الجزء الأول

7 0 00

الجزء الأول

لا مَناص فرائحة اللوز المر كانت تُذكِّره دوما بمصيد الغراميات الغير مواتية ، ، ذلك ما أدركه الدكتور خوفينال أُوربينو منذ دخوله البيت الذي كان غارقا في الظلام ، ، إذ حضر على عجل للاهتمام بحالة لم تعُد مستعجلة بالنسبة له منذ سنوات عديدة ، ، فاللاجئ الأنتيلي جيرميَا ديسَانْت آمور ، مشوه الحرب ومصور الأطفال وأكثر خصومه رأفة في لعبة الشطرنج قد تخلص من عذابات الذكرى باستنشاقه أبخرة سِيانور الذهب .

وجد الجثة مغطاة بشرشف فوق السرير الضيق حيث كان ينام عادةً وبجواره كرسي صغير عليه الطشت المستخدم في تبخير السُّم ، وكان يقبع على الأرض مقيدا بِقائمة السرير جسد كلب دَنيماركي ضخم أسود اللون تغطي صدره بقع بلون الثلج ، وإلى جانبه العُكّازان ، الحجرة الخانقة ذات الألوان المتنافرة التي كانت تستخدم كحجرة نوم ومخبِر تصوير في الوقت ذاته أضيأت قليلا ببريق الفجر المنْسَل من النافذة المفتوحة ، لكنه كان ضوءاً كافياً للاعتراف الفوري بسلطة الموت فقط ، كانت النوافذ الأخرى وجميع كُوى الحجرة مسدودة بخرق قماشية أو مختومة بورق مقوى أسود اللون مما ضاعف من كثافة ضِيقها ، وكانت هناك طاولة تحتشد بزجاجات وقناني بلا لصاقات وطشتين من التوتياء ، مقشرَي الطلاء ، تحت مصباح عادي مغلف بورق أحمر ، أما الطشت الثالث الخاص بالسائل المُثبَّت فهو الموجود الى جانب الجثة .

كانت هناك مجلات وصحف قديمة في كل الأنحاء وأكداس من مسودات الصور الفوتوغرافية في أُطُر زجاجية ، وأثاث مخلَّع لكنه محفوظ كله بقدرة يد نشيطة ، ومع أن هواء النافذة قد نَقَّى الجو إلا إنه بقي لمن هو قادر على التسيير قبس فاتر من الغراميات الكئيبة لحبات اللوز المُرة .

كان الدكتور خوفينال أُوربينو قد فكر أكثر من مرة دون حماس مسبق بأن تلك الحجرة ليست بالمكان المناسب للموت في رحمة الله ، لكنه انتهى مع مرور الوقت الى الافتراض بأن فوضى المكان هذه ربما هي استجابة لإلهام محدد من جانب العناية الإلهية .

كان مفوض الشرطة قد سبقه مع طالب طب شاب يتمرن للتخصص في الطب الشرعي في المستوصف البلدي ، وهما من قام بتهوية الحجرة وتغطية الجثة ريثما يأتي الدكتور أُوربينو ، كلاهما صافحه بمهابة فيها هذه المرة من المواساة أكثر مما فيها من التوقير ، ، فلا أحد يجهل درجة الصداقة التي كانت تربطه بجيرميَا ديسَانْت آمور .

شد المعلم الشهير على يد كل منهما كما هي عادته دائما بمصافحة كل واحد من تلاميذه قبل بدء درسه اليومي في الطب العام ، ثم رفع طرف شرشف السرير برأس إبهامه وسباّبته كما لو كان زهرة ، وكشف عن الجثة شبراً فشبراً برصانة قدسية .

كان الميت عارياً تماما مُتَيَبِّساً ومِعْوَجّاً ، عيناه مفتوحتان وجسده أزرق وبدا كأنه كبر خمسين عاماً عما كان عليه في الليلة الماضية ، كانت حدقتاه صافيتين وشعر رأسه وذقنه ضارب الى الاصفرار وعلى عرض بطنه أثر جرح قديم مُنْدَمِل مُخَيَّط بغرز معقودَة ، وكان لصدره وذراعيه ضخامة صدر وذراعَي مجداف سفينة وذلك للجهد الذي عليه أداءه باستخدام العُكّازين ، أما ساقاه الخامدتان فبدتا كساقَي يتيم .

تأمله الدكتور خوفينال أُوربينو للحظة بقلب يعاني ألم قلما عانى مثله خلال سنوات حربه الطويلة العقيمة ضد الموت ، وقال له : أيها الجبان ، الأسوأ كان قد انقضى .

ثم أعاد تغطيته بالشرشف واستعاد وقاره الأكاديمي .

كان قد احتفل في العام الماضي بعيده الثمانين في احتفال رسمي دام ثلاثة أيام ، وفي كلمة الشكر التي ألقاها رفض مجددا إغراء التقاعد بقوله : سيكون لدي متسع للراحة عندما أموت ، وحتى هذا الاحتمال ليس ضمن مشاريعي في الوقت الراهن ، بالرغم من أن سمع إُذُنه اليسرى كان يضعف أكثر فأكثر ورغم أنه كان يستند على عُكّاز ذي قبضة فضيَة ليخفي تعثر خطواته ، فقد تابع الظهور بالمظهر الذي كان عليه في سنوات شبابه ببدلة كاملة من الكتّان مع صدرية تقْطعها سلسلة ساعة ذهبية ، ولِحْيَة كَلِحْيَةِ باستور ذات لون صدفي وشعر له اللون ذاته مصفف مع فَرْق متقن في الوسط ، وكانت هذه الأمور تعبيرا أميناً عن طبعه ، أما تآكل الذاكرة الذي كان يقلقه أكثر فأكثر فكان يعوضه قدر الإمكان بكتابة ملاحظات سريعة على قصاصات متفرقة ما تلبث أن تختلط في كل جيوبه كما تختلط الأدوات وزجاجات الدواء وأشياء أخرى كثيرة في حقيبته المُتْخَمة ، الم يكن أكبر الأطباء سِنّاً وأشهرهم في المدينة فحسب بل والرجل الأكثر تَجَمُّلا فيها ، ومع ذلك فإن حكمته البيِّنة وطريقته التي لا يمكن اعتبارها ساذجة في إدارة سلطة اسمه جعلت عددا من أتباعه أقل مما يستحق .

كانت تعليماته للمفوض والطبيب المتمرِن محدودة وسريعة : يجب عدم إجراء التشريح ، فرائحة البيت كافية لِتقرير أن سبب الوفاة هو استنشاق السيانور المتفاعل في طشت مع حامض من أحماض التصوير ، ولقد كان جيرميَا ديسَانْت آمور يعرف هذه المواد جيدا بحيث لا يمكن أن يكون قد فعل ذلك سهواً .

وأمام استفسار من المفوض أوقفه الدكتور بطعنة تقليدية ، هيإحدى حركاته المعتادة : لا تنسَ أني أنا من سيوقع على شهادة الوفاة .

أصابت خيبة الأمل الطبيب الشاب ، فهو لم يلاحظ يوما بدراسة تأثيرات سيانور الذهب على جثة ، وقد فوجئ الدكتور خوفينال أُوربينو أن الشاب لم يرَ ذلك في مدرسة الطب ، لكنه فَهِم الأمر فوراً بسبب خجل الشاب السريع ولهجته الهنديزية ، ربما هو حديث الوصول الى المدينة فقال له : لن تعدم هنا وجود مجنون في الحب يمنحك الفرصة في يوم من هذه الأيام .

وعندما انتهى من الحديث فقط أدرك أنه بين عدد لا حصر له من المنتحرين الذين يَذكرهم ، كان ذاك هو أول منتحر بالسيانور ، ليست تعاسة الحب هي السبب في انتحاره ، عندها طرأ تبدل ما على نبرة صوته المعتادَة .

قال للمتمرِن : عندما تجده دَقق جيدا ، إذ يوجد رمل في قلوبهم عادةً .

ثم تحدث الى المفوض كما لو كان يتحدث الى أحد مرؤوسيه ، أمره الى تجنب أي التماسات كي يتم الدفن في مساء ذلك اليوم بالذات وبأقصى درجات التكتم .

قال : أنا سأكلم العُمدة فيما بعد .

كان يعلم أن جيرميَا ديسَانْقد عاش حياة تقشف بدائي ، وأنه كان يكسب بفنه أكثر مما يلزمه للعيش بكثير ، مما يستوجب وجود مال يزيد عن تكاليف الدفن في أحد الأدراج .

- إذا لم تجدوا المال فلا تهتموا ، سأتولى أنا تكاليف الدفن .

وأمر بإعلام الصحف ، أن المصور قد توفي وفاة طبيعية ، رغم أنه فكر بأن الخبر لن يهمهم بأي حال .

قال : إذا اقتضى الأمر فسأكلم الحاكم .

المفوض الذي كان موظفا جدياً وذليلاً كان يعرف أن صرامة الأستاذ المتمدن تثير حفيظة أقرب أصدقائه إليه ، وكان مشدوهاً للسهولة التي يقفز بها فوق الإجراءات القانونية للإسراع في الدفن ، والشيء الوحيد الذي لم يقتحمه هو مسألة التحدث الى الأسقف لِيَسمح بدفن جيرميَا ديسَانْت آمور في مقبرة المؤمنين .

وحاول المفوض المستاء من سفاهة ذاته أن يعتذر فقال : ما أعرفه هو أن هذا الرجل كان قِدّيساً .

وقال الدكتور أُوربينو : بل هو شيء أشد غرابة ، إنه قِدّيس ملحِد ، لكن هذا من شؤون الرب .

بعيدا في الجانب الآخر من المدينة الاستعمارية سُمِعَت نواقيس الكاتدرائية تدعو الى القُدّاس الكبير ، فوضع الدكتور أُوربينو نظارته ذات القوس والإطار الذهبي على عينيه ونظر الى ساعة السلسلة المربعة الرقيقة التي يُفتح غطاؤها بنابض ، إنه يوشك أن يتخلف عن موعد صلاة العَنصَرة .

كان في الصالة آلة تصوير ضخمة على عجلات كتلك التي في الحدائق العامة ، وستارة عليها رسم يمثل مَنْظَر يمثل شفق بَحري ، وكانت الجدران مغطاة بصور أطفال عليها تواريخ تذكارية ، ذكرى المشاركة الأولى ، التنكر بقناع أرنب ، عيد الميلاد السعيد .

لقد رأى الدكتور أُورْبينو هذه الجدران وهي تتغطى تدريجياً سنة بعد أخرى أثناء تأمله المتروي في أمسيات الشطرنج ، وكان قد فكر في أحيان كثيرة مع اختلاجة كآبة بأن في معرض صور المصادفة هذا توجد نواة مدينة المستقبل التي ستُساس وتَفسُد على يد هؤلاء الأطفال المجهولين والتي لن يبقى فيها حتى رماد مجده .

على طاولة العمل الى جانب علبة فيها عدة غَلايين محفور عليها رسوم ذئاب بَحر كانت رقعة الشطرنج وعليها دور غير مكتمل ، ورغم تعجله واكتئابه لم يستطع الدكتور أُورْبينو مقاومة إغراء دراستها ، كان يعلم أنها لعبة الليلة الماضية فقد كان جيرميَا ديسَانْت آموريلعب مساء كل يوم من أيام الأسبوع ومع ثلاثة خصوم مختلفين على الأقل ، لكنه كان يصل دائما الى نهاية اللعب ثم يضع الرقعة مع الأحجار في علبتها ويضع العلبة في أحد أدراج المكتب ، وكان يلعب بالأحجار البيضاء دوما ، ولم يكن هناك من شك في أنه كان سيخسر تلك اللعبة بعد أربع حركات أخرى دون مفر .

وقال لِنفسه : لو كان ثمة جريمة لكان هذا دليلا جيدا ، فأنا لا أعرف سوى شخص واحد قادر على نصب مثل هذه الكمين المتقن .

ما كان بمقدوره العيش دون أن يبحث فيما بعد عن السبب الذي جعل ذلك الجندي الجامح المعتاد على الصراع حتى آخر قطرة دم يتخلى عن المعركة الأخيرة في حياته دون حسمها .

في الساعة السادسة صباحاً وفيما الحارس الليلي يقوم بجولته الأخيرة ، رأى الورقة المثبتة على الباب الخارجي : ادخل دون طَرْق الباب واتصل بالشرطة .

بعد ذلك بقليل هرع مفوض الشرطة مع طالب الطب المتمرِن ، وقاما كلاهما بتفتيش البيت عن دليل ضد رائحة اللوز المر التي لا يمكن إخفاؤها .

وأثناء الدقائق القليلة التي استغرقتها دراسة دور الشطرنج غير المنتهي اكتشف المفوض بين الأوراق التي على المكتب مغلفا موجَّهاً الى الدكتور خوفينال أُورْبينو مختوما بعدة أَخْتام من الشمع الأحمر ، مما جعل تمزيقه ضرورياً لإخراج الرسالة منه .

أزاح الطبيب الستارة السوداء عن النافذة لِيحصل على إنارة أفضل ، ثم ألقى أول الأمر نظرة سريعة على الإحدى عشرة ورقة المكتوبة بخط أنيق على الوجهَين ، ومذ قرأ الفقرة الأولى أدرك أنه قد تَخَلَّف عن صلاة العَنْصَرة .

قرأ بنفَس مضطرب عائدا الى ما قرأه في عدة صفحات لِيُمسِك مجددا بالخيط المفقود ، وعندما انتهى بدا وكأنه يرجع من مكان قصي وزَمان سحيق .

كان هموده بادياً رغم اجتهاده للحيلولة دون ذلك ، كانت شفتاه بلون الجثة الأزرق ذاته ، ولم يستطع السيطرة على ارتجاف أصابعه عندما أعاد طي الرسالة وأودعها جيب صدريته ، عندئذٍ تذَكر وجود مفوض الشرطة والطبيب الشاب فابتسم لهما من خلال غلالة الأسى وقال : لا شيء يستحق الذكر ، إنها تعليماته الأخيرة .

كان هذا نصف الحقيقة ، لكنهما اعتقدا أنها الحقيقة الكاملة لأنه أمرهما بانتزاع بلاطة مخلخلة في الأرضية حيث وجدا دفتر حسابات مستعملا كثيرا ، وفيها كانت رموز فتح صندوق الخزنة .

لم تكن هناك نقود كثيرة كما توهموا ، لكن ما وجدوه كان يزيد عن تكاليف الدفن وتسديد التزامات أخرى ضئيلة الشأن .

كان الدكتور أُورْبينو مدركا حينئذٍ أنه لن يتمكن من الوصول الى الكَتدرائية قبل القُدّاس فقال : إنها المرة الثالثة التي أتخلف فيها عن قُدّاس يوم الأحد مذ بلغت سن الرشد ، لكن الله يتفهم .

وهكذا فضَّل البقاء بضعة دقائق أخرى ليحل جميع التفاصيل رغم أنه لم يكن قادرا على احتمال شوقه لإطلاع زوجته على مضمون الرسالة .

وعد بأن يخبر لاجئي الكاريبي الكثيرين الذينيعيشون في المدينة كي يحضروا إن كانوا يودون تكريمهم الأخير للاجئ الأكثر احتراما في سلوكه والأكثر فعالية وجدية حتى بعد أن تبيَّن بجلاء سقوطه في أحابيل خيبة الأمل ، وسيخبر أيضا زملاءه لاعبي الشطرنج الذين كانوا يتفاوتون من مهنيين مشهورين وحتى عمال بلا اسم ، إضافة الى أصدقاء آخرين أقل مواظبَة ، لكنهم ربما يودون حضور الجنازة .

قبل أن يعرف برسالة الموت كان قد قرر أن يكون أول الحاضرين لكنه بعد قراءتها لم يعُد متأكدا من شيء ، إنما سيبعث على أية حال أكليل ياسمين ، فربما يكون جيرميَا ديسَانْت آمور قد عانى لحظة أخيرة من الندم .

سيتم الدفن في الخامسة ، فهي الساعة المناسبة في شهور الحَر الشديد ، وإذا ما احتاجوه لشيء فسيجدونه منذ الساعة الثانية عشرة في البيت الريفي الخاص بالدكتور لاثيديس أوليفيا تلميذه النجيب الذي سيقيم ذلك اليوم وليمة غداء احتفالا بيوبيله الفضي في المهنة .

كان للدكتور خوفينال أُورْبينو نمط بسيط من العادات يتبعها منذ انقضت سنوات السلاح المضطربة الأولى ، وأحرز لنفسه مكانة وسمعة لا مثيل لهما في كل المقاطعة ، كان يستيقظ مع الديوك الأولى ويبدأ في هذه الساعة بتناول أدويته السريَّة برومو البوتاسيوم لبعث النشاط وملح السلينين لآلام العظام أيام المطر وطحالب السلْت للإغماء وحشيشة البلادونيا للنوم الهادئ ، كان يتناول شيئا في كل ساعة ودائما في الخفاء لأنه في حياته الطويلة كطبيب وأستاذ كان دوما ضد إعطاء الوصفات المخفِفة لآلام الشيخوخة ، كان احتمال آلام الآخرين أسهل عليه من احتماله آلامه ، وكان يحمل دائما في جيبه وسادة مشَبعة بالكافور يستنشقها بعمق حين لا يكون ثمة من يراه لِينزع عن نفسه الخوف من كل هذه الأدوية المختلَطة ، كان يبقى في مكتبه مدة ساعة لتحضير درس الطب العام الذي واظب على إلقائه في مدرسة الطب كل يوم من أيام الأسبوع من الاثنين الى السبت في الساعة الثامنة تماما حتى اليوم الذي سبق موته ، كما كان قارئا مطلعا على المستجدات الأدبية التي يزوده بها بالبريد المكتبي الذي يتعامل معه في باريس أو تلك التي يوصي له عليها من برشلونة وكيله المكتبي المحلي ، رغم أنه لم يكن يتابع آداب اللغة الإسبانية بنفس الاهتمام الذي يتابع به الأدب الفرنسي ، ولم يكن على أي حال يقرأ تلك الكتب أبدا في الصباح وإنما لساعة بعد القيلولة ، وفي الليل قبل أن ينام ، أما بعد الانتهاء من تحضير الدرس في المكتب فكان يمارس تمرينات التنفس لمدة ربع ساعة في الحمام مقابل النافذة المفتوحة متنفسا دوما باتجاه الجهة التي تصدح منها الديكة حيث الهواء النقي هناك ، بعد ذلك يستحم ويشذب لِحْيَته ويصمغ شاربه بمستحضر مشبَّع بكالونيا فارينا كيكينير الأصلية ثم يلبس بدلة الكتان البيضاء مع صدرية وقبعة لَيِّنة وحذاء من جلْد الماعز ، إنه يحتفظ وهو في الثمانين من العمر بالتقاليد البسيطة والروح الاحتفالية التي رجع بها من اباريس بعد جائحة داء الكوليرا الكبرى بقليل ، ومازال شعره المُسَرَّح جيدا مع فَرْق في الوسط كما كان في شبابه لولا اللون المعدين الذي طرأ عليه .

كان يتناول فطوره مع العائلة عادةً ، لكنه يتبع رجيماً خاصاً ، يتناول شراب زهر الإفسانتين لراحة المَعِدة ورأس ثوم يقوم بتقشير فصوصه واحدا وحداً يمضغها بتمهل مع قطعة خبز وذلك لتفادي احتشاءات القلب .

ونادرا ما يكون متحررا بعد درسه اليومي التزام مرتبط بمبادراته التمدنية أو التزامه الكاثوليكي أو بابتكاراته الفنيَة أو الاجتماعية .

كان يتناول الغداء في بيته دوما ، ثم ينام قيلولة من عشرة دقائق وهو جالس على منصة الفِناء ، مستمعا في نومه الى أغنيات الخادمات تحت أشجار المانكا ومصغيا الى نداءات الباعة في الشارع وصخب المحركات في الميناء الذي تفوح روائحه مرفرفة في جو البيت في الأمسيات الحارة كأنها ملاك محكوم بالتعفن ، ثم يقرأ بعد ذلك مدة ساعة في الكتب الجديدة وخصوصا الروايات والدراسات التاريخية ، وبعد ذلك يلقِّن دروس اللغة الفرنسية والغناء للببغاء الداجنة التي صارت منذ سنوات محطاً للإعجاب المحلي ، وفي الساعة الرابعة يخرج لعيادة مرضاه بعد أن يتناول إبريقا كبيرا من اللِمُنادَا مع الثلج ، ورغم تقدمه في السن كان يرفض استقبال مرضاه في العيادة ويصر على مواصلة علاجهم في بيوتهم كما فعل ذلك دائما مذ كانت المدينة محدودة يمكن الذهاب فيها الى أي مكان مَشيا على الأقدام .

عندما جاء من أوربا لأول مرة كان يستخدم عربة الخيول الخاصة بالعائلة والتي كان يقودها حصانان أشْقَران ذهبيان ، وحين لم تعُد هذه العربة صالحة للاستعمال استبدلها بعربة من نوع فكتوريا يقودها حصان واحد ، واستمر في استخدامها على الدوام مع إبداء بعض الازدراء للموضة عندما أخذت العربات الإختفاء من الدنيا ، والعربات الوحيدة التي بقيت في المدينة كانت تستخدم لِنُزْهة السياح ولحمل الأكاليل في الجنازات فقط .

ومع أنه كان يرفض الاعتزال فقد كان مدركا أنهم لا يستدعونه إلا لِمعالجة حالات مَيؤوس منها ، لكنه كان يرى في ذلك أيضا نوعا من التخصص ، كان قادرا على معرفة ما يعانيه المريض من مظهره فقط ، وكان يفقد ثقته أكثر فأكثر في الأدوية المرخصة ، وينظر بذعر الى تعميم الجراحة ويقول : إن المِبْضَع هو أكبر دليل على فشل الطب .

وكان يفكر أن كل دواء إذا ما رأيناه بمقياس دقيق هو سُم ، وأن سبعين بالمائة من الأطعمة العادية تُعجل في الموت ، وقد اعتاد أن يقول في درسه : الأدوية القليلة المعروفة على أية حال لا يعرفها إلا بعض الأطباء .

وانتقل من حماسة الشباب الى موقع كان هو نفسه يعرِّفه على أنه موقع إنساني جَبري .

- كل امرئ هو سيد موته ، والشيء الوحيد الذي بالإمكان عمله عندما تحين الساعة هو مساعدته على الموت دون خوف أو ألم .

ورغم هذه الأفكار المتطرفة والتي كانت تشكل جزءاً من الفُلكلور الطبي المحلي فإن تلاميذه القدماء ما زالوا يستشيرونه حتى بعد أن أصبحوا أطباء راسخين في المِهنة ، إذ كانوا يعترفون له بتلك التي كانت تسمى حينئذٍ - النظرة الطبية - ولقد كان دوما طبيبا غاليا واستثنائيا ، وكان زبائنه يسكنون البيوت الفاخرة في حي الفيريس .

كان يقوم بِجولة منهجية منتظمة لدرجة أن زوجته كانت تعرف الى أين تبعث في طلبه إذا ما طرأ شيء مستعجل خلال جولته المسائية .

وفي شبابه كان يتأخر في مقهى الباروكية قبل أن يرجع الى البيت ، وهكذا أتقن لعب الشطرنج مع شركاء حَماه ومع بعض لاجئي الكاريبي ، لكنه منذ مطلع القرن لم يعُد الى مقهى الباروكية ، وحاول تنظيم دوري وطني في الشطرنج تحت رعاية النادي الاجتماعي ، وكان في هذه الفترة أن جاء جيرميَا ديسَانْت آمور بركبتَيه الميتتَين وبلا مهنة تصوير الأطفال في ذلك الحين ، وقبل انقضاء ثلاثة أشهر كان معروفا لكل من يُحسن تحريك فيل على رقعة شطرنج لأن أحدا لم يتمكن من كسب جولة منه .

لقد كان بالنسبة للدكتور خوفينال أُورْبينو لقاءً معجزة في وقت أصبحت لعبة الشطرنج هوى لا حدود له ، ولم يعُد هناك خصوم كثيرون يُشْبعون رغبته في اللعب ، وبفضله أُمكِنَ لجيرميَا ديسَانْت آمور أن يصبح الى ما آل إليه بيننا ، لقد أصبح الدكتور أُورْبينو حاميه اللامشروط وكفيله في كل شيء حتى دون أن يتكلف مشقة التقصي عمن هو أو عما يفعله أو من أي حرب بلا أمجاد جاء بتلك الحالة من العجز والعَطل ، ثم أَقرَضه أخيرا المال لإقامة محل تصوير ، هذا المال الذي سدده جيرميَا ديسَانْت آمور بصرامة حِبال حتى آخِر كواريتو مذ صوَّر أول طفل مُرتعد من بريق المغنيسيوم .

كل ذلك كان بسبب الشطرنج ، كانا يلعبان أول الأمر في الساعة السابعة لَيلاً بعد العشاء وكان في ذلك منفعة أكيدة للطبيب بفعل التفوق البارز للخصم ، ولكن المنفعة أخذت تتناقص في كل مرة إلى أن تساويَا ، وفيما بعد حين افتتح أول فِناء سينما وأصبح جيرميَا ديسَانْت آمور واحدا من الزبائ المداومين .

اقتصر لعب الشطرنج على الليالي التي لا تُعرَض فيها أفلام جديدة ، وكان قد أصبح صديقا حميما للطبيب في ذلك الحين ، فكان هذا يرافقه الى السينما إنما بدون زوجته دوما ذلك أنها لا تطيق متابعة خيط القصص المعقدة من جهة ، ولأن جيرميَا ديسَانْت آمور بدا لها من جهة أخرى وبحاسة الشم وحدها أنه ليس بالرفيق الصالح لأحد .

يومه المختلف كان يوم الأحد ففيه يذهب لحضور القُدّاس الكبير في في الكاتدرائية ، ثم يعود الى البيت ويلبث هناك للراحة والقراءة على مصطبة الفِناء ، ونادرا ما كان يخرج لعيادة مريض في أيام اعتكافه ما لم تكن الحاجة ماسة الى ذلك ، ولم يعُد يقبل منذ عدة سنوات أي التزام اجتماعي إلا إذا كان اضطرارياً .

في يوم العَنصَرَة ذاك وقعت حادثتَان ، وفاة صديق ، والاحتفال باليوبيل الفضي لِتلميذ بارز ، ومع ذلك فإنه بدلا من العودة الى البيت دون تأخر كما كان مقررا بعد أن ثبتت وفاة جيرميَا ديسَانْت آمور ترك لِنفسه أن تنقاد وراء الفضول .

ما أن صعد الى العربة حتى قام بمراجعة سريعة لرسالة الميت ثم أمر الحوذي بإصاله الى عنوان صعب في حي العبيد القديم ، لقد كان ذلك القرار غريبا على عاداته ، مما جعل الحوذي يرغب بالتأكد من أنه لا يوجد ثمة خطأ ، ، لم يكن هنالك من خطأ ، العنوان كان واضحاً ومن كتبه لديه أسباب كافية لمعرفته جيدا .

عندئذٍ عاد الدكتور أُورْبينو الى الصفحة الأولى وغرق ثانية في ذلك المورد من الاعترافات غير المرغوب فيها ، والتي بإمكانها تغيير مجرى حياته ، حتى وهو في هذه السن إذا ما استطاع إقناع نفسه بأنها ليست هذيان شخص يائس .

أخذ مزاج السماء يتبدل منذ الصباح الباكر كان مُغيِّماً وبارداً ، إنما لم تكن هناك مخاطر هطول مطر قبل منتصف النهار .

وفي محاولة لإجاد طريق أقصر دخل الحوذي في أزقة المدينة الاستعمارية المرصوفة بالحجارة واضطر للتوقف مرات عديدة كي لا يحفل الحصان من فوضى طلبة المدارس والجماعات الدينية العائدة من قُدّاس العَنصَرَة ، كانت في الشارع أكاليل مصنوعة من أوراق ملونة ومسيقى وأزهار وفتيات يحملن مظلات ملونة ويلبسن كشاكش الموسولين ويتأملن مرور الاحتفال من الشرفات ، وفي ساحة الكاتدرائية حيث لم يكن ممكنا تمييز تمثال بطل التحرير بني أشجار النخيل الأفريقية وأعمدة النور الحديدية ذات المَصابيح إلا بصعوبة .

كان ازدحام السيارات على أَشُدِّه بسبب الخروج من الصلاة ، ولم يكن هناك موطئ قدم في مقهى الباروكية المحتشم والصاخب ، كانت عربة الدكتور أُورْبينو هي عربة الخيول الوحيدة وكانت تتميز عن العربات الأخرى القليلة المتبقية في المدينة باحتفاظها الدائم ببريق غطائها الْجلدي وبأجزائها المعدنية المصنوعة من البرونز حتى لا يجعلها ملح البارود تتآكل ، وكانت عجلاتها ودعائمها الخشبية مطلية باللون الأحمر مع خطوط ذهبية كما هي العربات في ليالي الحفلات في أوبرا فِيَنّا ، أضف الى ذلك أن أكثر العائلات حبا للمَظاهر كانت تكتفي بأن يكون قميص الحوذي في عرباتها نظيفاً ، بينما تابع هو مطالبة حوذي عربته بارتداء بدلة حوذي المخملية الذاوية وقبعة مروِّضِي السيرك التي فضلا عن كونها زياً قديماً مهجوراً كان تنم عن تقليد غاشم في قيظ منطقة الكاريبي ، ورغم هوسه الجنوني بالمدينة معرفته بها خيراً من سواه ، فقليلا ما وجد الدكتور أُورْبينو سببا كسبب يوم الأحد ذاك للمغامرة دون تحفظ في الفوضى حي العبيد .

وقد اضطر الحوذي للقيام بالتفافات عديدة والسؤال مرات ومرات للوصول الى العنوان المقصود .

لقد تعرف الدكتور أُورْبينو عن قرب على كآبة المستنقعات وصمتها الممل وفسواتها التي كريح الغريب والتي كانت تصعد في فجر أيام كثيرة حتى مخدعه مختلطة برائحة ياسمين الفينا ، وكان يحس بها تمر كما لو أنها ريح اليوم الفائت وليس لها أي شأن في حياته ، لكن تلك العفونة التي احتفظ منها بتصور مثالي بفعل الحنين تحولت الى واقع لا يطاق ما أن بدأت العربة تتقافز في وحل الشوارع ، حيث تتنازع طيور الرخمة بقايا المَسْلَخ التي يدفعها البحر الى مدخل الميناء ،

وعلى العكس من مدينة المبنية بيوتها من الحجر كانت البيوت هنا مشادة من أخشاب كالحة وسقوف من التوتيان ، ومعظمها يستقر فوق دعائم خشيةً للحيلولة دون تسرب مجاري التصريف المتعاظمة والمكشوفة ابلموروثة عن الإسبان .

كل شيء كان يبدو بائسا ومهجورا ، لكن قصف موسيقى جوقة عَنصَرَة الفقراء كان يخرج من الحانات القذرة بلا رب ولا قانون .

وعندما وجدا العنوان أخيرا كانت تلحق بالعربة عصبة أطفال عراة يسخرون من زينة الحوذي المسرحية ، وكان على هذا أن يفزعهم بالسوط لِيبتعدوا ، أما الدكتور أُورْبينو الذي هيأ نفسه لزيارة سرية فقد أدرك بعد فوات الأوان أنه لا سذاجة أشد خطورة من السذاجة في سنه .

لم يكن في مظهر البيت الخارجي ما يميزه عن البيوت الأقل حظا سوى النافذة ذات الستارة المخرمة وبوابة منتزعة من كنيسة قديمة .

طَرَق الحُوذي مِقْرَعة البيت ، وعندما تأكد من صحة العنوان ساعد الطبيب على النزول من العربة .

كانت البوابة قد فُتحَت دون ضجة ، وفي العتمة الداخلية كانت تقف امرأة ناضجة متشحة بالسواد المطلق وتضع وردة على أذنها ، ورغم سنوات عمرها التي لم تكن أقل من الأربعين فإنها مازلت تبدو خلاسية شامخة ذات عينين ذهبيتين قاسيتين وشعر مثبت على شكل الرأس وكأنه خوذة من القطن الحديدي .

لم يعرفها الدكتور أُورْبينو رغم أنه قد رآها عدة مرات في شرود أدوار الشطرنج في محل المصور ، وقد وصف لها في إحدى المناسبات أوراق الكينا من أجل الحما الثلاثية .

مد يده إليها فتناولتها بين يديها ليس لمصافحته وإنما لمساعدته على الدخول .

كانت الصالة تعبق برائحة وهسيس أيكة اللامرئية ، وكانت مليئة بأثاث وأشياء موزعة بإتقان ، كل شيء في مكانه الطبيعي ، فتذكَّر الدكتور أُورْبينو دون مَرارة دكان بائع عاديات في باريس في يوم اثنين خريفي من أيام القرن الماضي في ستة وعشرين شارع مونتمارت .

جلست المرأة مقابله ،وحدثته بإسباني ركيكة قائلة : اعتبر نفسك في بيتك يا دكتور ، لم أكن أنتظرك بمثل هذه السرعة .

أحس الدكتور أُورْبينو بأنه مكشوف ، دققَ فيها بقلبه ، دقق في حدادها الكثيف ، في وقار كآبتها ، وفهم عندئذٍ أن زيارته تلك بلا فائدة لأنها كانت تعرف أكثر منه بكل ما هو وارِد في ومُبَرَّر في رسالة جيرميَا ديسَانْت آمور، وهكذا كان .

لقد رافقته حتى ساعات قليلة قُبَيل موته كما رافقته خلال ما يقرب من قرابة عشرين سنة بولاء ورقة مُنقادة إليه بما يشبه الحب ، ودون أن يعرف ذلك أحد في عاصمة الأقليم الناعسَة هذه حيث أسرار الدولة ذاتها كانت مشاعة .

لقد تعارفَا في مَشفى للعابرين في بورتأوبرينز حيث ولدت هي ، وحيث أمضى هو سنواته الأولى كهارب ، ثم لحقت به الى هنا بعد سنة في زيارة قصيرة ، مع أنهما كلاهما كانا يعلمان دون اتفاق مُسْبق بأنها جاءت لِتبقى الى الأبد .

كانت تتولى تنظيف وترتيب مخبَر التصوير مرة في الأسبوع ، لكن أسوأ الجيران تفكيرا ما كانوا يخلطون الظاهر بالحقيقة ، لأنهم كانوا يفترضون مثل كل الناس أن عاهة جيرميَا ديسَانْت آمورليست في المشي فقط ، وحتى الدكتور أُورْبينو ذاته كان يفترض ذلك لأسباب طبية راسخة تماما ، ولم يظن يوما أن تكون له امرأة لو لم يكشف له ذلك في الرسالة ، غير أنه لم يستطع أن يفهم كيف أن كائنَين راشدَين وحرَين وبلا ماضٍ على هامش اهتمامات مجتمع غارق في شؤونه قد اختارا نكبة الحب المحرم .

وشرحت له ذلك : كانت تلك هي رغبته ، ثم أن تقاسمها السريَة مع رجل لم يكن رجلها تماما في يوم من الأيام ، وتعرفهما أثناء ذلك على انفجارات السعادة الفورية أكثر من مرة لم يكن ليبدو لها بالوضع الغير مرغوب فيه ، بل على العكس ، ربما أن الحياة أثبتت لها بأن تلك هي الطريقة النموذجية .

لقد ذهبا الليلة الماضية الى السينما ، كل منهما بمفرده وجلسا في مقعدين منفصلين كما يفعلان مرتين في الشهر على الأقل مذ أقام المهاجر الإيطالي دون غاليليو داكونتي صالة السينما المكشوفة في أطلال دير من القرن السابع عشر ، ورأيا فيلما مأخوذا عن كتاب كان رائجا في العام الفائت ، وكان الدكتور أُورْبينو قد قرأه بقلب مكروب لِبربرية الحرب ، لا جديد في الجبهة ، .

ثم اجتمعا بعد ذلك في المخبَر وهناك وجدت أنه يقاسي التشتت والحنين ، وفكرت أن ذلك بتأثير المَشاهد القاسية للجرحى المحتضرين في الوحل ، فحاولت تسليته بدعوته الى لعب الشطرنج ، وقد وافق لِيرضيها ، لكنه كان يلعب دون تَركيز بالقطع البيضاء طبعاً الى أنْ اكتشف قبلها أنه سيُهزَم بعد أربع حركات أخرى ، فاستسلم بلا كِبرياء .

حينئذٍ أدرك الطبيب أن خصم اللعبة الأخيرة كان هذه المرأة وليس كما افترض ، فتمتم مدهوشا : إنها لعبة متقنة .

فأصرت بأن لا فضل لها في ذلك وأن جيرميَا ديسَانْت آمورالهائم في ضَباب الموت كان يحرك الأحجار دون حب ، وعندما أوقف اللعب في حوالي الساعة الحادية عشرة والربع كانت موسيقى حفلات الرقص قد العامة قد توقفت ، فطلب منها أن تتركه وحيدا ، كان يريد كتابة رسالة الى الدكتور أُورْبينوالذي يعتبره أكثر الرجال الذين عرفهم وَقاراً ، إضافة الى كونه صديق الروح كما كان يحب أن يقول ، رغم أن التشابه الوحيد بينهما هو إدمانهما لعبة الشطرنج على أنها حوار للعقل وليست علماً ، عندئذٍ عرفت أن جيرميَا ديسَانْت آمورقد وصل الى نهاية الاحتضار ، وأنه لم يبقَ له في الحياة إلا ما يكفي لكتابة الرسالة .

لم يستطع الطبيب تصديقها فهتف : كنتِ تعلمين إذن ؟!

فأكدت بأنها لم تكن تعلم فقط وإنما ساعدته على تجاوز الاحتضار بنفس الحب الذي ساعدته به على اكتشاف السعادة ، لأن الشهور الأحد عشر الأخيرة في حياته كانت احتضارا قاسيا .

قال الطبيب : كان واجبك أن تُبَلِّغي عنه .

فقالت مستنكرةً : أنا لا أستطيع فعل ذلك ، كنت أحبه كثيرا .

الدكتور أُورْبينو الذي كان يعتقد بأنه سمع بكل شيء في الدنيا ، لم يسمع أبدا في حياته شيئا من هذا القبيل ، يجري الإعلان عنه بكل هذه البساطة .

نظر إليها بحواسه الخمس وجهاً لوجه لِيُثبِّتَها في ذاكرته كما هي في تلك اللحظة ، كانت تبدو وكأنها إله طافٍ ، متمسكة في ثوبها الأسود بعينيها اللتين كعينَي أفعى والوردة التي على أذنها .

منذ سنوات بعيدة وعلى شاطئ متوحد من شواطئ هايتي حيث كانا يرقدان عاريان بعد الحب ، قال لها جيرميَا ديسَانْت آموروهو يتنهد فجأة : لن أصير كَهلَاً أبدا .

وقد فهمت هي ذلك على أنه نية بطولية للنضال دون هوادة ضد نكبات الزمن ، لكنه أوضح قصده أكثر ، كان لديه تصميم حاسم على وضع حد لحياته في السبعين ، لقد أتمها في الثالث ولعشرين من شهر كانون الثاني للعام الحالي فحدد حينئذٍ عشية عيد العَنْصَرة كموعد أخير لأنه أعظم أعياد المدينة المكرسة لعبادة روح القُدُس .

لم يكن هناك تفصيل من تفاصيل الليلة الماضية لم تكن قد عرفته مسبقا ، فكثيرا ما كانا يتحدثان في ذلك مكابدين معاً سيل الأيام الجارف الذي لن يستطيع أي منهما إيقافه .

كان جيرميَا ديسَانْت آمور يحب الحياة بعاطفة مبهمة ، كان يحب البَحر والحب ، يحب كلبه ويحبها ، وكلما اقترب اليوم الموعود كان يهوي أكثر فأكثر في اليأس كما لو أن موته لم يكن قرارا ذاتيا وإنما قَدَراً حتميا .

قالت : عندما تركته وحيدا في الليل لم يكن من أهل هذه الدنيا .

كانت تريد أخذ الكلب معها ، لكنه تأمله وهو يغفو بجانب العُكّازين وداعبه بأطراف أصابعه وقال : آسف ، لكن مستر وودرو ولْسون سيمضي معي .

طلب منها أن تربطه بقائمة السرير فيما هو يكتب ، وفعلت ذلك بعُقدَة زائفة ليتمكن الكلب من الإفلات ، وكان هذا هو العمل الوحيد الذي قامت به دون إخلاص ، وقد بررته برغبتها في الاستمرار بتذكُّر السيد من خلال عينَي كلبه الشتويتَين .

لكن الدكتور أُورْبينوقاطعها ليخبرها بأن الكلب لم يفلت .

فقالت : ذلك لأنه لم يشأ الإفلات إذن .

وفرحت لأنها تفضل أن تتذكَّر الحبيب الميت كما طلب هو منها في الليلة السابقة ، عندما قطع كتابة الرسالة التي كان قد بدأها ونظر إليها للمرة الأخيرة وقال : تَذكَّريني بِوَردة .

كانت قد وصلت الى بيتها بعد منتصف الليل بقليل ، استلقت لتدخن في السرير وهي بملابسها ، وأخذت تشعل سيجارة من عَقِب الأخرى مُتيحة له الوقت لِيُكمِل الرسالة التي كانت تعلم أنها طويلة وشاقة ، وقُبَيْل الثالثة بقليل عندما بدأت الكلاب تنبح وضعت الماء على النار لتصنع القهوة وارتدت ملابس الحداد السوداء وقطفت من الفِناء أول وردة من وردات الفجر .

لقد تنبه الدكتور أُورْبينوقبل أن يقرر هَجر ذكرى تلك المرأة التي لا تُفتَدى وظن أنه يعرف السبب ، بإمكان إنسان بلا مبادئ فقط أن يتجاوب الى هذا الحد مع الألم .

تابعت تقديم حُججِها له حتى نهاية الزيارة ، لن تذهب الى الجنازة لأنها وعدت الحبيب بذلك ، رغم أن الدكتور أُورْبينواعتقد أنه فَهِم عكس هذا في إحدى فقرات الرسالة ، ولن تذرف دمْعة واحدة ، ولن تَهدُر لها ما تبقى لها من سِنِي الحياة بطبخ نفسها على نار هادئة في مرَق الذكرى ، ولن تدفن نفسها في الحياة لِتُجهز كفنها بين هذه الجدران الأربعة كما هي العادة المفضلة للنساء الوطنيات ، كان تفكر ببيع بيت جيرميَا ديسَانْت آمور الذي أصبح بكل محتوياته ملكا لها منذ الآن كما هو وارِد في الرسالة وستتابع الحياة كما عاشت دائما دون أن تشكو شيئا في مماتة الفقراء هذه التي عاشت فيها سعيدة .

لاحقت تلك العبارة الدكتور خوفينال أُورْبينو وهو في طريق العودة الى بيته "مماتة الفقراء هذه" إنه ليس بالتعبير المجاني ، فالمدينة مدينته مازالت على هامش الزمن كما كانت ، نفس المدينة الملتهبة والقاحلة بمخاوفها الليلية وملذات البلوغ المتوحدة حيث تصدأ الأزهار ويَفسُد الملح ، المدينة التي لم يُصِبْها شيء خلال أربعة قرون سوى الهَرَم البطيء ما بين شجيرات الغار الذابلة والمستنقعات المتعفنة ، في الشتاء أمطار فجائية ومخربة تجعل المراحيض تفيض وتحوِّل الشوارع الى بِرك وحل نتنة ، وفي الصيف غبار لا مرئي ، خشن كطباشيرة حمراء متقدة يتسرب حتى من أكثر فجوات الخيال إحكاماً هائجاً برياح مجنونة تنتزع سقوف البيوت وتحمل الأطفال في الهواء ، وفي أيام السبت تغادر جماعة المُوَلِّدين الفقراء بصخب أكواخ الكارتون والصفيح القائمة على ضفاف المستنقعات مع حيواناتهم الداجنة وأمتعة أَكلهم وشربهم الرخيصة ، ويحتلون بهجوم مرح الشواطئ الحَصَوية في القطاع الاستعماري ، وقد كان بعضهم بين أكبرهم سناً يحملون حتى سنوات قليلة وسْم العبيد الملكي مطبوعاً بالحديد المحمي على الصدر ، وكانوا يرقصون في نهاية الأسبوع بلا رحمة ويسكرون حتى الموت بكحول مقطَّر في البيوت ، ويمارسون الحب الحُر بين خمائل الإكاكو ، وفي منتصف لَيل الأحد يخربون مهرجانهم بمشاجرات دامية يخوضونها جميعَهم ضد جميعِهِم ، إنهم الناس المندفعون أنفسهم الذين يتسربون في بقية أيام الأسبوع الى ساحات وأزقة الأحياء القديمة بعربات محملة بكل ما يمكن شراؤه وبيعه ، ويبثون في المدينة الميتة جنون مهرجان بشري له رائحة السمك المقلي ، حياة جديدة .

إن الاستقلال عن السيطرة الإسبانية ثم إلغاء الرق بعد ذلك قد عَجَّلا بحالة الانحطاط المشرف الذي وُلِد وترعرع فيها الدكتور أُورْبينو ، حيث كانت عائلات الزمن الغابر العظيمة تغرق بصمْت في قصورها المجردة من الأُبَّهة .

أما في تفرعات الشوارع المرصوفة التي قاومت بفاعلية مفاجآت الحروب وإنزالات القراصنة فكانت الشجيرات الملتفة تتدلى من الشُرفات وتفتح صدوعا في جدران الجير والحجَر حتى في البيوت التي مازالت في حالة حسنة ، وعلامة الحياة الوحيدة في الساعة الثانية ظُهرا هي تمارين البيانو الخافتة في عتمة القيلولة ، كانا النساء تحتمين من الشمس في غرف النوم الباردة والمُشبَعَة بالبخور كاحتمائهن من عدوة فاحشة ، بل ويغطين وجوههن بالطرحة في صلوات الفجر ، وكن يمارسن حبهن ببطء وصعوبة ، وغالبا ما تُعكرهذا الحب خواطر مشؤومَة فيما الحياة تبدو لهن أمرا لا نهائيا ، وعند المغيب في وقت ازدحام حركة المرور تنطلق من المستنقعات عاصفة من البعوض السَفّاح وموجة خفيفة من بخار السَلْح البشري الحار والكئيب مثرةً في أعماق النفس قلق الموت .

إن حياة المدينة الاستعمارية التي اعتاد خوفينال أُورْبينو الشاب رسم صورة مثالية لها في لحظات حنينه البارسية لم تكن حينئذٍ إلا وهماً من أوهام الذاكرة ، لقد كانت أكثر مدن الكاريبي ازدهاراً في القرن الثامن عشر خصوصاً بامتيازها كأكبر سوق للرقيق الأفريقي في الأمريكتين ، وكونها مقر إقامة حكّام مملكة غرناطة الجديدة الذين كانوا يفضلون مزاولة شؤون الحكم من هنا مقابل إقيانوس العالم ، بدلا من العاصمة البعيدة والمتجمدة التي تُشَوِش الحس الواقعي بمطرها الأزَلي ، وكانت تتجمع فيها عدة مرات في السنة أساطيل السفن المحملة بكنوز بوتوسي وكِيتو وفيركروث ، وكانت المدينة تعيش سنوات مجدها في ذلك الحين .

وفي يوم الجمعة الثامن من حزيران 1708 في الساعة الرابعة مساءً جرى إغراق السفينة سانخوسيه التي كانت قد أبحرت لتوها باتجاه قادش وعلى متنها حمولة من الأحجار والمعادن الثمينة قيمتها نصف مليون بيزو من عملة ذلك الزمن ، أغرقها أسطول إنجليزي مقابل مدخل الميناء ، ولم يكن قد جرى استخراجها بعد مرور أكثر من قرنَين على غرقِها ، ولقد كان في عادة المؤرخين أن يذكروا تلك الثروة القابعة في القيعان المرجانية مع جثة القبطان الطافية على جنبها في مقر القيادة كرمز للمدينة الغارقة في الذكريات .

في الجانب الآخر من الخليج ، في حي لامانع السكني كان منزل الدكتور خوفينال أُورْبينو في زمن آخر ، إنه بيت فسيح وبارد ، مؤلف من طابق واحد ورواق أعمدة متتالية في المنصة الخارجية المطِلَّة على مستنقع الأبخرة العفنة وركام السفن الغارقة في الخليج ، كانت أرضية البيت مرصوفة ببلاط شطرنجي أبيض وأسود من المدخل حتى المطبخ ، وكثيرا ما عُزِيَ هذا الى هوى الشطرنج الذي يسيطر على الدكتور أُورْبينودون تَذَكُّر أنه كان ضعفا عاما من جانب البَنّائين الكَالكَتَلانيين الذين شادوا في بدايات القرن حي مُحْدَثي النعمة ذا .

كانت الصالة فسيحة وسقفها عالٍ جدا كما هو في بقية البيت ، ولها ست نوافذ واسعة تُطِلُّ على الشارع وكانت منفصلة عن غرفة الطعام بباب زجاجي ضخم ومُزيَّن بفروع دالية وعناقيد وفتيات فاتنات يحملن نايات إلهة الحقول في غابة من السيروين .

أثاث حجرة الاستقبال بما في ذلك ساعة البندول التي لها شكل حارس حي في الصالة ، كان كله أثاثاً إنجليزياً أصيلا من أواخر القرن التاسع عشر ، والمَصابيح المعلقة كانت من قطع كرستال صخري ، وكانت هنالك في كل الأنحاء أصص ومزهريات من سرفيس وتماثيل آلهة من الرخام المُعَرَّق ، لكن ذلك التناسق الأوربي كان مفقودا في بقية أجزاء البيت ، حيث أرائك الخيزران تختلط مع كراسٍ هزازة من فِيَّنا ومَقاعد جلْدية من الصناعة اليدوية المحلية .

وفي غرف النوم كانت توجد إضافة الى الأََسِرَّة شِباك نوم معلقة رائعة من سانخاثينتو مطرز عليها بخيوط حَريرية اسم صاحب البيت بحروف قوطية ، وكانت حوافها محاطة بهداب ملون .

أما الردهة المصممة في الأصل من أجل حفلات العشاء الى جوار صالة الطعام فقد اُستخدِمَت كصالة موسيقى صغيرة ، تقام فيها حفلات موسيقية للخاصة عندما يحضر عازفون شهيرون ، وقد جرت تغطية البلاط بالسجاد التُركي المشترى من معرض باريس الدولي لتعميق الصمْت في جو البيت ، وكان هناك فونوغراف من طراز حديث الى جانب رف عليه إصطوانات حسنة الترتيب ، وكان البيانو الذي لم يعزف عليه الدكتور أُورْبينومنذ سنوات يقبع في أحد الأركان مغطى بشرشف من مانيلا .

وفي سائر أرجاء البيت كان يظهر حرص وحكمة امرأة راسخة الأقدام في الأرض ، لم يكن هناك في البيت رغم ذلك مكان يكشف جلال المكتبة المرتبة والتي كانت هيكل الدكتور أُورْبينوقبل أن تقوده الى الشيخوخة ، فهناك وحول طاولة خشب الجوز الخاصة بوالده وأرائك الجلْد الوثيرة جدران مغطاة حتى النوافذ بخزائن ذات رفوف وأبواب زجاجية ، رتب فيها بنظام شبه جنوني 3000 متمائلة مُجَلَّدة بجلْد عِجْل وعلى عقِبِها الحروف الأولى من اسمه مكتوبة بماء الذهب ، وعلى عكس الحجرات الأخرى التي كانت تحت رحمة صخب وروائح الميناء الكريهة كانت المكتبة تنعم دوما بصمْت دير ورائحته .

كان الدكتور أُورْبينو وزوجته اللذان وِلِدَا وترعرعَا في ظل الخرافة الكاريبية القائلة بفتح الأبواب والنوافذ لإدخال البرودة غير الموجودة في الواقع ، قد أحسا في البدء بقلبيهما يضيقان بفعل الحبس ، لكنهما ما لَبِثا أن اقتنعا بفعالية الطريقة الرومانية لمواجهة الحَر التي تتلخص بإغلاق البيوت في قيظ آب حتى لا يدخل هواء الشارع الملتهب وفتحها على مصاريعها لريح الليل ،

فأصبح بيته منذ ذلك الحين أكثر البيوت رطوبة تحت شمس لامانغا الحارقة ، وكان نوم القيلولة في عتمة المَخادع يبعث على السعادة ، وكذلك الجلوس على الرواق لرؤية مرور سفن الشحن الثقيلة الرمادية القادمة من نِواوريليانز والسفن الخشبية ذات العجلة الخلفية وهي تضيء أنوارها في العشية وتُنَقّي بنثار الموسيقى المنبعثة منها مزبلة الخليج الراكدة .

وكان بيته هو الأكثر مقاومة ما بين كانون الأول وآذار حين تُهَدِّم ريح الشمال المدارية سقوف البيوت وتقضي الليل مُدَوِمَةً كالذئاب الجائعة حول البيت بحثا عن مَنْفَذ تدخل منه ، ولم تكن الشكوك تُراوِد أحدا في وجود أسباب تحول دون سعادة الزوجَين المقيمَين فوق تلك الأسس ، لكن الدكتور أُورْبينولم يكن كذلك في صباح ذلك اليوم ، عندما رجع الى بيته قبل الساعة العاشرة مُشَوَشاً من الزيارتَين اللتين لم تحَُولا بينه وبين قُدّاس العَنْصَرة وحسب ، بل هددتا بتغيير يطرأ عليه وهو في سن ظن أن كل شيء فيها قد أُنجِز .

كان يريد أن ينام نوم كلب حتى ريثما يحين موعد وليمة الغداء عند الدكتور لاثيديس أوليفيا ، لكنه وجد الخدم هائجين يحاولون إمساك الببغاء التي طارت الى أعلى فرع في شجرة المانغا حين أخرجوها من القفص ليقُصُّوا لها جناحيها ، كانت ببغاء منتوفة ومعتوهة ، لاتتكلم عندما يطلبون منها الكلام وإنما عندما ينساها الجميع ، وتتكلم حينئذٍ بوضوح ودقة ليست متوفرة بكثرة لدَى الكائنات البشرية ، لقد دَرَّدرَّبَها الدكتور أُورْبينوشخصياً وكان هذا امتيازاً لم يحظَ به أحد من أفراد الأسرة حتى ولا أولاده عندما كانوا أطفالا .

كانت في البيت منذ أكثر من عشرين سنة ، ولا أحد يعرف كم سنة عاشت قبل ذلك ، وكان الدكتور أُورْبينويجلس مساء كل يوم بعد القيلولة على شُرفة الفِناء وهو المكان الأكثر برودة في البيت مستخدماً أصعب الأساليب التربوية حتى توصل الى جعل الببغاء تتحدث بالفرنسية كأكاديمي ، بعد ذلك وبِدَوافع الفضيلة المحضة علَّمها مرافقة القُدّاس باللاتينية وبعض المقاطع المختارة من أنجيل القديس مَتّا ، وحاول دون نجاح تلْقينها العمليات الحسابية الأربع بشكل آلي ، وفي إحدى رحلاته الأخيرة الى أوربا أحضر معه فنوغرافاً ذا نفير وعددا كبيرا من الإصطوانات الشائعة إضافة الى مقطوعات الكلاسيكيين الأثيرين لديه ، ويوما بعد يوم ومرة بعد أ×رى خلال عدة شهور أسمع الببغاء أغنيات إيفينت جيلبيرت وأريست براون اللذين كانا بهجة فرنسا وطرَبها في القرن الماضي ، الى أنْ حفظتها الببغاء عن ظَهر قلب ، وكانت تغني بصوت امرأة إذا كانت الأغنية لها وبصوت رجل إذا كان المغني هو وتُنهي الغناء بِقَهْقَهَة ماجنة هي انعكاس مُتقن للقهقهات التي تُطلقها الخادمات عندما يسمعنْها تغني بالفرنسية ، وقد وصلت أخبار ظَرافتها بعيداً جدا مما جعل بعض الزوار البارزين الذين يأتون بالسفن النهرية من أقاليم الداخل ويطلبون الإذن أحيانا لرؤيتها ، وقد حاول بعض السائحين الإنجليز الذين كانوا يتوافدون بكثرة في تلك الأثناء على مَتْن سفن نِواوريليانز المحملة بالموز أن يشتروها بأي ثمن ،

لكن يوم مجدها الأكبر هو اليوم الذي جاء فيه رئيس الجمهورية دون ماركو فيديل سوارِيز مع وزراء حكومته بكاملهم الى البيت للتأكد من صحة سمعتها ، وصلوا في حوالي الساعة الثالثة مساءً مختنقين بقبعات وبدلات المَراسم التي لم ينزعوها طوال أيام الزيارة الرسمية الثلاثة تحت سماء آب المتقدة ، وقد اضطروا للانصراف مخذولين كما جاءوا لأن الببغاء رفضت أن تقول حتى أن هذا المنقار هو منقاري خلال ساعتين من اليأس ، رغم التوسلات والتوعدات زالخجل العام الذي أحس به الدكتور أُورْبينوالذي أصر على تلك الدعوة الجريئة رغم تحذيرات زوجته الحكيمة ،

إن مجرد احتفاظ الببغاء بامتيازاتها بعد حادثة العجرفة التاريخية هذه كان دليلا نهائياً على مَكانَتِها المُقَدَّسة ، لم يكن مسموحا إبقاء أي حيوان آخر في البيت باستثناء السلحفاة البرية التي عادت للظهور في المطبخ بعد ثلاث أو أربع سنوات ظنوا خلالها أنها قد ضاعت الى الأبد ، وهذه لم يكن يُنْظَر لها إليها ككائن حي وإنما كانت أشبه بتميمة جامدة من أجل حُسْن الطالع ، ولم يكن أحد يدري على وجه التحديد مكانها ، كان الدكتور أُورْبينويصر على إعلان كراهيته للحيوانات ويعلل ذلك بكل أنواع الخرافات العلمية والحجج الفلسفية التي تُقنع الكثيرين ، لكنها لا تنفع في إقناع زوجته .

كان يقول إن من يفرطون في حب الحيوانات هم القادرون على اقتراف أبشع القساوات مع البشر ، وكان يقول إن الكلاب ليست وفية وإنما هي ذليلة وأن القطط انتهازية وخائنة وأن الطواويس ليست إلا عراقيل مُزَرْكَشَة وأن الأرانب تثير الجشع والقرود تُعْدي البشر بحمى الشبق والديكة ملعونة لأنها استُخْدِمَت لإنكار المسيح ثلاث مرات .

أما فرمينا داثَا زوجته والتي كان لها من العمر حينئذٍ اثنتان وسبعون سنة وكانت قد فقدت مشيتها الغزلانية التي كانت لها في زمن مضى فهي مولعة حد العبادة بالأزهار الإستوائية والحيوانات الداجنة ، ولقد استغلت في بدء الزواج تأجُج الحب لِتقتني منها في البيت أكثر بكثير مما ينصح به العقل السليم ، كان أول ما اقتنته هو ثلاثة كلاب ألمانية لها أسماء أباطرة الرومان تنازعت فيما بينها أفضال أنثى متشرفة باسم مِيسالينا ما تكاد تلد تسعة جِراء حتى تحبل بعشرة آخرين ، بعد ذلك جاءت القطط الحبشية بوجوهها التي كَوجوه النسور وأخلاقها الفرعونية ، والقطط الفارسية الحوْلاء ذات العيون البرتقالية التي كانت تذْرع حجرات النوم كَظلال شبحية وتملأ الليل صخباً بِموائها في اجتماعات حبها التي كاجتماعات الساحرات ، وكان هناك لبضع سنوات قرْد أمزوني مقَيد من خاصرته الى شجرة المانغا في الفِناء ، وكان يثير نوعا من العاطفة لوجهه الكئيب كَوَجْه الأسقف أَوبْدوليو كما كانت لعينيه سذاجة عينَي الأسقف وطلاقة يديه ذاتها ، ولم يكن هذا هو السبب الذي دفع فرمينا داثَا ,للتخلص منه وإنما عادته الرذيلة بالاستمناء على شرف سيدات المجتمع ، كانت هناك جميع أنواع عصافير غواتيمالا في أقفاص تملأ الممرات ، وكانت توجد كوارين مُتَنَبِئَة وبلشونات المستنقعات ذات القوائم الطويلة الصفراء ، وغزال صغير يطل من النوافذ ليأكل ورْد المزهريات ، وقبل الحرب الأهلية الأخيرة بقليل عندما دارت للمرة الأولى أحاديث عن زيارة محتملة للبابا أحضروا من غواتيمالا طائر الجنة الذي تأخر في المجيء وقتاً أطول مما تأخره في العودة الى وطنه بعد أن تبيَّن أن الإعلان عن الزيارة البابوية كانت إشاعة أطلقتها الحكومة لإخافة اللبراليين المتآمرين .

وفي مناسبة أخرى اشترو من مراكب مُهرِّبي كوراثو الشراعية قفصاً من الأسلاك المعدنية فيه ستة غربان معطرة كتلك التي كانت تمتلكها فرمينا داثَا وهي صبية في بيت والدها ، ورغبت في إقتنائها وهي متزوجة ، لكن أحدا لم يحتمل خفقات أجنحتها الدائمة التي كانت تَضْمَخ جو البيت برائحة أكاليل الموتى ، كما جلبوا أفعى كوندا طولها أربعة أمتار ، كانت أنفاسها الساهرة تبعث القلق في ظلمة غرف النوم رغم أنهم حققوا ما أرادوا منها ، فأنفاسها الأبدية كانت تُبعِد الخفافيش والسماندر ومختلف أنواع الحشرات المؤْذية التي تهاجم البيت في شهور المطر .

أما الدكتور خوفينال أُورْبينو المُنْهَمِك في ذلك الحين بمسؤولياته المهنية والغارق في نشاطاته الحضارية والثقافية ، فكان يكفيه الافتراض بأن زوجته وسط كل هذه الحيوانات البغيضة ليست أجمل امرأة في منطقة الكاريبي وحسب ، بل وأكثرهن سعادة أيضا ، ولكن في أحد الأيام الماطِرة وبعد عمل يوم مُنْهِك وجد في البيت كارثة أعادته الى الواقع ، فمن صالة الاستقبال وعلى مدى البصر كانت تتناثر حيوانات ميتة ، غارقة في بركة من الدماء ، فيما الخادمات المستلقاة على الكراسي دون أي يدرين ما الذي عليهن عمله ، لم يكُنَّ قد استعدنَ السيطرة على أنفسهن من هول المجزرة بعد .

القضية هي أن أحد الكلاب البوليسية الألمانية أصيب بنوبة سُعار جنونية مفاجئة ، وراح يمزق كل حيوان يجده في طريقه من أي جنس كان الى أنْ واتت جنائني البيت المجاور الشجاعة لمواجهته وتمزيقه بمِنجله .

ما كانوا يعرفون كم هي الحيوانات التي عضها ، أو نقل إليها العدوة بزَبَد ريقه الأخضر ، فأمر الدكتور أُورْبينو والحال هذا بقتل ما بقي حياً من الحيوانات وإحراق أجسادها في حقل مهجور ، ثم طلب من خدمات مستشفى الرحمة تعقيم البيت تعقيماً شاملاً ، والحيوان الوحيد الذي نجا لأن أحدا لم يتذكره كان ذكر السلحفاة حسن الطالع .

وللمرة الأولى رأت فرمينا داثَا أن زوجها محق في أحد الشؤون البيتية ، وحاذرت من الحديث بعد ذلك عن الحيوانات لفترة طويلة من الزمن ، وكانت تعزي نفسها بصوَر ملونة من كتاب التاريخ الطبيعي لليينو قامت بوضعها في أُطُر وعلقتها على جدران الصالة ، وربما كانت ستفقد الأمل في رؤية أي حيوان في البيت ثانيةً ، لولا أن اللصوص خلعوا في فجر أحد الأيام نافذة الحمام وسرقوا المرحاض الفضي الموروث من خمسة أجيال .

ركب الدكتور أُورْبينو أقفالاً مزدوجة في حلقات النوافذ ، وأحكم إقفال الأبواب من الداخل بمَزالج حديدية ، وخَبَّأ الأشياء الثمينة في صندوق الكنوز ، واعتاد متأخرا على العادة الحربية بالنوم والمسدس تحت الوسادة ، لكنه اعترض على شراء كلب باسل ملقح أو غير ملقح ، مُفْلَت أو مقيد حتى ولو تركَه اللصوص على العظَم .

قال : لن يدخل هذا البيت كائن لا يحسن الكلام .

قال ذلك لِيضع حدا لحجج زوجته الواهية المصرة مجددا على شراء كلب ، دون أن يعلم أن ذلك القرار المتعجل سيكلفه حياته ، إذ تمكنت فرمينا داثَا التي كان طبعها الجاف قد رق بفعل السنين وتشبثت بزلة لسان زوجها ، وبعد شهور من السرقة ذهبت الى مَراكب كراوْثار الشراعية واشترت ببغاء ملَكية من براماريبو ، كانت تحسن إطلاق شتائم البحارة فحسب ، لكنها تنطقها بصوت إنساني مما جعلها تستحق ثمنها الغالي البالغ 12 سِينتافو .

كانت ببغاء جيدة ، أخف مما يخيل لمن يراها ، رأسها أصفر ولسانها أسود وهو الشيء الوحيد الذي يميزها عن ببغاوات المانجليز والتي لا تتعلم الكلام حتى ولا بتحاميل زيت البطن .

وقد انحنى الدكتور أُورْبينوالخاسر الوحيد أمام ذكاء زوجته ، وفوجئ هو نفسه بالظَراَفة التي أضفاها تعليم الخادمات على الببغاء الشعثاء ، ففي الأمسيات الماطرة حين تَنْحل عُقْدَة لسانها لسعادتها بريشها المُبْتَل كانت تنطلق عبارات من أزمان أخرى لا يمكن أن تكون قد تعلمتها في البيت ، مما يحمل على التفكير بأنها أكبر سنا مما تبدو عليه .

وقد انهارت آخر تحفظات الطبيب عندما حاول اللصوص في إحدى الليالي دخول البيت ثانيةً من كُوَّة السقف ، وأخافتهم الببغاء بنباح ما كان له أن يكون أكثر شَبَهاً بالنباح لو أن صاحبه كان كلبا حقيقيا ، وبالصراخ : نَشّالين نَشّالين نَشّالين ، وهما ظرفتان منقذتان لم تتعلمهما في البيت ، وكان حينئذٍ أن تولى الدكتور أُورْبينو مسؤوليتها ، فأمر بإقامة عامود حمّالة تحت شجرة المانغا مع إناء للماء وآخر للموز الصغير الناضج وأُرجوحة للقفز عليها .

وفي الفترة ما بين كانون الثاني وآذار عندما يصبح الليل بارداً والجو في الخارج غير صالح للحياة بسبب رياح الشمال المدارية ينقلونها للنوم في غرف النوم داخل قفص مغطى بحراء ، رغم أن الشكوك كانت تساور الدكتور أُورْبينو من أن داء الخنا المزمِن لدى الببغاء قد تكون له آثار خطيرة على تنفس البشر ، وكانوا طوال عدة سنوات يَقُصّون ريش جناحيها ويفلتونَها لِتسير على هواها بمشيتها المائلة كمشية فارس عجوز ، لكنها راحت تتظارف في أحد الأيام بحركات بهلوانية بين دعائم المطبخ فهوت في قِدر طبيخ وهي تُعَرْبِد بصيحتها البحرية : فلينجو من يستطيع النجا .

ولحسن الحظ أن الطاهية تمكنت من إخراجها بالمغرفة وهي مسلوقة وبِلَا ريش ، ولكنها على قيد الحياة ، منذ ذلك الحين صاروا يبقونها في القفص حتى أثناء النهار رغم الاعتقاد الشعبي السائد بأن الببغاوات الحبيسة في أقفاص تَنسى ما تعلمته ، وما عادوا يُخرجونها إلا في برودة الساعة الرابعة لتتلقى دروس الدكتور أُورْبينو على شرفة الفِناء ، ولم ينتبه أحد في الوقت المناسب الى أنْ أجنحتها قد نمت وأصبحت طويلة بما فيه الكفاية حتى صباح ذلك اليوم ، حين كانوا يستعدون لِقَصِّها فطارت هاربة الى أعلى شجرة المانغا ، لم يتمكنوا من الإمساك بها طوال ثلاث ساعات ، وقد لجأت الخادمات بمساعدة خادمات الجوار الى كل الحِيَل لجعلها تنزل ، لكنها بقيت متشبثة بمكانها صارخةً وهي تكاد تنفجر من الضحك : يحيا الحزب اللبرالي ، اللعنة فليحيا الحزب اللبرالي .

وهي صرخة جريئة قد تكلف أربعة سُكارى حياتهم .

ما كاد الدكتور أُورْبينويراها بين أوراق الشجرة حتى حاول إقناعها بالإسبانية والفرنسية بل وباللاتينية والببغاء ترد عليه باللغات ذاتها وبالتأكيد ذاته ونبرة الصوت ذاتها ، لكنها لم تتحرك عن قمة الشجرة ، وحين اقتنع أن أحدا لن يستطيع إقناعها بالحسنى أمر الدكتور أُورْبينوأن يطلبوا مساعدة رجال الإطفاء الذين كانوا لعبته الحضارية الأكثر حداثة ، وفعلا كان يطفئ الحرائق حتى وقت قريب متطوعون يستخدمون سلالم بَنّائين وسطول ماء تُجلَب كيف ما اتُفِق ،

وكانت أساليبهم مشوَشَة بحيث كانوا يسببون في معظم الأحيان أضرارا تفوق أضرار الحريق ، إنما ومنذ العام الماضي وبفضل حملة تبرعات قامت بها جمعية الترَقي العام والتي كان خوفينال أُورْبينو رئيس شرف لها أصبح هناك فريق إطفاء محترف وسيارة صهريج مزودة بصفارة وناقوص وخرطومَي ماء عاليَي الضغط ، وكان رجال الإطفاء هم تقليعة تلك الأيام ، لدرجة أنهم في المدرسة كانوا يوقفون الدروس عندما يسمعون نواقيس الكنيسة تُقرَع بِذُعْر كي يذهب الأطفال لرؤيتهم وهم يُطفئون النار ، وكان هذا هو كل ما يفعلونه في البدء ،

لكن الدكتور أُورْبينوروى للسلطات البلدية أبنه رأى رجال الإطفاء في هانبورغ يبعثون الحياة في طفل عثروا عليه متجمدا في أحد الأقبية بعد ثَلْج استمر هطوله عدة أيام ، كما إنه رآهم في أحد أزقة نابولي يُنزِلون ميتا في تابوت من شرفة في طابق عاشر لأن أدراج المبنى كانت شديدة الانحدار ولم يتمكن ذوو البيت من إخراجه الى الشارع ،

وهكذا كان أن تعلم رجال الإطفاء المحليون تقديم خدمات مستعجلة أخرى كخلع أقفال أو قتل أفاعي سامة .

وقدمت لهم مدرسة الطب دورة خاصة بمبادئ الإسعاف الأولي في الحوادث الصغرى ، وبهذا لم يكن سُخفاً أن يطلب منهم المساعدة في إنزال ببغاءعن شجرة ، ولاسيما هذه الببغاء المتميزة بخصال كثيرة كسيد نبيل .

قال الدكتور أُورْبينو: قولوا لهم أن هذا بناءً على طلبي .

ومضى الى حجرة النوم لِيرتدي ملابس حفلة الغداء .

والحقيقة أن مصير الببغاء في هذه اللحظة التي يشعر فيها بالضيق من رسالة جيرميَا ديسَانْت آمور لم يكن يهمه .

كانت فرمينا داثَا قد ارتدت فُستاناً حَريرياً فضفاضا ومُْفلتاً خصره عند الوْركَين ، ووضعت قلادة من اللآلئ الأصيلة بست لفات طويلة متدرجة ، وانتعلت حذاءً أمْلَساً ذا كعْبٍ عالٍ لا تستخدمه إلا في المناسبات الرسمية ، فالسنون لم تعُد تسمح لها بعزف كثير .

لم يكن ذلك الزي الذي على الموضة بالزي المناسب لجدة وقورة ، لكنه كان ملائماً تماما لجسدها ذي العظام الطويلة والذي مازال نحيلا وممشوقاً ، وليَدَيها اللدنتَين الخاليتين من أي شامة شيخوخة ولشعرها الفولاذي الأزرق المقصوص بشكل مائل على مستوى الخَد ، والشيء الوحيد الذي مازالت تحتفظ به من صورة زفافها هو عيناها اللوزيتان الصافيتان وكبرياء الأَمَة ، لكن ما كان ينقصها بفعل السن كانت تعوضه بخلُقها وتجعله يفيض بِجِدها .

كانت تشعر أنها على ما يرام ، فعصور مشدات الخصر المعدنية والخصور المقيدة والأرداف المرفوعة بحيَّل تعتمد على الخرق القماشية أصبحت كلها غابرة ، وصارت الأجساد المتحررة المتنفِسَة حسب مَشيئتها تُعرَض كما هي حتى في الثانية والسبعين من العمر .

وجدها الدكتور أُورْبينو جالسة مقابل خوان الزينة تحت رياش المروحة الكهربائية البطيئة ، واضعةً القبعة التي لها شكل الناقوس والمزينة بأزهار بنفسج مصنوعة من اللُباد .

كانت حجرة النوم فسيحة ومشعة ، فيها سرير إنجليزي مغطى بكُلَّة وردية ، ونافذتان مفتوحتان تُطلّان على أشجار الفِناء حيث يَنْفُذ صرير الزيزان الذاهلة لإحساسها باقتراب المطر .

لقد اعتادت فرمينا داثَاومنذ العودة من رحلة الزفاف على اختيار ملابس زوجها بما يتلاءم مع حالة الطقس والمناسبة ووضعها مرتبة على كرسي منذ الليلة السابقة ليجدها جاهزة لدى خروجه من الحمام ، وهي لا تذكر منذ متى بدأت بمساعدته على ارتداء ملابسه ، ثم أخيرا على إلباسِه ، وكانت واعيةً أنها بدأت تفعل ذلك بدافع الحب في أول الأمر ، ولكنها أصبحت مضطرة لعمل ذلك منذ نحو خمس سنوات لأنه لم يعُد قادراً على ارتداء ملابسه بنفسه .

لقد احتفلا منذ وقت قريب باليوبيل الذهبي لِزَواجِهما وليس بإمكان أحدهما العيش لحظة واحدة دون الآخر أو دون التفكير به ، مع أنهما يَعِيان ذلك أقل فأقل كُلَّما استفحلت الشيخوخة ، ولم يكن بمقدور أيٍ منهما القول إن كانت تلك العبودية المتبادلة ترتكز على الحب أَم على الراحة ، لكنهما لم يتساءلا عن ذلك أبدا وأيديهما على القلب ، إذ فضَّل كلاهما دوما تجاهل الجواب .

لقد بدأت تكتشف شيئا فشيئا تعثر خطا زوجها واضطراب مزاجه وتصدع ذاكرته ، وعادته الأخيرة بالبكاء وهو نائم ، لكنهالم تر في ذلك علامات صدأ نهائي بيِّن بل عودة سعيدة الى الطفولة ، ولذا لم تعامله على أنه شيخ صعب ، وإنما كطفل هَرِم ، ولقد كانت تلك الخدعة إلهاماً من العناية الإلهية لِكِليهما لأنها وضعتهما بمنأى عن الشفقة ، لابد أن الحياة كانت ستصبح شيئا آخر لِكِليهما لو أنهما عرفا في الوقت المناسب أن تصريف كوارث الزواج العظيمة أسهل من تصريف المناكفَات اليومية الصغيرة ، وإذا كانا قد تعلَّما شيئا معا فهو أن الحكمة تأتينا في الوقت الذي لا تعود به ذات نفع .

لقد احتملت فرمينا داثَا بقلب مثقل طوال سنوات استيقاظات زوجها الاحتفالية الباكرة ، كانت تتشبث بآخر خيوط النعاس كي لا تواجه قدر صباح جديد يحمل معه نذير شؤم ، فيما يستيقظ هو ببراءة طفل وليد ، كل يوم جديد هو يوم يكسبه في الحياة .

كانت تسمعه ينهض مع الديكة ، وأول علامة من علائم الحياة يقوم بها هي كحة لا مبرر لها ، يبدو وكأنه يتعمدها لإقاظ زوجته ، كانت تسمعه يُهَمْهِم لِيقلقها فحسب فيما هو يبحث باللمس ع خُفَّيْه اللذَين يجب أن يكونا الى جوار السرير ، وتسمعه يخطو نحو الحمام متلمسا خطواته في الظلام ، وبعد أن يقضي ساعة في مكتبه وحين تكون قد عادت لتغفو من جديد تسمعه يعود ليرتدي ملابسه دون أن يشعل النور حتى هذا الوقت .

لقد سألوه يوما فيلعبة من ألعاب الصالون : كيف يعرف نفسه ؟

فقال : إنني رجل يرتدي ملابسه في العتمة .

كانت تسمعه وهي عارفة أنه لا حاجة لأي صوت من تلك الأصوات التي يُصدرها ، وأنه يفعل ذلك متعمدا ومتظاهراً العكس ، تماما مثلما هي مستيقظة وتتظاهر أنها ليست كذلك ، وكانت أسبابه صحيحة فهو لم يحتج إليها أبدا حية وصاحية كما يحتاج إليها في هذه اللحظات العصيبة ، لم تكن هناك من هي أكثر منها أناقة في النوم ، إذ كانت تنام في وضعية راقصة ، مسندة إحدى ذراعيها على جبهتها ، كما لم يكن هناك أكثر وحشية عندما يقلقون إحساسها بالاعتقاد أنها نائمة وهي ليست كذلك

كان الدكتور أُورْبينويعرف أنها تبقى مصغية الى أدنى ضجة يثيرها بل وتكون شاكرة له ، لأنها تجد بذلك من تلقي عليه اللوم في إيقاظها منذ الخامسة صباحاً .

وقد كان الأمر كذلك حقاً ، لدرجة أنه في المناسبات القليلة التي كان يتلمس فيها بحثا عن خُفَّيه في الظلام في مكانها المعتاد كانت تقول له فجأة بصوت ناعس : لقد ترتهما البارحة في الحمام . ثم تُردِف في الحال بصوت صاحٍ وغاضب : إن أكبر مصيبة في هذا البيت هي أن المرء لا يجد فيه الى النوم سبيلا .

وعندئذٍ تتقلب في الفراش وتُشعِل النور دون أن تأخذها أية رحمة بنفسها ، سعيدة بانتصارها الأول لهذا النهار .

لقد كانت في العمق لعبة لِكِلَيهما ، لعبة خرافية وشريرة لكنها مُنعشَة في الوقت نفسه ، إنها إحدى سعادات الحب المُدَجَّن الخطيرة ، ولكن بسبب أحدى هذه الألعاب التافهة كانت الثلاثين سنة الأولى من الحياة المشتركة على وشك الانهيار ، لأن الصابون لم يكن موجودا في الحمام في أحد الأيام .

بدأ الأمر ببساطة روتينية ، كان الدكتور أُورْبينوقد رجع الى حجرة النوم في الزمن الذي كان ما يزال يستحم فيه دون مساعدة ، وبدأ بارتداء ملابسه دون إشعال النور ، أما هي فكانت ماتزال في وضعها الجنيني الدافئ كعادتها في مثل هذا الوقت ، عيناها مغمضتان تنفُسها هادئ وهذه الذراع المستندة الى الجبهة وكأنها في رقصة مقدسة ، لكنها كانت نصف نائمة كما هي العادة وكان يعرف ذلك .

وبعد صرْصرة طويلة من بدلة الكتان المُنَشّاة في العتمة كلَّم الدكتور أُورْبينونفسه قائلا : منذ أسبوع وأنا أستحم بلا صابون .

عندئذٍ استيقظت وتذكرت وانقلبت غضَباً ضد العالم ، لأنها نسيت بالفعل وضع صابونة جديدة في الحمام ، لقد لاحظت غياب الصابون منذ ثلاثة أيام وكانت قد أصبحت تحت الدُش ففكرت بإحضار قطعة صابون فيما بعد ، لكنها نسيت فيما بعد الى اليوم التالي ، وفي اليوم الثالث حدث لها الشيء نفسه .

لم يكن قد مضى أسبوع في الواقع كما يدعي لِيضاعف من إحساسها في الذنب ، وإنما ثلاثة أيام لا تُغتفَر ، ثم إن الغضب من إحساسها بأنها فوجئت وهي على خطأ أخرجها من طورها ، فسارعت كعادتها للدفاع عن نفسها بالهجوم ، صرخت دون وعي : لقد استحميت كل هذه الأيام وكان الصابون دوما في مكانه .

ورغم معرفته الجيدة لأساليبها في الحرب فإنه لم يستطع احتمالها هذه المرة ، ومضى ليعيش في قسم الغرف الداخلي في مَشفى تحت أي ذريعة مهنية ، ولم يعُد يظهر في البيت إلا لاستبدال ملابسه عند المساء قبل أن يقوم بجولة عيادته على بيوت المرضى ، وكانت تذهب الى المطبخ عندما تسمع مجيءه مُتصنعة عمل أي شيء ، وتبقى هناك الى أنْ تسمع وقع حوافر حصانَي العربة في الشارع ، وكلما حاولا حل الخلاف في الشهور الثلاثة التالية فإن الشيء والوحيد الذي كانا يتوصلان إليه هو تعقيده .

لم يكن مستعدا للعودة الى البيت مادامت لا تُوافقه على أنه لم يكن يوجد صابون في الحمام ، ولم تكن مستعدة لاستقباله مادام لا يعترف بأنه كذب وهو واعٍ لِتَعْذيبها .

ومنحهما الحادث طبعا فرصة لاستحضار حوادث أخرى ، وتذكُّر الكثير من المسائل الصغيرة والصباحات القلقة ، وبعثت الأحقاد أحقاداً أخرى وفتحت جراحاً قديمة كانت ملتئمةً لِتنزف من جديد .

وقد فزع كِلاهما لليقين المدمر بأنهما لم يفعلا شيئا خلال سنوات طويلة من الصراع الزوجي سوى رعاية الأحقاد ، ووصل به الأمر لأن يقترح عليها التقدم معاً للاعتراف المفتوح أمام نيافة الأسقف إذا اقتضى الأمر ليكون الرب هو الحَكَم الأخير الذي يقرر إذا كان في مَصْبَنَة الحمام صابون أَم لا ، أما هي التي كانت تمتلك مرتكزات اقوية حتى ذلك الحين فقد أضاعتها بصرخة هستيرية : فلْيذْهب السيد الأسقف الى الخراء .

هزت تلك الشَتِيمة ركائز المدينة ، وكانت منطلقاً لحكايات وأقاويل ليس من السهل تكذيبها ، وبقيت عالقة في المأثور الشعبي كتعبير شائع "فلْيذْهب السيد الأسقف الى الخراء".

ومُدْرِكَةً أنها قد تجاوز الحد ، سارعت الى اتخاذ ردة الفعل التي انتظرتها من زوجها فهددته بالانتقال وحدها الى بيت أبيها القديم الذي مازال مِلكا لها رغم أنه مؤجر كمكاتب عامة .

لم يكن ذلك تبجحاً ، كانت تريد الذهاب حقا غير مبالية بالفضيحة الاجتماعية ، وقد تنبه الزوج الى ذلك في الوقت المناسب ولم تكن لديه الشجاعة الكافية لِتَحَدي تهورها ، فاستسلم ليس بمعنى القبول بأنه كان يوجد صابون في الحمام لأن ذلك سيكون إهانة للحقيقة ، وإنما وافق على أن يستمرا بالعيش في البيت نفسه ولكن بحجرتَين منفصلتين ودون أن يكلما بعضهما ، وهكاذا كانا يأكلان ويصرفان المواقف ببراعة فائقة بتبادل الطلبات من أحد أطراف المائدة الى الطرف الآخر بواسطة ابنَيهما دون أن ينتبه الابنان الى أنهما لا يتبادلان الحديث .

وبما أنه لا وجود لحمام في مكتبه فإن هذه الصيغة قد حلت الخلاف حو الضوضاء الصباحية ، لأنه أصبح يدخل للاستحمام بعد أن ينتهي من تحضير درسه ويتخذ الاحتياطات الحقيقية كي لا يوقظ زوجته ، وفي أحيان كثيرة كانا يلتقيان وينتظران بالدور لِتنظيف أسنانهما قبل النوم .

وبعد أربعة شهور استلقى ليقرأ في الفراش الزوجي فيما هي خارجة الى الحمام كما كان يحدث كثييرا فغلبه النعاس ، استلقت الى جانبه بحركة مفرطة في الخشونة لِتجعله يستيقظ وينصرف ، واستيقظ بالفعل شبه استيقاظ ولكنه بدلا من أن ينهض أطفأ مصباح السرير واستراح على وسادته ، فهزته من كتفه لِتُذَكِّره بأن عليه الذهاب الى مكتبه ، لكنه كان يشعر مجددا بأنه في حالة جيدة على فراش الريش الموروث عن أسلافه ،ففضَّل الاستسلام .

قال لها : دعيني هنا ، نعم كان هناك صابون .

حين كانا يتذكران هذا الحادث بعد أن أصبحا عند منعطف الشيخوخة ، ما كانا لِيصَدِّقَا الحقيقة المذهلة بأن ذلك الشجار كان الأخطر خلال نصف قرن من الحياة المشتركة ، والشجار الوحيد الذي بعث في كِلَيهما رغبة الإذعان والبدء في حياة أخرى .

وحتى عندما أصبحا عجوزَين وديعَين كانا يحاذران من ذكره لأن الجراح قليلة الالتئام سرعان ما تعاود النزيف وكأنها جراح الأمس .

كان هو أول رجل سمعتْه فرمينا داثَا يتبول ، سمعتْه في ليلة الزفاف في قمْرة السفينة التي حملتهما الى فرنسا فيما الدوار ينهكهما ، وبدا لها وقع ينبوعه الحصاني قويا ومتسلطا مما ضاعف رعبها من الأذى الذي يخيفها ، وقد كانت تلك الذكرة تعاود مخيلتها بكثرة كلما أضعفت السنون من قوة الينبوع ، لأنها لم تستطع الصبر أبدا على تلويثه حافة مِقعد المرحاض كلما استخدمه ، وقد حاول الدكتور أُورْبينوإقناعها بحجج سهلة الفهم لمن يرغب في فهْمها أن ذلك الحدث يتكرر يوميا ليس بسبب إهماله كما كانت تصر هي ، وإنما لسبب عضوي فينبوعه في سنوات صباه كان محددا ومستقيما ، حتى أنه كسب وهو في المدرسة بطولة التسديد لملء زجاجات ، ولكنه لم يضعف فحسب مع استخدامات السن وإنما أصبح زائغا كذلك وأخذ يتشعب الى أنْ أصبح في نهاية الأمر ينبوعا وهميا يستحيل توجيهه رغم الجهود الكثيرة التي يبذلها لتصحيح مساره .

كان يقول : لابد أن مخترع المرحاض ذا المِقعد لا يعرف شيئا عن الرجال .

وكان يساهم في السلام البيتي بعمل يومي هو أقرب الى الذل منه الى التواضع ، كان يمسح بورق صحي حواف مِقعد المرحاض كلما استخدمه ، وكانت تعرف أنه يفعل ذلك لكنها لم تكن تقول شيئا ما لم تَفُح روائح الأُمُنْياك في الحمام ، عندئذٍ تُعلن الأمر وكأنه اكتشاف جريمة .

- إن هذا يثير قرف حضيرة أرانب .

وعلى مشارف الشيخوخة أدى تثاقل جسد الدكتور أُورْبينوالى إلهامه الحل النهائي ، صار يبول وهو جالس كما تفعل هي ، مما حافظ على مِقعد المرحاض نظيفاً وجعله يتخذ وضعا ظريفاً ، كان يقوم بشؤونه حينئذٍبشكل سيئ ، لكن انزلاقا في الحمام كاد يودي بحياته جعله يتخذ موقفا حذرا من الدُش ، فالبيت رغم كونه من البيوت الحديثة كان يفتقد حوض البنْيو المعدني ذا القوائم التي كقوائم الأسد ، والذي كان استخدامه شائعا في بيوت المدينة الاستعمارية ، فقد أمر هو بانتزاعه متذَرعَا بحججه الصحية :

- إن حوض البانيو هو أحدى قذارات الأوربيين الكثيرة ، الذين لا يستحمون إلا في يوم الجمعة الأخير من كل شهر ، ثم أنهم يفعلون ذلك وسط الماء المتسخ بالوساخة نفسها التي يريدون إزالتها عن أجسادهم .

قوس وهكذا طلبوا صنع صفيحة كبيرة من الصفيح على قوائم من خشب غواياكان المَتِين ،

حيث أصبحت فرمينا داثَا تُحمِّم زوجها بنفس طقوس تحميم الأطفال حديثي الولادة ، كان الحمام يستمر لأكثر من ساعة بماء فاتر غُلِيَت فيه أوراق عطرة وقشور برتقال ، وكان للحمام تأثير مهدئ عليه يجعله يغفو في النقيع المعطر أحيانا ، وبعد تحميمه تساعده فرمينا داثَاعلى ارتداء ملابسه وترشه ببودرا التالْك ما بين ساقيه وتدهنه بدهن جوز الهند في مواضع السِماط ، وتُلبِسه سرواله الداخلي بحنان شديد كما لو كان حفاضة طفل رضيع وتُتابع إلباسه ثيابه قطعةً قطعة من الجورب حتى ربطة العنق ذات المَشبَك الياقوتي .

وصارت الصباحات الزوجية أكثر سكوناً لأنه عاد الى طفولته التي انتزعها منه الأولاد ، وانتهت هي من جانبها الى الانسجام مع النظام العائلي لأن السنوات كانت تمضي بالنسبة لها أيضا ، فأصبحت تنام أقل فأقل ، وقبل أن تتم السبعين صارت تستيقظ قبل زوجها .

في يوم أحد العَنْصَرة عندما رفع الشرشف عن جثة جيرميَا ديسَانْت آمور انكشف للدكتور أُورْبينو أمر كان يرفض التفكير فيه حتى ذلك الحين في إبْحاراته الجلية كطبيب ومؤمن ، فبعد سنوات طويلة من التعايش مع الموت ، وبعد صراعه ولمسه باطناً وظاهراً لسنوات عديدة كانت تلك هي المرة التي تجرأ فيها على النظر الى وجه الموت ، وكان الموت ينظر إليه أيضا ، لم يكن إحساسه خوفا من الموت ، لا فالخوف كان بداخله منذ سنوات ، يحيا معه كان ظلاً آخر فوق ظله ،

منذليلة استيقظ فيها قلقاً لرؤية حلم مشؤوم جعله يدرك أن الموت ليس احتمالا ماثِلا فقط كما أحسه دائما ، وإنما هو واقع قائم ، وبالمقابل فإن ما رآه يوم ذاك هو حضور جسدي لشيء لم يكن قد تجاوز كونه تصورا يقينيَا حتى ذلك الحين ، وقد أسعده أن يكون أداة العناية الإلهية لهذا الكشف هو جيرميَا ديسَانْت آمور الذي اعتبره دوما قِدّيساً يجهل فضل ذاته ، ولكن عندما كشفت له الرسالة حقيقة هويته وماضيه الفاسد وقدرته اللامعقولة على الخداع ، أحس أن شيئا نهائيا لا رجعة فيه قد طرأ على حياته .

ومع ذلك فإن فرمينا داثَا لم تسمح له بنقل عدوى مزاجه المُكْفَهِر إليها .

لقد حاول ذلك بالطبع فيما هي تساعده على دس ساقيه في البِنْطال وتُزَرِّر صف أزرار القميص الطويل ، لكنه لم يصل الى ما يريد لأن التأثير على فرمينا داثَا لم يكن سهلا ، وخصوصاً في موت رجل لم تكن تحبه .

كانت تعرف بالكاد أن جيرميَا ديسَانْت آمور هو رجل مُقعَد ذو عُكّازَين لم تره أبدا ، وأنه قد فر من فصيلة الإعدام في إحدى التمردات الكثيرة في واحدة من جزر الأنتِيل العديدة ، وأنه عمل مصور أطفال بدافع الحاجة وصار الأكثر شهرة في الإقليم كله ، وأنه قد كسب دور شطرنج من شخص تتذكر هي أن اسمه بينما الحقيقة أن اسمه .

قال لها الدكتور أُورْبينو : لم يكن سوى هارب من كايينا ومحكوم بالمؤبد على جريمة فضيعة اقترفها ، وتصوري أن الأمر وصل به الى أكل اللحم البشري .

أعطاها الرسالة التي كان يريده حمل أسرارها معه الى القبر ، لكنها خَبَّأَت الأوراق المطوية في خوان الزينة دون أن تقرأها وأقفلت الدرج بالمفتاح .

كانت معتادة على قدرة زوجها الكبيرة على الاندهاش ، وعلى أحكامه المبالَغ فيها والتي أخذت تصبح أكثر تعقيدا مع مرور السنوات ، وعلى ضيق أفق لا يتلاءم مع ضصورته العامة ، لكنه في تلك المرة تجاوز حدوده المعتادة ، وافترضت أن زوجها ليس معجباً بجيرميَا ديسَانْت آمور لما كان عليه فيما مضى وإنما لما بدأ يكونه منذ قدومه بلا متاع سوى حقيبة المنفيين التي كان يحملها ، ولم تستطع أن تفهم لماذا فُجِعَ الى ذلك الحد لاكتشاف هويته متأخرا ،

ولم تفهم لماذا يبدو له فَضِيعاً أن يكون على علاقة بامرأة سِريَّة إذا كان هذا الأمر عادة وراثية بين الرجال الذين هم من صِنفه ، بما في ذلك هو نفسه في لحظة جحود ، وقد رأت في مساعدتها له على تنفيذ قراره بالموت دليلاً على على الحب وقالت : وإذا ما قررتَ أنت أن تعمل ذلك أيضا لأسباب جِديَّة كتلك التي كانت لديه ، فإن واجبي أن أفعل مثل ما فعلت هي .

ووجد الدكتور أُورْبينو مرة أخرى نقطة عدم الفَهم البسيطة التي أثارت حفيظة طوال نصف قَرْن .

قال : أنتِ لا تفهمين شيئا ، إنما يَغيظُني ليس ما كانهُ أو ما فعله ، وإنما الخدعة التي جعلها تنطلي علينا جميعا خلال هذه السنوات الطويلة .

بدأت عيناه تغرورقان بدموع سهلة ، فيما تصنعت هي التجاهل وردَّت : حسناً فعَل ، فلو أنه قال الحقيقة ما كنت أنت ولا هذه المرأة المسكينة ولا أحد في البلدة أحبه كما أحببتموه .

ثبتت الساعة ذات السلسلة في العروة الصدرية ، وعقدت له ربطة العنق ووضعت له المشبك الياقوتي ، ثم مسحت دموعه ونظفت لحيته الباكية بالمنديل المبلل بعطر أغوافلوريدَا ووضعته في جيب الجاكيت على الصدر فاتحةً أطرافه كزهرة مانْويلَا .

دقت ساعة البندول دقاتها الإحدى عشرة في البيت الراكد فقالت وهي تقوده من ذراعه " أسرِع سنصل متأخرَين .

كانت آميثا دي شانبَاس زوجة الدكتور لاثيديس أوليفيا وبناتها السبع المتحمسات قد أعددن كل شيء من أجل أن يكون غداء اليوبيل الفضي هو حدث السنة الاجتماعي .

منزل العائلة القائم في مركز المدينة التاريخي ، وهو بيت المال سابقاً كان قد غيَّر من طرازه المعماري مهندس فلورونسي مر من هنا مثل ريح شؤم ، وحوَّل الى كنائس على الطراز الفينيسي بقايا أكثر من أربعة معابد من القرن السابع عشر ، كان في البيت ست حجرات نوم وصالونان للطعام والاستقبال واسعان وحسَنا التهوية ، لكنهما لا يتسعان لِمَدعُوي المدينة ، فضلا عن النخبة التي ستأتي من الخارج .

كان الرواق أشبه بباحة دير في وسطه نافورة حجرية يُغرد الماء فيها ، وجنائن من الهيليوتيربو تعطر البيت عند المَغيب ب ، ، لكن الفسحة المقنطرة لم تكن كافية لكل تلك الألقاب العظيمة ولهذا قرروا إقامة حفل الغداء في بيت العائلة الريفي على بُعد عشر دقائق في السيارة على الطريق العام ، ففيه ساحة فسيحة وشجَيرات غار هندي كثيفة ونيلفور مهَجَّن في مسيل ماء وديع .

رجال مطعم دون سانْتْشو نصبوا بتوجيه من السيدة أوليفيا مظلات شوادر ملونة في الأماكن التي لا ظلال فيها ، وأقاموا تحت أشجار الغار مستطيلاً من الطاولات يتسع ل 122 شخصاً مع شراشف كتانية بيضاء لجميع الطاولات وأغصان ورد طازجة على طاولات الشرف ، كما أقاموا منصة لفرقة الآلات الهوائية التي كان برنامجها يقتصر على موسيقى راقصة وفالسات وطنية ، ولِرباعي وتري من مدرسة الفنون الجميلة هي مفاجأة السيدة أوليفيا لِإُستاذ زوجها الموَقَر الذي سيرأس الغداء .

ومع أن اليوم المحدد للاحتفال لم يكن متفِقاً تماما مع ذكرى التخَرُج فقد اختاروا يوم أحد العَنْصَرة ليضاعفوَا من ضخامة معنى الحفلة .

بدأت الاستعدادات قبل ثلاثة شهور خوفا من نسيان شيء أو عدم إنجازه في الموعد المحدد ، أحضروا الدجاج الحي من ثييناغاديأورو لشهرة هذا الدجاج في منطقة الساحل كلها ، ليس بحجمه وطعمه اللذيذ فحسب وإنما لأنه في الزمن الاستعماري كان يُعَفَّر في أراضي الطما ، فكانوا يجدون في حوصلته حصَيات من الذهب الخالص .

وكانت السيدة أوليفيا شخصياً برفقة بعض بناتها وبعض الخدم تصعد الى متن السفن العابرة الفخمة لتنتقي أفضل ما يصل من كل مكان لِتشريف مكانة زوجها .

لقد احتاطت لكل شيء باستثناء أن الحفلة ستكون يوم أحد حُزَيراني في سنة متأخرة الأمطار ، وقد أدخلت أمراً خطيراً كهذا في حسابها صباح يوم الحفلة بالذات عندما خرجت الى القُدّاس الكبير وفزعت لِرطوبة الهواء ورأت أن السماء كثيفة وواطئة وأن البصر لا يصل لرؤية الأفق البحري .

ورغم علائم النحس هذه فقد ذكَّرَها مدير الأرصاد الجوية الذي التقت به في الصلاة بأنه لم يحدث في تاريخ المدينة المشؤوم جدا حتى ولا في أقسى فصول الشتاء أن هطل المطر في يوم العَنْصَرة .

ورغم ذلك فعندما دق الساعة معلِنة الثانية عشرة وفيما كان معظم المدعوون يتناولون المُقبلات في الهواء الطلق جعل انفجار الرعد الأرض تهتز وأطاحت ريح بَحْرِيَة عنيفة بالموائد وحملت المِظلّات في الجو وانهارت السماء بمطر كالكارثة .

لقد تمكن الدكتور خوفينال أُورْبينو من الوصول بجهود مضنية في فوضى العاصفة مع آخِر الضيوف الذين التقى بهم في الطريق وكان يريد الوصول الى البيت قافزاً من العربات مثلهم فوق الأحجار عبر البهو المضطرب ، لكنه قبِلَ أخيرا مذلة أن يحمله رجال دون سانْتْشو على الأذرع تحت مظلة من قماش أصفر ، وجرى إعداد الطاولات المنفصلة من جديد على أحسن وجه ممكن داخل البيت وحتى في غرف النوم .

ولم يقم المدعوون بأي جهد لإخفاء مزاجهم الغارق بالماء ، كان الحر في البيت كأنه مِرْجَل سفينة ، إذ أنهم أغلقوا النوافذ ليمنعوا دخول المطر الذي يهطل مائلا بفعل الريح .

كان يوجد على الطاولة في الفِناء بطاقة تحمل اسم كل مدعو وتُحدد مكانه ، وكان مقررا أن يكون هناك جانب للرجال وآخر للنساء كما هي العادة في ذلك الحين ، لكن البطاقات التي تحمل الأسماء اختلطت داخل البيت ، وجلس كل واحد كيف ما استطاع بفوضى هائلة خالَفَت لِمرة واحدة على الأقل تَقاليدنا الاجتماعية البالية .

ووسط الكارثة كانت آميثا دي أوليفيا تبدو وكأنها في كل مكان بشعرها المبلل وثوبها الرائع الملطخ بالوحل ، لكنها تعلو على المصيبة بابتسامة لا تُقهَر ، تعلمتها من زوجها كي لا تُتيح للعواذل أن يشمتوا .

وبمساعدة بناتها المُصاغات في الكور نفسه تمكنت الى حد ما من حجز الأماكن على طاولة الشرف ، فكان الدكتور خوفينال أُورْبينو في الوسط والأسقف أوبدليو إيري الى يمينه ، وجلست فرمينا داثَا الى جانب زوجها كما اعتادت أن تفعل دوما خوفا من أن يغلبه النعاس أثناء الغداء أو أن يسْكُب الحساء على قُبة سُترته ، واحتل الموقع المقابل وهو خمسيني بمظهر أنثوي محتفظ جيدا بقواه ، ولا علاقة لِروحه الاحتفالية بتشخيصاته الطبية الصائبة .

وامتلأت بقية مَقاعد الطاولة بممثلي السلطات الإقليمية والبلدية ومَلكة جمال العام الفائت التي قادها الحاكم من ذراعها لِيُجلسَها الى جواره .

ورغم أنه لم تكن هناك عادة طلب زِي خاص في الدعوات ولاسيما في غداء ريفي ، فقد كانت السيدات يرتدين بدلات سهرة وحُلي من أحجار كريمة ، ومعظم الرجال يلبسون بدلات قاتمة مع ربطة عنق سوداء ، وبعضهم يرتدي السُتَر الرسمية البيضاء ، وذوو المشاغل الكثيرة وحدهم ومنهم الدكتور أُورْبينو كانوا يرتدون بدلات يومية .

وفي كل مكان كانت توجد نسخة من المينيو مطبوعة بالفرنسية مع رسوم مُذَهَّبَة .

ذرعت السيدة أوليفيا المُرتعبة من أهوال الحَر البيت راجيةً من الجميع خلع سُتَرِهِم لِتناول الغداء ، لكن أحدا لم يجرؤ على أن يكون قدوة للآخرين .

ولقد لفت الأسقف انتباه الدكتور أُورْبينو الى أنْ ذلك الغداء هو غداء تاريخي بطريقة ما ، فهناك يجتمع لأول مرة على طاولة واحدة وبعد التئام الجروح وتبدد الأحقاد فريقا الحروب الأهلية التي أغرقت البلاد بالدم منذ الاستقلال .

كان هذا التفكير يتلاءم مع حماس اللبراليين وخصوصاً الشباب منهم الذين تمكنوا من اختيار رئيس من حزبهم بعد خمس وأربعين سنة من هيمنة المحافظين.

ولم يكن الدكتور أُورْبينو متفِقاً في ذلك ، فالرئيس اللبرالي لا يبدو له أقل أو أكثر من رئيس محافظ ، سوى أنه أسوأ هنداماً ، ومع ذلك لم يشأ معارضة الأسقف رغم أنه رغِب بأن يُلَمِّح له أن أحدا لم يُدعَ لحضور الغداء من أجل أفكاره وإنما لشرف مهنته ، وأن هذه كانت دائما فوق نكبات السياسة وفضائع الحرب ، وإذا نظرنا بهذا المِنْظار فليس هناك أي خلل حقاً .

توقف وابل المطر فجأةً كما بدأ ، والتهبت الشمس في السماء الصافية فوراً ، لكن العاصفة كانت من العنف بحيث انتزعت بعض الأشجار من جذورها ، وتحول الماء المتجمع حول الفِناء الى مستنقع راكد .

أما الكارثة الكبرى فكانت في المطبخ ، حيث أقيمت عدة مواقد من الطوب في القسم الخلفي من البيت في العراء , وما كاد الطُهاة يضعون القدور بمنأى عن المطر حتى راحوا يضيعون وقتا ثميناً في نزح الماء من المطبخ الغارق وإقامة مواقد جديدة على عجل في الرواق الخلفي ، ولكن حالة الطوارئ انتهت في الواحدة ظُهْراً ولم يكن ينقص سوى الحلوى التي كُلِّفت بصُنعِها راهبات سانتاكلارا اللواتي وعدن بإرسالها قبل الساعة الحادية عشرة .

وكانت الخشية من أن تكون ساقية الطريق الرئيسي قد فاضت كثيرا كما يحدث عادة في فصول شتاء أقل قساوة ، ففي هذه الحالة لا يمكن وضع الحلوى في الحساب قبل مرور ساعتين .

ما أن توقف المطر حتى فتحوا النوافذ فلطَّف الهواء المُنَقى بكبريت العاصفة جو البيت ، ثم أمروا أن تعزف الفرقة الموسيقية برنامجها على مصطبة الرواق ، لكن ذلك لم ينفع سوى في زيادة الجزع ، لأن دوي النحاس داخل البيت كان يضطرهم لتبادل الحديث صراخا ،

فأمرت آميثا دي أوليفيا المُنْهكة من الانتظار والتي كانت تبتسم وهي على حافة الدموع بتقديم الطعام .

بدأت فرقة مدرسة الفنون الجميلة الوترية بالعزف وسط صمت رسمي استمر حتى النغمات الأولى من معزوفة لاجاز لِموزارْت ، ورغم الأصوات التي أخذت تعلو أكثر فأكثر وتصبح أشد اختلاطاً ورغم عرقلة خَدَم دون سانْتْشو الزنوج الذين لم يكن الفراغ بين الموائد يكفي لمرورهم وهم يحملون الصواني التي يتصاعد منها البخار ، فقد تمكن الدكتور أُورْبينو من الاحتفاظ بقناة مفتوحة على الموسيقى حتى نهاية البرنامج .

كانت قدرته على التركيز تتناقص سنة بعد أخرى حتى أنه كان يضطر الى تسجيل كل حركة شطرنج يقوم بها على الورق ليعرف أين صار في اللعب ، ومع ذلك فهو مازال قادرا على مواصلة محادثة جدية دون أن يفلت خيط الموسيقى رغم أنه لا يصل في ذلك الى الحد الذي يصله قائد أوركسترا ألماني كان صديقاً حميماً له خلال فترة إقامته في النمسا ، إذ كان يقرأ نوتَة موسيقية لِدون جيوفاني فيما هو يسمع تاون هاوزر .

المقطوعة الثانية في البرنامج كانت الموت والصِبْية لِشوبَرْت وبدا له أنها تُعزَف بدرامية سهلة ، وفيما هو يستمع إليها بمعاناة شديدة من خلال الجلبة الجديدة التي أثارتها أدوات الطعام كان يحتفظ بنظره معلقا بشاب ذي وجه وردي حياه بإنحناءة من رأسه ، لا شك أنه رآه في مكان ما لكنه لا يَذكُر أين ، إن هذا يحدث له كثيرا مع الأسماء ، فهو ينسى أحيانا أسماء أقرب الناس إليه مما يثير فيه قلقا مخيفا جعله يفضل الموت في إحدى الليالي على الاحتمال حتى الفجر ، وكان على الوشك الى الوصول الى هذه الحالة عندما أضاء له بريق ينير ذاكرته ، الشاب هو أحد تلاميذه من العام الفائت وفوجئ برؤيته هنا في مملكة الصفوة ، لكن الدكتور أوليفيا ذكَّره بأنه ابن وزير الوقاية الصحية وقد جاء الى هنا لتحضير أطروحة في الطب الشرعي .

وأشار له الدكتور خوفينال أُورْبينو بتحية سعيدة من يده ، فوقف الشاب ورد على التحية باحترام ، إنما لم يَخطُر للدكتور أُورْبينو حينئذٍ ولا فيما بعد بأنه المتمرِن الذي كان معه صباح هذا اليوم في بيت جيرميَا ديسَانْت آمور ، مع إحساسه بالراحة لهذا الانتصار الجديد على الشيخوخة غادر الغنائية الصافية المُنْسابة لآخِر مقطوعة موسيقية في البرنامج لم يستطع تحديد هويتها ،

وقد أخبره بعد ذلك عازف الكمان الشاب في المجموعة الذي رجع من فرنسا منذ وقت قريب بأن المقطوعة هي الرباعية الوترية لغابرييل فاوريه الذي لم يكن الدكتور أُورْبينو قد سمع باسمه رغم ترصده الدائم لكل جديد من أوربا .

فرمينا داثَا المُنْتبِهة إليه كعادتها وخصوصا عندما تراه ساهماً وسط الناس توقفت عن تناول الطعام ووضعت يدها على يده وقالت له : لا تفكر في الأمر أكثر .

فابتسم لها الدكتور أُورْبينو من الضفة الأخرى من الغيبوبة ، وكان أن عاد حينئذٍ للتفكير فيما كانت هي تخشاه ، تَذكَّر جيرميَا ديسَانْت آمور موَسَّداً في هذه الساعة في التابوت بزيه العسكري الزائف وميدالياته الكاذبة تحت نظر أطفال الصور .

التفت نحو الأسقف لِيطلعه على خبر الانتحار ، لكنه كان عارفا به .

كان قد تحدث مطولاً في هذا الأمر بعد القُدّاس الكبير ، بل إنه تلقى طلباً من الكونونيل جيرَوميأورغوتي باسم لاجئي الكاريبي لدفنه في الأرض الطاهرة .

قال : إن الطلب بحد ذاته برأيي هي قلة احترام .

ثم بلهجة أكثر درامية سأله إن كان يعرف سبب الانتحار ؟

ورد عليه الدكتور أُورْبينو بكلمات صحيحة ظنَّ أنه اخترعها في تلك اللحظة : خوف الشيخوخة ..

الدكتور أوليفيا الذي كان منصرفا باهتمامه الى أقرب الضيوف منه تركهم لبرهة ليشارك في الحوار مع أستاذه .

قال : من المؤسف أننا مازلنا نلتقي بمنتحِر دافعه للانتحار ليس الحب .

ولم يفاجأ الدكتور أُورْبينو من التعرف على أفكاره في تلميذه النجيب فقال : بل الأسوأ من ذلك أن الانتحار تم سيانور الذهب .

ما أن قال ذلك حتى أحس أن الشفقة عادت لِتتغلَب على مرارة الرسالة ، ولم يرجع الفصل في ذلك الى زوجته ، وإنما الى معجزة من معجزات الموسيقى ،

حينئذٍ حدَّثَ الأسقف عن القديس الملحد الذي تعرَّف هو نفسه عليه في أمسيات الشطرنج البطيئة ، وحدَّثَه عن تكريسه لفنه من أجل إسعاد الأطفال وعن سعة اطلاعه العجيبة على كل شؤون الدنيا ، وعن عاداته الإسبارطية وقد فوجئ هو نفسه بنقاء الروح الذي مكَّنَه من الانفصال فجأة وبشكل كامل عن ماضيه .

ثم حدَّث العمدة عن أهمية شراء أرشيف مسودات الصور لحفظ صور جيل ربما لن يعود للشعور بالسعادة خارج صوره ، جيل في يديه مستقبل المدينة .

لقد ذُعِِرَ الأسقف لأن كاثوليكياً مواظباً ومُطَّلِعاً تجرأ على التفكير بقدْسية منتحِر ، لكنه وافق على المبادرة الى أرشفة مسودات الصور .

وأراد العمدة أن يعرف ممن عليه أن يشتريها ، فكوى الدكتور أُورْبينو لسانه بجمرة السر ، لكنه استطاع احتمالها دون الكشف عن وارثة الأرشيف في سرية وقال : أنا سأَتولى الأمر .

وأحس بأنه افتدى بوفائه المرأة التي ترَكها قبل خمس سنوات ، لاحظت فرمينا داثَا ذلك وجعلته يعاهدها بصوت واطئ على حضور الدفن .

- طبعا سأفعل .

قال مفرجاً عن نفسه : كل شيء إلا هذا .

كانت الخُطب قصيرة وبسيطة ، وبدأت فرقة الآلات النفخية بعزف موسيقى غوغائية غير مقررة في البرنامج ، وانتقل المدعوون الى الشرفات بانتظار أن ينتهي رجال فندق دون سانْتْشومن نزح الماء المتجمع في الفِناء ليروا إن كان هنالك من سيتحمس للرقص ، والوحيدون الذين بقوا في الصالة هم مدعوو طاولة الشرف الذين كانوا يحتفلون باحتساء الدكتور أُورْبينو نصف كأس من البراندي دُفعة واحدة في نخب أخير ، ليس هناك من يذكُر أنه فعل ذلك قبل اليوم ، ما عدا ارتشافه كأس نبيذ من صِنْف فاخِر مع وجبة خاصة جدا في مناسبات قليلة ، لكن قلبه طلب هذا في ذلك اليوم ، وكان ضعفه حسن إذ أحس مجددا بعد سنوات وسنوات برغبة في الغناء وكان سيفعل ذلك دون شك بناءً على طلب عازف الكمان الشاب الذي تطوع لمرافقته ، لولا أن سيارة من السيارات الجديدة اجتازت أوحال الفِناء بسرعة ملوثة الموسيقيين بالوحل ومثيرة طيور البط في أقفاصها بنفيرها الذي كصوت البط ،

وتوقفت أمام مدخل البيت ، نزل الدكتور ماركو أوريليو أوربينو داثَا وزوجته وهما غارقان بالضحك يحملان في كل يد صينية مغطاة بقماش مَحْرَم ، وكانت هناك صوانٍ أخرى مماثلة في المَقاعد الخلفية وعلى أرضية السيارة وإلى جنب السائق أيضا ، إنها الحلوى المتأخرة ، وبعد أن توقف التصفيق وصفير السخرية الودود شرح الدكتور أُورْبينو داثَا بجدية كيف أن الراهبات طلبن منه نقل الحلوى قبل أن تبدأ العاصفة ، لكنه رجع من الطريق العام لأن أحدهم قال له بأن بيت والديه يحترق .

أصاب الذعر الدكتور خوفينال أُورْبينو دون أن ينتظر انتهاء ابنه من الحِكاية ، لكن زوجته ذكَّرته أنه هو نفسه قد أمر باستدعاء رجال الإطفاء للإمساك بالببغاء .

وقررت آميثا دي أوليفياالمتألقة بهجةً أن تقدم الحلوى على الشرفات حتى ولو كان ذلك بعد تناولهم القهوة ، لكن الدكتور أُورْبينو وزوجته انصرفا دون تذوقها لأن الوقت المتبقي لا يكاد يكفيه لنوم قيلولته المقدسة قبل أن يذهب الى الجنازة .

نام قيلولته ، إنما لوقت قصير وبشكل سيئ ، لأنه عندما عاد الى البيت وجد أن رجال الإطفاء قد تسببوا بأضرار تقارب خطورتها أضرار حريق ، ففيي محاولاتهم لإفزاع الببغاء أسقطوا إحدى الأشجار بخراطيم الضغط المرتفع ، ودخلت دفعة ماء سيئة التصويب من نافذة حجرة النوم الرئيسية محدثة أضرارا لا مجال لإصلاحها في الأثاث وفي صور الأجداد المجهولين المعلقة على الجدران ،

وقد هرع الجيران عندما سمعوا جرس سيارة الإطفاء معتقدين أن حريقا قد شب ، وإذا كانت لم تحدث قلائل أسوأ فلأن المدارس كانت مغلقة لأن اليوم هو يوم أحد ، وعندما أيقنوا أنهم لن يتمكنوا من الوصول الى الببغاء حتى باستخدام السلالم ذات الأجزاء الإضافية أخذ رجال الإطفاء يحطمون الأغصان بالفؤوس ، وكان ظهور الدكتور أُورْبينو داثَا هو الذي منعهم من بَتر جذع الشجرة ، فتوقفوا بعد أن وعدوا بالرجوع بعد الساعة الخامسة ليروا إن كانوا يخولونهم بتقليم الشجرة ،

وفي طريقهم لوثوا الشرفة والصالة بالوحل ، ومزقوا سجادة تركية هي المفضلة لدى فرمينا داثَا فكانت كارثة بلا طائل ، إضافة الى أنْ الرأي السائد كان القائل : بأن الببغاء قد انتهزت فرصة الفوضى لتهْرب عبر الباحات المجاورة .

وقد بحث عنها الدكتور أُورْبينوفعلا بين أوراق الشجرة ولم يتلقَ ردا بأي لغة ، ولا حتى بالصفير والغناء ، فاعتبروها مفقودةً ومضى لِيَنام .

في حوالي الساعة الثالثة وقبل ذلك تلذذ بمتعة بوله المصفى بالهليون الدافئ .

أيقظه الأسى ، ليس الأسى الذي أحسه صباحا وهو أمام جثة صديقه ، وإنما الغمامة اللامرئية التي كانت تَضْمَخ روحه بعد القيلولة ، والتي اعتبرها إخطاراً إلهيا بأنه يعيش آخِر أمسياته .

لم يكن يعي حتى بلوغه سن الخمسين حجم أو وزن أو حالة أحشائه ، وشيئا فشيئا وفيما هو يرقد مغمض العينَين بعد القيلولة اليومية بدأ يشعر بأحْشائه في جوفه جزءاً جزءاً ، بدأ يحس حتى بشكل قلبه المُسْهد وكبده الغامض وبنكرياسه الكَتيم ، وراح يكتشف أن جميع الناس بما فيهم أولئك الأكبر منه سناً كانوا أصغر منه ، وأنه الوحيد على قيد الحياة من بين أبناء صور جيله النائي ، وعندما تنبه الى حالات نسيانه الأولى سارع لاستخدام طريقة سمِعها من أحد أساتذته في مدرسة الطب "من لا ذاكرة له فلْيصنع ذاكرة من الورق" .

لكنها لم تكن سوى وَهَم زائل إذ وصل الى أقصى درجات النسيان بنسيانه ما تعنيه ملاحظات التذكير التي كان يدسها في جيوبه ، وصار يذرع البيت بحثاً عن نظارته التي يضعها على عينَيه ، ويعيد إدارة المفتاح بعد أن يكون قد أقفل الباب ، ويضيع خيط القراءة بنسيانه مقدمات البراهين أو أوصاف الشخصيات ، لكن أكثر ما كان يقْلِقه هو ارتيابه بقدرته العقلية ذاتها .

وشيئا فشيئا في غرق مُحَتَّم كان يشعر بأنه يضيع معنى العدالة ، ومن خلال تجربة واحدة وذلك دون مرتكزات علمية كان الدكتور خوفينال أُورْبينو يعرف أن معظم الأمراض القاتلة لها رائحة خاصة ، لكن أياً منها ليس محدد الرائحة كما هو داء الشيخوخة ، كان يلمس ذلك في الجثث المفتوحة على طاولة التشريح ، ويتعرفه حتى في أكثر المرضى إتقاناً في إخفاء سنهم الحقيقي ،

وفي عَرَق ثيابه بالذات ، وفي التنفس الأعزل لِزوجته النائمة ، ولولا أنه كان في أعماقه مسيحياً على الطريقة القديمة فربما كان اتفق مع جيرميَا ديسَانْت آموربأن الشيخوخة هي حالة تردد يجب تفاديها مسبقا .

إن العزاء الوحيد حتى بالنسبة لمن كان رجلا جيدا في السرير مثله هو الانطفاء البطيء والرؤوف للرغبة- "السلام الجنسي - لقد كان وهو في الحادية والثمانين يتمتع بوَعي يجعله يدرك أنه مشدود الى هذا العالم بخيوط واهية قد تنقطع دون ألم بمجرد حركة بسيطة أثناء النوم ، وإذا كان يفعل كل ما يمكنه للاحتفاظ بتلك الخيوط فذلك لخوفه من أن لا يجد الرب في ظلمات الموت .

كانت فرمينا داثَاقد انْهَمَكَت في ترتيب حجرة النوم التي عاث فيها رجال الإطفاء ، وقبيل الساعة الرابعة بقليل حملت الى زوجها كأس اللمونادَا اليومي مع الثلج المكَسَر ، وذكَّرته بأن عليه أن يرتدي ملابسه لِيذهب الى الجنازة .

كان تحت متناول يد الدكتور هذا المساء كتابان اثنان ، الإنسان ذلك المجهول لِأليكسيس كارِل وتاريخ سانميشيل لِأليكسيس مارْث ، ولم يكن الكتاب الأخير قد فُتِح بعد ، فطلب من ديغاباردو الطاهية أن تأتيه بفَتّاحة الكتب العاجية التي نسيها في حجرة النوم ، ولكن عندما جاءوه بها كان قد بدأ القراءة في كتاب الإنسان ذلك المجهول في الصفحة المُعلَّمة بمغلف رسالة ، كانت لا تزال أمامه بضع صفحات قليلة لإنهاء الكتاب .

قرأ بتمهل شاقاً الطريق عبر منعطفات نقطة ألم في الرأس عزاها الى نصف كأس البراندي الذي شَرِبَه في النخب الأخير ، وفي وقفاته عن القراءة كان يتناول رشفة من اللمونادَا أو يتمهل في قضم قطعة من الثلج ، كان لابِساً جَوْرَبَيه وقَميصه دون وضع الياقة المنفصلة فيما حمّالتا البنطال المطاطيتان بخطوطهما الخضراء تتدليان على جانبَي خصره ، وكان يزعجه مجرد التفكير بأن عليه استبدال ملابسه من أجل الجنازة .

ما لبِث أن توقف عن القراءة ووضع الكتاب فوق الكتاب الآخر ، وبدأ يتأرجح على مهل في كرسي الخيزران الهزاز متأملاً من خلال الأسى شجيرات الموز في مستنقع الفِناء ، وشجرة المانغا منتوفة الأغصان ونمل ما بعد المطر الطيار ، والضياء الفاني لِمَساء آخر ينقضي الى الأبد .

كان قد نسي أنه كان يملك ببغاءً في أحد الأيام ، وأنه أَحَبَها كما يحب كائناً بشرياً عندما سمعها فجأة " ببغاء ملكي" سمعها قريبا جدا منه الى جواره تقريبا ، ثم رآها في الحال على أوطأ أغصان شجرة المانغا فصرخ بها : عديمة الحياء .

وردت ال ببغاء بصوت مطابق تماما : عديم الحياء هو أنت يا دكتور .

تابع الحديث معها دون أن يرفع نظره عنها ريثما لبس جزمته بحذر شديد حتى لا يخيفها ، ودس يديه في حمالتَي البنطال ، ونزل الى الفِناء الذي ما زال موحلا متلمساً الطريق بعُكّازه كي لا يصطدم بدرجات المصطبة الثلاث .

بقيت الببغاء دون حراك ، وكانت تقف على ارتفاع منخفض جدا لدرجة أنه مد لها العُكّاز لِتقف على قبضته الفضية كما تفعل عادةً ، لكن الببغاء أعرضت عنها قفزت الى غصن مجاور أعلى قليلاً لكن الوصول إليه أسهل حيث كان السلم الخاص بالبيت مُسْنَدا قبل مجيء رجال الإطفاء .

قدَّر الدكتور أُورْبينوالارتفاع وفكر أنه باِرتقاء عارضتين من عوارض السلم سيتمكن من الإمساك بها .

صَعَد الدرجة الأولى مغنّياً أغنية يعرفها كِلاهما لِيُشتِت انتباه الطائر الفظ الذي كان يكرر الكلمات دون الموسيقى ويبتعد على الغصن بحركات جانبية ، صعَد العارضة الثانية دون مشقة وهو يُمْسِك السلم بِكلتا يديه .

وبدأت الببغاء بترديد الأغنية كاملة دون أن تُبَدِّل مكانها .

ارتقى العارضة الثالثة ثم الرابعة في الحال ، إذ أنه أساء تقدير ارتفاع الغصن وحينئذٍ تشبث بيده اليسرى بالسلم وحاول إمساك الببغاء باليُمنى .

كانت ديغناباردو الخادمة العجوز قادمة لتنبيهه الى أنه يكاد يتأخر عن موعد الجنازة ، فرأت ظَهر الرجل الصاعد على السلم ولم تكن لِتُصَدِّق أنه هو لولا الخطوط الخضراء على حمالة البنطال المطاطية .

صرخت : يا ربنا المقدس ، سيقتل نفسه .

أَمسَك الدكتور أُورْبينو بعنق الببغاء وهو يتنهد ظافرا .

- انتهى الأمر .

لكنه أفلتها فورا لأن السلم انزلق تحت قدمَيه وبقي هو مُعلَّقاً لبرهة في الهواء ، فأدرك حينئذٍ أنه قد مات دون قربان رباني ، ودون أن يُتاح له الوقت ليندم على شيء ، أو ليُوَدِّع أياً كان .

في الساعة الرابعة وسبع دقائق من مساء يوم أحد العَنْصَرة كانت في المطبخ تتذوق حساء العشاء عندما سمعت صرخة الرعب التي أطلقتها ديغناباردو وجلبة خدم البيت ثم خدم البيوت المجاورة ، ألقت بملعقة التذوق وحاولت الركض بقدْر ما استطاعت مع ثقل سنها الذي لا سبيل الى هزيمته صارخة كمجنونة دون أن تعرف حتى الآن حقيقة ما جرى تحت أوراق شجرة المانغا ، وقفز قلبها مُفَتَّتاً عندما رأت رجلها مطروحاً على ظهره في الوحل ، ميتا في الحياة ، لكنه مازال يقاوم ضربة الموت الأخيرة ريثما تصل هي .

تمكن من التعرف عليها وسط الحشد ، ومن خلال دموع الألم التي لا تتكرر لموته من دونِها ، وتَطَلَّعَ إليها لآخِر مرة وإلى الأبد بعينَين أشد بَريقاً وأكثر حزناً وأعظم امتناناً مما رأته طوال نصف قرْن من الحياة المشتركة .

واستطاع أن يقول لها مع النفَس الأخير : الله وحده يعلم كم أحببتك .

كانت ميتة مشهودة ، وليس ذلك من فراغ فما أن أنهى دراسته التخصصية في فرنسا حتى ذاع سِيط الدكتور خوفينال أُورْبينوفي البلاد بأنه من دَرَأَ مسبقا بأساليب مسْتحْدثة وصارمة أخطار جائحة الكوليرا الأخيرة التي تعرض لها الإقليم ، فالجائحة السابقة التي جاءت وهو ما يزال في أوربا تسببت في موت ربع عدد السكان على الأقل خلال ثلاثة شهور بما في ذلك أبوه الذي كان طبيباً بارزاً أيضا .

بهذه الشهرة السريعة ، وبإعانة من الأرث العائلي أسس المؤسسة الطبية ، وهي المؤسسة الأولى والوحيدة في أقاليم الكاريبي لِسنوات طويلة ، وكان رئيساً لها مدى الحياة ، ثم أنشأ أول تمديدات لمياه الشرب بعد ذلك ، وأول نظام للصرف ، ودعا لإقامة السوق العام المسقوف الذي جعل شاطئ لاس إيماس صحياً بعد أن كان مجمعاً للنتانة ، كما كان رئيسا لأكادمية اللغة وأكادمية التاريخ ، وقد نصَّبه بطريارك القدس فارساً من مَرتبة سانتوسيبلوكرو لخدماته التي قدمها للكنيسة ، ومنحته الحكومة الفرنسية وسام جوقة الشرف من مرتبة فارس ، كما كان محركا فعالاً في جميع الجمعيات الدينية والمدنية التي أقيمت في المدينة وخصوصاً الجمعية الوطنية المؤَلَفَة من مواطنين مؤثرين ليست لديهم طموحات سياسية ، يمارسون نفوذهم على الحكومات والتجارة المحلية بأفكار متنورة تتسم بالجرأة بالمقارنة مع الظرف التاريخي ، من هذه الأفكار وأكثرها جدارة بالذكر كانت تجربة منطاد حمل في طيرانه الأول رسالة اىل بلدة سان خوان ديثالييناغا قبل زمن طويل من التفكير بالبريد الجوي كوسيلة عقلانية ،

ومن أفكاره أيضا إقامة المركز الفني الذي أَسس مدرسة الفنون الجميلة في المبنى ذاته الذي مازلت تحتله حتى الآن ، كما رعى طوال سنوات عديدة مهرجان الزهور في نيسان ، وهو وحده تمكن من تحقيق ما اعتُبِر مستحيلا خلال قرْن من الزمن ، إعادة افتتاح المسرح الكوميدي الذي تحول الى ملعب لصراع الديكة ومَرْبى ديوك منذ العهد الاستعماري ، كان ذلك تتويجا لحملة مدنية استعراضية شاركت بها جميع قطاعات المدينة بلا استثناء في تحرك حاشد اعتبره الكثيرون جديراً بقضية أهم ،

ومع ذلك فقد جرى افتتاح المسرح الكوميدي في الوقت الذي لم تكن توجد فيه مَقاعد ولا مَصابيح ، وكان على الحضور أن يجلبوا معهم ما يجلسون عليه ، وما يستضيئون به في الاستراحات بين الفصول ، وفُرِضَت آداب اللإتكيت القائمة في أعظم مسارح أوربا حيث انتهزت سيدات المجتمع الراقي الفرصة لعرض فساتينهن الطويلة ومعاطف الفراء في حَر الكاريبي الخانق ، إنما كان لابد من السماح للخدم بالدخول ليحملوا المَقاعد والمَصابيح ، وكذلك بعض الأطعمة التي كانوا يرون أنها ضرورية لاحتمال البرامج الطويلة التي لا تنتهي ، والتي استمر أحدها حتى ساعات صلاة الفجر الأولى ، وافتُتِح الموسم بفرقة أوبرا فرنسية ، كان الجديد لديها استخدام قيثارة في الأوركسترا ، وكان مجدها التَليد في الصوت النقي والموهبة الدرامية لمغنية تركية تغني وهي حافية وتضع خواتم ذات أحجار كريمة في أصابع قدَمَيها ، ومنذ الفصل الأول لم تعُد مرئية تقريبا وفقَدَ المُغنون أصواتهم بفعل الدخان المُنطلق من مَصابيح زيت الكوروثو ،

لكن كَتَبَة وقائع المدينة اهتموا بمحو هذه العوائق الصغيرة وتعظيم ما هو جدير بالذكر ، وقد كانت هذه دون شك أكثر مبادرات الدكتور أُورْبينوانتشاراً ، إذ انتقلت عدوى حُمَا الأوبرا الى قطاعات في المدينة لا تخطر على بال ، وكانت منطلقاً لجيل كامل من الأسلدات والعاطلين ومن العايدات والسجفدريدين ،

لكن ذلك كله لم يصل الى الذي تمناه الحد الدكتور أُورْبينو، ألا وهو رؤية أنصار الموسيقى الإطالية وأنصار فاغنر يواجهون بعضهم بعضاً بالعكاكيز أثناء الاستراحات .

لم يقبل الدكتور أُورْبينومطلقاً أي منصب رسمي من المناصب التي كثيرا ما كانت تُعرَض عليه دون شروط ، وكان ناقدا قاسياً للأطباء الذين يستغلون سمعتهم المهنية لِيرتقوا المناصب السياسية ، ورغم أنه اعتُبِر لبرالياً دوما واعتاد على التصويت في الانتخابات لمرشحي هذا الحزب ، فربما كان كذلك آخِر أبناء الأُسْرة الكبيرة الذي يَركع في الشارع لدى مرور مَركبة الأسقف ، وكان يعرف نفسه كنصير طبيعي للسلام ، ونصير للصلح النهائي بين اللبراليين والمحافظين من أجل مصلحة الوطن ،

لكن سلوكه العام كان ذاتياً لدرجة أن أحدا لم يعتبره موالياً له ، فاللِبْراليِون يرون فيه قوطياً من قوطيي الكهوف ، والمحافظون يقولون إن ما ينقصه هو أن يكون ماسونياً فقط ، ويبتعد عنه الماسونيون باعتباره كاهناً متخفياً يعمل في خدمة الكرسي البابوي .

وأقل نُقاده دمويةً كانوا يفكرون أنه ليس سوى أُورستقراطي غارق في ملذات ألعاب عيد الزهور فيما الأمة تنزف في حرب أهلية لا تنتهي .

عملان وحيدان قام بهما فقط وبدَيَا غير منسجمَين مع هذه الصورة ، الأول هو انتقاله الى بيت جديد في حي محدَثي الثراء بدلا من قصر الماركيز دي كاسال دوير القديم ، والذي كان بيت العائلة لأكثر من قرْن ، والعمل الآخر هو زواجه من آية جمال شعبية بلا ألقاب ولا ثروة ، تلك التي كانت تسخر منها سراً السيدات ذوات الألقاب الطويلة الى أنْ اقتنعن بالقوة أنها قادرة على اللف بهن سبع لفات برشاقتها وطبعها .

وقد كان الدكتور أُورْبينويضع في اعتباره دوما هذه العثرات وغيرها مما يحيط بصورته العامة ، ولم يكن هناك من هو أكثر منه وعياً لحالته كآخِر رجل من أبناء لقب آخذ في الانقراض ، فابناه كانا نهاية سُلالة لا بصيص أمل لها في الاستمرار ، ابنه الذَكَر طبيب مثله ومثل أسلافه في كل جيل ، لم يفعل شيئا يستحق الذكر ، حتى أنه لم ينجب ابناً رغم تجاوزه الخمسين من العمر ، وأوفيليا ابنته الوحيدة متزوجة من موظف مرموق في مصرف بينو أورليانز وقد بلغت سن اليأس ولم تنجب سوى ثلاث بنات دون أي مولود ذكر ، مع ذلك ورغم أن انقطاع رحمه في ينبوع التاريخ كان يسبب له الأسى ، فإن أكثر ما كان يقلق الدكتور أُورْبينومن الموت هو الحياة المتوحدة التي ستعيشها فرمينا داثَا بدونه .

لقد أثارت المأساة على كل حال قلقاً ليس بين ذويه فحسب بل إنها انتقلت بالعدوى الى عامة الشعب الذي خرج الى الشوارع على أمل التعرف ولو على بريق الأسطورة .

أأعلِنَت ثلاثة أيام من الحداد ، ونُكِّسَت الأعلام على الدوائر العامة ، وقُرِعت جميع نواقيس الكنائس دون توقف الى أنْ خُتِم الضريح في مدفن العائلة .

وقامت مدرسة الفنون الجميلة بطبع وجه الجثة لاستخدامها كقالب لتمثال نصفي بالحجم الطبيعي ، ولكن تم التخلي عن المشروع لأن أحداً لم يرَ تَقاطيع الوجه أمينةً بعد التحول الذي أصابه أثر رعب اللحظة الأخيرة ، ثم رسم فنان شهير مر من هنا مصادفة وهو في طريقه الى أوربا لوحة زيتية ضخمة بواقعية مؤثرة ، يظهر فيها الدكتور أُورْبينومتسلقاً السلم في اللحظة القاتلة التي مد فيها يده للأمساك بالببغاء ، والشيء الوحيد الذي كان يناقض الحقيقة الخامة في القصة هو أنه لم يكن يرتدي في اللوحة قميصه الذي بلا ياقة وحمالة السروالَين المخططتين بالأخضر ، وإنما القبعة المدورة والسترة السوداء المأخوذة عن صورة منشورة في الصحف خلال سنوات الكوليرا ، وقد عُرِضَت هذه اللوحة بعد شهور قليلة من المأساة كي يراها الجميع بلا استثناء في صالة السلْك الذهبي الفسيحة ، وهي دكان لبيع المواد المستوردة يَؤُمُّها سكان المدينة بأسرها ، بعد ذلك عُلِقت على جدران عدد من المؤسسات العامة والخاصة التي رأت أنه من الواجب تقديم فروض الاحترام لذكرى نبيل شهير ، ونُقِلت أخيرا في جنازة ثانية لِتُعلَق في مدرسة الفنون الجميلة حيث أخرجها من هناك بعد سنوات طويلة طلاب الرسم بالذات لإحراقها في ساحة الجامعة كرمز لجمالية وأزمنة مكروهة .

منذ اللحظة الأولى في حياتها كأرملة بدا أن فرمينا داثَاليست بائسة كما خشي زوجها ، فقد اتخذت موقفاً متصلباً بالإصرار على عدم السماح باستخدام الجثة في سبيل أي قضية ، كما اتخذت موقفا مماثلا من برقية رئيس الجمهورية الذي أمر بعرض الجثمان في الحجرة الخنقة في صالة الاحتفالات التابعة للسلطة المحلية ، وعارضت بنفس الصرامة أن يجري السهر على الجثمان في الكاتدرائيةكما طالب الأسقف شخصياً ، ووافقت على نقله الى هناك خلال قُدّاس الجسد الحاضر في المراسم الجنائزيَة ، ورغم توسط ابنها المذهول لكثرة هذه المَطالب وتنوعها ، حافظت فرمينا داثَابإصرار على فكرتها الريفية القائلة بأن الموتى لا ينتمون الى أحد سوى عائلاتهم ، وبأنه سيجري السهر على الجثة في البيت مع تقديم القهوة المُرة وكعك الجبن والدقيق ، وإفساح المجال لكل من يشاء أن يبكيه كما يرغب .

لم يجرِ السهر التقليدي الذي يدوم سبعة ليالٍ بل أُغلِقت الأبواب بعد الدفن ولم تعُد تُفتَح إلاى لِزِيارَات حميمة .

وُضِع البيت تحت نظام الموت ، كل شيء ذي قيمة نُقِل الى مكان آمِن ، ولم يبقَ على الجدران العارية سوى آثار الصور المنزوعة من مكانها ، وصُفَّت الكراسي الخاصة وتلك المستعارة من الجيران بمحاذاة الجدران في الصالة وحتى في غرف النوم ، وبدت المساحات الفارغة فسيحة جدا ، وكان للأصوات رنين خاص لأن قطع الآثاث الكبيرة قد أُبعِدت ما عدا بيانو الكونشيرتو القابع في ركنه تحت شرشف أبيض .

وفي وسط المكتبة فوق طاولة والده كان ممدداً في التابوت من كان خوفينال أُورْبينو ديلاكايي وقد تصلبت على وجهه حالة الرعب الأخيرة التي أحسها ، ومعه في التابوت العباءة السوداء وسيف فرسان سانتا سِيبلوكرو الحربي ، بينما فرمينا داثَا الى جانبه مُرتعشَة ، ولكن مسيطرة على نفسها تماما ، تتلقى التعازي بلا دراماتيكية ودون أن تتحرك تقريباً حتى الساعة الحادية عشرة من صبيحة اليوم التالي عندما ودَّعت زوجها من الرواق الخارجي قائلة له : وداعا . بمنديل في يدها .

لم يكن من السهل عليها أن تتماسك هكذا منذ أن سمعت صرخة ديغناباردو في الفِناء ووجدت شيخ حياتها يحتضر في الوحل ، وقد كانت رَدَة فِعلها الأولى مشبَّعة بالأمل ، لأن عينَيه كانتا مفتوحتَين وفيهما بريق ضوء مشع لم تَره في حدَقَتَيه أبدا من قبل .

رجت الله أن يمنحه لحظة من الحياة على الأقل كي لا يمضي دون أن يعرف كم أحبته فوق شكوكهما كِليهما ، واأحست باستعجال لا يقاوَم للبدء معه بالحياة ثانيةً منذ البداية ، لتقول له كل ما لم تقُلْه ، ولتفعل على أحسن وجه كل شيء كانت قد أساءت صنعه في الماضي ، ولكنها اضطرت للاستسلام أمام عناد الموت ، لقد تحلَل ألمها الى غضب أعمى ضد العالم ، بل وضد نفسها بالذات ، وهذا ما رسَّخ سيطرتها على نفسها ومنحها الشجاعة لمواجهة العزلة منفردةً .

لم تجد هدنة منذ ذلك الحين ، لكنها حاذرت من الإتيان بأي حركة قد يبدو فيها ما ينم عن ألمها ، واللحظة الوحيدة التي أحست فيها بشيء من التأثر وكان تأثراً لا إراديا كانت في الساعة الحادية عشرة من لَيل الأحد عندما حملوا التابوت الذي مازالت تنبعث منه روائح كروائح السفن ، بمقابضه النحاسية وتنجيده الحَريري الوثير ،

لقد أمر الدكتور أُورْبينوداثَا بإغلاقه فورا ، فجو البيت كان مُخلخَلا بروائح كل تلك الزهور في الحَر الخانق ، وأحس بأنه قد رأى أول الظلال البنفسجية على عنق أبيه .

وفيما هي ساهية سمعت في الصمت "إن المرء لَيصبح شبه متعفن وهو حي في مثل هذه السن"

وقبل أن يغلقوا التابوت ، نزعَت فرمينا داثَا خاتم الزواج من يدها ووضعته في يد زوجها الميت ، ثم غطت يده بيدها كما كانت تفعل دائما كلما فاجأته شارداًوسط الناس ، وقالت له : سنَلْتَقي قريباً جدا .

أحس فلورنتينوأَريثَا المختفي بين جموع الوُجَهاء والأعيان بحربة تخترق خاصرته ، لم تكن فرمينا داثَا قد ميَّزته وسط صخب التعزيات الأولى ، مع أن أحدا لم يكن أكثر حضوراً ولا أكثر فائدة منه في شؤون تلك الليلة المستعجلَة ، فهو الذي نظَّم العمل في المطابخ الغاصَة حتى لا تنقص القهوة ، وحصل على كراسي إضافية عندما لم تكن كراسي الجيران كافية ، وأمر بوضع الأكاليل الزائدة في الفِناء عندما لم يعُد في البيت متسع لأكليل آخر ، وتولى أمر عدم انقطاع البراندي من أجل ضيوف الدكتور لاثيديس أوليفيا الذين علموا بالخبر المشؤوم وهم في أوج الاحتفال باليوبيل الفضي ، فجاءوا فزعين ليتابعوا احتفالهم وهم جالسون على شكل دائرة تحت شجرة المانغا .

وكان هو وحده من أحسن التصرف حين ظهرت الببغاء الهاربة عند منتصف الليل في صالة الطعام ، رافعةً رأسها وفاتحةً جناحَيها مما أشاع قشعريرة ذهول في البيت ، إذ كانت تبدو وكأنها تقدم عرض تَوبة وتكفير .

أمسَكَها فلورنتينوأَريثَا من عنقها دون أن يتيح لها الوقت لتصرخ بأي من صرخاتها الحمقاء وحملها الى الإصطبل في قفص مغطى ، لقد فعل كل تلك الأمور بِصمْت كامل وفعالية فائقة لن تُتيحَا مجالاً لأحد كي يفكر بأن ما يفعله هو تدخل في شؤون الآخرين ، وإنما مساعدة لا تُثَمَّن في ساعة الشؤم التي يمر بها البيت .

كان يبدو عليه شيخ هرِم خدوم وجدي ، جسده عَظمي ومعتدل بشرته بُنية ومَرداء وعيناه شرِهَتان تُطِلّان من وراء النظارة المستديرة ذات الإطار المعدني الأبيض ، له شارب رومانسي ،طرفاه المدببان مثبتان بمادة مثَبِّتَة بطريقة متخلفة بعض الشيء عن العصر ، وكان آخِر ما تبَقى له من شَعَر على الصدغَين مُسَرَّحاً الى أعلى ومُثَبتاً بمثَبِّت شَعَر في وسط رأسه اللامع ، حُحل أخير لصلعة متكاملة .

إن مروءته الطبيعية وأساليبه الهادئة تَسْلُب اللب في الحال ، ولكن كان هناك أمران يثيران الشكوك في عازب متمادٍ في عزوبيته ،

لقد أنفق مالاً كثيرا ، وحيلة واسعة وتصميم شديد كي لا تظهر آثار السنوات الست والسبعين التي أتمها في شهر آذار الأخير ، وكان مقتنعاً في عزلة روحه بأنه قد أَحب بصمْت أكثر بكثير من أي أيٍ كان في هذا العالم .

في ليلة موت الدكتور أُورْبينوكان يرتدي الملابس التي كانت عليه عندما فاجأه الخبر ، وقد كانت نفس الملابس التي يرتديها دائما بالرغم من حَر حزيران الجهنمي ، بدلة من القماش الأسود مع صدرية ، وشريط حَريري معقود على الياقة القاسية وقبعة من اللَبَد ومظلة من مخمل أسود كان يستخدمها كعُكّاز أيضا ، ولكن ما أن بدأ الفجر ينبلج حتى اختفى من مكان السهر على الميت لمدة ساعتين عاد بعدهما مع أول أشعة الشمس بمظهر طازج ، فقد حلَق ذقنه جيدا وتطيب بمستحضرات تجميل وارتدى سترة سوداء من تلك التي لم تعُد تُستخدم إلا في الجنازات أو في مَراسم الاحتفال بالجمعة الحزينة وياقة ذات ربطة عنق مع شريطة الفنان بدلا من الكَرَفاتَا وقبعة مستديرة ، كما كان يحمل المِظلة ، وليس ذلك بفعل العادة وحدها وإنما لأنه كان متأكداً من أن المطر سيهطل قبل الثانية عشرة ، وقد أخبر بذلك الدكتور أُورْبينوداثَا ليرى إن كان بإمكان تقديم موعد الدفن ،

وحاولوا ذلك فعلا ، لأن فلورنتينوأَريثَا ينتمي الى عائلة مَلَاحين وهو نفسه يرأس شركة الكاريبي للملاحة النهرية ، مما يسمح بالافتراض أنه يفهم في الأرصاد الجويَة ، لكنهم لم يتمكنوا من إخطار السلطات المدنية والعسكرية في الوقت المناسب ، وكذلك المؤسسات العامة والخاصة والفرقة الموسيقية الحربية وفرقة موسيقى الفنون الجميلة والمدارس والجمعيات الدينية التي كانت متفقة على الساعة الحادية عشرة ، وهكذا فإن الجنازة التي كان مقررا لها أن تكون حدثا تاريخياً انتهت شَذَر مَذَر بفعل وابل المطر المدمر .

وكان قليلاً عدد الذين تمكنوا من الغوص في الوحل للوصول الى مدفن العائلة الذي تظلله شجرة ثييبس استعمارية تمتد أيكتها الى ما فوق جدار المَقبرة ، وتحت هذه الأيكة بالذات إنما في المنطقة الخارجية المخصصة للمنتحرين كان لاجئوا الكاريبي قد دفنوا في عصر اليوم السابق جيرميَا ديسَانْت آوكلبه بجواره تنفيذاً لمشيئته .

كان فلورنتينوأَريثَا أحد القلائل الذين واصلوا لحين الانتهاء من الدفن ، لقد ابتلت حتى ملابسه الداخلية ، ووصل الى بيته مذعورا من تعرضه للإصابة بنزْلة صدْرية بعد كل هذه السنوات من الرعاية الدقيقة والاحتياطات المفرطة .

أعد لنفسه ليمونادَا دافئة مع قليل من البراندي وتناولها في السرير مع قُرْصَين من الأسبرين ، وتَعَرَق عرَقاً غزيرا وهو متدثِر بحِرام صوفي الى أنْ استعاد جسده حرارته العادية .

وعندما رجع الى بيت العزاء أحس بالحماس الكامل .

كانت فرمينا داثَا قد تولت من جديد قيادة البيت المكْنوس والمهيأ لاستقبال المُعَزِين ، وكانت قد وضعت على المذبح الذي في المكتبة صورة لِزوجها الميت مرسومة بالباستال وعلى إطارها شريط حداد .

في الساعة الثامنة كان هناك حشد كبير من الناس ، وكان الحَر خانقاً كما في الليلة السابقة ، ولكن بعد قُدّاس الصباح بث أحدهم رجاءً يطلب الى الناس الانصراف باكراً كي تستريح الأرملة للمرة الأولى منذ عصر يوم الأحد .

ودَّعت فرمينا داثَا معظم المُعَزِين وهي الى جانب المذبح ، لكنها رافقت المجموعة الأخيرة من الأصدقاء الحميمين حتى الباب الخارجي لِتغلقه بنفسها كما اعتادت أن تفعل دائما ، وكانت تستعد لعمل ذلك بآخِر نفَس متبقٍ في صدرِها عندما رأت فلورنتينوأَريثَامرتدياً ملابس الحداد في وسط الصالة الخاوية .

أحست بالسعادة لأنها كانت قد نحَّته من حياتها منذ سنوات طويلة ، وكانت هذه هي المرة الأولى التي تراه فيها بوعي طَهَّرَه النسيان ، ، ولكن قبل أن تتمكن من شكره لهذه الزيارة وضع قبعته فوق موضع القلب وشقَّ الدُمُلَ الذي كان قوام حياته بأن قال لها بصوت مُرتعش ووقور : فرمينا لقد انتظرت هذه الفرصة لأكثر من نصف قرْن لُلِأكرر لك مرة أخرى قسم وفائي الأبَدي وحُبّي الدائم .

ظَنَّت فرمينا داثَاأنها تقف أمام معتوه ، ولم تكن لديها الأسباب لِتُفكر بأن فلورنتينوأَريثَا كان مُلهَماً في تلك اللحظة بنعمة روح القُدُس ، وكان رد فعلها الأَوَلي أن لعنته لانتهاكه حرمة البيت فيما جثة زوجها لا زالت ساخنة في القبر ، لكن الوقار منعها من الغضب فقالت له : انصرف ولا تدعني أراك في السنوات المتبقية لك في الحياة .

ثم أعادت فتح الباب الخارجي على اتساعِه بعد أن كانت قد بدأت بِإغلاقه ، واختتمت قائلة : وأرجو أن تكون سنوات قليلة .

عندما سمعت خطواته تنطفئ في الشارع المقفر أغلقت الباب ببطء شديد وأقفلته بالقفل والرِتاجات وواجهت قدَرها وحيدة .

لم تكن تَعي تماما حتى اليوم وزن وحجم المأساة التي أثارتها وهي في الثامنة عشر من عمرها ، والتي ستلاحقها حتى موتها .

بكَت لأول مرة منذ مساء المصيبة دون شهود ، وكانت هذه هي طريقتها الوحيدة في البكاء ، بكَت لموت زوجها ، لِعزلتها وغضبها ، وعندما دخلت مخْدعها الخاوي بكَت نفسها ، لأنها لم تَنَم في هذا الفراش وحيدة منذ فقدت عذريَتها إلا مرات قليلة .

كل أشياء زوجها كانت تستثير بُكاءها ، الخُف ذو الشراب ، البيجاما التي تحت الوسادة ، مكانه الفارغ في خوان الزينة ، رائحته الشخصية على بشرتها بالذات ، وهزها خاطر مبهم على الناس الذين يحبهم المرء أن يموتوا مع كل أشيائهم .

لم تكن بحاجة لمساعدة أي أحد كي تنام ، ولم ترغب بأكل شيء قبل النوم ورجت الله وهي مثقلة بالأسى أن يبعث لها الموت في هذه الليلة بالذات وهي نائمة ، وعلى هذا الأمل نامت ، نامت دون أن تدري بأنها نائمة ، لكنها كانت تدري أنها حية في نومها وأن لديها نصف سرير فائض عن حاجتها وأنها ترقد على جنبها في الطرف الأيسر كما هي عادتها ، إنما ينقصها توازن الجسد الآخر على الطرف المقابل من السرير .

وفيما هي نائمة تُفكر ، فكرت بأنها لن تستطيع أبدا النوم بهذا الحال ، وبدأت تنتحب وهي نائمة ، ونامت منتحبة دون أن تُغير وضعها على حافة السرير الى ما بعد انتهاء صياح الديكة بكثير .

وأيقظتها شمس الصباح الغير مرغوبة من دونه ، وحينئذٍ فقط أدركت بأنها قد نامت طويلا دون أن تموت منتحبة في الحلم ، وفيما هي تنام منتحبة كانت تُفكر بفلورنتينوأَريثَاأكثر من تفكيرها بزوجها الميت ...