٤

6 0 00

٤

كانت الساعة الثامنة من المساء وقد ادلهمَّ الظلام، واشتد الضباب وتكاثف بحيث لم تستطع أنوار الغاز النفوذ منه.

وكان رجلان يسيران بالقرب من بدلام، وهما مرميس وشوكنج.

وكان شوكنج يقول لمرميس: إن جميع ما قلته لي غريب نادر.

– كيف ذلك يا شوكنج؟

– ألا تعلم إذا كان الرجل العبوس ميتًا فيبكى أم حيًّا فيرجى؟

– كلا إني لا أعلم شيئًا من أمره.

– ولكنك ذهبت اليوم إلى مكتب المحامي كوكلام، كي تعهد إليه بالقضية.

– هو ذاك.

– إذن، فما بالك رجعت عن هذا القصد؟

– لأني وجدت طريقة أفضل من طريقة المقاضاة.

– إن جميع ما تقول يحملني على الظن أن الرجل العبوس حي.

– أية علاقة بين الرجل العبوس والمحامي كوكلام؟

– وجه العلاقة أنك رأيت الرجل العبوس وهو الذي حملك على الرجوع عن القضية.

– أصغِ إليَّ أيها الصديق، ألم يكن الاتفاق بيننا أنه حين غياب الرئيس تكون الزعامة لي ويجب عليكم الامتثال؟

– هو ذاك.

– إذن، فاصدع بما آمرك به، ولا تهتم إلا بما أقول لك.

– سأمتثل لكل ما تريد فقل ما يجب أن أصنع.

– يجب أن تذهب إلى كنيسة سانت جورج فتقابل بوابها الشيخ، وتخبره أنك آت من قبل توما.

– ولكن توما قد مات.

– لا بأس فإنها كلمة متفقون عليها.

– ماذا أقول له؟

– لا تقل شيئًا غير تلك الكلمة فمتى قلتها أعطاك حبلًا فتضع الحبل في جيبك وتأتي إليَّ.

– أين أراك؟

– إني أنتظرك حيث أنا الآن.

فذهب شوكنج إلى الكنيسة، وقال لبوابها ما لقنه إياه مرميس، فأعطاه الحبل قائلًا: أتدري ما هذا الحبل؟

– كلا.

– إنه الحبل الذي شُنق به توما وقد أعطاه للرجل العبوس؛ لأن حبل المشنوق يجلب السعادة، فتركه الرجل العبوس عند الأب صموئيل، ولو كان لي لكنت الآن من الأغنياء.

– كيف ذلك؟

– ذلك لأن مدير مستشفى بدلام الثاني ويدعى جوهن بيل دفع خمسة آلاف جنيه فما رضي الكاهن أن يبيعه.

– ماذا يرجو هذا المدير فوق ما له من أسباب الهناء في مركزه؟

– لا أعلم ولعل له به حاجة، وأنت يا شوكنج فماذا تريد أن تصنع بهذا الحبل؟

– لا أعلم فإني لم أطلبه لنفسي بل أمرت أن أحضره.

فتنهد البواب وأعطاه الحبل، فوضعه شوكنج تحت ثوبه، ورجع به إلى مرميس.

فعلم مرميس شوكنج ما يجب أن يصنع.

وبعد ربع ساعة كانا عند باب مستشفى بدلام، فتقدم شوكنج وقرع الباب، وقال مرميس: إني في انتظارك.

أما شوكنج فقد كان مرتديًا بتلك الملابس التي كان يلبسها حين كان يدعوه روكامبول اللورد ويلموت كما تقدم في الأجزاء السابقة، فلما فتح البواب باب المستشفى قال: ماذا تريد أيها المستر؟

فكبر ذلك على شوكنج وقال: إني لست مستر بل أنا لورد، فنادني بلقب اللوردية.

فاعتذر البواب ورجع إلى السؤال عما يريد، فأجاب: إني أريد أن أرى مدير المستشفى.

– أي المديرين تريد مقابلته يا حضرة الميلورد، فإن لهذا المستشفى مديرين.

– أعلاهما رتبة.

– إنهما متساويان.

– إذا كان ذلك فَسِرْ بي إلى أيهما شئت.

– أظن أن أحدهما، وهو المستر جوهن بيل، قد خرج لبعض الشئون فسأذهب بك إلى المدير الآخر، وهو المستر بلويت.

– كما تشاء.

ثم تقدمه البواب فسار في أثره حتى وصلا إلى غرفة المدير فقال البواب: تَفَضَّلْ يا حضرة الميلورد وقل لي اسمك كي أذكره للمدير.

فأجابه شوكنج بملء العظمة والجلال: إني أُدْعَى اللورد ويلموت.

فدخل البواب إلى غرفة المدير، ووقف شوكنج يُحَدِّثُ نفسه فيقول: إني سأفعل كل ما أمرني به مرميس، وأقول كل ما لقنني إياه، ولكن الحق أن هذا الغلام يعبث بي كما يشاء؛ فإني لم أفهم شيئًا من هذه الألغاز.

وعند ذلك فتح باب الغرفة، وخرج المدير نفسه لاستقبال شوكنج، فدخل به إلى قاعة الاستقبال.

ولما خلا بهما المكان قال المدير: بماذا يأمر سيدي اللورد فإني خادمه المطيع؟

– إني يا حضرة المدير غني بقدر ما أنا شقي تعس، فإني أرمل، ولم تلد لي امرأتي بنين غير أن لي ابن أخ كفلته وربيته فكان كولدي، وقد عرفت دون شك السبب بقدومي لزيارتك.

فنظر إليه المدير نظر المشفق وقال له: ألعله مجنون يا سيدي اللورد؟

– هو ذاك، واأسفاه، فقد أدبته خير تأديب، وعلمته خير علم، فهو يتكلم بجميع لغات أوروبا، وهو من الشعراء المجيدين في لغتنا الإنكليزية التي جعلها شكسبير من اللغات الخالدة.

– ولكن كيف جنونه يا سيدي؟

– إن جنونه بل ذهوله قد بدأ في باريس حين إقامته في تلك العاصمة، فقد كنت عينت له راتبًا سنويًّا قدره عشرة آلاف جنيه، فعاش عيش رخاء، بل عيش طيش أدى به إلى هذا الجنون، وكان السبب في جنونه كثرة تردده إلى الأوبرا.

– ألعله من أصحاب الأمزجة العصبية فأثرت به الموسيقى هذا التأثير؟!

– كلا، ولكنه كان يهوى إحدى المعنيات في الأوبرا، وقد أنفق عليها الملايين، وكان أحد الممثلين يهواها أيضًا، فاتفق ليلة أنه بينما كان جالسًا في لوجه فتح الستار فظهر هذا الممثل المنكود مشنوقًا بحبل.

فقال له المدير: ألعل دوره بالتمثيل كان يقضي عليه أن يشنق؟!

– كلا، بل شنق نفسه حقيقة ليأسه.

– وهذا الحادث أثر على ابن أخيك، إذ كان هو السبب في انتحار ذلك المنكود فجن؟

– كلا، فإن الناس يعتقدون أن حبل المشنوق يجلب السعادة فتهافتوا على شراء الحبل، فأصاب ابن أخي قطعة منه، وكان من المولعين بالمقامرة فاتفق أنه ربح مرارًا حتى يئس منه اللاعبون، وتآمروا عليه فسرقوا الحبل منه لاعتقادهم أنه السبب في ربحه، كما اتفق أنه خسر بعد سرقة الحبل.

فتنهد المدير وقال: إن لابن أخيك يا سيدي شبيهًا في جنونه.

– ألعله يوجد لديك مصاب بهذا النوع من الجنون؟

– كلا يا سيدي، ولكن المصاب به زميلي في الإدارة وهو المستر جوهن بيل. إنك يا سيدي قد تعجب لهذا الأمر، ولكن مدير مستشفى المجانين نفسه مجنون.

والغريب أنه لا يوجد من يصدق جنونه؛ فإني ذهبت إلى اللورد المحافظ، وقصصت عليه الأمر سرًّا، فقال: لا بد لي من فحصه.

ثم جاء إلى المستشفى وباحثه مليًّا، فظهر أمامه بأتم مظاهر العقل، حتى إن اللورد حين انصرافه قال لي: إن كان يوجد بينكما مجنون، فأنت هو ذلك المجنون، ولا شك أنك اتهمته هذه التهمة كي تستقل في إدارة المستشفى.

فقال له شوكنج: إذن، إن جنونه منحصر بحبل المشنوق.

– هو ذاك، فإذا حدثته بغير هذا الحديث، فلا تجد منه غير العقل المتزن الرجيح.

– ومن أين أتاه هذا العارض؟

– إنه إرلندي الأصل، ولكنه ولد في لندرا، وهو يعتقد أنه من الأشراف وأن أسرته من أغنى الأسرات، غير أنه بروتستانتي مثلنا، وهو يقول إن الإرلنديين قد اضطهدوا جده فاضطر إلى الفرار من إيرلندا بعد أن دفن ثروة طائلة في أراضيه الواسعة.

وقد رسخ هذا الاعتقاد في ذهن جوهن بيل زميلي في الإدارة، حتى إنه سافر منذ ثلاثة أعوام إلى إرلندا باحثًا عن تلك الثروة المدفونة في أراضي أسرته، فوجد أن الأراضي قد بيعت، فالتمس من صاحبها الجديد أن يأذن له بالبحث فيها، فأذن له وبحث بحثًا دقيقًا فلم يجد شيئًا، فرجع إلى لندرا، وكاد ينسى أمر هذه الثروة.

غير أنه لنكد طالعه اشتهر في تلك الأيام رجل صناعته التنويم ومعرفة الغيب، وقرأ عنه في الجرائد أخبارًا غريبة نادرة، فذهب إليه وسأله أن ينومه ويسأله عن تلك الثروة.

فقال شوكنج: وماذا أجابه؟

– أكد له لسوء بخته أن الثروة موجودة، وأنها فوق ما كان يقدرها، ويوجد مع المال المدفون أوراق تثبت حقه بهذا المال، وله الحق أيضًا بلقب اللوردية، ولكن لا يتيسر له إيجاد هذه الثروة إلا إذا كان لديه حبل مشنوق، وقد بدأ جنونه منذ ذلك اليوم.

– ولكني لا أجد الحصول على الحبل صعبًا إلى هذا الحد.

– إنك منخدع يا سيدي، فإن الشنق في سجن نوايت نادر، وفوق ذلك فإذا شُنق مجرم تسابق الأغنياء إلى شراء الحبل الذي شُنق به بالمزايدة.

وليس زميلي من الأغنياء، ومن ذلك أنهم شنقوا حديثًا رجلًا يدعى توما، فأفرغ جوهن بيل جهده كي يتحصل على قطعة من هذا الحبل، فذهبت مساعيه أدراج الرياح، لأن هذا الجبل كان لدى بواب كنيسة سانت جورج، وقد طلب ثمنه خمسة آلاف جنيه.

فابتسم شوكنج عند ذلك ابتسامة معنوية.

فقال له المدير: لماذا تبتسم يا سيدي؟

– أتم حديثك فسأخبرك بعد فراغك عن السبب.

– أما جوهن بيل فلم يستكثر الثمن ولكنه فقير، ليس له غير راتبه، غير أن العالم لا يخلو من أهل البلاهة في كل مكان، فقد وجد من يسلفه هذا المبلغ بشرط أن يرده إليه أربعة أضعاف حين يجد الثروة التي ينشدها.

فقال شوكنج: إذن، تمكن من شراء الحبل؟

– كلا، يا سيدي، فإنه حين عاد بالمال إلى بواب الكنيسة أبى أن يبيع الحبل.

– لماذا؟

– أنت تعلم يا سيدي اللورد تعصب الإرلنديين، إن رئيس هذا البواب أمره أن لا يبيع الحبل إلا لأمثاله من الكاثوليك.

فضحك شوكنج أيضًا …

أما المدير فإنه قطب حاجبيه وقال له: لماذا تضحك يا سيدي هذا الضحك؟

– ذلك لأني أعرف قصة هذا الحبل، وأعرف البواب الذي باعه بسبعة آلاف جنيه بدلًا من خمسة.

– لمن؟

– لي أنا.

ثم أخرج الحبل من جيبه فدهش المدير، وقال: أتعتقد أنت يا سيدي ما يعتقده سائر الناس بحبل المشنوق؟

– إني لا أعتقد بشيء من هذا على الإطلاق.

– إذن، كيف اشتريت الحبل يا سيدي بهذا المبلغ الجسيم؟

– لأن لي خطة أحب أن أوقفك عليها، وأرجو أن تفيدني في شفاء ابن أخي …

– إني مصغ إليك يا سيدي.

– إنك عارف بطبع المجانين، بلا ريب، فهل تظن أنه إن امتلك ابن أخي الحبل، ووثق أنه حبل مشنوق أيشفى من الهوس؟

– لا أظن يا سيدي …

– إذن، قد ذهب المال الذي أنفقته ضياعًا.

– هذا الذي كنت أخشاه.

– ولكني أرجو أن أستفيد من هذا الحبل بعض الاستفادة.

– كيف ذلك يا سيدي؟

– إني أجعله وسيلة لإدخال ابن أخي إلى المستشفى.

– بأية طريقة؟

– إنه لا يوافق على الإقامة في مستشفى المجانين لاعتقاده بسلامة عقله، وإني أشفق من استعمال القوة، فاسمع ما خطر لي.

– إني كلي آذان للسمع يا سيدي.