الجزء الثاني
أخذت الفتاتان تتسابقان في الطريق الشجري المؤدي للمدينة ,, وقد كانت رائحة الهواء المختلطة برائحة التراب المبلول أثر امطار الليلة السابقة واصوات العصافير ونسمات الهواء الرطبة المحملة بقطرات من المياه تضفي سحراً خاصاً على الجو , راحت الفتاتان تتسابقان بمرح شديد وفجأة توقفت ماري فزعة وتوقفت بعدها روز وقالت بقلق: ماذا حدث !!
قالت: ماري لقد تعثرت الفرس بشي ما , وقفزت عن ظهر فرسها وراحت تحدق بالأرض وتبحث , ونزلت روز عن فرسها هي الأخرى ولحقت بها وقبل ان تصل اليها انحنت ماري وراحت تزيح بيدها التراب عن شيء قد بدا واضحاً أن جزأً منه دفن تحت الارض أمسكت ماري بطرفهِ وسحبته بقوة وإذا به قطعة مستديرة ذهبيةُ اللونِ متوسطة الحجم غريبة الشكل نقش عليها بشكلٍ احترافي , تبادلت الفتاتان النظرات ومن ثم قالت روز: متعجبة ما هذا الشيء ؟؟! ومدت يدها لماري التي ناولتها إياها , وأخذت تتأمل القطعة باستغراب ثم راحت تقلبها بين كفيها وقالت ساخرة: تشبه أواني جدتي.
لم تعر ماري اهتماما لما قالت روز فقد كانت تدقق بالقطعة وبعد برهة من الزمن قالت: انظري الى هذه النقوش تبدو لي من حضارة قديمة أو شيء من هذا القبيل.
ولمعت عيني روز وقالت بحماس: هل تظنين أننا وجدنا كنزاً ما ؟!.
نظرت ماري إلى روز ولكنها لم تتفوه بحرف فلم تكن تمتلك اية إجابة ,وبعد ذلك قالت روز :أعرف في البلدة رجلاً يبيع أشياء كهذه فلنريه إياها ونرى ماذا يقول لنا وبالفعل وضعت روز القطعة في حقيبتها و ركبت الفتاتان فرسيهما وتابعتا طريقهما
....................
.
انتظري يا سيدتي لا تغادري قالت البائعة مخاطبة تلك الشابة، حدثتها الفتاه بغضب: هل تظنين أنني حمقاء لن اسمح بان تغشيني.
قالت البائعة: لا اريد ان اغشكِ، ولكن أُنظري إلى حالي لا أستطيع تدبير قوت يومي وعندي سبعة اطفال أريد إطعامهم ونعيش في كوخ مُعدَم وأخفت عيناها متظاهرةً بالبكاء .. أشفقت الفتاةُ على حالها وتبدلت ملامحها بسرعة من الغضب الى الحزن والأسى على حال المرأة ثم قالت بلطف: حسنا حسنا لا تحزني أرجوك سأعطيك مالاً لكن لا تبكي خذي واعطتها نصف ما تملك بطيب خاطر .. فرحت السيدة واحتضنت الفتاه .. وقالت لها: سأُعدُ لكِ ثوبكِ حالاً. وغادرت وعلى وجهها ابتسامة خبيثة , نظرت الفتاه الى المرآة المعلقة على الجدار , كانت تملك عينان سوداوان جميلتان وكانت شديدة الاناقة ذات ابتسامة مشرقة بيضاء البشرة جميلة الملامح , جاءت السيدة وقدمت الثوب لها ورافقتها لباب المتجر, وما أن أغلقت الباب خلفها حتى حدثت نفسها بدهاء : ساذجة كانت صيده سهلة . خرجت الفتاة وسارت في الطريق وهي تفكر بالسيدة المسكينة ولم يوقظها الا صوت الفرس التي كادت تدوسها وتحركت الفتاة بسرعة وابتعدت عن طريق الفرس الاولى فكادت تسحقها الثانية وسقطت على الارض بقوة , توقف الفارس واسرع بالنزول عن فرسه وقال لها بذعر: هل انت بخير سيدتي هل اصابك مكروه ؟
نظرت الفتاة الى الفارس الذي لا يكاد يظهر منه سوا عينيه , ومن ردائه عرفت انه من الحرس الملكي , كان الشاب أحدُ الخيالان في مقدمة الفرقة المكونة من قرابة الثلاثين خيالاً ,قالت بانزعاج :اجل انا بخير .مد الشاب يده ليساعدها على النهوض فوقفت وأخذت تنفِضُ الغُبار عن ملابسها , ثم قال لها : في المرة القادمة رجاءً انتبهي للطريق فلا تعلمين ماذا قد يحصل لكِ وانتِ شاردةُ الذهنِ هكذا وحياها ثم امتطى فرسه وغادر و الفرقةُ مسرعاً , وقفت الفتاة مصدومة مما حدث للتو وصعدت عربتها وعادت الى منزلها .
......................
.
في هذه الاثناء وصلت ماري وروز الى البلدة وقصدتا متجر التحف وقفت الاثنتان أمام المتجر الذي كان قديماً جداً شعرت الفتاتان برهبة من ذلك المكان فلم يكن ككل المتاجر المحيطةِ به فقد كان غريب الشكل قديم الطراز وتفوح منه رائحة العفونة اقتربت روز من الباب بحذر وفتحته بهدوء , ودخلت وخلفها ماري ذهلت الفتاتان من ذاك المكان العتيق فقد كان يضج بالتحف والقطع الفنية ورؤوس الحيوانات المحنطة والتماثيل المرعبة هيء لهما انها تراقب تحركاتهما وزاد هدوء المكان خوفهما اقتربت ماري من روز وقالت هامسة :دعينا نخرج من هنا أرجوك وفي هذه اللحظة جاء صوت عالٍ خشن من خلفهما : مساء الخير انستاي . التفتت الفتاتان بفزع الى مصدر الصوت واذا به رجلٌ عجوزٌ ابيضُ الشعر منحني الظهر بلحية بيضاء كبيرة وقد امتلئ وجهه بالتجاعيد , ثم أردف الرجل قائلاً : أستطيع مساعدتكما بشيء ؟ , ترددت روز للحظة ثم تمالكت نفسها وقالت : في الحقيقة هناك شيء نريد ان نريك اياه .
ابتسم العجوز وقال لهن : اتبعنني اذن .
سار الرجل عبر التحف في طريق طويل بعض الشيء ثم اتجه لليمين وتوقفت الفتاتان كانت تلك هي البقعة الأغرب من ذلك المتجر العجيب , على عكس ما يوجد بالخارج فقد كان ذلك الجزء يحتوي على رفوف أنيقة مملوءة بالكتب وفي السقف مصباح عملاق مزين بالكرستالات الثمينة وعلى الارض والجدران نقشت رسومات غاية في الجمال لأزهار وامواج وتنانين وحوريات بأجنحة فراشات وحلقات وزخارف ونقوشات خيالية كانت تجمع ما بين الالوان الزاهية واللون الذهبي جذبت الرسومات الفتاتان واخذتا تتأملانها بإعجاب جلس الرجل الى جوار طاولة محاطة بمقاعد خشبية لا تختلف نقوشاتها عما نقش على جدرن الغرفة وقال بصوته الأجش تفضلا يا آنساتي , انتبهت الفتاتان للرجل وجلستا على المقاعد بجواره قال الرجل : نحن نقدم هنا شراب الورد المميز ام تفضلان شيئاً اخر ؟
قالت ماري: انا لا امانع تجربته.
وقالت روز : وانا كذلك .
طقطق الرجل بأصابعه وفي الحال حضر شاب نحيل البنية ابيض البشرة جاحظ العينين وطلب منه الرجل ان يحضر الشراب .
نظر الرجل الى الفتاتين وقال : لم اعرفكما بنفسي انا اللورد "فرانكفورت برينغتون" .
قالت ماري : تشرفنا سيدي, انا "ماري ليرويك" وهذه صديقتي "روزلين ويتشموند " .
ابتسم الرجل وقال : تشرفت بمعرفتكن .. واردف قائلاً والان أنستاي ما هو الشيء الذي تردن مني ان اراه .
نظرت روز لماري ثم قالت مترددة : لقد وجدنا شيئاً نعتقد انه ذو قيمة , وصمتت للحظات ثم فتحت حقيبتها واخرجت القطعة منها , وما ان اخرجت روز القطعة حتى بدت علامات الصدمة والخوف على وجه فرانكفورت , اخذ القطعة من روز بسرعة وراح ينظر اليها بحذر شديد , ثم امسك كوب الماء الموجود على الطاولة وارتشف منه واغلق عينياه قليلاً
وقال بصوت عميق : لم يكن يجدر بكما ان تخرجا هذه القطعة من مكانها انها كارثة , ثم قال بنبرة حازمة : يجب ان تعود هذه القطعة حيث وجدتماها فوراً .
اختفت علامات الحماس من وجه الفتاتين وارادت روز التحدث ولكنه قال بصرامة ستعود هذه القطعة الى مكانها دون نقاش وفوراً عداني بذلك .
نظرت الفتاتان الى بعضهما وقالتا بيأس :نعدك.
قال الرجل بارتياح: احسنتما . وسلم القطعة لروز فوضعتها في حقيبتها .
وفي هذه اللحظة تقدم الشاب يحمل شراب الورد واخذ يصبه في الكؤوس ولكنه سكب العصير على الارض مراراً وقدم لهما الاكواب وانصرف , شربت الفتاتان العصير اللذيذ وابدتا اعجابهما الشديد به ومن ثم القتا التحية على اللورد وغادرتا مسرعتين , سارت الفتاتان شاردتا الذهن لم تنطق اي منهما بحرف واحد لفترة , وقطع ذلك الصمت صوت الباعة حولهما مما اخرجهما من حالة الشرود تلك
قالت ماري متسائلة : والان ماذا؟
قالت روز : لا ادري لقد وعدنا بإعادة القطعة , ولكن ...
وصمتت الاثنتان , ثم قالت ماري: يجب ان اشتري الحاجيات لأمي , وبعدها نقرر ما سنفعل بهذه القطعة .
ذهبت الفتاتان الى محل الاجبان وطلبت ماري ما تحتاجه والدتها
وبعد برهة من الصمت قالت بتحدٍ , لن نعيد القطعة على الاقل ليس الان ليس قبل ان نكتشف سرها والتفتت الى روز ,, ولكـــن ........