الفصل الثاني

6 0 00

الفصل الثاني

في سنوات السبعين تعرفت عليه . كنت في بداية العقد الثالث من عمري وكان في نهاية العقد الرابع .

جمعتنا صدفة عند حلاق . كان يشرب كأس خمر .. انيق المظهر كعادته مرتب الهندام حلو الحديث .

بدا لي للوهلة الاولى مختارا او ثريا من اصحاب الاراضي والاملاك ... وليس بحاجة لعمل من اجل معيشته .. كل ما هنالك انه يتلذذ بكؤؤس الخمر ، وبالاحاديث

الشيقة .. أو ربما مخفيا اوجاع نفسه من فقدان حبيبته لا يجعل صحبه يدركون ما يراود فكره .. ولا ما يجول بخاطره .

فوجئت انه يبحث عن عمل بالحدادة .. سألته غير مصدق ما سمعته اذناي :

- انت حداد ؟!

فاكد لي ذلك .. وصادق الحلاق على قوله .. وها هو حديثه المهني ومعرفته المهنية كما يشرحها لي ، لا غبار عليها .. وتبدو معرفته النظرية والعملية واضحة

، لا يلم بها الا عامل واسع الاطلاع وجيد الخبرة .. كنت مديرا لجودة الانتاج في أحد المصانع الكبيرة في الجليل . رتبت له عملا في المصنع . فجمعتنا الزماله

اولا ، ثم تلاقت الافكار والميول ، فزالت حواجز التوجس بيننا وتعززت الثقة المتبادلة ، فسحرني بسعة اطلاعه وثقافته الواسعة .. وقدرته على الرواية . وتألمت

بنفس الوقت لحالته الاجتماعية عازبا يقترب من الشيخوخة .. يهرب من الاحاديث عن الزواج والابناء . فاحترمت رغبته وتوطدت صداقتنا مع الايام . فعرفته على

اصدقائي ، وعرفني على اصدقائه .. فتكونت شلتنا التي استمرت نشطه تضج بالحياة لعقد كامل .

نظر الي فجأة كمن تذكر شيئا سها عنه .. وسألني محتارا :

- اما يزال أخي حيا ؟!

وتذكرت اخاه هاو صيد السمك .. بقامته النحيلة بسيارته " الجيب " القديمة والمشهورة .. وبملابس الصيد الخاصة به . كان حازم يقول عن أخيه :

- انه اكثر من أخ .. انه بمثابة والدي !!

كانا يسكنان نفس المنزل .. كلاهما غير متزوج . علمت فيما بعد أن للأخ الأكبر ابنة من زواج مختلط سابق لم يدم طويلا .. كأن القدر حكم عليهما بالوحدة الابدية

. كانت تسود بينهما علاقة تفاهم وطيدة رغم اختلاف الأمزجة . وكان الأخ الكبير دائم القلق من افراط حازم بالشرب .. فيستنجد بنا لحث حازم على التخفيف ..

فيغرقنا البحر .. فنعود اليه وباذيالنا الفشل ..فيقول متألما :

- انه اخوكم .. ان صار عليه شيء انتم الخاسرون .

فنحاول مجددا ان نكر على بحر لا ينضب .. وحالنا كحال الذي يفرغ نبعا بدلو ، وبحرا بزنابيط بصل .. فيصرخ بنا حازم بصوته الجهوري :

- يا معشر القوم ... لا تبيعوا حبيبكم . تذكروا " ابو النواس " اذا احببتموني انقذوني ببئر من كفركنا ..

فنفرط معه بالشرب ناسين او متناسين مهمتنا .

- اجل مات ... ذلك الرجل الطيب .

أجبته ..فلم تتغير سحنته ... وكأن الخبر لا يخصه !!

********

حثثته يوما على الزواج . كانت زلة لسان مني عن موضوع تعمدت ان لا اضايقه به . كنا عائدين من العمل .. مزاجه رائق ومصاب بحالة سعادة فجائية .. يغني ويؤذن

بصوت مرتفع .. وانا منطلق بالسيارة .. اسرع وابطىء حسب نغمة غنائه . قلت مستغلا فترة التقاطه لانفاسه :

- امنيتي يا حازم ان اراك متزوجا !!

- ما احلى الأماني . عندي منها بضاعة كثيرة.. من ايام يافا وانا اجمعها واجمعها واجمعها !! آه ما أثقلها !!

وضحك بصخب . غير اني شعرت ان ضحكته تخفي كآبة نفسيه سوداء . فلمت نفسي على طرح الموضوع ، وسارعت أقول :

- انا آسف اذا ضايقتك ؟!

ورفض أسفي وقال بحرقة :

- أفهم قلقك علي .. ولكني لن أخون أمينة !!

ولم أفهم ما يعني بأمينة .. ومن تكون أمينة هذه التي لا يريد ان يخونها ؟.. لأول مرة أسمعه يذكر اسمها امامي . شعرت اني فجرت آلاما قديمة يتجاهلها وتعذبة

..

- أمينة ؟!

- حبيبتي منذ خلقت .. أحيا وأموت على دينها .

- تزوجها ؟!

- فاتني الميعاد .

- هي .. تحبك ؟!

- كنا احلى عاشقين .. بادلتني حبا بحب وجنونا بجنون ... لم تسع يافا حبنا .. ولا اتسع بحر يافا لعواطفنا ...

فهمت انه يعني حكاية قديمة من ايام شبابه الباكر قبل ان تعصف بيافا الرياح .. فقلت لنفسي : " لعله يعيش صدمة من ايام شبابه . ربما تزوجت أمينة التي احبها

من غيره فصدم ...؟ هل من المنطق ان تنتظره فتاة ثلاثة عقود ؟! " .

سألت بوجل فاحصا كلماتي قبل أن أتفوه بها خوفا من جرحه :

- هل افهم ان أمينة تزوجت ؟!

- أبدا !!

- وماذا تنتظر ؟!

- انا نفسي لا اعرف .. أشعر أحيانا بالخوف من الظهور في حياتها بعد هذا الزمن الطويل . انا واثق انها لم تتزوج بسببي .. انتظرتني طويلا .. كدت أعود

اليها لولا انه اعترتني لحظة ضعف . ليست لحظة ضعف ... خفت أن أصدمها بلقائي . وضعها لم يكن يسمح . كانت محروقه .. ليس شيئا جديا كما علمت فيما بعد ..

ولكني لم أظهر وهي في قمة رونقها .. لم أظهر وهي تأمل برؤية فارس أحلامها .. فكيف أجيئها وهي يائسة مشوهة ..؟!

بدأت ابني افكارا وتصورات عن الاحداث التي يرويها خطفا .. كونت عدة افكار تصلح لصياغة قصصية .. ثارت النار التي تعتريني كلما توهجت فكرة لصياغة قصصية

امامي .. ولكني زجرت رغبتي التي اعلم تماما ان لا سيطرة لي عليها .. المأساوية التي يحاول حازم ان يطويها بضحكاتة ، كانت أقوى من كلماته ، التي يلقيها

وكأن ما يرويه لي ، لم يعد يحتل كل حيزات حياته .. وكل ذرة من تفكيره .. انا امام اكتشاف غير عادي .. هذه الفكرة المجنونة تجعلني مندفعا بلا ترو . ولكني

لم اخرج بصورة واضحة من النتاتيف التي استطعت ان اجمعها في ذهني .

- انت تزيدني تعقيدا اذا كان يضايقك الموضوع فانا اسف واطوي الصفحة ...

- ابدا ابدا .. يا للسعادة التي اشعر بها كلما مرت أمينة بفكري. هذه حكاية قد احكيها لك يوما .

وأنا هل استطيع الصبر ؟

اثار شجوني بسلبيته من موضوع الزواج . قلت سلبيته ولم اقل رفضه القاطع .. وشتان بين الموقفين .. هناك شيء يقيده ، يمنعه من الاندفاع . لماذا لم يتزوجها

قبل ان تحترق ؟ او بعد ان احترقت ؟ ولماذا احترقت وكيف ؟! وهل له دخل بموضوع حرقها ؟... أيكون بسبب حبها وانتظارها له ؟! وهو ؟! وتردده ؟! لمحت وحافظ

على صمته بمضض بارز . كأن حاجزا في نفسه يشده بعيدا عن خوض التجربة . كانت حبيبته في يافا منذ كان شابا يافعا فما المانع من استمرار العلاقة وترسيخها

باطار مقبول ؟! وها هو اليوم يدعي ان أمينة زوجته ؟! ومن مثلي يعرف أن أمينة وحازم لم يجمهما الزواج ابدا ؟

- واليوم ... الم يحن الوقت للاقدام .. أمينة ما زالت على حبك ؟؟

لفه صمت وهبوط في حماسه الذي كان يميزه في احاديثه واثناء سفره معي ، حتى كدت انكره .

- أنت تعيدني الى أيام أحبها بكل جوارحي .. لا تؤاخذني على سرحاني .. انا معك جسدا .. ولكن روحي تطير في شوارع يافا .. تركض على رمل البحر الذهبي

.. تعانق امينة .. نخترق الأمواج متعانقين .. أشعر بدفء شفتيها .. أعانقها فتتملص مني ضاحكة .. لا تؤاخذني على دموعي .. هذه ليست دوع حزن .. بل هو الفرح

الذي ينقلني الى أحلام غادرتني يوم غادرنا يافا .. لا لن أخون حلمي ..

مسح دمعتين .. وشعرت بالغباش على عيني .. مسحت عيني بطرف يدي كي ابقي رؤيتي للطريق واضحة ..

- ومع ذلك تواصل الهروب من أمينة ؟

- انت تضطرني لسرد الحكاية .. ربما هي الطريقة الوحيدة لتفهمني .. ولم يسبق ان حكيتها الا لنفسي .. كل ليلة لا أنام الا بعد ان اخدر ذهني .. انا

لا أنام منذ فقدت أمينة .. منذ ابعدت بيننا العاصفة . انا اخدر ذهني .. ولكني اعود الى وعيي من جديد .. تمضي الأيام .. وانا ما زلت شابا اركض على رمل

يافا الذهبي .. تمضي السنون وامينة يتأصل حبها في نفسي .. ربما أخاف ان يعتريني من رؤيتها ما يفسد حلمي عنها .. اريدها كما كانت في يافا .. عروس البحر

الساحرة والرائعة .. هل تعود تلك الأيام ؟ كيف تعود بعد ان ماتت يافا .. بعد ان اغتصبت وشوهت ؟ ربما حبيبتي هي التي اغتصبت ، احيانا لا اميز بين حبي ليافا

وحبي لأمينة .. .. انا اتحدث عن مشاعر قوية تثير غضبي المكبوت .. تفجرني من داخلي .. ولكني بيني وبين نفسي اعترف بأني عاجز عن انقاذ حبيتبي من مغتصبيها

.. عاجز عن انقاذ امينة من الضياع ... هل راودك مثل هذا الشعور ؟ انت لم تغادر الناصرة .. لا تعرف معنى فقدان الوطن .. معنى فقدان الحبيبة .. معنى فقدان

الرغبة بالحياة ..

- آسف .. لم أقصد ان اثير أحزانك ..

قاطعته .. ودافع مجنون في نفسي يحثني على استخراج المزيد من اعترافاته .

لم يلتفت لمقاطعتي .. أخذ نفسا طويلا .. وأخد جرعة من زجاجة البيرة الباردة .. انتعش ، وواصل حديثه :

- انا احبها وهي تحبني . انا واثق من حبها وانتظارها لي . اقول لك لم تتزوج بسببي .. هذا الشعور يتملكني .. ولكن المشكله ليست هنا . انت تضطرني لسرد

الحكاية .. لم احكها لاحد .. انت أقرب الأصدقاء لي . ربما يشعرني ذلك ببعض الراحة .. لا أعلم . ستكون اول العارفين بحكايتي . بعد ان تسمعها قد تفهمني

. انا اعرف ان بعض كلامي يبدو طلاسم ... أو اضغاث أحلام .. ولكنها الحقيقة يا نبيل .. بلا اضافات .. بلا تزويق .. انت كاتب وتتصيد الحكايات .. اعرف ذلك

وأحسدك ، ربما هي طريقة للتفكير بالحياة وفهم مشاكلها .. قد تجد في حكايتي مادة خام .. ولكني أحذرك .. لا تضيف ما ليس في الاصل .. لا تشوه حبي .. لا

تشوه أمينة .

كانت امينة جارتنا . والدها تركي الاصل كأمي ، أمي ايضا من أصل تركي .. مما جعل العلاقات العائلية تتوطد لحد الشعور باننا بيت واحد . في هذا الجو من العلاقات

الحميمة وعيت شابا يافعا ممتلئا بحب جياش للحياة وللفرح .

تفتحت براعم شبابي الباكر على يقين ان أمينة لي .. جزء مني . لم اتصور يوما ، ومنذ وعيت شابا ، ان حياتي ستخلو من أمينة . لم تكن أمينة مجرد صبية أعشقها

، انما نمط حياة وانفتاح على العالم واكتمال الرجولة .. وفوق ذلك سحرتني هذه الصبية الجميلة ، ابنة الجيران الممشوقة القوام ، الحلوة والساحرة ، السمراء

من لفح شمس البحر ، عسلية العينين بشعرها الاسود المحرر دوما على ظهرها ، لا تجمعه الا حينما تسبح ملاطمة الامواج بجرأة وخفة ، فسحرتني بكمالها المتجلي

وشدتني انوثتها المتفتحة وبشرتها المحروقة النحاسية من شمس البحر. وعيت عليها فجأة . انا احيانا لا افهم نفسي . كانت رفيقة طفولتي. لعبنا أولادا .. وفجأة

أرى أمامي انثى مشتهاة تدفع لنفسي اجمل الانفعالات .. فصرت كمن يعوم في ذرى شاهقة من السعادة .

اصررت على الارتباط بها خوفا من التقول ، ولرغبتي الشديدة بها ، رغم صغر سني نسبيا ، اذ كنت ما دون العشرين عاما .. ولي اخ يكبرني .

رحب والدي برغبتي ولم يعترضا .. وربما يكونان قد لاحظا شيئا علينا، فآثرا دفع المركب ، كذلك رحب والداها ايضا بسعادة ، ورأيا بذلك تمتينا للجيرة الطويلة

الطيبة والعلاقات الممتازة الحميمة ، فاكتمل سعدي وانتشر فرحي ولم يسعني جلدي .

اوصيت على علبة الخطبة عند نجار كما كان متبعا وقتها ، ولا تزال علبة الخطبة لدي ، هي الشيء الوحيد الذي حملته من بيتنا في يافا يوم اشتدت العاصفة ..

وعلى جانبيها اول حرفين من اسمينا باللاتينية .

اراني حازم علبة الخطوبة فيما بعد وكانت بداخلها خصلة شعر سوداء ملفوفة بكيس نايلون ذكر بشيء من الارتباك :

- من شعرها يوم كنا عاشقين صغيرين !!

images/clip_image