٣
مضى النهار فاستراح الأشقياء من عناء الأشغال المضنكة وقد حان وقت النوم، فدخلوا مكان المنامة وهناك التحفوا الأغطية التي هي من الأعشاب اليابسة وافترشوا الأعشاب في جوانب الليمان المظلمة.
ثم أمرهم الحرس بالنوم فشملتهم السكينة، إلا أن بعضهم كانوا متى رأوا الحارس قد بعد عنهم يبتدئون بالمناجاة والكلام بصوت منخفض لا يسمعه إلا المتخاطبان.
وكان ميلون ينام بجانب رفيقه ١١٧، فكان يراه في تلك الليلة على غير ما تعود أن يراه في سائر الليالي الماضية؛ لأنه كان قبل هذه الليلة لا يحين وقت النوم إلا وعيناه تكادان تغمضان، فلا يلقي رأسه على وسادته حتى يستغرق في النوم ولا يستفيق حتى الصباح. وكذلك وقت الراحة المباحة عند الظهيرة، فبينما يكون الرفاق يتبادلون الأحاديث، التي هي شكوى قلوبهم، يكون ١١٧ مستغرقًا في نومه وهو متوسد الأرض لا يهمه غير النوم.
وكان ميلون يرى في نفسه أن لرفيقه ١١٧ سيادة عليه، فكان يحترمه كثيرًا، ولما رآه في هذه الليلة قلقًا خلافًا لعادته سأله قائلًا: ما بالك أيها الرفيق أأنت مريض هذه الليلة؟
– لا لست مريضًا ولكني منشغل الفكر.
– وبماذا؟
– بما يخبره الكوكوديس.
– وأنا أيضًا قلق في هذه الليلة لأني أفتكر بهذه القصة وأنا متأكد أنها صحيحة وأن روكامبول وجد حقيقة.
– أتؤكد ذلك؟
– نعم، فقد كنت في باريس أيام اشتهرت هذه الجمعية السرية وكانت حديث الناس في كل مكان.
فقال ١١٧ متنهدًا: نعم ذلك صحيح.
فأتم ميلون حديثه بصوت منخفض وقد أدنى فمه من أذن رفيقه: إن كنت تريد فإننا نتحدث مليًّا.
– قل ما تشاء.
– إنني أيها الرفيق أعد نفسي من ذوي البلاهة لأنني لا دُرْبَةَ لي، فأنا قوي الجسم متين الساعد، ولكنني مع شدة هذه القوى أرى الولد الصغير يفتك بي بدهائه، ولا تجديني القوة شيئًا لأنني ساذج أبله، ولولا سذاجتي لما كنت أرسلت إلى هذا الليمان.
– ومن هم الذين أرسلوك إليه؟
– قلت لك إنني كنت دائمًا ساذجًا في جميع الأمور، وكان يجب علي أن أكون مترويًا متبصرًا في العواقب، ولو كنت كذلك لما تمكنوا من سلب الأولاد ولكن ربما تضجر من هذه القصة.
– كلا، فإنني لا أمل منها فارْوِها لي. ولكن قل لي قبلًا ما هي المهنة التي كنت تحترفها؟
– كنت خادمًا.
– وبماذا اتُّهمت حتى أدخلت الليمان؟
– بسرقة جواهر.
– ولماذا؟
– لأني أصررت على أن لا أقر أين يوجد مال الأولاد.
– وأي أولاد؟
– أولاد السيدة التي خدمتها.
– إذن هم الذين أدخلوك الليمان؟
فتنهد ميلون وقال: لا فليس هم، ولست أعني بالأولاد غير فتاتين في مقتبل العمر وهما توأمان ولهما اليوم من العمر عشر سنوات، ولا شك أن الشقاء ستحسهما يده القاسية.
وهنا سكت ميلون عن الكلام، فنظر إليه ١١٧ فرآه على النور الضعيف الذي لا يزال ينبعث من القناديل إلى تلك الغرفة، يمسح على خديه دموعًا سخينة.
فقال له: أتمم القصة.
فقال ميلون: وقد ظهر لي أن والدة هاتين الفتاتين تزوجت دون رضى عائلتها في وطنها لأنها لم تكن فرنسية، ولها أخوان شقيقان قد حاولا مرارًا كثيرة أن يحرماها ابنتيها.
وقد مات زوجها منذ سنين طويلة ولم يكن لها أحد تستعين به على أمر سواي، ولكني كنت كما قلت ساذجًا قليل الدُّرْبة وكانت هي لا تزال في ريعان العمر وهي جميلة للغاية.
وكانت تقول دائمًا عندما تنظر إلى ابنتيها وهما تتدرجان في النشأة، لا بد متى بلغتا الخامسة عشرة من عمرهما أن أزوجهما كي يكون لكل منهما من يصونها ويقوم بمعيشتها.
وكان لهذه السيدة ثروة عظيمة وهي تسكن في فندق قديم في سان جرمان، فكانت في كل ليلة تقفل الأبواب بكل دقة خوفًا من حادث يطرأ وتقول لي دائمًا: إنني أخاف كل الخوف من إخوتي.
وقد اتفق أن الابنتين كانتا ذات مساء تلعبان في الحديقة فسمعتا طلق مسدس ودوي رصاصة فيها فارتعبتا، ولكن لحسن الحظ لم تصبهما الرصاصة التي كانت مصوبة إلى إحداهما.
فنبهنا البوليس واجتهد في معرفة الجاني إلا أنه لم يعرف له أثرًا، واتفق مرة أخرى أن إحداهما أصيبت فجأة بعد تناول الطعام بألم الأحشاء والقيء، فدعونا الطبيب في الحال فحقق أن ذلك ناتج عن تسميم الطعام.
فعرفت هذه الأم المسكينة أنهم كانوا يريدون قتل ابنتيها بالسم، وعند ذلك أبعدتهما عن المنزل فأخذناهما سرًّا في ذات ليلة إلى أحد الأديرة، فدخلتا هذا الدير باسمين غير اسميهما الأصليين؛ لأن والدتهما أرادت أن تخفي حقيقة أمرهما.
وقد قالت لي وقت رجوعنا: إنني أعلم أنك رجل صالح وأرى أنني جديرة بالاتكال عليك وأنت تعلم أن أخوي يريدان قتل ابنتي وهما سيقتلاني لا شك عاجلًا أو آجلًا؛ ولذلك يجب أن أنظر في مستقبل ابنتي كي لا يمسهما الشقاء بعدي. قال ميلون: فكنت أصغي إليها ودمعي يهمي من شدة الإشفاق، ثم سلمتني محفظة من حديد وهي تقول لي: هذه نصف ثروتي فإن في هذه المحفظة ما يبلغ ريعه خمسة عشر ألف فرنك من ذهب وأوراق مالية فأَخفِها حيث لا يدري بها أحد، وهي مهر ابنتي الذي أعهد إليك به إذا أصبت بما أوجس خيفة منه.
فقال ١١٧: هل خبأت المال؟
– نعم قد خبأته ولا يعلم غيري أين يوجد مكانه الخفي.
فتنهد ١١٧ وأطرق وهو يفتكر.
أما ميلون فقد أتم كلامه فقال: كأن هذه السيدة المسكينة كانت تتكلم عن موتها وهي واثقة من أن أخويها سيميتانها إذ لم يمض بضعة أيام على ذلك العهد حتى ماتت مسممة.
فهب أخواها لوراثتها وكانت ابنتاها قد ولدتا في بلد غريبة ولم يكن بين يدي أوراق تثبت أنهما الوارثتان الشرعيتان.
ثم إنني كنت أخاف إن جاهرت بهما أن يعرفا بمكانهما ويحتالا بقتلهما، فاستولى الأخوان على ورثة هذه السيدة وكانا يظنان أنهما يجدان ثروة طائلة.
فلما خاب ظنهما جعلا يستخبراني وقد قال لي يومًا أحدهما: إننا نعلم أنك خبأت كمية عظيمة من مال أختنا فأتنا به ونحن نهبك قسمتك.
فأنكرتُ ذلك ولم أقر به، وبعد ثمانية أيام بينما كنت نائمًا عند منتصف الليل طرق باب غرفتي اثنان من رجال البوليس وقبضا علي بدعوى أنني سرقت جواهر السيدة المذكورة.
وكان الأخوان المذكوران قد وضعا في محفظة تخصني بعض الحلي كالأساور والخواتم الثمينة، فلما فتحها الشرطيان وجدا فيها هذه الحلي المذكورة وثبتت علي السرقة، وقد دافعت عن نفسي كثيرًا فلم أنجح وحكم علي بالليمان مدة عشر سنوات.
فقال ١١٧: فهل لا تدري شيئًا من أخبار تينك الفتاتين؟
– كلا، ولكن أظن أن هذين الشقيين لم يعلما مقرهما.
– والمال الذي خبأته؟
– ما زلت أعرف موضعه.
– لا يبعد أن يكونا قد اكتشفاه وأخذا هذه الغنيمة.
– كلا، فذلك من المحال.
– ألست تحاول الفرار من هذا الليمان؟
– قد فررت مرتين فكنت أُضبط وأرجع إليه.
فتبسم ١١٧ وقرب رأسه من رفيقه ميلون وقال له بصوت منخفض جدًّا: إن كنت تريد الفرار فأنا أجد لك واسطة سهلة.
فأجابه ميلون: وأنت؟
– وأنا أيضًا أهرب معك فهل لا تصدق أني أقدر على الفرار بأسهل طريقة؟
– لقد صدقت الآن.
– وبعد الفرار نضرب في طول الأرض وعرضها فلا يُعرف لنا أثر.
وعند ذلك أمال وجهه عن ميلون واستغرق الاثنان في النوم.