٢
فابتدأ الكوكوديس بالكلام، فقال: تنقسم قصة روكامبول إلى خمسة فصول يتقدمها فاتحة، وهذه الفاتحة جرت قبل ابتداء روكامبول بتمثيل الأدوار الخمسة بثلاث سنوات في بيت رجل عجوز ساذج يدعى المركيز دي شمري.
فهذا المركيز كان مثريًا عظيمًا وكان له ولد ولكنه كان مفقودًا، وقد قضى المركيز زمنًا طويلًا يظن أن هذا الولد ليس ولده.
وقد باع المركيز جميع أملاكه ولم يرد أن يورث ولده شيئًا، ولكنه لما كان قد حان أجله ولم يبق له غير ساعات على فراش الموت إذ ورد إليه كتاب من صديق قديم يدعى الدوق دي سالاندريرا.
ويظهر أن المركيز دي شمري كان يعتقد في نفسه أن الدوق دي سالاندريرا كان في قديم الزمان عاشقًا لامرأته.
فلما وصل له منه هذا الكتاب وهو على فراش الموت وجده يتضمن طلب الدوق إلى المركيز أن يتزوج ابنته أرمين لابن المركيز وهو الابن المفقود والذي يريد المركيز حرمانه من إرثه.
فزال حينئذ من نفس المركيز ما كان يتوهم من أن هذا الابن ليس ابنًا حقيقيًّا له وطلب في الحال مسجلًا ليوصي له بإرثه وليسلم هذا المسجل ثروته وأوراقه بعد أن يتعهد له بأنه يبحث عن ولده المفقود حتى يجده فيسلمه هذه الثروة التي لا تقل عن عشرة ملايين.
وقد كان يوجد في باريس، في ذلك العهد، جمعية سرية مؤلفة من جملة لصوص، ينهبون ويقتلون ويرتكبون الفظائع الخفية عن أبصار الحكومة. ولم يكن يحدث في مكان جريمة هائلة إلا كان مصدرها هذه الجمعية السرية.
وكان البوليس يجتهد في استظهار أسرار الجرائم الكثيرة. فلم يقف على أثر لهذه الجمعية الجهنمية، ولا سيما رئيسها أندريا، فلم يكن يُعلَم له سر أو يُعرَف له أثر.
فلما ذكر الكوكوديس اسم أندريا قال أحدهم متعجبًا: ومن هو أندريا فقد ناجتني نفسي بأنني كنت أعرفه؟
فقال الكوكوديس: إن كنتم تسألونني مثل هذا السؤال في كل جملة، فهيهات أن تنتهي القصة التي أرويها لكم. فما بالكم تضيعون الوقت بالأسئلة!
فقالوا: كلنا نسمع ولم نعد نسأل فارو لنا.
– إذن لنرجع إلى المركيز دي شمري. فقد دُعي إليه مسجل فلما دخل إليه أوعز إلى الخادمة، وهي امرأة عجوز، أن تخرج من الغرفة فخرجت وبقي فيها مع المركيز والخادم، وكان هذا الخادم يعرف بفلانتين عند المركيز وبفانتير عند المسجل.
فقال الجماعة متعجبين: وكيف ذلك أيدعى هذا الخادم باسمين؟
– نعم. ولا عجب من ذلك، وهذا المسجل ما هو إلا أندريا رئيس الجمعية السرية.
فصاح هؤلاء الأشقياء صيحة استحسان.
فقال الكوكوديس: وفلانتين هو أحد أعضاء الجمعية السرية أيضًا. أما المركيز دي شمري فقد قص قصته بتمامها على المسجل الكاذب وفتح له صندوق أوراقه وأراه أمواله. وبعد ذلك رجع المركيز إلى فراشه فأعانه فانتير على التوسد، وبينما المركيز يتوسد إذ قبض فانتير على المفتاح المعلق بعنقه ففكه من سلسلته وترك المركيز ينام.
وعندئذ جعل أندريا وفلانتير يهتمان بشغلهما في هذه الفرصة المغتنمة، ففتحا الصندوق وجعلا يخرجان ما فيه إلا أن الضجيج طرق أذني المركيز فانتبه إليهما وأجهد قوته في القيام وهو يصيح بهما.
فصاح الجماعة: يا لتعاسة المركيز.
فواصل الكوكوديس حديثه فقال: أما هما فانقضا عليه بعد إطفاء النور واشتغلا في قضاء أمره. وكان البيت خاليًا والظلام منسدلًا، إلا أنهما ما لبثا أن سمعا ضجيجًا شديدًا على نافذة الغرفة، وقد تكسر خشب النافذة ودخل إلى مسرح الفظاعة شاب يحتدم غضبًا، فأخرج من جيبه عودًا من الكبريت وأشعله فأضاء الغرفة فنظر الصندوق مفتوحًا وقد خلا مما كان فيه، ولم يبق له قسمة من المال الذي إنما دخل الغرفة لأجله.
وكان أندريا قد انتهى من خنق المركيز، فلما رأى الشاب واقفًا أمام الصندوق انقض عليه وألقاه على الأرض واستل خنجره يريد قتله فصاح به: مهلًا فأنا روكامبول، فكف أندريا يده.
ولما انتهى الكوكوديس إلى هذا الكلام نظر ميلون إلى ١١٧ قائلًا: كيف ترى هذه القصة؟
فابتسم هذا اللص الكبير ببرود وقال: أراها قصة جميلة. ثم تولاه السكوت ولم ينطق شيئًا.
فرجع الكوكوديس إلى تتمة حديثه فقال: قد تمت الفاتحة فابتدئ الآن بأول فصل من الخمسة. فقد كان في بلدة بلفيل مصور يدعى أرمان وكان يعلم فن التصوير لفتاة شريفة تدعى أرمين دي سالاندريرا وهي ابنة الدوق الإسباني الذي تقدم ذكره في الفاتحة.
وكان لهذا المصور صديق محامٍ، ولهذا المحام فتاة حبيبة تدعى الفيروزة كانت له في كل وقت شغلًا شاغلًا، فكان المصور كلما ذهب لتعليم تلميذته يمر في طريقه على صديقه المحامي ويتحدث معه بأحاديث الغرام، ولم يكن يخطر على قلبيهما حب باكارا، وهي امرأة جميلة كانوا يرونها في الملاعب والملاهي.
ثم إنه كان يوجد في هذه البلدة أيضًا مدام فيبار وابنة أختها سريز، ومدام فيبار هي امرأة عجوز كانت دائمًا ذات غم وهم؛ لأنها كان لها ولد يدعى جوزيف صار لصًّا كبيرًا باسم روكامبول.
ولكن مدام فيبار وإن كانت على هذه الحالة من الغموم، فإن ابنة أختها سريز كانت على جانب عظيم من المسرة والحبور؛ لأنها كانت تنتظر الزواج بشاب جميل يدعى جان وكان لديها مهر يبلغ ستمائة فرنك.
وبينما كان أرمان يتحدث مع صديقه المحامي إذ دخل إنكليزي يُدعى السير فيليام وهو يقصد أرمان ليطلعه على كنه أمر عظيم.
وكان أرمان يجهل اسمه الحقيقي وولادته، وكان عندئذ يريد الذهاب لتعليم تلميذته فلم يتمكن السير فيليام من محادثته مليًّا، فلما ذهب أرمان لقضاء واجبه تنهد الإنكليزي وقال إنه لا يعرف شيئًا.
فقال الشقي الباريسي: لقد فهمت كل شيء فإن أرمان هو ابن المركيز دي شمري المفقود.
فقال الكوكوديس: هو ذلك.
وقال الباريسي: وقد فهمت أن السير فيليام هو أندريا، رئيس الجمعية السرية.
فقال الكوكوديس بلهجة الغضب: إن كنت فهمت كل شيء فلا حاجة إلي، ارْوِ هذه القصة بدلًا مني.
فغضب الجماعة وأمروا الباريسي بالصمت ورجوا من الكوكوديس تتمة القصة فقال: وبعد ذهاب أرمان لتعليم الفتاة، وذهاب المحامي لقضاء دعاويه، لم يكن بد للإنكليزي من الذهاب أيضًا، ولكن سمع عندئذ وطأ أقدام ثم ظهرت باكارا وهي آتية لمشاهدة أرمان الذي تحبه وإن يكن لا يبالي بها؟
أما باكارا فساءها بأنها لم تر أرمان، فأودعت له كلمة عند أحد أهل ذلك البيت وذهبت لحضور السباق في فنسان يصحبها السير فيليام.
أما خطيب سيريز فذهب ليشتري لها قفازًا، وفي ساعة غيابه أتى المحامي إلى مدام فيبار فأنذرها أن ابنها روكامبول قد ارتكب سرقة عظيمة ولا ينجو من العذاب إلا إذا نقدت هذا المحامي ستمائة فرنك كي يخلصه من شر السجن.
فلما رجع جان إلى سريز وجدها كئيبة فقالت له: لم نعد نقدر على الزواج فقد نقدت المحامي مهري البالغ ستمائة فرنك ليخلص ابن خالتي من السجن ولم يعد لي مهر.
فاستغرق جان في البكاء، ثم أخرج من جيبه كتابين أحدهما من روكامبول إلى أمه مدام فيبار يخبرها بأنه مسافر إلى الهند ليتعاطى فيها تجارة تصيره غنيًّا، والآخر إلى أرمان يتضمن أنه إذا سافر إلى مرسيليا يجد فيها صديقًا من عائلته يدعى الدكتور جوردون وهو ينبئه عن اسمه الأصلي ويهديه إلى استلام ثروته.
فلما وصل هذا الكتاب إلى يد أرمان سُر سرورًا عظيمًا، بيد أن مدام فيبار أحزنها كتابها حزنًا شديدًا على فراق ولدها.
وعند هذا الكلام سمعوا جرس الليمان يقرع دلالة على انتهاء وقت الراحة وحلول وقت الشقاء.
فقام الأشقياء من مواضعهم ومشوا يجرون سلاسل الحديد وهي تقرع بعضها فترن رنين الأجراس.
أما الكوكوديس فقال لهم: هذا الفصل الأول أتممناه، وموعد الثاني غدًا إن أردتم، وأنا الآن أرجع إلى المستشفى. فسار إلى الراحة وساروا إلى الشقاء.