٢

12 0 00

٢

وقد عاد روكامبول إلى تنكُّره فكان مرميس ينظر إليه نظرات الانذهال ويرى أنه لا يمكن أن يعرفه أحد وهو على هذا التنكر.

أما روكامبول فإنه ابتسم وقال له: إنك لم تكن تتوقع يا بُني أن تراني هنا.

– هذا لا ريب فيه.

– ألعلكم حسبتوني ميتًا؟

– أما أنا فلا، وأما فاندا، فإنها جعلت تبكي آناء الليل وأطراف النهار.

فارتعش روكامبول ارتعاشًا لم يخف على مرميس؛ فإنه كان يعلم منزلة فاندا من قلب روكامبول.

أما روكامبول فإنه حاول أن يخفي اضطرابه، فضغط على زر كهربائي، وبعد هنيهة دخل إليه أحد الموظفين فقال له: إني أتحدث مع حضرة هذا الزائر، بشأن خطير، فلا تدع أحدًا يدخل إليَّ، مهما اتفق.

فانحنى الموظف وهمَّ بالانصراف، فأوقفه روكامبول، أو المستر سلمون، وقال: إلا إذا جاء الأسقف بترس توين، فأدخله إلى قاعة الاستقبال، وأخبرني بقدومه.

وبعد انصراف الموظف قال روكامبول لمرميس: لقد خلا بنا المكان الآن فأخبرني كيف كان خروجكم من الدهليز.

– إن شوكنج أنقذنا.

ثم قص عليه جميع ما اتفق لهم، مما عرفه القراء في رواية (روكامبول في السجن).

وذكر له كيف أنهم تبعوا أثره وأثر ميلون إلى النافذة المطلة على النهر، وكيف أن فاندا كانت ولا تزال تعتقد أنه غرق، وأنه أي مرميس كان واثقًا في معتقده أنه لا يزال في قيد الحياة، وأنه لم يحتجب عن العصابة إلا لشأن خطير.

فلما أتم حكايته قال روكامبول: لقد أصبت في اعتقادك يا بني؛ لأني احتجبت لسبب بالغ الخطورة، ولذلك أريد أن أبقى ميتًا مؤقتًا في عُرف الجميع ما عداك.

– وفاندا؟

– وفاندا أيضًا.

فتنهد مرميس وأجاب: مسكينة فاندا … إني أخشى أن يقتلها اليأس.

– إنها قوية فلا أخاف عليها، ولكني أخشى أن تحاول أن تراني إذا علمت بوجودي وفي ذلك خطر هائل.

– ليكن ما تريد أيها الرئيس، ولكن ألا تريد أن تساعدنا في مهمة اللورد وليم؟

– ما هذه البلاهة يا مرميس؟ … وما شأني في هذا المكتب إلا لهذا الغرض؟

– ولكن … إذا كنت تريد أن تكون ميتًا، فكيف تستطيع مساعدتنا؟

– إذا كنت أنا ميتًا، فإنك لا تزال حيًّا لدى العصابة، ألقي إليك الأوامر فتنفذها.

– لقد أصبت فسأعمل حسب ما تريد.

– إذن، اعلم أنه لو لم يكن شأننا إلا مع اللادي باميلتون وأبيها السير أرشيبالد لكانت مهمتنا سهلة، ولكن عدونا قوي هائل.

– أتعني به الأسقف بترس توين؟

– هو وعصابته السوداء، فإنها تشبه جيشًا من البوليس، وهم لا يغفلون في الليل والنهار من البحث والتنقيب عن الرجل العبوس المحكوم عليه بالشنق كما تعلمون.

– ولكني أرى أنك تعرِّض نفسك للخطر بوجودك هنا.

فابتسم روكامبول ابتسامة تدل على استخفافه بالأخطار وقال: إذا كنت أنت لم تعرفني فكيف تخشى أن يعرفوني بهذا التنكر؟

– إني لا أراك مصيبًا في رأيك؛ فإن شعر رأسك وشاربيك قد يسقط اتفاقًا في ساعة سوء؛ فيفتضح أمرك وينكشف سرك.

– إنه يجدر بك بدلًا من أن تحدثني بهذه البلاهة أن تسألني كيف دخلت إلى هذا المكتب بهذه الصفة.

– إني مصغٍ إليك يا حضرة الرئيس.

– لقد قلتُ لك: إن المستر كوكلام صاحب هذا المكتب خلف المحامي سيمون قد عُيِّن مصفيًا لتركة اللورد أفندال.

– نعم أذكر ذلك.

– إن هذا الرجل لا يزال في مقتبل الشباب، وهو شريف الخُلق نقي القلب، ولكن الأسقف بترس توين، لا يريد أن تكون له هذه الصفات الحسنة.

– لماذا؟

– لأن اللورد أفندال، قبل قتله، وقَّع على صك بمبالغ طائلة لهذا الأسقف، مقابل إنقاذه من أخيه اللورد وليم، ومعاونته على سلب حقه، ولا بد للمستر كوكلام أن ينصر امرأة اللورد على الأسقف، فلما أيقن الأسقف من طهارة ذمة هذا المحامي، أراد أن يعين معه رجلًا يكون من أتباعه.

– ومن هو هذا الرجل؟

فأجابه روكامبول ببرود: هو أنا!

فقال مرميس بلهجة المنذهل: أنت هو؟!

فضحك روكامبول ضحكًا شديدًا، وقال: نعم أنا يا بني.

فأُعجب مرميس بدهائه، وقال: إننا مهما تَقَدَّمْنَا في حلبة الاختبار، ومهما عاركنا الدهر فإنك لا تزال رئيسنا الأعظم الذي نأتمر به.

فابتسم روكامبول وقال: أما هذا الأسقف فإنه من أهل الذكاء والدهاء والإقدام، ولكن ثقته بي شديدة، فهو ينصاع لي كل الانصياع، ويمتثل لكل ما أريد.

– ولكن …

فقطع عليه روكامبول الكلام قائلًا: اسكت.

ذلك أنه رأى الموظف قد فتح الباب، فدخل إليه وقال: إن الأسقف قد أقبل وهو في قاعة الانتظار.

– حسنًا فادخل به إليَّ.

فخرج الموظف وأسرع روكامبول ففتح بابًا في الغرفة التي هو فيها، يؤدي إلى غرفة أخرى وقال لمرميس: ادخل إلى هذه القاعة وأصغِ إلى حديثنا؛ فإن جدارها رقيق لا يحول دون سماعك ما نقول.

ثم رجع إلى مجلسه بعد أن أقفل الباب برفق، فدخل إليه الأسقف بعد هنيهة، وقال بعد التحية والسلام: ماذا ارتأيتَ؟

– إني تمعنتُ مليًّا بالأمر منذ أمس فرأيتُ أنه لا يمكن نزع أموال اللادي باميلتون على ما تظنه من السهولة.

– ولكن الأوراق التي بيدي قانونية لا ريب فيها.

– هو ذاك ولكن هذا السلاح الذي نتقلده قد نصاب به نحن.

– ماذا تعني بذلك؟

– اسمح لي يا سيدي في البدء أن أبسط الحالة التي نحن فيها.

– تكلم.

– إنك ساعدت اللورد أفندال على أخيه، وأنت تطلب الآن أجرة عملك بعد فوزك.

– دون شك.

– وأرى أنك تطلب مقادير عظيمة، تكاد تجرد اللادي باميلتون من ثروتها.

– نعم …

– ألا تخاف أنه إذا رأت هذه اللادي باميلتون الخراب بضياع ثروتها أن تتفق مع اللورد وليم المسجون في مستشفى بدلام؟ إنك أصبت بسجن هذا اللورد ستة أشهر، وأما الآن، فإن بقاءه في المستشفى خطر من أشد الأخطار.

– إني لا أفهم ما تقول.

– أصغِ إليَّ يا سيدي، تعلم جميع ما أعنيه، وأني لم أقل غير الصواب، فإنه يوجد في ذلك المستشفى رجل أدخل إليه مجنونًا، وهو الآن ليس من المجانين.

– مَن هو هذا الرجل؟

– هو إدوار كوكري.

– نعم.

– وهذا الرجل لم يُشْفَ فقط من الجنون، بل هو الآن من أشد الناس إخلاصًا للورد وليم.

– ماذا تقول؟

– أقول الحقيقة.

ثم أخذ دفترًا أمامه وأخرج منه مذكرة كتبت بالأرقام فقال: سأقرأ لك هذه المذكرة، وسوف ترى.

فقطب الأسقف حاجبيه، أما مرميس فلم تفته كلمة، من هذا الحديث.