٤
لما كان اليوم التالي في وقت الظهيرة اجتمع الأشقياء كعادتهم في ظل ذلك المركب القديم وكان الكوكوديس غائبًا فلم يحضر إليهم ولم يكونوا يتذمرون من هذا الشقي، وإن كانوا يرونه ممتازًا عنهم من جهة المعاملة لأنه كان كأنه حر يغيب ويحضر متى شاء.
وكان حرس الليمان يعاملونه معاملة حسنة ويلبون طلبه في كل شيء وذلك لأنه كان من الأغنياء وكان أهله يرسلون إليه مبلغًا من المال في كل شهر فيكون للحرس النصيب الأكبر منه.
وكان الكوكوديس ينقد كل من رفاقه الأشقياء ليشتري به خمرًا فكان الجميع يحترمونه ويفرحون به ولم يكن يعرفونه إلا باسم الكوكوديس وكان كل منهم يجهل اسمه الحقيقي.
وقد كان بينهم ميلون و١١٧ فلما لم يحضر الكوكوديس جعلوا يتحدثون فقال أحدهم: إنه سعيد الحظ وأما نحن فإن الشقاء لا يفارقنا ساعة في هذا الليمان الذي هو جهنم الأرض، وإنني أنا أكثركم شقاء وتعاسة وقد بلغ من تعاستي أنني عندما دخلت هذا الليمان جيء بي إليه مقيدًا بالسلاسل وأنتم جيء بكم إليه على المركبات.
فقال أحدهم: وأنا مثلك في الشقاء وقد دخلت مكبلًا بالقيود وكان دخولي إليه على عهد تياري.
فقال آخر: ومَن هو تياري؟
– هو مأمور الليمان القديم وكان يحسن معاملتنا جدًّا فكنا نوده كثيرًا.
فقال العجوز أقدمهم عهدًا في الليمان: إنك دخلت مثلي في هذا المكان مقيدًا في ذلك العهد ولكنك لم تسم بالنار وأما أنا فإنهم يوم وسموني كنت كأنني أذوق الموت الزؤام.
ثم جعل هذا العجوز يسرح أبصاره في الجماعة الذين حوله وقال وهو يتنهد تنهد اليأس: إنني أراكم تحزنون إن لم يحضر إليكم هذا الشاب الذي تسمونه الكوكوديس، فأني أروي لكم قصتي فإذا وجدتموها أغرب من حكاياته اغتنيتم بي عنه، فلما سمعوا هذا الكلام قالوا: إذن ارْوِ لنا قصتك فإننا مصغون إليها.
فقال العجوز: إن لي من العمر تسعًا وستين سنة قضيت منها أربعةً وثلاثين عامًا في الليمان، وأنا منذ هذه المدة الطويلة شقي النفس ميت الآمال، حتى كأنني جسم بلا روح.
أتعلمون ماذا كنت في حياتي؟ فإنني كنت من أصحاب البنوكة وذا ثروة طائلة ومن عائلة شريفة، وقد تزوجت بامرأة نبيلة كنت من فرط محبتي لها كأنني أعبدها عبادة، وقد قضيت معها عدة سنين وأنا كأنني في النعيم، إلا أن تلك السنين كانت كأنها حلمًا لم يبق له في اليقظة أثر، وقد عقبتها سنوات الشقاء التي ما زالت تتوالى علي حتى اليوم، وقد كان مفتاح باب شقائي المقامرة الوخيمة، ولولاها لم أدخل هذا الليمان؛ فإن المقامر يبدأ بخسارة مالهِ وبعد هذا يخسر جميعَ ما لَهُ من الممتلكات، ومتى رأى يده فارغة من كل شيء يرجع إلى زوجته فيسرق ما تمتلك عليه ثم إلى أصدقائه، حتى إلى والديه فإنه يسرق مالهما ويضيعه في سبيل المقامرة.
وقد جرى لي كل ذلك حتى إنني لم أدع لامرأتي شيئًا تمتلكه، حتى إني بعت أثوابها في سوق المقامرة.
ولما خلت يدي يومًا من كل شيء ولم أر شيئًا أحصل عليه من الأقارب والأصدقاء عمدت إلى تزوير ونجحت به بواسطة بعض أصدقائي، وبعد ذلك صرت أزيف النقود وأقلد أوراق البنوكة، ولم تكن امرأتي تعلم من هذا السر شيئًا ولم تكن تدري إلا خرابنا.
وقد تركت امرأتي وانفردت في ضواحي باريس عند جدة طاعنة في السن، فكانت امرأتي تظن أنني في البلاد الأميركية أسعى وراء الثروة، فكانت تصلي دائمًا لأجل نجاحي. وبما أنه لا بد لكل ذنب من العقاب فقد ظهر سري للحكومة وقُبض علي، فأقررت بكل شيء، وكان القانون في تلك الأيام يقضي بإعدام كل مزيف، ولكن العفو الملوكي خفف عقابي فأبدل الإعدام بالأشغال الشاقة المؤبدة.
جرى كل ذلك ولا تعلم امرأتي شيئًا من أمري، وكان قد حان وقت أصبحت فيه على وشك أن تضع لي ابنًا يدخل الحياة من باب الشقاء.
وهنا سكت الشقي هنيهة كأن ذكرى بلاياه قد أعيته من الكلام، وبقي سائر الأشقاء على أتم الإصغاء كأن كلًّا منهم يتأمل بلاياه في الأيام السالفة.
ثم عاد العجوز إلى الكلام فقال متنهدًا: إنكم لم ترو السمة التي وسموني بها ولا تعلمون كيف يتم أمرها، فإنهم يعدون آلة الرسم ويأتون بالذي يراد سمته ويعلقونه بحبل يتدلى من أعلاها ويطوقون رأسه بطوق من حديد بحيث لا يستطيع الدوران، وتكون عيناه موجهتان إلى جهة الجموع الغفيرة. وبعد ذلك يأتي الجلاد ويضرم النار تحت هذا الشقي التعس حتى يكاد يشوي جسمه.
أما أنا فقد كنت عند ذلك أنظر إلى الجموع الشاخصة إلي بعين الوقاحة كأنني لا أبالي، وإذ ذاك سمعتهم ينادونني: يا صاحب البنك ورب الثروة، استهزاءً بي.
ولكنني لم أكن أتأثر من ذلك بقدر ما كنت أتأثر من ذكر امرأتي المسكينة، فقد كانت في تلك الساعة تظنني حرًّا أجمع المال، وترجو أن تراني في الأيام القريبة.
وعندما تشتد النيران يرخي الجلاد حبل الشقي فيسقط بالقرب منه ويأخذ الجلاد حينئذ حديدة محمية في النار ويسم بها الشقي في كتفه.
وبينما كنت في قبضة الجلاد وهو يسمني هذه السمة القاتلة كنت كأنني لا أشعر لم ولا أكوى بنار، وما ذلك إلا لأن أميالي وعواطفي كانت جميعها متجهة إلى جهة الحضور، وقد صحت صيحة شديدة ارتجت لها تلك الساحة وقلت للجلاد بصوت قاس جدًّا: اكوني حتى الموت. وقد رغبت في الموت من نفسي عندما وقعت أبصاري على امرأة تصيح صياح اليأس وهي على مقربة من هذه الآلة الشنيعة، وما هي إلا امرأتي التعيسة، وقد آلمني منظرها فوق آلام النار.
قال العجوز هذا وجعلت الدموع تنهمر من عينيه كالمطر وساد السكون هنيهة بين الجماعة.
ثم عاد العجوز إلى الحديث فقال: ليس هذه بحكايتي كلها فاسمعوا البقية، وجعل يمسح الدمع عن خديه ثم قال: