يحدث وأن كل ما فعله في الحياة كان بلا جدوى وليس لديه ما يتابع من أجله ، إنها النهاية ، ومع ذلك فلدى وصوله الى بيته يوم الاثنين في شارع لاس فِنْتاناس اصطدم برسالة مُبللة بالماء المتجمع وراء الباب ، وتعرَّف من المُغلف في الحال على الخط المتسلط الذي لم تستطع تبديله كل تقلبات الحياة ، بل إنه أحس برائحة العطر الليلي لأزهار الياسمين الذابلة لأن قلبه حدَّثه بكل شيء منذ الرهبة الأولى .

إنها الرسالة التي انتَظَرَها دون لحظة راحة واحدة خلال أكثر من نصف قرْن ...