ـ 3 ـ
هذا أنت يا حامد لم تغيرك الأيام، لم تنس أنك أُخرجت من بيروت بعيد الاجتياح الإسرائيلي، سافرت مع من سافر إلى اليمن، في عدن أحسست بالرطوبة التي لا تطاق، بعيداً عن مسقط رأس والدك، وعن مسقط رأسك، لم تتوقع أنك ستسأل عن سفرتك القسرية، تظن أن تنقلك بين أقطار الوطن العربي مسألة عادية، لكن الكثير مما تعتقده صدمك، تعيش مأساة تشرد جديدة، شوارع المدينة العريضة حفظتها، شاطئ البحر برائحته الزنخة أبعدك عن (الكورنيش)، الناس طيبون ومتواضعون، إلا أنك لم تستسغ جلسات مضغ القات وتخزينه.
أضعتَ أيامك، ذاكرتك المشوشة تؤلمك، تعيدك إلى الماضي، بتَّ لا تستطيع المكوث في غرفتك، تحولت إلى متسكع بين البحر والشوارع والحانات، شعرت باليأس يغزوك، فجأة قررت إنهاء تشردك والعودة إلى الغوطة، جافاك النوم، جداول وروافد من السنين السالفة، تتسلل إلى نوافذ ذاكرتك، عبق الغوطة ينتشر في أوردتك وصدرك، تحمرُّ عيناك، تهذي.
مكتوب عليك العودة إلى دمشق في ليلة خريفية حالكة الظلمة شبيهة بليلة ولادتك، بعد أيام شعرت بنشوة تتوحد بجسدك، نشوة جعلتك تحسُّ بالدفء، تراقب الشمس كيف تشرق وترتفع في الجو جارة جدائلها. شفّت السماء عن نهار جميل وسماء عالية مرحة، لم تكن مشتاقاً لخالتك كثيراً، تابعت سيرك، تركت الأقدار تسيرك، تنفذ قرار نقلك، تدعي أنه جاءك بلا سبب، لا شيء يأتي من فراغ، فتش عنه في حديثك وفي تعليقاتك الساخرة وفي أشياء أخرى تعرفها ولا تريد أن تصرح بها، اتهموك أنك غير مرن، تظن أن الأمور «فلتانة»، لم تتعلم بعد ما يجنبك المساءلة، أن توظف داخلك أحد الضباط الغيورين على مصلحة الوطن، فلا تعود تتفوه بكلام فارغ، اليوم جاءك النقل، نزل عليك من السماء، شيء لا راد له، عليك أن تكيف نفسك، كنت تصل مدرستك بنصف ساعة، أما اليوم فتحتاج إلى ما يزيد على ساعتين، وإذا تماديت لا شيء أمامهم إلا الفصل.
ارتديت معطفك ودمدمت بأغنية حزينة، حاولت أن تجيب على أسئلة طرحتها على نفسك، مزاجك لم يكن على ما يرام، انتبهت إلى المكان الذي ستحط قدمك فيه، إذا زلت ستسبب لك متاعب أنت في غنى عنها الآن، السماء تفيض دموعاً، وعيناك جمرتان تحرقانك. نظرت في المرآة، ومسدت بيدك على المعطف الذي ما يزال يفي بالغرض لهذه السنة. فتحت المظلة بعد أن سويت شريط الحديد المحني. سنوات ومدرستك لا تبعد عن بيتك إلا قليلاً. تبدأ حياة جديدة، ستضطر فيها إلى تغيير نظام حياتك. عليك أن تأخذ الباص إلى ملعب العباسيين ومن هناك وسيلة نقل أخرى توصلك. تحشر جسدك بين الصاعدين. الباص يقف في المواقف الرسمية، وأحياناً في غيرها إذا طلب أحدهم ذلك بصوت عال وبلهجة تنم على أنه مدعوم. وبين وقوف السائق أو عدم وقوفه يتلقى سيلاً من الشتائم.
المدير الجديد عارف أيوب مشفق عليك. دائم التنقل ما بين الإدارة وصفك. كان يبقى في إدارته أو يتنقل بين الصفوف. أما اليوم فليس لـه عمل سواك، يحضر دروسك ويعطيك التوجيهات التي مللتها، يضع ملاحظاته على دفتر تحضيرك، وعندما لا يجد أية ثغرة ينفذ منها، يضحك ويداعبك فتظهر أسنانه، يمزح معك وهو لا يجيد الفكاهة.
- هل هناك عقوبة أكبر من مزحه؟!
يدعوك إلى الصلاة والصوم، يعظك لتكون مواطناً صالحاً، تكظم غيظك، لا تستطيع أن تصرح برأيك، أن ترد على دعوته، وتقول لـه إنك لم تصلِ وربما لن... وإنك مواطن صالح تحافظ على نقائك، يرد عليك بصوت يسمعه المدرسون إن الفرق بين المؤمن والكافر ترك الصلاة.
هذه نهايتك يا حامد رفضت أن تحني هامتك، وها هي تصل إلى الأرض، رفضت عرض من جاءا إلى بيتك، يحدثانك عن القيم والحياة وما يجب عليك فعله لتجنب النقل. استشهدا بالقاموس المحدث الذي يتلاءم مع المجتمع المدني والذي بفضله سيطير العصفور بلا جناحين. ويتسلم المناصب من يفهم المعاني الواردة في هذا القاموس. قال الأول:
- من الظلم أن تجازف بمستقبلك. قال الثاني:
- أنت ابن عمتي، العقوبة لرفيقنا، فقط عليك مساعدتنا لتحقيقها.
- الثمن غال يا بن خالي!
أنت اليوم تطلب عفو مديرك، الذي ارتفع صوته، وبدا عليه الشباب على الرغم من شعره الأبيض وتجاعيد وجهه. تشعر أن أقواله تخرج من حنجرته لا من قلبه، أحسَّ أنك تنفذ ما يقول ويأمر إشفاقاً عليه، ارتفعت وتيرة التهديد فتنامى خضوعك، تجيبه حاضر، تكرم، سأنفذ ما تريد بالحرف الواحد، يتمادى ويخبرك، إن فصلك من العمل متوقف على تقرير مني، تنحني أكثر لكونه صاحب فضل، وعندما تحدثه وتطالبه أن يرفع التقرير وينهي عذابك، تهل دمعتان من عينيه، يبدو وجهه ثقيلاً، يهرب إلى الإدارة، يستعيد قوته، يعود ليقول أي كلام وقد يكون أعنف من السابق، تضحك لفكاهاته وتصفه بأنه صاحب ظل خفيف، صاحب دعابة وروح مرحة، حتى عندما وقف أمام الطلاب ووصف الذين لا يصومون بالكافرين، صفقت لكلامه وكأن ما قاله لا يعنيك، مع أنك تعرف أنه يقصدك، في اليوم الثاني جاء إلى صفك يطيب خاطرك، ويطلعك على سر حزنه وتصرفاته، انهمرت دموعه وهو يصرح عن اعتقال ابنه منذ سنوات، ابنه الذي لم يزره إلا مرة واحدة، والتهمة الموجهة إليه ربما إذا فكرت جيداً ستعرفها.
شعرت أن مواساته ضرورية. وأن عليك أن تقول له: تفرج يا أستاذ سيخرج ابنك مرفوع الرأس إذا كان غير مذنب، ربتَّ على كتفه ووعدته أن تظل مثال المعلم المخلص، بعفوية أكد فيك هذه الصفة وصفات أخرى لم تكن تتوقع سماعها منه.
الأستاذ عارف نشيط، مدير بكل ما في الكلمة من معنى، ما إن يجلس على الكرسي في الإدارة حتى ينبهه ضميره لأشياء تجوز وأخرى لا تجوز، يدور على الصفوف، لا يتوقف إلا عندك، يضحك فتبادله بابتسامة، في الفرصة يكمل توجيهاته وهو يتطلع إليك، وفي كل مرة يفتر فمك عن ابتسامة تمتص غضبه، تفاصيل كثيرة يؤكدها، التحضير، دفتر العلامات، دفتر المعالجة والتشخيص، التفتَ إليك ليخبرك، إن مديرك السابق كان معلماً عنده، أخذ يشرح كيف استلم الإدارة، ودور زوجته التي أبلغته بأنه سيصير مديراً لإحدى المدارس، ورفضه إرساله قبل نهاية الدوام، لكن وبعد عشر دقائق اضطر إلى حني رأسه، أعطاه ما يريد من إجازات، كان هذا آخر عهده به.